إيران تطلق صواريخ كروز على سفن أميركية والحرس الثوري يسيطر على مضيق هرمز.. ترامب يفشل في "مشروع الحرية" والكونجرس يرفض تريليوني دولار .

 مضيق هرمز: ساحة المواجهة الجديدة بين إيران وأمريكا… من يمتلك عصا السيطرة؟

تفاصيل حصرية: إيران تطلق صواريخ كروز على سفن تجارية وشواطئ إماراتية مع بدء مشروع الحرية الأميركي في مضيق هرمز. الحرس الثوري الإيراني ينشر خريطة جديدة للنطاق الخاضع لسيطرته ويمدد السيادة جنوباً حتى الفجيرة وغرباً حتى أم القيوين. باكستان تقدم خطة ثلاث مراحل لإنهاء الحرب بين إيران وأمريكا تاركة المرحلة الثالثة فارغة. إيران تعدل الخطة وتشترط سيطرتها الكاملة على المضيق وفرض رسوم على سفن الخليج ومنع السفن الإسرائيلية. عباس عراقجي يطلب من عمان التوسط مع دول الخليج ومن روسيا نقل اليورانيوم المخصب. ترامب يطلب تريليون ونصف دولار ميزانية عسكرية والكونجرس يصف طلبه بالجنون. تفاصيل حادثة المدمرات الأميركية في المضيق وإنذار الحرس الثوري بـ 15 دقيقة وانسحاب القوات. إسرائيل تضرب 120 هدفاً لحزب الله في 48 ساعة لإفشال المفاوضات. تحليل كامل للصراع الجيوسياسي في أهم ممر مائي في العالم.

كيف ستدير إيران مضيق هرمز؟
كيف ستدير إيران مضيق هرمز؟


في تطور دراماتيكي للأحداث، أطلقت البحرية الإيرانية الاثنين صواريخ كروز باتجاه سفن تجارية وشواطئ إماراتية، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان الجيش الأميركي تدشين مهمة "مشروع الحرية" لتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز. جاء هذا القرار الرئاسي المباشر بعد أن أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجيش الأميركي رسمياً بدخول المضيق وتحريك السفن التجارية العالقة وإجبارها على العبور، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة النارية. وبموجب هذه التعليمات، صدر الأمر للقوات الأميركية بأنه إذا حاول الحرس الثوري الإيراني منع هذه العملية، فإن الرد سيكون بالنار مباشرة.

الحرس الثوري يرد بخريطة تهديد ونطاق جديد للسيطرة

لم ينتظر الحرس الثوري الإيراني طويلاً بعد سماعه هذا التهديد الأميركي المباشر. فما كان منه إلا أن نشر خريطة جديدة لمضيق هرمز أظهر فيها إغلاقه للمضيق من الناحيتين، معلناً في بيان رسمي أن هذه المنطقة هي منطقة نفوذه، وأن أي قوة تحاول دخولها سيتعرض للنار أيضاً. هذه الخريطة، التي كشفت عنها وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري، حددت النطاق الجديد الخاضع لسيطرة القوات المسلحة الإيرانية في مضيق هرمز، والذي يمتد جنوباً من الخط الواصل بين جبل مبارك في إيران وجنوب الفجيرة في الإمارات، وغرباً من الخط الواصل بين نهاية جزيرة قشم الإيرانية وأم القيوين في الإمارات.

في هذه الأثناء، كان المراقبون يتساءلون: من الذي سيضرب الثاني بالنار؟ الأطراف تتفاوض أم تتصارع؟ وإذ بهم يفاجأون بظهور باكستان على الساحة، معلنة في ثانية واحدة أن لديها خطة من ثلاث مراحل لإنهاء الحرب بين إيران وأمريكا. لكن الغريب في هذه الخطة أن باكستان وصلت إلى المرحلة الثالثة وتركتها فارغة تماماً، أي لم تكتب فيها أي شيء. وعندما سئل المسؤولون الباكستانيون عن فائدة مرحلة ثالثة فارغة، كان ردهم أن المشكلة الحقيقية لم تكن هنا أصلاً.

بالتزامن مع إعلان باكستان عن خطتها، قام عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، بسفر إلى عمان وإلى روسيا، حيث قدم طلبين لكل منهما. فمن عمان، طلب عراقجي أمرين: الأول أن تتوسط إيران لدى دول الخليج من أجل المصالحة، والثاني أن تشارك عمان في السيطرة على مضيق هرمز. أما من روسيا، فكان الطلب مختلفاً تماماً، وهو ما سنكشف عنه لاحقاً.

