ترامب يهدد "بتفجير" سلطنة عُمان الحليف الأقدم لأمريكا.. هل انقلبت واشنطن على حلفائها في الخليج؟ وما قصة المسيرات التي غيرت موازين الحرب مع إيران؟

لغز تهديدات ترامب لسلطنة عُمان - قراءة في خلفيات الأزمة .

تحليل جيوسياسي شامل يكشف لغز تهديدات ترامب بتفجير سلطنة عُمان الحليف الاستراتيجي الأقدم لأمريكا في الخليج منذ عام 1833. تعرف على حقيقة العلاقات العمانية الأمريكية، ولماذا تتجه مسقط نحو التقارب مع إيران، وما قصة إسقاط 20 طائرة مسيرة أمريكية MQ-9 Reaper في 39 يوماً. نستعرض الانقسامات الخليجية الخطيرة بين عُمان والإمارات والسعودية وقطر، وصفقة المسيرات القطرية المهددة بالانهيار، والمفاوضات السرية بين واشنطن وطهران لفتح مضيق هرمز. تفاصيل حصرية عن خسائر أمريكا في حرب إيران، وتردد ترامب في التوقيع على الاتفاق، وتأثير الحرب على هيبة السلاح الأمريكي عالمياً. قراءة معمقة لمستقبل النظام العالمي بعد إغلاق المضيق لأشهر، وتداعيات الحرب على تايوان وأوروبا. تحليل لا يفوت عن أخطر لحظة في تاريخ الشرق الأوسط.

تصريح عابر أم تحول استراتيجي يغير ملامح المنطقة؟

في لحظة ربما يعتبرها الكثيرون مجرد انفعال عابر من رئيس معروف بنوباته الغاضبة وردود أفعاله غير المحسوبة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليقلب المعادلات في الخليج العربي رأساً على عقب. القصة بدأت عندما كان ترامب جالساً في مؤتمر صحفي، وفوجئ بسؤال من أحد الصحفيين، والأوساط المحيطة بالرئيس الأمريكي تؤكد أن هذا السؤال جاء على غفلة، أي أن الصحفي ضغط على نقطة كان ترامب يفكر فيها بالفعل.

السؤال كان مباشراً وحاسماً: ماذا ستفعل إذا تم اتفاق بين عُمان وإيران للسيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن المارة؟ كانت إجابة ترامب صادمة حتى لأقرب مستشاريه: "لا، المضيق سيكون مفتوحاً للجميع. إنها مياه دولية. لن يسيطر عليها أحد. سنشرف عليها. نشرف عليها، لكن لن يسيطر عليها أحد. وعُمان يجب أن تلتزم، وإذا لم تلتزم، فقد نضربها كما ترى تماماً، سنفجرها".


خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليقلب المعادلات في الخليج العربي رأساً على عقب
خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليقلب المعادلات في الخليج العربي رأساً على عقب

ما بين لحظة السؤال والرد، انقلبت الموازين الدبلوماسية التي استقرت لعقود في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. فسلطنة عُمان لم تكن مجرد حليف عابر للولايات المتحدة، بل كانت شريكاً استراتيجياً وثيقاً، وأول دولة خليجية توقع اتفاقية وصول عسكري مع واشنطن بعد الثورة الإيرانية مباشرة. فكيف وصل الحال إلى تهديد علني بـ"تفجير" هذا الحليف التاريخي؟

متى بدأت القصة؟ العلاقة التي عمرها 200 عام بين مسقط وواشنطن .

لفهم دهشة المراقبين من تهديدات ترامب، يجب العودة إلى جذور العلاقة بين مسقط وواشنطن. ففي عام 1833، كانت سلطنة عُمان أول دولة عربية خليجية تُضفي الطابع الرسمي على علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، في شراكة سبقت إنشاء معظم دول الخليج الحديثة بقرن ونصف القرن. عُمان هي أقدم دولة مستقلة بشكل متواصل في العالم العربي، وهذا الاستقلال الطويل شكل شخصيتها الدبلوماسية الفريدة.

هذه العلاقة لم تكن شكلية أو مجرد معاهدات صداقة على الورق. ففي خضم الحرب الباردة وتداعيات الثورة الإيرانية عام 1979، كانت عُمان السباقة بين دول الخليج لتوقيع اتفاقية وصول عسكري مع واشنطن في عام 1980. هذه الاتفاقية منحت القوات الأمريكية استخدام الموانئ والقواعد العمانية بشكل مسبق، وشكلت العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا لعقود.

