خطة ترامب لغزة: حكم انتقالي تحت رقابة دولية بين الطموحات الأمريكية والرفض الفلسطيني وتداعياتها على الأمن المصري
خطة ترامب لغزة: حكم انتقالي تحت رقابة دولية أم فخ سياسي جديد؟
تحليل استراتيجي شامل يكشف تفاصيل خطة ترامب لغزة القائمة على لجنة تكنوقراط فلسطينية تحت رقابة مجلس دولي برئاسته، مع طرح أسماء مثل توني بلير ودور قوة استقرار دولية (ISF) للتنسيق مع مصر والأردن. يناقش المقال تداعيات الخطة على الأمن القومي المصري وسيناء ورفح، وحسابات نتنياهو واليمين الإسرائيلي، وخيارات حماس بين قبول تكتيكي ورفض تصعيدي، مع تفكيك البنود: إعادة الرهائن، وقف القتال، خرائط الانسحاب، وضبط الحدود. قراءة معمّقة توضح إن كانت الخطة هدنة مُهيكلة أم فخًا مرحليًا، مع سيناريوهات مستقبلية واختبارات واقعية تحدد مصير غزة والمنطقة.
لماذا تعود غزة مجددًا إلى واجهة «مجلس السلام»؟
منذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة عقب أحداث 7 أكتوبر، تحوّل القطاع الصغير جغرافيًا – والكبير رمزيًا واستراتيجيًا – إلى بؤرة استقطاب دولي غير مسبوقة. عشرات المبادرات السياسية وُضعت على الطاولة، منها ما كان محاولات إنسانية عاجلة، ومنها ما عكس حسابات دولية أوسع. لكن الأكثر إثارة للجدل هذه المرة هو ما يُعرف إعلاميًا بـ خطة ترامب لغزة، التي روّجت لها دوائر مقربة من الرئيس الأمريكي السابق (والمحتمل العائد للبيت الأبيض) دونالد ترامب، باعتبارها «مرحلة انتقالية» لإدارة القطاع عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية، تخضع لإشراف مباشر من مجلس دولي جديد برئاسة ترامب نفسه، مع طرح أسماء شخصيات مثيرة للجدل مثل توني بلير.
الخطة، كما تسربت عبر وسائل مثل Axios ورويترز، لا تتحدث عن دولة فلسطينية، ولا عن تعويضات أو حل نهائي، بل تقدم تصورًا مؤقتًا أقرب إلى «إدارة أزمة» منه إلى «حل صراع». ومن هنا تبرز التساؤلات:
- هل نحن أمام محاولة لإحياء نسخة جديدة من «صفقة القرن»؟
- ما هي انعكاسات الخطة على الأمن القومي المصري؟
- وكيف ستتعامل معها حماس وباقي القوى الفلسطينية؟
الخلفية التاريخية – من أوسلو إلى «صفقة القرن» وصولًا إلى خطة غزة
لفهم السياق الحالي، من الضروري العودة إلى تاريخ المبادرات الدولية والإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
- اتفاق أوسلو (1993): أول محاولة لإعطاء الفلسطينيين شكلًا من الحكم الذاتي، لكنه ترك قضايا الوضع النهائي (القدس، اللاجئين، المستوطنات) معلّقة، مما فتح الباب للأزمات المتلاحقة.
- خطة بوش للسلام (2002): طرحت «خريطة الطريق» نحو دولتين، لكنها اصطدمت بممارسات إسرائيل الأمنية وتوسع المستوطنات.
- مؤتمر أنابوليس (2007): محاولة أمريكية أخرى لإحياء المسار السياسي، لكنها انتهت إلى الفشل بسبب الانقسام الفلسطيني وتعنّت إسرائيل.
- صفقة القرن (2020): مشروع ترامب السابق، الذي اعتُبر انحيازًا كاملًا لإسرائيل عبر ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية وإبقاء غزة معزولة، وهو ما قوبل برفض عربي ودولي واسع.