الرد العماني الرافض والمبادئ الثابتة

الشعب العماني معروف بأنه شعب طيب لا يريد شيئاً من أحد، ولا يريد أن يتورط في أي قضية لحساب أي طرف. لذلك، بمجرد أن سمعت عمان العرض الإيراني، ردت قائلة: "متشكرين جداً، لكننا لا نريد شيئاً من أحد، ولا نريد أكثر من أن يظل مضيق هرمز يعمل بنفس الطريقة التي كان يعمل بها قبل الحرب، كممر بحري مفتوح لحركة الملاحة الدولية". وأضافت عمان في ردها: "هذا هو ما ستعودون أنتم أيضاً بالفائدة من ورائه، وستخرج لكم أموال منه، لكن لا فائدة من مشاركتنا في التشغيل". وهكذا، رفضت عمان المشاركة في تشغيل مضيق هرمز أو حتى السيطرة عليه.

ماذا طلبت إيران من روسيا؟

بعد أن رفضت عمان الوساطة والمشاركة، ننتقل إلى الطلب الإيراني من روسيا. لقد طلبت إيران من روسيا أن توافق على نقل اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية إلى الأراضي الروسية. ببساطة، إيران تريد إخفاء اليورانيوم المخصب الذي لديها في روسيا. لكن هذه لم تكن المشكلة الحقيقية. المشكلة كانت في زيارة عراقجي لعمان نفسها، لأنها أثارت سؤالاً مهماً للغاية: هل إيران فعلاً تريد التصالح مع دول الخليج الآن؟ ولماذا؟

خطة باكستان لإنهاء الحرب: المراحل الثلاث بالتفصيل

دعونا الآن نكشف تفاصيل الخطة الباكستانية التي أثارت كل هذا الجدل. لكي نصل إلى المرحلة الثالثة الفارغة، يجب أن نفهم المرحلة الأولى والثانية أولاً.

المرحلة الأولى من الخطة الباكستانية نصت على أن أمريكا يجب أن تعلن وقفاً كاملاً وشاملاً لإطلاق النار على مستوى المنطقة كلها، وليس فقط في إيران. الخطة طالبت أمريكا بأن توقف ضرب النار في إيران ومعها لبنان في نفس الوقت.

المرحلة الثانية من الخطة اشتملت على ثلاثة بنود رئيسية:

البند الأول: بعد إعلان وقف إطلاق النار، يتعين على أمريكا أن تنهي الحصار الذي فرضته على الموانئ الإيرانية.

البند الثاني: أمريكا تسمح للسفن الإيرانية بأن تصدر النفط إلى الصين ودول آسيا.

البند الثالث: ماذا ستحصل أمريكا مقابل هذه التنازلات؟ الخطة الباكستانية أوضحت أن المقابل هو أن تفتح إيران مضيق هرمز أمام كل السفن وبدون أي رسوم.

هنا اعترضت أمريكا، قائلة إن كل هذه تنازلات من جانبها هي التي ستقدمها لإيران، بينما إيران لا تقدم تنازلات حقيقية. فتح مضيق هرمز، من وجهة النظر الأميركية، هو أمر مفروغ منه كنتيجة طبيعية لإنهاء الحرب، وليس تنازلاً تقدمه إيران. فردت باكستان قائلة إن إيران ستقدم بالفعل تنازلات، لكن هذه التنازلات ستأتي في المرحلة الثانية من الخطة.

التنازلات الإيرانية في المرحلة الثانية

في المرحلة الثانية من الخطة الباكستانية، سلمت إيران برنامجها النووي بالكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولكن تحت الإشراف الأميركي المباشر. بعبارة أخرى، وبدون تزيين الكلام، إيران ستسلم برنامجها النووي لأمريكا، تماماً كما فعلت ليبيا من قبل. الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من وجهة النظر هذه، ليست سوى ديكور تختبئ وراءه أمريكا.

نص البند التالي من الخطة على أن إيران ستنفذ الشرط الأميركي بالتخلص من اليورانيوم المخصب، لكن مع تعديل صغير: وهو تسليمه لروسيا بدلاً من تسليمه لأمريكا. أما الحل الثاني، إذا رفضت إيران هذا الخيار، فهو أن تحتفظ إيران باليورانيوم المخصب داخل أراضيها ولكن تحت رقابة مشددة للغاية من المخابرات الأميركية.

