بريطانيا وفرنسا تقودان تحالفاً عسكرياً من 30 دولة للسيطرة على مضيق هرمز.. ورسالة تهديد لإيران بإزالة الألغام بالقوة .


تحالف لندن-باريس البحري : هل يكتب سيناريو جديداً في مضيق هرمز؟

بقلم: محمد حسانين .

في تطور لافت على صعيد الأمن البحري الدولي، أعلنت المملكة المتحدة عن استضافة اجتماع عسكري يضم ممثلين من نحو 30 دولة، لبحث تشكيل مهمة مشتركة بقيادة لندن وباريس لحماية الملاحة في مضيق هرمز. هذا الإعلان، الذي تناقلته وسائل الإعلام العالمية بما فيها وكالة الأنباء الفرنسية و بي بي سي عربي، لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تحركات سياسية وعسكرية مكثفة بدأت قبل أسابيع في العواصم الأوروبية الكبرى. وزير الدفاع البريطاني جون هيلي كان واضحاً عندما أكد أن الهدف هو تحويل التوافق الدبلوماسي إلى خطة عملية لضمان حرية الملاحة ودعم وقف إطلاق نار دائم.

ملاحظة مهمة للقارئ: هذا المقال يعتمد بشكل كامل على المعلومات الواردة في تقرير فيديو مفصل، وسيتم تفكيك كل جملة وكل رقم وكل تصريح ورد فيه. لن نضيف من عندنا شيئاً غير مثبت، ولن نهمل أي معلومة مهما بدت صغيرة.

 

يعبر عبر هذا الممر المائي نحو 20% من النفط العالمي يومياً.
مضيق هرمز يعبر عبر هذا الممر المائي نحو 20% من النفط العالمي يومياً.
 

لماذا الآن؟ سياق الأزمة الذي لا يتحدث عنه أحد .

قبل أن نخوض في تفاصيل الاجتماع العسكري والقمة الأوروبية، علينا أن نفهم شيئاً أساسياً: مضيق هرمز ليس مضيقاً عادياً. وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يعبر عبر هذا الممر المائي نحو 20% من النفط العالمي يومياً. أي تعطيل له، حتى لو كان جزئياً، يعني ارتفاعاً فورياً في أسعار الوقود حول العالم. وهذا بالضبط ما حدث. التقرير الذي بين أيدينا يصف الوضع بأنه "حالة رهينة اقتصادية"، وعبارة ليست مجرد إنشاء بل وصف دقيق لواقع تعاني منه الأسواق العالمية.

التوترات تصاعدت بعد المحادثات التي جرت في باريس وجمعت أكثر من 40 دولة برئاسة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. تلك المحادثات، التي غطتها فرانس 24 بالتفصيل، شكلت الأساس الذي بني عليه الاجتماع العسكري الحالي. ما يميز هذه اللحظة تحديداً هو أن الولايات المتحدة وإيران غائبتان عن المشاورات، مع أن كل قرار سيتخذ سيكون له تأثير مباشر عليهما.

قاعدة نورث وود: لماذا هذا المكان بالذات؟

الاجتماع لم يُعقد في قصر وستمنستر أو في مقر الأمم المتحدة، بل في القاعدة العسكرية للقيادة البريطانية في نورث وود شمال العاصمة البريطانية لندن. هذا الاختيار يحمل رسالة مهمة: نحن هنا لنخطط عملياً، وليس للحديث السياسي فقط. موقع القاعدة العسكرية معروف بكونه مركز عمليات متقدماً، واستضافته لمثل هذا الاجتماع تعكس طبيعة اللقاء بصفته "عسكرياً تاماً"، على حد وصف التقرير.

اقتباس من التقرير الأصلي: "يُعقد الاجتماع العسكري في القاعدة العسكرية للقيادة البريطانية في نورث وود شمال العاصمة البريطانية لندن."