لكن الأهم من كل ذلك هو الدور الذي لعبته مسقط كجسر غير رسمي بين واشنطن وطهران. على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، تولت سلطنة عُمان التفاوض على الإفراج عن سجناء أمريكيين من إيران، واحتضنت محادثات غير معلنة بين الطرفين مهدت لاحقاً للاتفاق النووي الإيراني. هذا الدور جعل من عُمان "الوسيط الموثوق" لكل من يريد فتح قنوات اتصال مع طهران، وأكسبها لقب "سويسرا الشرق الأوسط" لسياساتها الخارجية المستقلة والمحايدة.

الموقع الاستراتيجي لعُمان على بحر العرب وسيطرتها الجزئية على مضيق هرمز جعلها قوة إقليمية خلال القرن التاسع عشر، إذ امتلكت آنذاك واحدة من أقوى الأساطيل في المنطقة. لكن هذا الموقع جعلها أيضاً عرضة لغزوات متكررة وتدخلات من قوى إقليمية، من بينهم الفرس، إضافة إلى حركات تمرد مدعومة من خارج الحدود. هذه التجارب التاريخية شكلت سياسة عُمان الخارجية الحذرة والمتوازنة.

ماذا حدث في فبراير الماضي؟ تحولات ما قبل العاصفة التي غيرت كل شيء .

قبل أيام قليلة من الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي، ظهر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي على التلفزيون الأمريكي ليعلن خبراً هاماً وصادماً في نفس الوقت. البوسعيدي، الذي كان يتوسط في محادثات بين طهران وواشنطن، قال بثقة إن المفاوضات حققت "تقدماً كبيراً"، وأن التوصل إلى اتفاق "بات وشيكاً".

هذا التصريح في ذلك التوقيت كان بمثابة قنبلة دبلوماسية انفجرت في قلب العاصمة واشنطن. فبينما كانت الاستعدادات للضربة العسكرية تجري على قدم وساق، وكان البنتاغون يضع اللمسات الأخيرة على خططه، كان الوسيط العماني يقول للعالم إن الحل الدبلوماسي على الأبواب، وإن الحرب ربما لا تكون ضرورية.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تظهر فيها عُمان كصوت معارض لسياسات الحرب الأمريكية في المنطقة. فمنذ اندلاع الصراع، حذر البوسعيدي مراراً من أن واشنطن "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية"، وأن المنطقة تنزلق نحو حرب لا يمكن السيطرة عليها. هذا التصريح الجريء من وزير خارجية دولة صغيرة كان بمثابة صفعة للسياسة الخارجية الأمريكية.

وطوال فترة القتال، واصلت مسقط اتصالاتها مع جميع الأطراف المتصارعة: إيران والولايات المتحدة والقوى الإقليمية، في مساعٍ مستميتة لإحياء المسار الدبلوماسي وإيجاد مخرج للأزمة. هذا الدور الوسيط استمر حتى مع تعرض الأراضي العمانية لضربات مرتبطة بالحرب، مما جعل التهديدات العلنية التي أطلقها ترامب ضد عُمان أكثر غرابة وإثارة للدهشة.

لماذا عُمان تحديداً؟ الأهمية الجيوسياسية التي لا تُقدّر بثمن .

لنكن واقعيين: تهديد بتفجير دولة بحجم عُمان الاستراتيجي لا يصدر من رئيس أمريكي لمجرد نوبة غضب أو رد فعل انفعالي. هناك حسابات عميقة ومعقدة وراء هذا التصعيد العلني، ولا بد من تفكيكها لفهم ما يجري حقاً في كواليس صنع القرار الأمريكي.

أولاً، الموقع الجغرافي الفريد: عُمان تطل على بحر العرب وبحر عُمان، وتسيطر جزئياً على مخرج مضيق هرمز من الجنوب. هذا الموقع يجعلها مفتاحاً لأي ترتيبات أمنية أو بحرية في منطقة الخليج بأكملها. السفن الحربية الأمريكية، بما فيها حاملات الطائرات والغواصات، غالباً ما ترسو وتتموّن في الموانئ العمانية، وتستخدمها كنقطة انطلاق لعملياتها في المنطقة. أي انقلاب في الموقف العماني أو تقارب مفرط مع إيران يعني حرمان الأسطول الأمريكي من نقاط إسناد حيوية لا يمكن تعويضها بسهولة.

ثانياً، الاستخبارات والتنسيق الأمني: كانت عُمان دوماً محطة استماع وتنسيق استخباراتي غير رسمية بين واشنطن وطهران. في غياب قنوات دبلوماسية مباشرة بين البلدين، كان العمانيون هم الحلقة الأهم لنقل الرسائل وتسوية الأزمات والإفراج عن سجناء. هذه القدرات الاستخباراتية والبشرية لا يمكن تعويضها بسرعة، خاصة في ظل تصاعد حدة التوتر واحتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

ثالثاً، السبق التاريخي والثقة المتراكمة: عُمان هي الدولة العربية الوحيدة التي حافظت على علاقات دبلوماسية واقتصادية مع إيران حتى خلال أحلك فترات العداء بين طهران والغرب، بما في ذلك فترة الحرب العراقية الإيرانية وذروة العقوبات الدولية. هذا السجل يجعل عُمان الورقة الوحيدة التي لا تزال في جيب الدبلوماسية الغربية للتعامل مع طهران. خسارة هذه الورقة ستكون كارثة استراتيجية لواشنطن.