وماذا تستفيد إيران مقابل كل هذا؟ الخطة الباكستانية أوضحت أن أمريكا ستفرج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة، أي الأموال الإيرانية التي جمدت بسبب العقوبات. لكن أمريكا ستفرج عن جزء منها فقط، وليس كلها. وهكذا، اقترحت باكستان أن تتنازل إيران عن اليورانيوم المخصب مقابل الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة. هذا يذكرنا فوراً بالاقتراح الأميركي الذي عرض سابقاً على إيران، والذي عرضت فيه أمريكا 20 مليار دولار على إيران، لكن إيران هي التي رفضت. تقريباً نفس العرض، لكن باكستان لفّته بطريقة مغلفة بالهدايا.

المرحلة الثالثة الفارغة

هنا جاءت المرحلة الثالثة، التي اتضح أنها فارغة بالكامل. باكستان أوضحت أن هذه المرحلة صحيح أنها تخص البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الإيرانية ودعم الميليشيات مثل حزب الله، لكن لن يتم تحديد هذه المرحلة بشروط الآن. لن يتم تحديدها إلا بعد النجاح في تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية. بمعنى، عندما يتم تنفيذ المرحلة الأولى والثانية بنجاح، حينها نستطيع الجلوس والتحدث في المرحلة الثالثة الخاصة بالسلاح النووي والصواريخ والميليشيات.

التعديلات الإيرانية على الخطة الباكستانية

السؤال الآن: ما هو موقف إيران وأمريكا من خطة باكستان؟ لنبدأ بإيران. قالت إيران إن الخطة جميلة جداً، لكنها ستضيف عليها بعض التعديلات، مجرد أشياء بسيطة فقط. التعديل الأول: سنلغي المرحلة الأولى بالكامل ونكتب مكانها مرحلة جديدة. فكيف هذا؟ أنتِ قلتِ إنك ستضيفين تعديلات بسيطة، وتقومين بإلغاء المرحلة بأكملها؟ لكن ماذا تريد إيران أن تفعل في المرحلة الأولى بدلاً من ذلك؟

اقرأ أيضاً: تفاصيل الخريطة الجديدة التي نشرها الحرس الثوري الإيراني لمضيق هرمز

تقول إيران: في المرحلة الأولى، ستعلن أمريكا وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وخصوصاً في لبنان. هذا هو كل ما سيحدث في المرحلة الأولى. ألن تفتحوا مضيق هرمز في المرحلة الأولى إذا توقف إطلاق النار؟ تقول إيران: لا، وقف إطلاق النار ليس كافياً. فتح مضيق هرمز لن يحدث إلا عندما توافق أمريكا على المرحلة الثانية.

ما هي المرحلة الثانية برأي إيران؟ تقول إيران: إنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية. وحتى لو فعلت أمريكا ذلك وفتحنا مضيق هرمز، فإننا سنظل نحن من سيتولى إدارته. نحن سنشغل مضيق هرمز، وسنختار السفن التي يسمح لها بالعبور ونمنع الباقي.

نظام إدارة المضيق حسب الرؤية الإيرانية

كيف ستدير إيران مضيق هرمز؟ تقول إيران: سنقسم العبور في مضيق هرمز إلى ثلاثة مستويات.

المستوى الأول: أي سفينة تجارية ليس عليها مشاكل ستمر دون أن نعترضها.

المستوى الثاني: السفن الإسرائيلية أو حتى السفن التي لها علاقة بإسرائيل، حتى لو كانت تجارية، فهذه ممنوعة أصلاً من العبور.

المستوى الثالث والأخير: أي سفينة لها علاقة بالدول التي كانت تحاربنا، مثل دول الخليج، هذه السفن ستدفع رسوماً يتم استخدامها كجزء من التعويضات التي ستدفع لإيران لإعادة إعمار ما خسرته في الحرب.

هنا يجب أن تتوقف عند هذا البند، لأنه من أخطر ما يمكن أن تقوله إيران. إنها تقول إن مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، حتى لو أوقفت أمريكا إطلاق النار وانسحبت وأنهت الحصار عن الموانئ الإيرانية، وحتى لو انتهت الحرب تماماً. مضيق هرمز لن يعود كما كان. وقد كتبت إيران هذا الشرط الطاطي ضمن شروط التفاوض، لكي تتحكم براحتها في المضيق وتجمع الرسوم التي تريدها.