المخططون العسكريون الذين يصلون إلى هذه القاعدة من نحو 30 دولة لم يأتوا للمجاملة؛ جاءوا لوضع خطة ميدانية قابلة للتنفيذ. الفارق هنا جوهري: ما يجري في نورث وود ليس نقاشاً سياسياً، بل تنسيق عملياتي يحدد من سيفعل ماذا، وأين، ومتى، وبأي أسلحة.

كسر الرهينة الاقتصادية: الهدف الحقيقي للتحالف .

لنكن صريحين: حرية الملاحة التي يتحدث عنها الجميع ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق هدف أكبر: كسر احتكار إيران لشريان الطاقة العالمي. التقرير يصف المهمة بأنها "كسر حالة الرهينة الاقتصادية" التي فرضها إغلاق المضيق على الأسواق العالمية.هذه العبارة ليست من قبيل المبالغة الإعلامية، بل تعكس فهماً حقيقياً لكيفية عمل الاقتصاد العالمي.

تخيل معي للحظة: مضيق هرمز يضيق أحياناً إلى أقل من 30 كيلومتراً. سفينة النفط العملاقة تحتاج إلى ساعة على الأقل لتعبر هذه المسافة. إذا أرادت قوة ما تعطيل الملاحة، لن تحتاج إلى إغراق السفن؛ فقط وضع ألغام بحرية كافٍ لشل الحركة بالكامل. وهذا بالضبط ما تخشاه الدول المشاركة في التحالف.

المعلومات التي وردت في التقرير تحدد ثلاثة أهداف رئيسية للتحالف:

إزالة الألغام البحرية بشكل مباشر وفوري

توفير مرافقة أمنية للسفن لضمان سلامتها

بحث ضغوط اقتصادية منسقة لدفع طهران لإعادة فتح المضيق

هذه الأهداف الثلاثة تمثل مراحل متكاملة. البداية ستكون بتمشيط المضيق والتخلص من أي ألغام، ثم مرافقة السفن العالقة، وأخيراً استخدام الضغط الاقتصادي كأداة إقناع لإيران لقبول إعادة فتح الممر بصورة دائمة.

هولندا وكاسحات الألغام: تفصيل صغير بحجم قرار كبير .

التقارير التي تتابع هذه القضية قد تمر على معلومات دون أن تلاحظ أهميتها، لكننا هنا لن نفعل ذلك. التقرير الذي بين أيدينا ذكر تحديداً أن هولندا ستشارك في التحالف من خلال توفير كاسحات الألغام. لماذا هذا مهم؟لأن كاسحات الألغام ليست مجرد سفن عادية. إنها معدات عسكرية متخصصة ومكلفة، ووجودها يعني أن التحالف جاد في التعامل مع التهديد الحقيقي الذي يواجه الملاحة.

موقع وزارة الدفاع الهولندية ينشر بانتظام تقارير عن قدرات أسطوله البحري، بما في ذلك كاسحات الألغام من فئة "ألكمار" التي صممت خصيصاً للعمل في المياه الضحلة والضيقة مثل مضيق هرمز. مشاركة هولندا ليست رمزية؛ إنها مساهمة عملية تغطي أحد أخطر الجوانب في هذه المهمة: مخاطر الألغام البحرية.

قبرص والقمة الأوروبية غير الرسمية: المسار السياسي المكمل .

بينما كان المخططون العسكريون يجتمعون في لندن، كانت العاصمة القبرصية تستعد لاستضافة قمة أوروبية غير رسمية. التقرير يصف هذه القمة بأنها "تمهد الطريق" لاجتماع لندن، وهذه العبارة تحتاج إلى وقفة. كيف تمهد قمة سياسية الطريق لاجتماع عسكري؟ الإجابة تكمن في الحاجة إلى شرعية سياسية لأي عمل عسكري.

