إثيوبيا تقصف الخرطوم بطائرات مسيرة من مطار بحر دار.. مصر والسعودية تعلنان الاستعداد للتدخل العسكري.. أمريكا تفشل في فتح هرمز وإيران تنفي قصف الإمارات رسمياً

 كارثة متعددة الجبهات: الرد الإثيوبي، الفشل الأمريكي في هرمز، ومربع الضرب الإماراتي .

تحليل جيوسياسي حصري وشامل لأحداث 48 ساعة الأخيرة: الهجوم الإثيوبي المباشر على مطار الخرطوم الدولي بطائرات مسيرة أقلعت من مطار بحر دار الإثيوبي، ودواعي التوقيت ولماذا الآن تحديداً. الجيش السوداني ينشر أدلة وخرائط تثبت تورط أديس أبابا، ومصر والسعودية تعلنان رفضهما للاعتداء وتستعدان للتحرك العسكري. فشل الحملة الأمريكية في فتح مضيق هرمز في اليوم الثاني من مشروع الحرية، واستمرار السيطرة الإيرانية على الملاحة البحرية رغم التهديدات الأمريكية. لغز الهجوم على الإمارات: إيران تنفي رسمياً تنفيذ أي هجوم فمن الذي قصف أبوظبي والفجيرة؟ تحليل لسيناريو انقسام الحرس الثوري الإيراني بعد مقتل خامنئي وتشرذمه لميليشيات مسلحة لكل منها أجندتها. تطورات الساعة في الحرب السودانية، أزمة مضيق هرمز، والهجمات على الخليج العربي. تابع التفاصيل الكاملة والسيناريوهات المتوقعة للأيام القادمة.


ثلاث صدمات في 48 ساعة .

ما حدث خلال اليومين الماضيين ليس مجرد أخبار عابرة. المنطقة كلها تهتز على وقع ثلاثة تطورات متزامنة، كل منها لوحده كفيل بإشعال جبهة كاملة. لكنها اجتمعت معاً لترسم صورة مرعبة عن شرق أوسط جديد يحترق من كل حدب وصوب.


الشرق الاوسط علي صفيح ساخن .
الشرق الاوسط علي صفيح ساخن .


التطور الأول جاء من السودان، حيث خرجت إثيوبيا من عباءة "الدعم غير المباشر" لميليشيا الدعم السريع إلى "العدوان المباشر" على الدولة السودانية. والتطور الثاني تعلق بمضيق هرمز، حيث أثبتت أقوى بحرية في العالم عجزها عن فتح ممر مائي تحت أنظار القنوات الفضائية. والتطور الثالث كان الأغرب على الإطلاق، حين نفت إيران رسمياً مسؤوليتها عن هجوم تعرضت له الإمارات، لتترك الجميع يتساءل: من فعلها إذاً؟

في هذا التحليل، سنأخذ كل نقطة من هذه النقاط بالتفصيل، ونفكك خيوطها، ونبحث في تداخلاتها، ونرسم السيناريوهات المتوقعة للأيام القادمة.


الهجوم الإثيوبي على السودان .

1. كيف حدث الهجوم من مطار بحر دار؟

في تطور خطير وغير مسبوق، كشف الجيش السوداني عن أدلة دامغة تثبت أن الطائرات المسيرة التي استهدفت مطار الخرطوم الدولي أقلعت من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديداً من مطار بحر دار. هذا المطار يبعد حوالي 650 كيلومتراً عن العاصمة السودانية، مما يعني أن المسيرات قطعت مسافة جوية طويلة نسبياً لتنفذ ضربتها بدقة.

وفقاً للبيان الرسمي الصادر عن المتحدث العسكري للجيش السوداني، فقد تم رصد هذه المسيرات بواسطة أجهزة الإنذار المبكر، والتقطت الصور التي تؤكد مسار طيرانها القادم من الشرق. الجيش السوداني لم يكتفِ بهذا، بل حدد طراز الطائرات المسيرة المستخدمة وأرقامها التسلسلية، وهي أدلة وصفها مراقبون عسكريون بأنها "مدمرة" لأي محاولة إنكار إثيوبية.