تساؤل مهم: من سيحدد أن السفن التي تعبر لها علاقة بإسرائيل؟ إيران وحدها من ستفعل ذلك. فقد تكون السفينة لا ترفع علم إسرائيل أصلاً، بل ترفع علم أي دولة أخرى، وتقول إيران "لن تعبر لأن لدي معلومة أن لها علاقة بإسرائيل". والإمارات مثلاً هي واحدة من أهم حلفاء إسرائيل في المنطقة، والهند واحدة من أهم حلفاء إسرائيل في المنطقة، وأمريكا ودول آسيا كلها دول لديها علاقات تجارية مع إسرائيل. فهل ستمنع إيران كل هذه الدول؟

أما البند الثاني الذي اشترطته إيران، فهو فرض رسوم على كل السفن التابعة للدول التي حاربتها مع أمريكا وإسرائيل. من هي هذه الدول من وجهة نظر إيران؟ دول الخليج. وجميع السفن الخارجة من مضيق هرمز تخرج أصلاً من دول الخليج التي ضربتها إيران في الحرب: قطر، الإمارات، السعودية، البحرين، الكويت، العراق. وهكذا، فأنت تقول لهذه الدول من الآن إنهم سيدفعون رسوماً، حتى لو لم يكتب ذلك في النص.

لاحظ أن إيران لم تقل في المرحلة الأولى إنها ستفرض رسوماً على عبور السفن، لكنها قالت في المرحلة الثانية إنها ستفرض رسوماً على الدول التي كانت واقفة مع أمريكا، أي قصدت دول الخليج. وإذا أخذت إيران رسوماً من دول الخليج، فهي ستأخذها من كل السفن الداخلة والخارجة من مضيق هرمز. وبالتالي، المرحلة الأولى والثانية وفقاً للتعديلات الإيرانية تقول إن التفاوض بينها وبين أمريكا لن يصل إلى شيء، لأن أحداً لن يوافق على هذا الكلام.

تأجيل الملفات الشائكة إلى المرحلة الثالثة

لكن إيران تقول: انتظر، ربما عندما تسمع المرحلة الثالثة، سيعجبك الكلام. ما هي المرحلة الثالثة؟ تقول إيران: لا والله، سنؤجل أي كلام في الملف النووي وبرنامج الصواريخ ودعم الميليشيات حتى تنفذ أمريكا لنا المرحلة الأولى والثانية. وعندما ترى تصرفات إيران، قد تظن أنها تعقد المشهد وتجبر أمريكا على الاستمرار في الحرب. فلماذا تفعل إيران ذلك؟ هل هي حقاً تريد الحرب؟

للإجابة على هذا السؤال، لنتأمل زيارتي عراقجي إلى عمان وروسيا. في هاتين الزيارتين، طلب من عمان أن تتوسط بين إيران ودول الخليج للمصالحة (تعالوا ننسى كل ما فات، نحن ولاد اليوم، انسوا كل الصواريخ والمسيرات التي ضربناكم بها، ونحن أيضاً سننسى أنكم وقفتم مع أمريكا وإسرائيل ضدنا، وتعالوا نبدأ صفحة جديدة). وفي روسيا، لم يكن طلب وزير الخارجية الإيراني سوى طلب واحد: أن تريد إيران أن تأتمن الرئيس الروسي بوتين على شحنة اليورانيوم المخصب التي لديها.

لقد كان مقترح نقل اليورانيوم المخصب من إيران إلى روسيا مطروحاً منذ بداية المفاوضات، وترامب كان موافقاً عليه، لكن إيران هي التي كانت رافضة في البداية. كانت إيران تحلف أن اليورانيوم لن يخرج من أراضيها. فماذا فعل ترامب؟ رفع سقف مطالبه، بأن قالت أمريكا إنها هي التي ستأخذ اليورانيوم وليس روسيا. فما كان من إيران إلا أن تراجعت خطوة إلى الوراء ووافقت على تسليم اليورانيوم لروسيا كحل وسط يرضي جميع الأطراف.

وهنا تدرك أن الطرفين قد تعبا. كل من أمريكا وإيران تعبا. ترامب من ناحية يريد أن يحل الحرب، فيرفع سقف المطالب لكي تتفاوض إيران على مطالب أقل في نهاية المطاف، فيُفتح المضيق وتنتهي الحرب. وإيران أيضاً تفعل نفس الشيء: بدأت تدخل أطرافاً وسيطة مثل عمان وروسيا لمساعدتها في إنهاء الحرب. لكن كيف تريد إيران إنهاء الحرب وفي نفس الوقت تعدل على خطة باكستان وتفرض شروطاً مبالغاً فيها؟

الإجابة: إيران تفعل بالضبط ما فعله ترامب. هي ترفع سقف المطالب لكي يتفاوض ترامب على مطالب أقل، وبالتالي تقلل هامش الخسائر التي ستخسرها في المفاوضات. إنها نفس اللعبة. فإيران قد تتفاوض على برنامجها النووي؟ بالطبع، لقد تفاوضت عليه بالفعل عام 2015، وعملت اتفاقاً نووياً مع أمريكا وأوروبا التزمت فيه بأن التخصيب لا يزيد عن 3%، وسمحت للمفتشين الدوليين بتفتيش مفاعلاتها.