قبرص، التي تتولى رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، تستضيف هذه القمة "لاستكمال الجهود الدولية". القادة المجتمعون في قبرص لا يناقشون فقط أمن الملاحة في مضيق هرمز، بل أيضاً قضايا أوسع: أمن الطاقة، السياسات الدفاعية المشتركة، والتداعيات الجيوسياسية للحرب. رئاسة قبرص للاتحاد الأوروبي، كما وثقها موقع المجلس الأوروبي، تمنح نيقوسيا فرصة فريدة لوضع هذه القضايا على رأس أجندة أوروبا.

ملاحظة: القمة القبرصية أُطلق عليها وصف "غير رسمية"، وهذا يعني أن قراراتها ليست ملزمة قانونياً، لكنها تحمل وزناً سياسياً كبيراً لأنها تعكس توافقاً بين قادة أكبر اقتصادات العالم.

تفعيل المادة 42: جوهر القمة القبرصية .

من بين كل ما سيناقش في قبرص، هناك نقطة واحدة تستحق التركيز عليها: تفعيل المادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي. التقرير يشير إلى أن هذه المادة مرتبطة بـ"مفهوم الدفاع المشترك وجاهزية الاتحاد للتعامل مع التحديات الأمنية الراهنة".

محتويات المادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، والمتاحة على موقع EUR-Lex الرسمي، تنص على أن السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد تشمل "التطور التدريجي لإطار الدفاع المشترك". تفعيل هذه المادة يعني أن الاتحاد الأوروبي سيتخذ خطوات عملية نحو إنشاء جيش أوروبي موحد أو على الأقل قوة تدخل سريع مشتركة.

هذا ليس أمراً يحدث كل يوم. ظلت المادة 42 حبراً على ورق لأكثر من عقدين. لكن التهديدات المتزايدة، من الحرب في أوكرانيا إلى أزمة مضيق هرمز، تدفع الأوروبيين إلى إعادة التفكير في ترتيباتهم الدفاعية. القمة القبرصية قد تكون اللحظة التي يقرر فيها الأوروبيون تحويل الكلمات إلى أفعال.

الحضور العربي في القمة: اعتراف بالأهمية الإقليمية .

التقرير يذكر أن القمة الأوروبية غير الرسمية في قبرص تحظى بأهمية خاصة للدول العربية، حيث تشارك هذه الدول في القمة بجانب قادة الاتحاد الأوروبي. لماذا؟ لأن منطقة الخليج تشهد "أزمات وتوترات"، وهذه الدول تبحث عن شركاء أوروبيين لمساعدتها في مواجهتها.

منصة قناة العربية غطت هذه التحضيرات من زاوية عربية، مشيرة إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن ومصر من بين الدول العربية التي حضرت القمة. هذا التنوع في المشاركة يعكس فهماً عربياً بأن أزمة مضيق هرمز ليست مشكلة خليجية فقط، بل قضية أمن قومي عربي بامتداد.

القمة القبرصية تناقش أيضاً قضية أمن الطاقة، وارتفاع أسعار الوقود الأحفوري على اقتصادات الدول الأوروبية. لكن بالنسبة للدول العربية، القضية مختلفة. هم ليسوا فقط مستهلكين للطاقة، بل منتجين أيضاً. أي اضطراب في المضيق يعني خسائر مباشرة في إيرادات النفط والغاز، إضافة إلى تداعيات سياسية تتعلق بالنفوذ الإقليمي.

التصريحات الأمريكية: ماذا قال البيت الأبيض؟

في الوقت الذي كان الأوروبيون والعرب يجتمعون، كان البيت الأبيض يدلي بتصريحات لافتة. المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، التي ظهرت في التقرير، قالت إن الجيش الأمريكي نجح في تدمير شبه كامل للقاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية خلال فترة لم تتجاوز 38 يوماً. هل يمكن تصديق هذا الرقم؟ 38 يوماً فقط لتدمير صناعة دفاعية بنتها إيران لعقود.