رابعاً، الدور الإقليمي كوسيط: عُمان ليست مجرد دولة صغيرة، بل هي صوت الحكمة والتوازن في منطقة تعج بالصراعات. استضافت محادثات السلام بين الأطراف المتحاربة في اليمن، وتوسطت في ملفات معقدة مثل تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، ولعبت دوراً في الأزمة الليبية. أي مساس بهذا الدور أو محاولة تقويضه سيفتح الباب أمام فوضى عارمة في المنطقة.

خامساً، التحكم في الملاحة البحرية: مع إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل خلال الحرب الأخيرة، برزت أهمية أي ترتيبات بديلة لمرور السفن. عُمان تمتلك بنية تحتية متطورة في موانئها، بما فيها ميناء الدقم الاستراتيجي، الذي يمكن أن يصبح بديلاً هاماً لمضيق هرمز إذا استمر الإغلاق. السيطرة على هذا الميناء أو تحييده أصبح هدفاً أمريكياً.

الخسائر التي لا تُحصى: ماذا تعني عُمان بالنسبة للبحرية الأمريكية؟

لنفهم حجم الكارثة المحتملة إذا ما انقلبت عُمان على التحالف مع أمريكا، يجب أن ننظر إلى الأرقام والحقائق العسكرية على الأرض.

الموانئ العمانية تستقبل يومياً عشرات السفن الحربية الأمريكية، وليس فقط للتموين والتزود بالوقود، بل أيضاً للصيانة والإصلاحات الطفيفة. هذه السفن بحاجة إلى نقاط إسناد أمنة ومستقرة، وأي تهديد لهذه النقاط يعني أن الأسطول الأمريكي سيعمل بقدم واحدة فقط في المنطقة.

ثم هناك منطقة العمليات: الطائرات الحربية الأمريكية، خاصة تلك التي تنطلق من حاملات الطائرات، تحتاج إلى مجالات جوية مفتوحة للتدريب والاستطلاع. الأجواء العمانية كانت دائماً متاحة للطيران العسكري الأمريكي. إذا أغلقت عُمان مجالها الجوي، فستضطر الطائرات الأمريكية إلى السفر لمسافات أطول، مما يقلل من وقت بقائها في منطقة المهمة ويزيد من تكاليف العمليات.

لا ننسى أيضاً قضية الاستخبارات الإشارية: عُمان تستضيف محطات تنصت واستماع أمريكية تراقب الاتصالات الإيرانية والحركة في مضيق هرمز. هذه المحطات تعتبر عيون وآذان واشنطن في المنطقة. أي مساس بها أو محاولة لإغلاقها سيعمي واشنطن تماماً عما يجري في أحد أخطر الممرات المائية في العالم.

الخلاصة أن الخسارة المحتملة للقواعد والمرافق العمانية ستكون بمثابة ضربة قاصمة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بأكملها، وقد تستغرق سنوات لتعويضها، إن أمكن تعويضها أصلاً.

السياسة العمانية المحايدة: سويسرا الشرق الأوسط في مواجهة العاصفة .

عُمان ليست كباقي دول الخليج. فهي تتبع منذ أمد بعيد سياسة خارجية مستقلة وراسخة، تشكلت عبر تاريخها الطويل وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. هذه السياسة جعلتها قادرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، من طهران إلى واشنطن، ومن الرياض إلى تل أبيب.

على عكس بعض دول الخليج المجاورة التي أصبحت مراكز للتجارة والهجرة الإيرانية، حافظت عُمان على علاقة هادئة وحذرة مع طهران، ركزت بشكل أساسي على الدبلوماسية وتبادل المصالح وليس على التداخل السكاني أو الاقتصادي المفرط. هذا جعلها وسيطاً موثوقاً وموضوعياً بين الطرفين.

السلطان هيثم بن طارق، الذي تسلم الحكم في عام 2020، واصل السياسة العمانية التقليدية في الحياد الإيجابي وعدم الانحياز. لم ينجرف وراء الحملات الإعلامية ضد إيران، ولم يشارك في أي تحالفات عسكرية إقليمية تستهدف طهران. هذا الموقف أثار أحياناً حفيظة الحلفاء الخليجيين والأمريكيين، لكن عُمان ظلت متمسكة بسياساتها.