المقارنة بين وضع إيران النووي 2015 و2026

إذا قارنت وضع إيران النووي عام 2015 باليوم عام 2026، ستجد أن وضعها اليوم أفضل بكثير. إيران اليوم لديها 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة أعلى من 60%. وإذا قدرت على الوصول إلى اتفاق بنقل هذا اليورانيوم إلى روسيا، فهذا يعني أنها ستبقى محتفظة بهذا الكم، حتى لو خفضت نسبة تخصيب اليورانيوم مرة أخرى إلى 3%، أو حتى لو أوقفت التخصيب بالكامل (ألغته تماماً). سيظل معها 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة أعلى من 60%، وهذا هو ما يجنن إسرائيل بالكامل.

إسرائيل ترى أن ترامب لا يمكنه أن يتنازل عن تدمير البرنامج النووي الإيراني. نتنياهو غير مقتنع بتسليم اليورانيوم لروسيا. وترامب نفسه قال إنه إذا انتهت الحرب دون تدمير كامل للبرنامج النووي الإيراني، سنضطر إلى محاربة إيران مرة أخرى بعد ثلاث سنوات، وكأننا لم نفعل شيئاً. خصوصاً أن إيران لا تزال رافضة التفاوض على برنامج الصواريخ ودعم الميليشيات. والواقع أن إيران، رغم موافقتها على نقل اليورانيوم المخصب لطرف وسيط، لا تزال حتى اليوم وبنفس الوقت رافضة مناقشة برنامج الصواريخ ودعم الميليشيات، لدرجة أنها تشترط أن تنتهي الحرب أولاً في لبنان، أي أن تتوقف إسرائيل عن ضرب حزب الله.

العرقلة الإسرائيلية للمفاوضات

ولإفساد أي اتفاق بين أمريكا وإيران، قامت إسرائيل بضرب 120 هدفاً لحزب الله في لبنان خلال 48 ساعة فقط. وهل تعلمون ماذا يعني أن تضرب 120 هدفاً؟ يعني 120 طلعة جوية لسلاح الطيران الإسرائيلي. 120 هدفاً يعني 120 انتهاكاً لهدنة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. إنها 120 لغماً تزرعها إسرائيل في طريق المفاوضات الجارية بين أمريكا وإيران. إسرائيل لا تريد أن تنتهي الحرب، وكلما شعرت أن إيران وأمريكا تتقدمان خطوة إلى الأمام، ترجعهما عشرين خطوة إلى الوراء. فلماذا يريد ترامب أصلاً إنهاء الحرب؟ لماذا لا يكمل حتى ينتصر على إيران؟

أزمة ترامب مع الكونجرس والتمويل العسكري

الإجابة ظهرت في الكونجرس الأميركي منذ يومين. فقد كشف أعضاء الكونجرس أن ترامب طالب بميزانية عسكرية لم يطلبها أي رئيس غيره من قبل. ترامب طالب بمبلغ تريليون ونصف التريليون دولار، وهذا بالطبع بخلاف مصاريف حرب إيران. إذاً، ترامب يتحدث تقريباً في مبلغ 2 تريليون دولار. فوصف الكونجرس الأميركي هذا المبلغ الذي يطلبه ترامب بأنه هبل، وليس له مسمى آخر غير الجنون. وتساءلوا: ما الذي يجعلك تريد كل هذه الأموال؟ وما هو الخطأ الذي تفعله لتطلب 2 تريليون دولار لتصرفهم في سنة واحدة؟ فأجاب ترامب بصراحة: "لقد انتهى مخزون السلاح الذي لدينا، ونحتاج إلى تجديده". نعم، لقد أنهكت الحرب مخزون السلاح الأميركي بالكامل.

وقال ترامب: "لا تقلقوا، لقد طلبت من شركة لوكهيد مارتن أنها بدلاً من أن تصنع 600 صاروخ باتريوت كل عام، ستصنع لنا 2000 صاروخ كل عام. وبدلاً من أن نصنع 96 صاروخاً من صواريخ إس إيه دي كل عام، سنصنع 400 صاروخ كل عام. وبما أن تكلفة الصاروخ الواحد من صواريخ إس إيه دي تبلغ 15 مليون دولار، فإن سعر المنظومة الواحدة لا يقل عن مليار دولار". هذه أرقام فلكية في صناعة السلاح الأميركي. وبما أن التكلفة بهذا الشكل، فهو مضطر إلى مضاعفة ميزانية البنتاغون بأكملها.