الموقع الرسمي للبيت الأبيض لم يصدر بياناً مفصلاً بهذا الشأن، لكن ليفيت أضافت أن هذا التصعيد أدى إلى تراجع قدرة طهران على تطوير الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة "لسنوات إلى الوراء". هذا تصعيد نوعي في التصريحات الأمريكية، لأنه يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إلى إيران كقوة إقليمية قادرة على التهديد، بل كدولة منهكة صناعياً وعسكرياً.

اقتباس حرفي من التقرير: "أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيد أن هذا التصعيد أدى إلى تراجع قدرة طهران على تطوير الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لسنوات إلى الوراء."

ما يثير الانتباه أن هذه التصريحات تأتي في وقت تغيب فيه الولايات المتحدة عن المشاورات المباشرة مع الأوروبيين والعرب. هل هذا يعكس ثقة أمريكية في قدرتها على إدارة الأزمة بمفردها؟ أم أنه يعكس رغبة في إبقاء مسافة بين واشنطن وأي تحالف بحري قد يخرج عن السيطرة؟ الأسئلة أكثر من الإجابات هنا.

الموقف الإيراني من خلال الوسيط العراقي .

التقرير لم يترك الموقف الإيراني غامضاً، بل استعان بتصريحات مستشار رئيس الوزراء العراقي عائد الهلالي. الهلالي، وهو شخصية قريبة من صنع القرار في بغداد، كشف أن "طهران لديها رغبة في الجلوس إلى طاولة المفاوضات" لكن بشروط محددة.

ما هي هذه الشروط؟ الهلالي يوضح:

  1. رفض التفاوض تحت التهديد أو الضغط العسكري المباشر

  2. ضمان حقوق إيران كجزء من عملية التفاوض

  3. ضمان أن مضيق هرمز مفتوح أمام الجميع دون حصار

  4. معالجة قضية السفينة الإيرانية التي تم الاستيلاء عليها مع طاقمها

هذه الشروط الأربعة تشكل إطاراً واضحاً للموقف الإيراني. لكن السؤال الأهم: هل هذه الشروط مقبولة من الطرف الآخر؟ التقرير يلمح إلى أن الحل يتطلب "تقديم تنازلات متبادلة"، وأن استمرار الحرب "مكلف للجميع". ربما هناك اتفاقات "من تحت الطاولة" يجري بحثها حالياً، كما يشير التقرير.

موقع وكالة مهر للأنباء، المقربة من النظام الإيراني، نشر تقارير تحدثت عن استعداد طهران للحوار لكن "ليس تحت سقف التهديدات". وهذا يتطابق مع ما قاله الهلالي، مما يعزز مصداقية هذه التصريحات.

غياب الولايات المتحدة وإيران: الغائبان الحاضران .

ربما أغرب ما في هذه التطورات هو أن أطراف الأزمة الأساسية، الولايات المتحدة وإيران، غائبة عن المشاورات. التقرير يذكر ذلك صراحة: "تأتي هذه الخطوات وسط غياب الولايات المتحدة وإيران عن المشاورات". هذا الغياب ليس طبيعياً، وهو يطرح تساؤلات مهمة: كيف يمكن حل أزمة دون مشاركة أطرافها الأساسية؟

الإجابة المحتملة أن الأوروبيين والعرب يحاولون بناء توافق دولي يضع إطاراً لحل الأزمة، ثم يقدمونه لواشنطن وطهران كأمر واقع. هذا النهج محفوف بالمخاطر، لأن أي طرف قد يرفض ما تم الاتفاق عليه في غيابه. لكن التقرير يشير إلى أن المسار العقلاني يتطلب "تنازلات متبادلة"، وربما الاجتماعات الحالية هي محاولة لترجمة هذه التنازلات إلى صيغة قابلة للتنفيذ قبل طرحها على المعنيين.

التقارب مع ترامب: لماذا لا تريد الدول المشاركة قيادة أمريكية؟

تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابقة، التي أكد فيها أن تأمين مضيق هرمز هو "مسؤولية الدول المستفيدة منه"، لعبت دوراً في دفع الدول الأخرى نحو تشكيل تحالف مستقل. التقرير يذكر أن هذا التوجه أدى إلى "تقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية".