إذن، خطة غزة الجديدة لا تأتي في فراغ، بل هي امتداد لسلسلة من المشاريع التي ركّزت أكثر على «إدارة الوضع» بدلًا من «حل الصراع».
البنود المعلنة – ماذا تقول النصوص المسربة؟
بحسب ما نشرته Axios ورويترز، فإن أهم بنود الخطة يمكن تلخيصها كالآتي:
- إطلاق سراح الرهائن خلال 72 ساعة: شرط أولي لا يمكن تجاوزه قبل أي خطوة أخرى.
- وقف القتال المشروط: هدنة مؤقتة لا تعني نهاية الحرب، بل تجميدها رهنًا بتنفيذ بقية البنود.
- إنشاء قوة استقرار دولية (ISF): يتم نشرها في غزة لمنع التصعيد وتأمين الوضع الميداني.
- تدريب شرطة فلسطينية جديدة: بإشراف القوة الدولية وبالتنسيق مع مصر والأردن.
- انسحاب إسرائيلي تدريجي مشروط: على ثلاث مراحل، يُربط كل منها بمعايير أمنية محددة.
- غياب أي إشارة إلى الدولة الفلسطينية أو التعويضات.
هذه البنود تكشف بوضوح أن جوهر الخطة ليس سياسيًا بل أمنيًا بالأساس، وأن الهدف هو إدارة المخاطر أكثر من معالجة جذور القضية.
من يحكم غزة؟ لجنة تكنوقراط تحت الرقابة
أكثر البنود إثارة للجدل هو اقتراح تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة الشؤون المدنية في غزة، على أن تكون خاضعة لإشراف «مجلس دولي» يرأسه ترامب.
- التشابه مع نماذج تاريخية: هذا الطرح يعيد إلى الأذهان نظام «الانتداب» أو الوصاية الدولية التي شهدتها مناطق مضطربة بعد الحروب العالمية.
- دور توني بلير: إعادة إقحام بلير تذكّر بفشله كـ «مبعوث للرباعية» بعد 2003، حين عجز عن تحقيق أي إنجاز حقيقي على الأرض.
- الموقف الفلسطيني: بالنسبة للفصائل، يبدو الأمر أقرب إلى وصاية مفروضة من الخارج، لا تحظى بأي شرعية شعبية.
خريطة الانسحاب الثلاثية ومصير غزة سيتي
الخطة تطرح انسحابًا إسرائيليًا على ثلاث مراحل، لكن العقدة تكمن في غزة سيتي، التي تُعتبر رمزًا استراتيجيًا بالنسبة لإسرائيل بعد أحداث 7 أكتوبر.
- اليمين الإسرائيلي: يرى أن الانسحاب منها سيُفسَّر كـ «هزيمة تاريخية».
- نتنياهو: يواجه معضلة مزدوجة، إذ لا يريد إظهار التنازل أمام جمهوره، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى مرونة شكلية أمام واشنطن.
- النتيجة المحتملة: قد يبقى الانسحاب ورقيًا أكثر منه عمليًا، مع إبقاء قوات إسرائيلية في محيط غزة سيتي.
قوة الاستقرار الدولية (ISF) – بين التثبيت والوصاية
إحدى الركائز المركزية للخطة هي تشكيل قوة دولية جديدة، تضم عناصر من دول عربية وغربية.
-
المهام المعلنة:
- حفظ الأمن ومنع تجدد القتال.
- حماية عمل لجنة التكنوقراط.
- التنسيق مع مصر والأردن بشأن الحدود.
- تدريب الشرطة الفلسطينية.
-
الإشكالية الجوهرية: وفق Foreign Affairs، إدخال قوة دولية/عربية إلى غزة قد يُنظر إليه كـ «انتداب جديد»، ما قد يثير رفضًا شعبيًا واسعًا.
الشرطة الفلسطينية الجديدة – إصلاح أمني أم إعادة إنتاج للأزمة؟
أحد البنود الأكثر حساسية في الخطة هو إعادة تشكيل شرطة فلسطينية جديدة، تخضع للتدريب من قبل قوة الاستقرار الدولية، مع إشراف مصري وأردني مباشر.