وبالتالي، ترامب يعاني اليوم في أمريكا من أزمة كبرى مع الكونجرس والتمويل. والجيش الأميركي يعاني من أزمة كبرى مع الصين، التي لم تطلق طلقة واحدة على تايوان حتى الآن، ولم تصرف دولاراً واحداً على الحرب. الجيش الصيني لا يزال في كرتونته. أي مقارنة بين الجيش الأميركي والجيش الصيني اليوم ستكون لصالح الصين وليس أمريكا.

أما السبب الثاني الذي يجعل ترامب يريد إنهاء حرب إيران بأي ثمن، فهو انتخابات التجديد النصفي التي قد تسقط الحزب الجمهوري بأكمله. الكلام في أمريكا اليوم لم يعد "هل سيكسب ترامب الانتخابات القادمة أم لا؟" السؤال اليوم أصبح: "هل سيتمكن الحزب الجمهوري بأكمله من كسب الانتخابات أم لا؟" والحزب الجمهوري نفسه بدأ ينقلب على ترامب. نعم، الحزب الجمهوري الذي هو حزب ترامب، والذي يتبعه ترامب، بات يرى أن ترامب يؤذيه، ويخسرون شعبيتهم، ويُحرَمون من النجاح في الانتخابات التي لم تبدأ بعد. وكل هذا بسبب إسرائيل.

أما السبب الثالث، فهو إدراك ترامب المتأخر أن اغتيال خامنئي أضر بأمريكا أكثر مما خدمها. فرغم كل سلبيات خامنئي بالنسبة لأمريكا، إلا أنه كان الوحيد الذي يمتلك القدرة على التحكم في الحرس الثوري الإيراني. فمهما كانت المشاكل التي كان يسببها لأمريكا وإسرائيل، إلا أن الحرس الثوري الإيراني لم يكن قادراً على كسر كلمته. أما اليوم، فيكتشف ترامب لأول مرة أن اغتيال خامنئي أفقدهم القدرة على التفاوض مع الحرس الثوري الإيراني. أمريكا لا تستطيع التفاوض مع الحرس الثوري الإيراني. قادة إيران أنفسهم، مثل وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد قاليباف، ليس لهم حكم على الحرس الثوري.

حادثة المدمرات الأميركية في المضيق

عندما ذهبوا للتفاوض مع أمريكا، ودخلت المدمرات الأميركية مضيق هرمز، ماذا حدث؟ كلم الحرس الثوري الإيراني عباس عراقجي وقال له: "أبلغ أمريكا أن المدمرات الأميركية ستُضرب خلال 15 دقيقة إذا لم تنسحب من المضيق". مع العلم أن عباس عراقجي ومحمد قاليباف هما من كانا يتفاوضان باسم إيران، أي هما من يفترض أن يوجها الأمر، وليس الحرس الثوري باعتباره مجرد فصيل عسكري تابع للجيش. ولكن هذا الكلام صحيح على الورق فقط. على أرض الواقع، الحرس الثوري الإيراني هو من يحكم إيران، وهو من يوجه الأمر لعباس عراقجي ومحمد قاليباف: "المدمرات الأميركية تنسحب فوراً وإلا سنغرقها".

فقال الوفد الأميركي: "المفاوضات شغالة يا حضرات".
فرد الحرس الثوري من خلف ظهر المفاوضين: "لا توجد مفاوضات، ولا شكل أمامنا. اتركوا لنا مساحة للتفاوض، لا توجد مساحة للتفاوض. المدمرات تنسحب الآن. تنسحب الآن".
وبالفعل، قام عباس عراقجي بإبلاغ الوفد الأميركي بتعليمات الحرس الثوري. ولم يكن أمام الجيش الأميركي حل آخر غير أن يسحب المدمرتين اللتين دخلتا مضيق هرمز. فإما هذا، وإما ستتوقف المفاوضات. وإذا ضُربت المدمرتان والمفاوضات شغالة، فهذا دليل ثانٍ على رغبة ترامب الحقيقية في إنهاء الحرب، لأنه بالفعل نفذ أوامر الحرس الثوري وسحب المدمرتين.

الحرس الثوري في خانة "إما أن يكون أو لا يكون"

بالمناسبة، الحرس الثوري دخل الآن في خانة "إما أن يكون أو لا يكون". فهو لا يمكنه أن يخسر، لأنه إذا خسر فسينكسر. أما أمريكا، فستظل أمريكا سواء خسرت الحرب أم انتصرت. فهي خسرت حروباً كثيرة قبل ذلك: خسرت حرب فيتنام، خسرت حرب أفغانستان، غرقت في مستنقع العراق، ومع ذلك لا تزال أمريكا هي أمريكا.

