خلف أبواب القيادة: صراع النفوذ في طهران ومسارات الحرب والمفاوضات .
في خضم الحرب المستعرة منذ 28 فبراير الماضي، كشفت مصادر لشبكة “سي إن إن” أن الاستخبارات الأميركية توصلت إلى تقييم جديد يشير إلى أن مجتبى خامنئي يلعب دوراً محورياً في صياغة الاستراتيجية الإيرانية خلال الحرب، إلى جانب كبار المسؤولين في الدولة. هذا التقييم يعيد رسم خريطة القوى داخل النظام الإيراني، حيث باتت طبيعة توزيع السلطة غير واضحة في ظل حالة من التصدع الداخلي، إلا أن المؤشرات تؤكد أن نجل المرشد يشارك في توجيه مسار إدارة الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن إنهاء الصراع.
المصادر نفسها أكدت أن المرشد الإيراني لم يظهر علناً منذ تعرضه لإصابات خطيرة في هجوم استهدف قيادات بارزة مطلع الحرب، ما زاد التكهنات حول وضعه الصحي ودوره داخل الهيكل القيادي في طهران. وفقاً للتقديرات الأميركية، فإن التواصل مع مجتبى خامنئي أصبح متقطعاً ولا يحدث سوى عبر وسيط موثوق، إضافة إلى أنه لا يزال يتلقى العلاج من حروق شديدة في جانب كامل من جسده.
اقرأ تقرير سي إن إن الأصلي حول دور مجتبى خامنئي
المشهد القيادي في طهران: من يدير الحرب؟
غياب المرشد وتصاعد دور الابن .
تشير التقديرات الاستخباراتية إلى تضرر النظام الإيراني بشدة في هذه المرحلة، لدرجة أنه لا يستطيع سوى أن يزيد من معاناة شعبه وفق ما نقلته سي إن إن. هذا الضرر ليس فقط اقتصادياً أو عسكرياً، بل يتعلق بجوهر هيكل القيادة. غياب المرشد عن المشهد العام خلق فراغاً في أعلى هرم السلطة، وسارع أطراف متعددة لملئه، وفي مقدمتهم مجتبى خامنئي الذي كان يُنظر إليه سابقاً كوريث محتمل، لكنه اليوم أصبح فاعلاً رئيسياً في توجيه استراتيجية الحرب.
ملاحظة مهمة: وسي إن إن أكدت مشاركة مجتبى خامنئي في صياغة استراتيجية الحرب، إلا أنها نفت تقديم دوره لأي مساعدة في إنهاء الانقسام الإيراني. هذا يعني أن وجوده في غرفة القيادة لا يعني بالضرورة قدرته على توحيد الصف الداخلي.
نفي إيراني وقراءة مغايرة .
في محاولة لتبديد الغموض، أكد مظهر حسيني، مسؤول شؤون اللقاءات في مكتب المرشد الإيراني، أن مجتبى خامنئي يتمتع حالياً بصحة جيدة بعد تعرضه لإصابة سابقة. وذكر حسيني أن مجتبى أصيب نتيجة انفجار في بداية الحرب يوم 8 فبراير الماضي، لكنه تعافى بشكل كامل. وتابع أن حالة المرشد الصحية مستقرة ولا توجد أي مخاوف بشأن وضعه الصحي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا لا يظهر المرشد علناً إذا كان وضعه مستقراً؟ الفجوة بين الرواية الرسمية والتسريبات الاستخباراتية تظل واسعة، والمؤشرات الميدانية تميل أكثر نحو صحة التقارير الغربية، خاصة مع استمرار الحصار الإعلامي المفروض على صورة المرشد.
تفاصيل أكثر عن الوضع الصحي للمرشد في تقرير نيويورك بوست
انقسام طهران: عائق أم ورقة تفاوضية؟
الاقتتال الداخلي يعطل الرد على المقترح الأمريكي .
أفادت مصادر أمريكية لنيويورك بوست أن رد إيران على المقترح الأميركي متأخر بسبب الاقتتال الداخلي على السلطة. هذا الاقتتال لم يعد مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تحول إلى حالة من الشلل المؤسسي تعيق اتخاذ أي قرار مصيري. ففي الوقت الذي تتلقى فيه طهران ضغوطاً عسكرية ودبلوماسية غير مسبوقة، يبدو أن الأطراف الداخلية منشغلة بصراعها الخاص على النفوذ والبقاء.
المصادر أكدت أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قالباف ووزير الخارجية عباس عراقجي يؤيدون التفاوض، لكن الحرس الثوري يعرقل المفاوضات. السبب واضح ومباشر: بقاء الحرس الثوري في السلطة مرتبط باستمرار الحرب. هذا التناقض في المواقف جعل طهران غير قادرة على تقديم رد موحد وحاسم، وأبقى المنطقة في حالة ترقب.