- التجربة السابقة: النموذج الأقرب هو «قوات الأمن الفلسطينية» في الضفة الغربية، التي وُصفت مرارًا بأنها أداة للتنسيق الأمني مع إسرائيل أكثر من كونها جهازًا وطنيًا مستقلًا.
- التحدي في غزة: أي شرطة جديدة ستُتهم بأنها «ذراع وظيفي» لحماية المصالح الإسرائيلية أو الأمريكية، مما يضعها في مواجهة مع المجتمع المحلي.
- السيناريو المتوقع: قد يقبل الشارع الغزّي بهذه الخطوة تكتيكيًا إذا ارتبطت بتحسين الحياة اليومية (المعابر، الكهرباء، الإغاثة)، لكن على المدى الطويل ستواجه أزمة شرعية.
انعكاسات على مصر – رفح في قلب المعادلة
مصر، باعتبارها الدولة العربية الأكثر تماسًا مع غزة، ستجد نفسها في قلب المعادلة الأمنية والسياسية.
- المعابر والحدود: السيطرة على معبر رفح ستتحول إلى ملف أكثر تعقيدًا، إذ ستشارك فيه قوة دولية إلى جانب مصر، ما يفتح الباب أمام احتكاكات محتملة.
- الأمن القومي: القاهرة تدرك أن أي انفلات أمني في غزة سينعكس مباشرة على سيناء. لذلك فهي تصر على التنسيق الأمني الصارم.
- الخط الأحمر: الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد مرارًا أن لا تهجير للفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما جاء صراحة في تصريحات رسمية نشرتها الأهرام.
- المكاسب والخسائر: بينما قد تكسب مصر ورقة تفاوضية أكبر مع واشنطن والاتحاد الأوروبي، إلا أنها ستتحمل أيضًا عبئًا أمنيًا وسياسيًا أثقل.
خيارات إسرائيل – المأزق اليميني لنتنياهو
بالنسبة لإسرائيل، الخطة تحمل أبعادًا متناقضة:
- اليمين المتشدد: يرفض أي انسحاب يُعيد الوضع إلى ما قبل 7 أكتوبر، ويرى أن غزة يجب أن تبقى تحت السيطرة العسكرية المباشرة.
- نتنياهو: يبحث عن مخرج يجنّبه الضغوط الأمريكية والدولية دون خسارة شعبيته الداخلية.
- المؤسسة الأمنية: قد ترى في الخطة فرصة لـ «شراء الوقت» عبر تهدئة مشروطة تسمح بإعادة بناء الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
- المخاطر: في حال اعتُبر الانسحاب «تنازلًا»، قد ينهار الائتلاف الحكومي، ويدخل المشهد الإسرائيلي في أزمة سياسية جديدة.
خيارات حماس – بين قبول تكتيكي ورفض مبدئي
حركة حماس تجد نفسها أمام معادلة معقدة:
-
القبول التكتيكي:
- يمنحها هدنة لإعادة ترتيب صفوفها.
- قد يُخفف الضغط الإنساني على سكان غزة.
- لكنه يعرّضها لاتهامات داخلية بأنها قبلت بوصاية دولية.
-
الرفض المبدئي:
- يُعزز صورتها كحركة مقاومة لا تقبل التدخل الأجنبي.
- لكنه قد يُستخدم كذريعة لإسرائيل لاستمرار الحرب.
- يعرضها لضغوط شعبية في ظل الوضع الإنساني الكارثي.
النتيجة: المرجح أن تتبنى حماس سياسة «القبول الجزئي» أو «الهدنة المشروطة»، بحيث تستفيد تكتيكيًا دون أن تمنح شرعية كاملة للخطة.
لا دولة ولا تعويضات – المأزق السياسي
من أخطر ثغرات الخطة غياب أي نصّ واضح حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة أو حتى تعويضات للضحايا واللاجئين.