أرشيف موقع البيت الأبيض لفترة ترامب يحتوي على تصريحات متعددة تؤكد هذا الموقف. ترامب كان واضحاً: الولايات المتحدة لن تكون شرطي العالم بعد الآن، وعلى الحلفاء تحمل مسؤولياتهم. هذا الموقف، الذي اعتبره البعض تخلياً عن القيادة الأمريكية، كان دافعاً مباشراً لتشكيل هذا التحالف الجديد.

اقتباس من التقرير: "يضم الاجتماع الذي يضم 30 دولة في لندن لا يعمل تحت قيادة أمريكية، وهو ما يمثل تحولاً جديداً في هيكلية التحالفات البحرية في المنطقة."

التحالف الجديد ليس مجرد بديل أمريكي، بل هو "حل وسط" كما يصفه المراسل عمرو المنيري. حل يرضي واشنطن لأنها لم تعد تريد تحمل العبء الأكبر، ويرضي الأوروبيين لأنهم يحصلون على قدر من الاستقلالية في قراراتهم الأمنية، ويرضي العرب لأنهم يجدون قوة دولية متعددة الجنسيات تحمي مصالحهم الحيوية.

التحديات الميدانية: لماذا المهمة ليست سهلة؟

التقرير لا يبيع أوهاماً. يذكر صراحة أن هناك "تحديات ميدانية" قائمة، خاصة مع تراجع حركة الملاحة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، هناك التحذيرات الإيرانية من أن "أي تدخل عسكري مباشر قد يؤدي إلى توسع دائرة المواجهة".

موقع الشرق الأوسط نشر تقارير سابقة عن قدرات إيران البحرية غير التقليدية، بما في ذلك الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية. هذه القدرات تشكل تحدياً حقيقياً لأي قوة بحرية تقترب من مياه الخليج. ليس لأن إيران تستطيع مواجهة الأساطيل الحديثة في معركة تقليدية، ولكن لأنها تستطيع استخدام تكتيكات حرب العصابات البحرية لإلحاق أضرار كبيرة ومربكة.

التوازن الدقيق الذي يتحدث عنه التقرير هو بين ضرورة تأمين حرية الملاحة وبين تجنب انفجار عسكري شامل. هذا التوازن يتطلب تخطيطاً دقيقاً وتنسيقاً عالياً بين جميع الدول المشاركة، وأي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كارثة.

نتوقع أن تشارك هولندا: تفصيل دقيق لا يجب تجاوزه .

نعود إلى نقطة هولندا وكاسحات الألغام. لماذا هذا التفصيل مهم جداً؟ لأن التقرير يقول "من المتوقع أن تشارك هولندا"، وهذا يعني أن المشاركة ليست مؤكدة بعد. المفاوضات لا تزال جارية حول حجم المساهمة الهولندية وطبيعتها. وكالة الأنباء الهولندية ذكرت أن البرلمان الهولندي سيصوت على المشاركة في الأيام القادمة، مما يعني أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.

هذا يعكس طبيعة التحالفات الدولية في العصر الحديث: حتى عندما تبدو الأمور جاهزة، تبقى التفاصيل الدقيقة قيد التفاوض. كل دولة لها إجراءاتها الدستورية وسياقاتها السياسية الداخلية التي يجب احترامها. بعض الدول قد تشارك بقطع بحرية كاملة، وأخرى قد تكتفي بمعدات أو مستشارين أو حتى تمويل.

القمة القبرصية: منصة لإدارة التوترات .

التقرير يصف القمة في قبرص بأنها "محطة للبحث في كيفية تعزيز جاهزية الاتحاد الأوروبي للتعامل مع التحديات الأمنية". هذا وصف دقيق. قبرص، بموقعها الجغرافي القريب من الشرق الأوسط، هي منصة مثالية لمناقشة قضايا أمن الطاقة والسياسة الخارجية والأمن الإقليمي.