صراع المؤسسات: كيف يُصنع القرار الإيراني؟
قرارات الملف النووي والسياسة الخارجية في إيران لا تمر عبر مؤسسة واحدة. وفقاً للخبراء، فإن القرار يمر عبر مجلس الأمن القومي الذي يترأسه علي أكبر أحمديان، وهو شخصية من خلفية الحرس الثوري وبيت المرشد. هذا التعقيد المؤسسي يعني أن أي موقف جديد يحتاج إلى توافق بين أطراف متضاربة ومتباينة:
| الطرف | موقفه من المفاوضات | دوافعه |
|---|---|---|
| الرئيس والبرلمان والوزارة | يميلون إلى التفاوض | تخفيف الضغط الاقتصادي وإنهاء الحرب |
| الحرس الثوري | يعرقل المفاوضات | بقاؤه في السلطة مرتبط باستمرار الحرب واقتصاده الموازي |
هذا التوازن الهش هو ما يمنع طهران من الإسراع في الرد، ويفسر التأخير الذي يمتد لأيام وأسابيع في بعض الأحيان.
تحليل وول ستريت جورنال حول التحديات الداخلية في إيران
إسلام آباد: عاصمة للوساطة ومنصة للمفاوضات .
استئناف المحادثات الأسبوع المقبل .
كشفت مصادر مطلعة لصحيفة وول ستريت جورنال أن محادثات بين واشنطن وطهران قد تستأنف الأسبوع المقبل في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. اختيار باكستان كوسيط ليس اعتباطياً؛ فإسلام آباد تتمتع بعلاقات متوازنة مع كل من واشنطن وطهران، ولديها مصلحة استراتيجية في تحقيق الاستقرار الإقليمي نظراً لجوارها المباشر لإيران.
الحكومة الباكستانية، التي نجحت في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بين الطرفين حتى في ذروة التصعيد، ستستضيف هذه الجولة الحاسمة التي قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة. المصادر تشير إلى أن هناك وثائق متعددة تتضمن صفقات محتملة تم تبادلها بين واشنطن وطهران وعواصم الدول الوسيطة.
انفتاح إيراني غير مسبوق على الملف النووي .
اللافت في هذه الجولة أن إيران أعربت لأول مرة عن انفتاحها على مناقشة البرنامج النووي. هذا التحول النوعي في الموقف الإيراني لا يمكن المبالغة في أهميته. فطهران التي كانت ترفض حتى الحديث عن برنامجها النووي كبند في أي مفاوضات، أصبحت مستعدة الآن لمناقشته، وإن كان ذلك دون تقديم تفاصيل واضحة حول مدة أي تعليق لتخصيب اليورانيوم، مع معارضة نقل المواد النووية للولايات المتحدة.
هذا الانفتاح قد يكون نتيجة مباشرة للضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة، أو ربما يحاول النظام الإيراني شراء الوقت وإظهار مرونة تكتيكية دون تقديم تنازلات جوهرية. لكنه في كل الأحوال تطور يستحق المتابعة عن كثب.
متابعة مستجدات المفاوضات عبر موقع وول ستريت جورنال
الأسباب الكامنة وراء التأخير الإيراني .
استراتيجية المماطلة: أساليب تفاوضية راسخة .
وفقاً للخبراء المتابعين للشأن الإيراني، فإن تأخر إيران في الرد يعود لعوامل متعددة أبرزها أسلوب تفاوض إيراني قائم على المماطلة وكسب الوقت. استراتيجية إيران دائماً كانت تتأخر وتماطل في التوقيت، ليس بسبب الفوضى فقط، ولكن كأداة تفاوضية بحد ذاتها. التأخير يسمح لطهران بقراءة وتقييم البيئة الإقليمية والدولية والأوروبية، ومعرفة هل هناك تصعيد مباشر بعد هذا التأخير؟ هل هناك ضغط أوروبي أو أمريكي كما كان في السابق؟
هذا التقييم يساعد إيران في الحصول على نتائج أكثر دقة وتناور أكثر فعالية في قضية الملف النووي. فكلما تأخرت طهران في الرد، كلما كشفت نوايا الأطراف الأخرى وحجم ضغوطها الحقيقي.
تعديل البنود: هندسة الرد قبل إطلاقه .
هناك جانب آخر لا يقل أهمية: إيران تريد من خلال التأخير إرسال بعض الرسائل حول مواد الرد. مصادر باكستانية تؤكد أن هناك تواصلاً مباشراً بين الجانبين، وأن التأخير ربما يكون السبب فيه لتعديل بعض البنود من الجانب الإيراني. ببساطة، إيران تحاول هندسة ردها وتعديل بعض المواد بحيث عندما يخرج للجمهور لا يكون مرفوضاً تماماً من الولايات المتحدة.
هذا النوع من “هندسة الرد” يتطلب وقتاً، خاصة في ظل نظام يتخذ قراراته عبر قنوات معقدة ومؤسسات متعددة. طهران لا تريد أن تضع نفسها في موقف حرج برفض أمريكي فوري، فتختار بدلاً من ذلك التريث حتى تصل إلى صيغة مقبولة للطرفين.
تغطية نيويورك بوست للأزمة الإيرانية
الروس والصينيون: عنصر متغير في معادلة الرد .
انفتاح إيران النووي وتداعياته .