- الأثر المباشر: يضعف أي قبول فلسطيني رسمي بالخطة.
- الموقف العربي: يجعل الدول العربية أمام تحدٍ صعب: هل تدعم خطة تفتقر لأي أفق سياسي حقيقي؟
- التفسير المحتمل: يبدو أن واشنطن تسعى لاختبار «حل أمني – إداري» أولًا، على أن يُترك الملف السياسي لمرحلة لاحقة، ربما بعد الانتخابات الأمريكية.
الموقف الأمريكي والدولي – بين البراجماتية والمصالح
- الولايات المتحدة: إدارة ترامب (إذا عاد) ستسعى لتقديم الخطة كـ «إنجاز سياسي» يميّزه عن بايدن، حتى لو كانت النتائج على الأرض محدودة.
- الاتحاد الأوروبي: قد يرحب بها من باب دعم الاستقرار الإنساني، لكنه سيظل متمسكًا بخطاب «حل الدولتين».
- الدول العربية: مثل مصر والأردن والسعودية، ستتعامل معها كـ «خيار اضطراري» لا أكثر، شرط أن لا تمس بسيادتها أو ثوابتها.
- المجتمع الدولي: مؤسسات مثل الأمم المتحدة ستُحرج بسبب تجاوزها في صياغة الخطة، لكن من المتوقع أن تسايرها ضمنيًا لتجنب التصعيد.
السيناريوهات المستقبلية – من الهدنة إلى 2030
-
السيناريو الإيجابي قصير المدى (خلال عام):
- إطلاق سراح الرهائن.
- وقف نسبي لإطلاق النار.
- تحسين الوضع الإنساني عبر إدارة مدنية مؤقتة.
-
السيناريو التعثري متوسط المدى (2–3 سنوات):
- خلافات داخل إسرائيل حول الانسحاب.
- رفض فلسطيني شعبي متزايد.
- عجز القوة الدولية عن فرض النظام.
-
السيناريو السلبي طويل المدى (حتى 2030):
- استمرار غزة تحت إدارة انتقالية هشة.
- غياب أي تقدم سياسي نحو الدولة الفلسطينية.
- انفجار جولات جديدة من العنف تعيد الوضع إلى نقطة الصفر.
هل نحن أمام حلقة جديدة أم فرصة ضائعة؟
خطة ترامب لغزة تبدو أقرب إلى هدنة مشروطة منها إلى أي مشروع سياسي حقيقي. قد تمنح الأطراف فرصة قصيرة لالتقاط الأنفاس، لكنها في غياب أفق سياسي شامل ستظل مجرد فخ مرحلي.
بالنسبة لمصر، فإن الخطوط الحمراء واضحة:
- لا تهجير إلى سيناء.
- لا أمن بلا سياسة.
- لا وصاية دولية تُختبر على حدودها.
أما فلسطين، فستظل تدور في حلقة مفرغة ما لم يتم فتح أفق سياسي حقيقي يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة المستقلة.
بين ترامب وبايدن – تناقض الأسلوب ووحدة الهدف
عند النظر إلى تفاصيل خطة ترامب لغزة، نجد أنها ليست سوى امتداد لنهج قديم في السياسة الأمريكية: التركيز على الترتيبات الأمنية أولًا، مع تأجيل الحل السياسي إلى أجل غير مسمّى. هذا المنطق لا يختلف كثيرًا عن إدارة الرئيس جو بايدن، لكنه يتباين في الأسلوب السياسي وأدوات التسويق.
1. ترامب: الصفقات والوصاية المباشرة
ترامب ينطلق من خلفية رجل الأعمال الذي يرى في الأزمات فرصة لعقد صفقات كبرى. في ملف غزة:
- يطرح نفسه رئيسًا لمجلس دولي جديد، بما يعني إعادة تمركز شخصي في قلب المعادلة.
- لا يتردد في الاستعانة بأسماء مثيرة للجدل مثل توني بلير رغم فشل تجاربه السابقة في المنطقة.