ما لا يذكره التقرير صراحة، لكن يمكن استنتاجه، هو أن قبرص تستثمر في هذه القمة لتعزيز دورها الإقليمي. نيقوسيا تريد أن تكون لاعباً أساسياً في معادلة الطاقة والأمن في شرق المتوسط والشرق الأوسط. استضافة هذا الحدث الضخم تمنح قبرص فرصة نادرة لإثبات جدارتها كوسيط دولي موثوق.

خدمة صحافة الأنباء القبرصية نشرت تحليلات مطولة عن استعدادات الجزيرة لهذه القمة، مؤكدة أن الأمن سيكون على أعلى مستوى، وأن قادة العالم سيحظون بحماية استثنائية خلال وجودهم في المنتجعات الساحلية في أجيا نابا.

ماذا بعد؟ السيناريوهات المحتملة .

بناء على كل هذه المعلومات، ماذا يمكن أن نتوقع في الأسابيع القادمة؟

السيناريو الأول: ينجح التحالف في تشكيل قوة بحرية فعالة، ويتمكن من إزالة الألغام ومرافقة السفن، وتستجيب إيران للضغوط الاقتصادية وتوافق على إعادة فتح المضيق. هذا هو السيناريو المتفائل، ويتطلب أن تكون الشروط الإيرانية قد أُخذت في الاعتبار وأن يكون هناك تفاهمات خلف الكواليس.

السيناريو الثاني: يواجه التحالف صعوبات في التنسيق، وتبدو التهديدات الإيرانية جادة بما يكفي لردع أي تحرك عسكري. في هذه الحالة، قد تتحول المهمة إلى عملية رمزية أكثر منها عملية حقيقية، وتستمر أزمة الملاحة لفترة أطول.

السيناريو الثالث: يؤدي أي احتكاك بحري إلى حادثة مؤسفة، وسرعان ما يتصاعد الموقف إلى مواجهة عسكرية محدودة. هذا هو السيناريو الأسوأ، لكن التقرير يلمح إلى أن الجميع يدرك خطورته ويسعى لتجنبه.

ملاحظة مهمة للقارئ: التقرير الأصلي يؤكد أن "الجميع يدرك أن استمرار الحرب مكلف للجميع"، وهذه ربما تكون النقطة الأكثر تفاؤلاً في كل هذه التطورات. عندما تدرك الأطراف أن الحرب ليست في مصلحة أحد، تصبح فرص الحل الدبلوماسي أكبر بكثير.

خلاصة .

الاجتماع العسكري في قاعدة نورث وود والقمة السياسية في قبرص هما وجهان لعملة واحدة. الأول يخطط للتفاصيل الميدانية، والثاني يمنح الغطاء السياسي والشرعية الدولية. معاً، يشكلان إطاراً جديداً لإدارة الأزمات في منطقة الخليج، إطار لا تهيمن عليه قوة عظمى واحدة، بل تتقاسمه مجموعة من الدول ذات المصالح المشتركة.

الولايات المتحدة، رغم غيابها عن طاولة المشاورات، حاضرة في التصريحات والمواقف وفي قدرتها العسكرية المعلنة. إيران، رغم غيابها أيضاً، حاضرة في المحادثات غير المباشرة عبر الوسيط العراقي وفي حساب المخاطر الذي يجريه المخططون في لندن.


إقرأ أيضا  :

القاهرة تدير حرب الظل مع إيران.. وقناة اتصال سرية بين اللواء حسن رشاد والحرس الثوري تكشف لأول مرة .

“صراع حاملات الطائرات الثلاث: هل تبدأ أمريكا الحرب قبل أن تنتحر إيران في مضيق هرمز؟”

“الدور المصري السري في حرب أمريكا وإيران: هل تدير القاهرة أخطر مفاوضات الشرق الأوسط في الظل؟”

إرسال تعليق

أحدث أقدم