2. لماذا الهجوم الآن تحديداً؟

سؤال التوقيت هو الأهم هنا. إثيوبيا لم تكن تتورط في ضربات مباشرة ضد السودان طوال الفترة الماضية. ما الذي تغير؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل متداخلة:

العامل الأول - الجيش السوداني كان يوشك على حسم المعركة
خلال الأسابيع الأخيرة، حقق الجيش السوداني تقدماً كبيراً على الأرض، خاصة في ولاية النيل الأزرق والمناطق الحدودية مع إثيوبيا. سيطر الجيش على معظم المدن، وتمكن من تطويق جيوب تابعة لميليشيا الدعم السريع في مناطق كانت تعتبر معاقل لها. التقارير الاستخباراتية كانت تتحدث عن تحضيرات إثيوبية لتدريب قوات الدعم السريع في معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية لشن هجوم مضاد على ولاية النيل الأزرق، لكن سرعة تقدم الجيش السوداني أفشلت هذه الخطط.

العامل الثاني - إثيوبيا أرادت إرسال رسالة ردع
بعد اتهامات متكررة لمصر والسعودية وتركيا بدعم الجيش السوداني، شعرت أديس أبابا أن حلفاءها (ميليشيا الدعم السريع) يخسرون الأرض بسرعة. الهجوم المباشر من مطار بحر دار كان رسالة مفادها: "نحن قادرون على تحويل الحرب الأهلية إلى حرب إقليمية". هذا النوع من الرسائل يهدف إلى ردع مصر والسعودية عن التدخل بشكل أعمق.

العامل الثالث - استغلال انشغال العالم بجبهات أخرى
مع اندلاع الحرب في مضيق هرمز وانشغال واشنطن ولندن بملف إيران، رأت إثيوبيا أن التوقيت مثالي للتحرك. العالم مشغول بصور المدمرات الأمريكية وهي تحاول عبور المضيق، وبصواريخ الحوثي التي تستهدف إسرائيل، وبقصف إيران المزعوم للإمارات. في خضم هذا الزخم، قد تمر الضربة الإثيوبية للسودان دون أن تحظى باهتمام دولي كافٍ.


3. الرد المصري السعودي: توحد في المواقف وتنوع في الأهداف .

ما إن أعلن الجيش السوداني عن أدلته حتى تحرك الحلفاء بسرعة. مصر والسعودية، الدولتان الأكثر تأثيراً في دعم الجيش السوداني، أصدرتا بيانين متطابقين تقريباً من حيث الصياغة والمضمون.

البيان المصري، الذي يمكنكم قراءته كاملاً عبر [الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية - رابط مباشر]، أكد على "رفض ودانة الاعتداء على السيادة السودانية من دول الجوار". وبنفس الصياغة تقريباً، جاء البيان السعودي عبر [وكالة الأنباء السعودية واس - رابط مباشر].

واللافت هنا أن البيانين لم يذكرا إثيوبيا بالاسم، مكتفيين بعبارة "دول الجوار". هذا الأسلوب الدبلوماسي فيه رسالتان: الأولى أن مصر والسعودية لا تريدان حرق كل الجسور مع أديس أبابا في هذه المرحلة، والثانية أنهما تريدان ترك الباب مفتوحاً لأي تحرك عسكري مستقبلي دون التقيد بتصريحات حادة قد تستخدم ضدهما في المحافل الدولية.

من جانبه، لم يكتفِ الجيش السوداني بالبيانات الدبلوماسية، بل هدد صراحة بالرد. المتحدث العسكري قال: "نحتفظ بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين". هذا التهديد ليس مجرد كلام، فالجيش السوداني يمتلك صواريخ متوسطة المدى يمكنها الوصول إلى عمق الأراضي الإثيوبية.

الأهم من ذلك كله هو البعد القانوني. الهجوم الإثيوبي المباشر من داخل أراضيها يحول الصراع من "حرب أهلية سودانية" إلى "اعتداء لدولة على دولة". هذا التحول يمنح مصر والسعودية مبرراً قانونياً للتدخل العسكري المباشر إذا طلبت الخرطوم ذلك. فما كان بالأمس "دعماً لحليف في حرب أهلية" أصبح اليوم "دفاعاً عن سيادة دولة عضو في جامعة الدول العربية".

4. الاستفادة الاستراتيجية لمصر وحلفائها .

الكثيرون يتساءلون: لماذا يعتبر المصريون والسعوديون هذا الهجوم "فرصة" وليس "كارثة"؟ الإجابة تكمن في أن إثيوبيا قدمت لهم على طبق من فضة ما كانوا يبحثون عنه طويلاً: ذريعة عسكرية مشروعة للتدخل.