- يتعامل مع الخطة بوصفها أداة انتخابية يستعرض بها أمام الداخل الأمريكي، لا مجرد مبادرة دبلوماسية.
2. بايدن: الإدارة الهادئة والسياسة البطيئة
بايدن، على العكس، يعتمد أسلوبًا أكثر هدوءًا:
- يفضل العمل عبر المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والرباعية الدولية.
- يضع الأولوية للعلاقات مع إسرائيل، لكنه يحاول الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية.
- يتحدث نظريًا عن «حل الدولتين»، لكنه لم يقدّم أي خطة عملية لفرضه أو حتى جدول زمني لتحقيقه.
3. وحدة الهدف – الأمن أولًا
رغم اختلاف الأسلوبين، يظل الهدف الأمريكي ثابتًا:
- ضمان أمن إسرائيل.
- منع تصعيد إقليمي يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.
- إدارة الصراع بدلًا من حله، عبر هدنات متكررة تعطي الانطباع بأن واشنطن تمسك بزمام المبادرة.
تأثير ذلك على الشرق الأوسط
الاختلاف بين ترامب وبايدن ليس مجرد تفاصيل تقنية، بل له انعكاسات على المنطقة:
- في عهد ترامب: قد نشهد وصاية مباشرة وصدامية، مع تهميش أكبر للأمم المتحدة والدبلوماسية التقليدية.
- في عهد بايدن: سنرى إدارة أكثر نعومة، لكن من دون نتائج ملموسة على الأرض، ما قد يُترجم إلى إطالة أمد الجمود السياسي.
- على مصر: تجد نفسها مضطرة للتأقلم مع كلا النهجين: مع ترامب عبر تحمل عبء أمني مباشر، ومع بايدن عبر التفاوض البطيء الذي لا ينتهي إلى حل.
- على الفلسطينيين: النتيجة واحدة تقريبًا، وهي استمرار الوضع الانتقالي والعيش في حلقة مفرغة من الهدنات.
ما وراء الخطط – لعبة إعادة تدوير الأزمات
حين نضع «خطة ترامب» في سياقها، ندرك أنها ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل إعادة تدوير الأزمات.
- أوسلو وعدت بدولة فلسطينية خلال خمس سنوات، ولم يتحقق شيء.
- «خريطة الطريق» 2003 ركزت على الأمن، ثم تلاشت.
- «صفقة القرن» 2020 تجاهلت كليًا جوهر القضية.
- واليوم، «خطة غزة» تعيد إنتاج الفكرة نفسها: أمن بلا سياسة.
هذا النمط يُظهر أن واشنطن – بغض النظر عن الرئيس – تضع الحل السياسي دائمًا في الهامش، وتدير الصراع كأداة لتوازن القوى في المنطقة.
هل يمكن كسر الحلقة؟
التساؤل الحقيقي ليس عن تفاصيل خطة ترامب أو بايدن، بل عن إمكانية كسر هذه الحلقة المفرغة. أي مبادرة لا تعالج جوهر القضية – حق الفلسطينيين في دولة مستقلة قابلة للحياة – ستظل مجرد مسكنات مرحلية.
بالنسبة لمصر، يظل التحدي الاستراتيجي قائمًا: كيف تدير دورها الإقليمي وتحمي أمنها القومي في سيناء، دون أن تتحول إلى طرف يحمل عبء الاحتلال الإسرائيلي بالوكالة؟
التداعيات على الأمن العربي الشامل
1. الأردن – خط الدفاع الشرقي
الأردن يظل أكثر الدول العربية حساسية تجاه أي ترتيبات تخص غزة أو الضفة الغربية.
- أي مشروع لتوطين الفلسطينيين أو نقلهم يهدد التوازن الديمغرافي الداخلي.
- عمان ترى أن واشنطن تسعى إلى تحميلها جزءًا من العبء، وهو ما يرفضه الملك عبد الله الثاني.