وهنا سؤال مهم: أين مجتبى خامنئي؟ أليس هو من يفترض أن يقود إيران ويقود الحرس الثوري نفسه؟ كل التقارير الاستخباراتية تؤكد أن مجتبى خامنئي أصيب بإصابة كبيرة جداً في لحظة اغتيال والده، حيث ذهب في الانفجار أبوه وأمه وزوجته وابنه الأربعة، كلهم في ضربة واحدة. ولأن مجتبى نفسه كان معهم، فقد أصيب إصابة كبيرة في وجهه ورجله. وبالتالي، حتى لو افترضنا أنه لا يزال على قيد الحياة أو حتى أنه يشارك في صنع القرار، فلن يكون بنفس القوة والقدرة التي كان عليها والده. أي خلقة من الله. وهذا معناه أن الحاكم الفعلي لإيران اليوم هو الحرس الثوري الإيراني. 


ترامب يأمر بفتح المضيق وتحرير السفن

إذاً، ترامب يأمر الجيش الأميركي بفتح مضيق هرمز وتحرير السفن التجارية المحتجزة هناك. لكن ماذا سيفعل الحرس الثوري الآن؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب أولاً أن نفهم ما يعنيه أن السفن محتجزة في مضيق هرمز. في الواقع، لا يوجد شيء اسمه "السفن احتُجزت" بالمعنى الحرفي. كل ما حدث أن السفن خائفة من التحرك بسبب الألغام البحرية التي زرعتها إيران في الماء. وأمام هذه السفن حل من اثنين: إما أن تزيل إيران الألغام بنفسها، وإما أن تزيلها كاسحات الألغام الأميركية.

وهناك حل ثالث، وهو أن يحدد الجيش الأميركي لهذه السفن التجارية مسارات بحرية خالية من الألغام (امشي يمين، امشي شمال) حتى تخرج السفينة من المضيق بدون أي مشاكل. وهذا هو بالضبط ما قال ترامب إنه سيفعله. وقد يتطور هذا الأمر لاحقاً إلى توجيه ضربة عسكرية كاملة، أو قد يتطور لاندلاع الحرب من جديد. لكن كيف ستبدأ الحرب مرة أخرى؟

سيبدأ الأمر بتوجيه الجيش الأميركي للسفن التجارية للخروج الآمن من مضيق هرمز. فإذا قام الحرس الثوري بضرب السفن أو التعرض للبحرية الأميركية، فسيكون من حق أمريكا أن تدافع عن نفسها، وهنا ستتحول الحرب من اعتداء من أمريكا على إيران إلى اعتداء من إيران على أمريكا. وعندها، سيكون الكونجرس مجبراً على توفير الميزانية التي طلبها ترامب، ومجبراً على السماح له بدخول حرب كاملة ضد إيران. فما دامت إيران هي من تضرب أمريكا، فلم يعد هناك مفر.

تغيير السردية: من "الغضب الملحمي" إلى "مشروع الحرية"

لاحظ هنا الاسم الذي اختاره ترامب للعملية التي ينفذها الآن في مضيق هرمز. لقد أطلق عليها اسم "مشروع الحرية"، بعد أن كان قد أسمى حربه على إيران مسبقاً باسم "الغضب الملحمي". فما الذي جعل ترامب يغير هذا الاسم من "الغضب الملحمي" إلى "مشروع الحرية"؟

ترامب واجه عدة مشاكل. أولاً، عملية "الغضب الملحمي" فشلت، ولم يستطع ترامب تحقيق أهداف الحرب. ثانياً، ترامب مقيد بالدستور الأميركي وقرارات الكونجرس التي تنص على أن العمليات العسكرية لا ينبغي أن تزيد عن 60 يوماً. ثالثاً، لا يوجد أحد في أمريكا يوافق على أن يدخل ترامب في عمليات عسكرية جديدة ضد إيران. وبالتالي، حتى لو أراد ترامب محاربة إيران، فإنه لن يستطيع.

فقرر ترامب تغيير الاستراتيجية. أوقف عملية "الغضب الملحمي" الفاشلة، وأبلغ الكونجرس بأن العمليات العسكرية ضد إيران قد انتهت. ثم عمل على أن تكون إيران هي من تعتدي على أمريكا، لكي تصبح أمريكا في موقع الدفاع عن النفس. عندها، لن يستطيع الكونجرس الاعتراض، ولن يستطيع الحزب الديمقراطي ولا حتى الجمهوري التحدث ضدهم. ثم فجأة، خرج ترامب وأعلن: "نحن سننفذ عملية 'مشروع الحرية'". فما هو هذا المشروع الجميل؟ قال ترامب: "نحن لا نضرب إيران ولا نقترب منها. كل ما سنفعله هو مساعدة السفن التجارية المسكينة التي احتُجزت في مضيق هرمز، سنساعدها لتخرج منه وتعود إلى بلدها".