قبل هذا الهجوم، كان أي تحرك عسكري مصري أو سعودي داخل السودان سيواجه باتهامات من المجتمع الدولي بـ"التدخل في الشؤون الداخلية" أو "توسيع رقعة الحرب الأهلية". أما الآن، فالأمر مختلف تماماً. السودان تعرض لاعتداء عسكري من دولة جارة، وهو ما يستدعي، وفق ميثاق الأمم المتحدة، حق الدفاع المشروع عن النفس. هذا الحق يشمل طلب المساعدة العسكرية من دول صديقة.

أيضاً، ضرب مطار الخرطوم الدولي، وهو هدف مدني بحت، يضع إثيوبيا في موقف المتهم بانتهاك القانون الدولي الإنساني. وهذا يمنح مصر والسعودية موقفاً أخلاقياً وقانونياً قوياً في أي محفل دولي.

بالإضافة إلى ذلك، هذا التطور يفتح ملف سد النهضة من جديد. فالدولة التي تهاجم جارتها بطائرات مسيرة، كيف يمكن الوثوق بها في ملف مائي حيوي؟ مصر يمكنها الآن توظيف العدوان الإثيوبي على السودان كورقة ضغط إضافية في المفاوضات حول ملء وتشغيل السد.


فشل الحملة الأمريكية في فتح مضيق هرمز .

1. مشروع الحرية: بداية قوية ونهاية مخيبة

في الرابع من مايو 2026، أعلن البيت الأبيض عن "مشروع الحرية" (Project Freedom)، وهو حملة عسكرية بحرية تهدف إلى فتح مضيق هرمز بالقوة بعد أن أغلقه الحرس الثوري الإيراني لشهور. التصريحات الأمريكية الأولى كانت مفعمة بالثقة: أسطول خامس جاهز، حاملات طائرات في موقعها، وتحالف دولي يضم بريطانيا وفرنسا.

لكن بحلول اليوم الثاني للحملة، بدت الصورة مختلفة تماماً. لم تتمكن القوات الأمريكية من مرافقة أي سفينة تجارية عبر المضيق، ولم تستطع إخراج السفن العالقة (التي تقدر بنحو 2000 سفينة) من مياه الخليج. ببساطة، فشلت الحملة في تحقيق أي من أهدافها المعلنة.

2. لماذا فشلت أمريكا في مهمة بدت سهلة؟

للوهلة الأولى، قد يبدو غريباً أن أقوى قوة بحرية في العالم تفشل في فتح مضيق عرضه 50 كيلومتراً فقط. لكن الحقيقة أن إيران أعدت لهذا السيناريو لعقود. الاستراتيجية الإيرانية تقوم على ثلاث ركائز:

الركيزة الأولى: الألغام البحرية المنتشرة في مناطق لا يمكن توقعها
إيران لم تنتظر الحرب لتنشر الألغام. لديها خريطة دقيقة بالأماكن التي زرعت فيها الألغام، لكنها ترفض تقديمها للأمم المتحدة. هذا يعني أن أي سفينة تحاول عبور المضيق تواجه خطراً حقيقياً بالانفجار في أي لحظة. وكالة أسوشييتد برس كانت قد نشرت تقريراً مفصلاً عن شبكة الألغام الإيرانية، يمكنكم قراءته [من خلال هذا الرابط - مصدر أجنبي مباشر].

الركيزة الثانية: أسطول الزوارق السريعة "الهجوم غير المتماثل"
الحرس الثوري الإيراني يمتلك مئات الزوارق السريعة المجهزة بصواريخ خفيفة وثقيلة. هذه الزوارق لا تستطيع مواجهة مدمرة أمريكية وجهاً لوجه، لكنها تستطيع توجيه ضربات سريعة ومتفرقة تستنزف قدرات الدفاع الأمريكي. في اليوم الثاني للحملة، ذكرت وكالة تسنيم الإيرانية أن الزوارق الإيرانية نفذت "مناوشات" مع القطع الأمريكية، مما أجبر الأخيرة على الابتعاد عن الممرات الرئيسية.

الركيزة الثالثة: صواريخ أرض-بحر بعيدة المدى بغطاء جوي كثيف
ما لا تذكره التقارير الغربية غالباً هو أن المضيق بأكمله يقع تحت مرمى مئات الصواريخ الإيرانية المنتشرة على الساحل وفي الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى). هذه الصواريخ، وبعضها يصل مداه إلى 300 كيلومتر، مدعومة بأنظمة دفاع جوي تجعل أي مقاربة جوية للمضيق محفوفة بالمخاطر.