- استمرار الضغط بهذا الشكل قد يفتح جبهة توتر جديدة على الحدود الشرقية لفلسطين المحتلة.
2. الخليج – بين التطبيع والمخاوف
- دول الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: المضي في مسار التطبيع مع إسرائيل مقابل الخوف من فقدان شرعيتها الشعبية.
- أي انفجار في غزة قد يعيد خلط الأوراق، ويؤثر على مشاريع اقتصادية كبرى مرتبطة برؤية 2030 في السعودية أو المشاريع اللوجستية في الإمارات.
- بالنسبة لواشنطن، تمثل هذه الدول ممولًا محتملًا لأي خطة اقتصادية في غزة، ما يعني أن الخطة ليست مجرد سياسية بل أيضًا مالية.
3. لبنان – الخاصرة الشمالية
- لبنان يعيش بالفعل أزمة سياسية واقتصادية خانقة.
- أي تصعيد في غزة قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة بين إسرائيل وحزب الله.
- واشنطن تدرك ذلك، لكنها تراهن على أن «ردع حزب الله» يمكن أن يتم عبر تفاهمات مع إيران، ما يربط غزة مباشرة بالملف النووي الإيراني.
الأمن القومي العربي – الرؤية الغائبة
ما يتضح من تحليل خطة ترامب، ومقارنتها بسياسات الإدارات السابقة، أن العالم العربي يفتقد رؤية موحدة للأمن القومي:
- كل دولة تنظر للأزمة من زاويتها الضيقة.
- مصر تركز على سيناء.
- الأردن يخشى من التوطين.
- الخليج يحسب حساب التطبيع والاقتصاد.
- لبنان وإيران ينظران إلى الصراع من زاوية المقاومة.
هذا التشتت يمنح واشنطن وتل أبيب مساحة أكبر لإعادة صياغة المعادلات، حيث يتم استدعاء العرب طرفًا طرفًا، بدلًا من مواجهة جماعية بخطة عربية متكاملة.
خاتمة: غزة كمرآة للعالم
خطة ترامب ليست مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل مرآة تكشف بوضوح واقع النظام الدولي:
- واشنطن تتحرك وفق منطق القوة والمصالح، لا العدالة.
- إسرائيل توظف كل إدارة أمريكية لتعزيز سيطرتها على الأرض.
- العرب، بين الانقسام والضغوط، لم ينجحوا حتى الآن في صياغة بديل استراتيجي.
لكن غزة – برغم كل ما مرت به من حروب وحصار – ما زالت تفرض نفسها على الأجندة الدولية.
- كل صاروخ ينطلق من القطاع يغيّر معادلة الأمن الإسرائيلي.
- كل مظاهرة في العواصم العربية والأوروبية تذكّر العالم أن القضية لم تمت.
- كل خطة أمريكية جديدة تؤكد أن الصراع لم يجد طريقه إلى الحل بعد.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تفاصيل خطة ترامب أو بايدن، بل في قدرة العرب والفلسطينيين على تحويل غزة من عبء إلى ورقة قوة، ومن ملف أمني إلى مشروع تحرر وطني.
مصادر وروابط مرجعية
- Axios – تقرير حول خطة ترامب لغزة
- Reuters – تفاصيل عن المفاوضات
- Foreign Affairs – النقاش حول القوة الدولية
- الأهرام – تصريحات الرئيس السيسي
اقرأ أيضا:
أشرف مروان: اللغز الذي حيّر إسرائيل وكشف أسرار حرب أكتوبر وخداع الموساد
من انقلاب ترامب إلى إنذار الناتو: أوروبا على حافة حرب عالمية ثالثة تلوح في الأفق
"الكنز النووي الإيراني ومشروع بلير لغزة: صراع الأسرار والحكم في قلب الشرق الأوسط"
إيدي كوهين بين الحرب النفسية والواقع العسكري: تفنيد الادعاءات الإسرائيلية عن الجيش المصري

تعليقات
إرسال تعليق