فإذا قيل له: "وما دخلك بهذه القصة؟ دع كل دولة ترجع سفينتها بالطريقة التي تعجبها"، فيرد ترامب: "هذه الدول هي التي طلبت منا ذلك. إنهم طلبوا مني تحرير سفنهم. أنا لا أتحرك بمزاجي الخاص. بالعكس، المجتمع الدولي هو الذي طلب مني مساعدته في تحرير السفن الموجودة في مضيق هرمز". وهكذا، تدرك أن ترامب بدأ يشتغل صح، ولمّ المجتمع الدولي حوله. ثم ذهب ليجَر إيران تحت مسمى "مشروع الحرية"، لكي إذا ضربته إيران يقول لها: "لقد ضُربتُ، ويجب أن آخذ حقي".

الخلاصة: من كان يرى ما سيحدث من البداية؟

من هنا، نجد أن إيران نفسها هي من كانت ترى ما سيحدث من البداية وتحاول تجنبه. ولهذا السبب، طلبت إيران من عمان أن تصالحها مع دول الخليج، وطلبت من روسيا أن تنقل لها اليورانيوم المخصب، لكي تنجح المفاوضات مع أمريكا ويتجنبوا الدخول في الحرب مرة ثانية.

إذن، ماذا يعني كل ما سبق؟

أولاً: أمريكا وإيران موجوعتان، لكن كلاً منهما يحاول تحقيق أكبر قدر من المكاسب في المفاوضات.

ثانياً: إيران، صحيح أنها بدأت تظهر مرونة في الملف النووي، لكنها لا تزال متمسكة بما هو أخطر من النووي: السيطرة على مضيق هرمز، تطوير برنامج الصواريخ، ودعم الميليشيات. إيران تتفاوض مع أمريكا وتحاول التصالح مع دول الخليج، لكنها في نفس الوقت رفعت السلاح وتستخدم الحرس الثوري لتخويف الجميع، لكي تستطيع حماية مصالحها.

ثالثاً: أمريكا بدأت تورط إيران بتغيير السردية الإيرانية نفسها. فبعدما كانت إيران تبرر موقفها بأنها هي التي تتعرض للاعتداء، ها هي أمريكا تغير هذه السردية وتجعل إيران هي التي تعتدي على أمريكا.

رابعاً: المفاوضات الأميركية الإيرانية غائب عنها أهم طرف في المعادلة كلها، وهو نتنياهو. يجب أن تصارح نفسك أن نتنياهو هو الذي يحرك ترامب، هو الذي يتحكم في حرب لبنان، هو الذي يضرب حزب الله، وهو الذي يُضرب بصواريخ إيران، وهو الذي يُهدد بالبرنامج النووي الإيراني. وبالتالي، لكي نحكم على مفاوضات إيران إذا كانت ستكمل أم لا، يجب أن نسأل أنفسنا أولاً: ما هو موقف نتنياهو من الاتفاق؟ أمريكا بنفسها هي التي وقعت هدنة ووقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. لكن ما هي أخبار هذه الهدنة اليوم؟ الحرب لا تزال شغالة، بل بالعكس، الجيش الإسرائيلي دخل جنوب لبنان.

خامساً: وهذا هو الأهم، محاولة إيران استخدام عمان كوسيط للصلح بينها وبين دول الخليج يعني أن إيران بدأت تحتاج إلى دول الخليج. وهذا الاحتياج قد تترجمه دول الخليج بسهولة إلى شروط على طاولة المفاوضات. فقد تتفاوض دول الخليج مع إيران لتحقيق كل المطالب التي لم تستطع تحقيقها بالحرب. الفرصة الآن أمام دول الخليج، لأن إيران هي التي ذهبت إليها بنفسها.

إقرأ أيضاً: موقف القوات الأميركية من الهجمات الإيرانية المزعومة - راديو كندا

هل ستستفيد دول الخليج من التراجع الإيراني بالبلدي، كما يقولون؟ هذا هو السؤال الذي تنتظر الأيام إجابته، بينما تقف المنطقة على صفيح ساخن، تنتظر من يلمس فتيل المرحلة القادمة من هذه الحرب الطويلة.   

إقرأ أيضا  :




إرسال تعليق

أحدث أقدم