3. الرد الإيراني: سيطرة كاملة واستفزاز ذكي

في المقابل، لم تكتفِ إيران بالدفاع. هي ذهبت إلى الهجوم النفسي والإعلامي. المتحدث باسم الحرس الثوري ظهر في مؤتمر صحافي يقول: "نحن من نقرر من يعبر ومتى يعبر". وعندما سُئل عن احتمال تدخل أمريكي بري على الجزر، رد مبتسماً: "نتمنى ذلك، سنصطادهم واحداً واحداً".

هذه ليست مجرد تصريحات دعائية. فالجزر الإيرانية في الخليج محصنة تحصيناً مدهشاً. أنفاق تحت الأرض، صواريخ موجهة، وشبكة اتصالات متطورة. أي قوة تحاول إنزال قوات على هذه الجزر ستواجه كارثة عسكرية حقيقية.

أخطر ما في المشهد هو أن إيران أظهرت أنها تفكر على المدى البعيد. الهدف الأساسي للحرس الثوري حالياً ليس تدمير الأسطول الأمريكي، بل استنزافه وإجباره على حرب استنزاف طويلة. أمريكا، بحساباتها الانتخابية وضيق صدر الرأي العام الأمريكي للحروب الطويلة، لا تستطيع تحمل حرب استنزاف في الخليج.


لغز الهجوم على الإمارات .

1. ما الذي حدث بالفعل؟

في خضم الفوضى الإعلامية حول حرب هرمز، ظهرت أنباء متضاربة حول تعرض الإمارات لهجوم ثانٍ خلال أسبوع. بعض المصادر تحدثت عن صواريخ ومسيرات استهدفت منطقة الظفرة، بينما تحدثت مصادر أخرى عن اعتراض المنظومة الدفاعية الإماراتية لأهداف معادية في الأجواء.

لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من طهران. المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني خرج ليقول: "لم ننفذ أي اعتداء على الإمارات لا اليوم ولا أمس ولا قبل أسبوع". وأضاف بعبارة مثيرة: "لو كنا نحن من فعلها، لكنا أعلناها بكل فخر، كما نفعل دائماً".

هذا الموقف الإيراني فتح باباً واسعاً من التساؤلات. فإذا لم تكن إيران هي من نفذ الهجوم (أو الهجمات) على الإمارات، فمن يكون؟

تفاصيل ما أعلنته وزارة الدفاع الإماراتية متاحة عبر [وكالة أنباء الإمارات وام - رابط مباشر].

2. احتمالية وجود منفذ آخر: السيناريوهات المطروحة .

هنا تتداخل الاحتمالات. يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات رئيسية، كل منها له مؤيدوه وقرائن تدعمه:

السيناريو الأول: إيران هي من نفذت لكنها تنفي لأسباب تكتيكية
هذا هو التفسير الأكثر شيوعاً بين المحللين الغربيين. الفكرة هي أن إيران تريد اختبار ردود الفعل الدولية قبل إعلان المسؤولية. أو ربما تريد التغطية على أن الهجوم لم يحقق أهدافه الكاملة. أو ربما تريد إبقاء الإمارات في حالة ترقب وقلق نفسي، لأن العدو المجهول أخطر من العدو المعلن.

لكن هناك إشكالية في هذا السيناريو: إيران لم تكن في أي حرب سابقة تتردد في إعلان مسؤوليتها عن ضرباتها، حتى لو كانت تلك الضربات غير محسوبة أو أثارت غضباً دولياً. تغيير هذا السلوك هنا يحتاج إلى تفسير إضافي.

السيناريو الثاني: الإمارات تختلق الهجوم لأغراض سياسية
هذا السيناريو تروجه بعض وسائل الإعلام الإيرانية والحلفاء. الفكرة هي أن أبوظبي تريد جر واشنطن إلى حرب شاملة ضد إيران عبر ادعاء تعرضها لهجمات لا وجود لها. أو ربما تريد تبرير وجود قواعد أمريكية إضافية على أراضيها وسط اعتراضات داخلية.