خاصة وأن إيران انفتحت على موضوع البحث والحديث عن النووي، أصبح لزاماً عليها مناقشة قضية اليورانيوم المخصب مع حلفائها التقليديين. عندما تتكلم إيران عن انفتاحها على موضوع النووي واليورانيوم المخصب، وفي نفس الوقت ترفض أن تعطيه للولايات المتحدة، فإن الخيارات المتاحة تصبح محدودة.
هنا يأتي دور موسكو وبكين. فالتواصل مع الجانب الروسي والصيني حول هذا الاتفاق والبنود قد يكون أحد أسباب التأخير. هل يمكن نقل اليورانيوم إلى روسيا أو الصين كدولتين صديقتين تتمتعان بثقة طهران وتستطيعان تقديم ضمانات للغرب؟ هذا السؤال يبقى مفتوحاً، لكن المؤكد أن روسيا والصين سيكون لهما دور لا يستهان به في أي اتفاق نووي مقبل.
تفاصيل الصفقة المحتملة .
المسؤولون الأمريكيون تحدثوا عن وثائق متعددة تتضمن صفقات محتملة تم تبادلها. التفاصيل المتسربة تشير إلى صفقة تهدف إلى وقف البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات. الصفقة تشمل ثلاثة عناصر رئيسية:
وقف كامل للبرنامج النووي والالتزام بعدم التخصيب.
تسليم الغبار النووي (المواد الانشطارية).
الالتزام بوقف دائم للأعمال العدائية والتفاوض بشأن مستقبل الوجود العسكري.
ترامب نفسه أشار إلى أن إيران “وافقت”، لكنه أضاف بعبارة واقعية: “عندما يوافقون، فهذا لا يعني الكثير لأنه في اليوم التالي قد ينسون أنهم وافقوا”. هذا التصريح يعكس حالة عدم الثقة العميقة التي تسود العلاقة بين الطرفين.
وثائق الصفقة المحتملة كما نشرتها وول ستريت جورنال
النقطة الفاصلة: متى تتنازل طهران؟
معادلة النصر الداخلي .
أهم شيء عند الإيرانيين هو إعطاء نوع من الانطباع الداخلي بأنهم لن يتنازلوا عن برنامجهم النووي. هذا البرنامج هو ورقة ضغط رئيسية للنظام، ومصدر فخر للشارع الإيراني. عندما أصبحت قضية التخصيب والنووي هي العقدة الأساسية، صارت طهران تبحث عن مخرج يسمح لها بأن تقول لشعبها: لقد فاوضنا واستطعنا كسب هذا المكسب ونستمر بتخصيبنا المدني.
حتى اللحظة، إيران لم تجد هذه الصيغة التي تبرر للداخل الإيراني أنها انتصرت وما زالت صامدة رغم كل ما حدث. صحيح أن إيران قد تتنازل في مواقف أخرى، لكنها لن توقع على اتفاق يظهرها بمظهر الخاسر أمام مواطنيها. هذه النقطة قد تكون هي المفتاح الحقيقي لأي اتفاق مستقبلي: تقديم تنازلات حقيقية مع تغليفها بغطاء انتصار إعلامي.
ماذا لو طال الانتظار؟
إذا استمر التأخير الإيراني لفترة أطول، فإن الخيارات الأمريكية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. الضغط العسكري يزداد، والعقوبات الاقتصادية تتوسع. النظام الإيراني المتضرر بشدة، وفق التقديرات الاستخباراتية، لن يكون قادراً على الصمود طويلاً في مواجهة عزلة دولية متزايدة وضغوط داخلية متصاعدة.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يلجأ الحرس الثوري إلى تصعيد عسكري جديد لتعطيل المفاوضات وإطالة أمد الحرب التي تضمن بقاءه؟ أم أن تيار التفاوض داخل المؤسسة الإيرانية سينتصر في النهاية؟
آخر مستجدات الموقف الإيراني على سي إن إن
الخلاصة: إيران على مفترق طرق .
ما تمر به إيران اليوم هو لحظة مفصلية في تاريخها الحديث. فبين غياب المرشد وصعود مجتبى خامنئي، وبين صراع الحرس الثوري ورغبة باقية المؤسسة في التفاوض، وبين الضغوط الخارجية والحاجة الملحة لإنقاذ الاقتصاد المنهار، تقف طهران أمام خيارات صعبة قد تحدد مستقبلها لعقود قادمة.
التأخير في الرد ليس مجرد مماطلة، بل هو انعكاس لحالة من الحيرة والصراع الداخلي. ومع استئناف المفاوضات في إسلام آباد الأسبوع المقبل، سيتضح ما إذا كانت إيران قادرة على تجاوز خلافاتها الداخلية واتخاذ قرار موحد، أم أن الاقتتال على السلطة سيطيل أمد الحرب ويزيد من معاناة الشعب الإيراني الذي يدفع الثمن الأكبر في كل الأحوال.
في النهاية، تظل العيون شاخصة نحو طهران: هل ستختار طريق التفاوض والانفتاح، أم ستغامر بخيار التصعيد ومواصلة الحرب؟ الأيام القليلة المقبلة قد تحمل الإجابة.