لكن هذا السيناريو أيضاً يواجه مشكلة كبيرة: الإمارات لا تحتاج إلى اختلاق هجمات لطلب دعم أمريكي، فالعلاقة الاستراتيجية بين البلدين قوية ومستقرة. واختراع هجوم كاذب يحمل مخاطر افتضاح الأمر لاحقاً، وهو ما قد يكون مكلفاً دبلوماسياً.

3. السيناريو الخطير: انقسام إيران إلى ميليشيات متعددة .

هذا هو السيناريو الأكثر إثارة للقلق والأكثر تعقيداً. خلاصته: الحرس الثوري الإيراني، بعد اغتيال قياداته الكبرى ومقتل المرشد علي خامنئي، لم يعد كياناً واحداً متماسكاً. تحول إلى ثلاث أو أربع ميليشيات مسلحة، لكل منها قائدها المستقل وأسلحتها وأجندتها الخاصة.

وفقاً لتسريبات استخباراتية (تحدث عنها مسئولون سابقون في وكالة المخابرات المركزية، ويمكنكم الاطلاع على ملخصها [عبر هذا الرابط من فورين بوليسي])، فإن تقسيم الحرس الثوري جاء كالتالي:

الميليشيا الأولى (كتائب خاتم الأنبياء): هذه هي الأكثر ولاءً للمرشد الراحل علي خامنئي، والأكثر تشدداً في مواقفها. كان خامنئي قد أوصى قبل وفاته بـ "تغريب الخليج" والانتقام من الإمارات والسعودية. هذه الميليشيا تمتلك صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة متطورة. إذا نفذ أي طرف هجوماً على الإمارات، فهي المرشح الأول.

الميليشيا الثانية (قوات القدس الجديدة): مركزها الأساسي في سوريا ولبنان، وتركز على دعم حزب الله والميليشيات العراقية. تسليحها أقل تطوراً، لكن ارتباطها بالخارج أوسع.

الميليشيا الثالثة (قوات الإمام علي): تتخذ من المناطق الشيعية في الخليج مقراً لها، وتركز على أنشطة التجسس والاستخبارات أكثر من العمليات العسكرية المباشرة.

الميليشيا الرابعة (الحرس الثوري التقليدي): هي الأكبر حجماً، لكنها الأكثر خضوعاً للقيادة السياسية (الرئاسة ومجلس الشورى). تسليحها ممتاز لكن قادتها أقل تشدداً.

هذا التقسيم، لو كان صحيحاً، يعني أن طهران قد تفقد السيطرة على بعض فصائلها المسلحة. فعندما نفذت "كتائب خاتم الأنبياء" الهجوم على الإمارات دون تنسيق مسبق، رفضت القيادة السياسية الإيرانية تحمل المسؤولية، ونفت الهجوم رسمياً. هذا الإنكار ليس كذباً بالمعنى الدقيق، بل هو إعلان بأن "الحكومة الإيرانية" لم تأمر بالهجوم، لكن "جهة مسلحة إيرانية" هي من نفذته.

هذا السيناريو يفسر أيضاً لماذا استُهدفت الإمارات تحديداً، ولماذا لم تُستهدف قطر أو الكويت أو البحرين التي تملك قواعد أمريكية أكثر. فالإمارات كانت تمثل في الخطاب العقائدي لخامنئي "درة الخليج التي يجب تكسيرها".

4. خريطة من يمكنه تنفيذ هجوم صاروخي في الخليج .

قبل أن نغادر هذا الملف، من المهم أن نعترف أن هناك جهات أخرى غير إيران قادرة على تنفيذ هجوم صاروخي أو بطائرات مسيرة في منطقة الخليج. هذه الجهات تشمل:

ميليشيات عراقية موالية لإيران: مثل كتائب حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق. هذه الميليشيات تعلن ولاءها لإيران لكنها تتصرف أحياناً بشكل مستقل. ومقراتها في العراق قريبة نسبياً من الحدود الإماراتية.

جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن: الحوثيون أثبتوا قدرتهم على ضرب عمق الإمارات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية في حرب 2019 - 2022. صحيح أن الهدنة الهشة لا تزال سارية، لكن هذا لا يمنع فصيلاً منشقاً عن الحوثيين من تنفيذ هجوم فردي.

قوى غير حكومية في شرق ليبيا أو السودان: هذا الاحتمال ضعيف جداً لكنه غير مستبعد تماماً.

لكن رغم هذه الاحتمالات، فإن أغلب المحللين يميلون إلى أن الفاعل الأساسي هو فصيل إيراني منشق، والسبب ببساطة هو التعقيدات التقنية للهجوم. فالصواريخ المستخدمة (حسب ما نشرته وزارة الدفاع الإماراتية) هي من طراز "قدر- 110" الإيراني، وهو صاروخ باليستي قصير المدى لا تمتلكه أي ميليشيا غير إيرانية. هذا يؤكد أن مصدر الهجوم إيران، لكن السؤال عن الجهة المنفذة داخل إيران يبقى مفتوحاً.


التوقعات والسيناريوهات المستقبلية .

1. السودان وإثيوبيا: هل ننتقل إلى حرب مفتوحة؟

الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقات السودانية الإثيوبية. هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: التهدئة المتفق عليها (احتمال 10% فقط)
وهو أن تتراجع إثيوبيا عن موقفها وتعلن أنها لم تتعمد مهاجمة السودان، وأن المسيرات كانت تستهدف مواقع للمتمردين قرب الحدود. هذا السيناريو يواجه عقبة الأدلة السودانية "الدامغة" التي تظهر مسار المسيرات قادماً من مطار بحر دار متجهاً إلى مطار الخرطوم الدولي. كما أنه يصطدم برفض السودان القاطع لأي أعذار.

السيناريو الثاني: رد عسكري سوداني محدود (احتمال 60%)
أن يضرب الجيش السوداني أهدافاً إثيوبية داخل الأراضي الإثيوبية ردا على الهجوم. هذه الأهداف قد تكون معسكرات لميليشيا الدعم السريع، أو مواقع عسكرية حدودية. هذا السيناريو يبقي الصراع ضمن حدود "الرد بالمثل" لكنه يمنع التوسع إلى حرب شاملة. اتفاقية عدم الاعتداء الموقعة بين البلدين منذ 2024 قد تنهار بالكامل في هذا السيناريو.

السيناريو الثالث: تدخل مصري سعودي مباشر (احتمال 30%)
وهو الأكثر خطورة والأكثر تأثيراً. إذا طلبت الخرطوم من القاهرة والرياض التدخل عسكرياً لصد العدوان الإثيوبي، فقد نشهد وجود قوات جوية مصرية فوق الأراضي السودانية، أو قوات سعودية خاصة تنضم إلى العمليات البرية. هذا السيناريو يعني توسيع الحرب لتشمل طرفين اثنين من كبار اللاعبين في المنطقة (مصر وإثيوبيا)، وهو ما قد يستفز قوى إقليمية أخرى مثل إريتريا والصومال وتركيا.

2. مضيق هرمز: هل تستمر أمريكا في محاولات فتحه؟

المشهد في هرمز معقد على نحو لا يصدق. أمريكا لا تستطيع الانسحاب دون تحقيق أهدافها، لأن هذا سيكون هزيمة استراتيجية فادحة. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحقيق أهدافها دون حرب برية على الجزر الإيرانية، وهو ما سيكون كارثة عسكرية وسياسية كبيرة.

السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تستمر المحاولات الأمريكية بشكل أكثر حذراً، بحثاً عن أي ثغرة في الدفاعات الإيرانية. ربما تركز البحرية الأمريكية على تأمين ممرات محددة للسفن التجارية بدلاً من فتح المضيق بأكمله. ربما تعتمد على الضربات الجوية المحدودة ضد بطاريات الصواريخ الإيرانية الساحلية. وربما تنتظر انتهاء موسم الأعاصير الذي يجعل عمليات الملاحة في الخليج صعبة لأسباب طبيعية.

في المقابل، يبدو أن إيران مستعدة لاستنزاف أمريكا لشهور. الحرس الثوري يعتقد أن الوقت في صالحه، وأن الرأي العام الأمريكي لن يتحمل حرباً خليجية ثالثة بعد أفغانستان والعراق. هذا الحساب قد يكون صحيحاً، لكنه يراهن أيضاً على استمرار عدم تدخل دول الخليج في الحرب بشكل مباشر.

إذا انضمت دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، إلى الحرب ضد إيران، فستتغير المعادلة بشكل كبير. الأسطول الخامس سيكون له قواعد إضافية ومناطق انطلاق جديدة. والدفاعات الجوية الخليجية يمكن أن تشكل طبقة إضافية من الحماية للملاحة البحرية.

3. لغز الإمارات: ماذا لو تكررت الهجمات؟

الهجوم على الإمارات، سواء نفذته إيران رسمياً أو فصيل منشق، كشف ثغرة كبيرة في المشهد الأمني الخليجي. الإمارات دولة متقدمة في مجال الدفاع الجوي، لكن أنظمة الدفاع هذه ليست مصممة لمواجهة هجمات متزامنة من ثلاث جهات مختلفة (صواريخ باليستية عالية، وصواريخ كروز منخفضة، ومسيرات صغيرة) في نفس الوقت.

إذا تكررت الهجمات على الإمارات (وهو احتمال وارد جداً)، فإن أبوظبي ستضغط على واشنطن لاتخاذ إجراءات أكثر حسماً ضد إيران. هذا الضغط قد يأخذ شكل طلب نشر بطاريات دفاع جوي أمريكية إضافية (مثل باتريوت وتاد)، أو طلب تدمير مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية التي تستهدفها.

في الحالة القصوى، قد تطلب الإمارات من واشنطن شن ضربات استباقية ضد منشآت إيرانية تعتبرها تهديداً مباشراً. هذا الطلب، إذا صدر، قد يكون نقطة التحول نحو حرب إقليمية شاملة.


المنطقة على صفيح ساخن .

في ختام هذا التحليل الشامل، يمكننا القول بثقة أن الشرق الأوسط يشهد واحدة من أخطر مراحله منذ عقود. ثلاث جبهات ساخنة متزامنة، وكل جبهة تحمل في طياتها بذور حرب إقليمية كبرى.

الجبهة الأولى في السودان: قد تشهد تدخلاً مصرياً سعودياً مباشراً خلال أيام، وهو ما سيرفع الصراع من حرب أهلية إلى مواجهة بين دولة عربية كبرى (مصر) وقوة أفريقية صاعدة (إثيوبيا).

الجبهة الثانية في الخليج: قد تشهد فصلاً جديداً من المواجهة الأمريكية الإيرانية، ربما بصورة أكثر دموية من أي مواجهة سابقة، خاصة إذا أصرت واشنطن على فتح مضيق هرمز بأي ثمن.

الجبهة الثالثة في الإمارات: تكشف عن شرخ كبير داخل النظام الإيراني نفسه، حيث لم تعد طهران قادرة على السيطرة الكاملة على أذرعها المسلحة. هذا الشرخ قد يكون نقطة ضعف إيرانية، لكنه في الوقت نفسه يجعل التعامل مع طهران "كياناً واحداً" أمراً مستحيلاً.

ما يحدث ليس مجرد تصعيد عابر. إنه إعادة تشكيل كاملة لقواعد اللعبة في المنطقة. ومثل أي إعادة تشكيل، سيكون ثمنها باهظاً، وستسقط خلالها دماء كثيرة. سيكون الضحايا الأوائل هم المدنيون الأبرياء في السودان وإيران والإمارات واليمن وسوريا ولبنان.

لذلك، قبل أن ننشغل في التحليلات والتكهنات العسكرية، لنتذكر أن كل صاروخ يطلق وكل مسيرة تحلق وكل قنبلة تسقط، تدمر حياة بشرية حقيقية، وتتلف بيوتاً كانت عامرة، وتفرد أمهاتاً وآباءً على أطفالهم.

لا نملك من الأمر شيئاً سوى أن نراقب ونتابع ونتساءل: إلى أين تتجه هذه المنطقة التي طالما عانت من الحروب والصراعات؟ ومتى سينتهي هذا الجنون الذي يدفع ثمَنه دائماً الضعفاء والمهمشون؟ 

مصادر المقال :

  1. البيان الرسمي للجيش السوداني بشأن الهجوم الإثيوبي - متاح عبر الموقع الرسمي للجيش السوداني

  2. وكالة الأنباء السعودية واس - بيان وزارة الخارجية السعودية

  3. وزارة الخارجية المصرية - بيان إدانة الاعتداء على السودان

  4. رويترز - تفاصيل الهجوم من مطار بحر دار الإثيوبي

  5. القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) - تحديثات حملة "مشروع الحرية"

  6. وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية - تصريحات المتحدث باسم الحرس الثوري

  7. تحليل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حول تقسيم الحرس الثوري الإيراني

  8. تقرير فورين بوليسي (Foreign Policy) عن الانقسامات داخل النخبة الإيرانية بعد خامنئي


‘إقرأ أيضا  :



إرسال تعليق

أحدث أقدم