لكن هذا التوازن الدقيق أصبح أكثر تعقيداً هذا العام أكثر من أي وقت مضى. فالضغوط الأمريكية المتزايدة على عُمان لتعديل سياستها تجاه إيران تزامنت مع خسائر عسكرية أمريكية فادحة في الحرب، مما دفع مسقط إلى التساؤل: هل لا تزال أمريكا قادرة على حماية حلفائها؟ وهل آن الأوان لرهان جديد على مستقبل المنطقة؟

هذا التساؤل بالذات هو ما يفسر التصريحات العمانية الأخيرة، والغياب عن القمم الخليجية، والتقارب المتنامي مع طهران. مسقط تراهن على أن إيران ستخرج من الحرب بشكل أقوى مما دخلت، وأن أمريكا تخوض مرحلة أفول في المنطقة.


الخليج على صفيح ساخن - الانقسامات والتحالفات المتغيرة والسلاح الأمريكي في مهب الريح .

الصورة الأكبر: لماذا الخليج كله في دائرة الخطر الآن؟

عندما هدد ترامب بتفجير عُمان، كان القصد أعمق بكثير من مجرد دولة صغيرة أو رئيس غاضب. فالرجل كان يرسل إشارة قاسية وواضحة إلى كل دول مجلس التعاون الخليجي الست: أي تقارب مع إيران في هذه المرحلة الحساسة سيكون له ثمن باهظ، ولن تقف واشنطن مكتوفة الأيدي.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى: معظم دول الخليج كانت حتى الأمس القريب تبحث عن وسيط للتفاوض مع إيران وتطبيع العلاقات معها، واليوم تُتهم بتجاوز الخطوط الحمراء والخروج عن الإجماع الأمريكي. فما الذي تغير؟ تغيرت موازين القوة على الأرض.

لكن ما يحدث داخل أروقة صنع القرار الخليجي أكثر تعقيداً مما يبدو على شاشات التلفزيون. هناك انقسامات عميقة وخطيرة ظهرت إلى السطح منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. هذه الانقسامات لم تكن موجودة بهذا الوضوح حتى قبل عام واحد.

لنرسم الخريطة الخليجية الجديدة:

عُمان، كما أوضحنا، تتجه نحو تقارب أوثق مع طهران، وراهنت على أن إيران ستخرج من الحرب بشكل أقوى مما دخلت، وعلى أن أمريكا في حالة تراجع استراتيجي لا رجعة فيه.

في المقابل، الإمارات اتخذت موقفاً متشددا ومعلناً ضد إيران، وأعلنت استعدادها للمشاركة في أي تحرك عسكري ضد طهران، بل وقدمت تسهيلات لوجستية واستخباراتية للقوات الأمريكية والإسرائيلية. هذا الموقف وضع الإمارات على رأس قائمة الأهداف الإيرانية المحتملة للرد.

أما السعودية، فأبقت باب التفسير مفتوحاً على مصراعيه. لم تعلن تأييداً صريحاً للحرب، ولم تقدم أي ضمانات بعدم التعاون مع إيران بعد انتهاء الحرب، كما لم تقدم تسهيلات عسكرية كاملة لواشنطن. هذا الموقف المتحفظ أثار حفيظة واشنطن بشكل كبير، خاصة مع استمرار التقارب السعودي الإيراني برعاية صينية.

قطر، كما سنرى بالتفصيل، في حالة ارتباك وتردد، تعيد حساباتها مع أمريكا ومع إيران في نفس الوقت، وتدرس الانسحاب من صفقات تسليح بمليارات الدولارات.

الكويت والبحرين، الدولتان الأصغر، تترقبان ويتحركان بحذر شديد، خوفاً من الوقوع بين مطرقة أمريكا وسندان إيران.

الموقف الغائب: قمة مجلس التعاون الخليجي تشهد فجوة عمانية غير مسبوقة.

في تطور وصفه المراقبون والديبلوماسيون بـ"الغريب والخطير والغير مسبوق"، غاب سلطان عُمان هيثم بن طارق عن آخر قمة لدول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في مدينة جدة السعودية. والأكثر إثارة للانتباه أنه لم يرسل أي ممثل رفيع المستوى بدلاً عنه، لا وزير خارجية ولا رئيس وزراء. مجرد غياب كهذا يعكس بحسب الخبراء "شرخاً في جدار الوحدة الخليجية" قد لا يلتئم بسهولة.

عُمان لم تكن مجرد متفرج غائب عن القمة، بل كانت ترسل رسالة ضمنية مدروسة مفادها أنها لم تعد ترى نفسها ملزمة بالسياسة الخليجية الموحدة تجاه إيران، وأن لكل دولة الحق في أن ترسم سياستها الخارجية بما يتناسب مع مصالحها الوطنية.

هذا الموقف العماني فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات مصيرية حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي نفسه. فالمجلس الذي تأسس قبل أربعة عقود ليكون إطاراً للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، يجد نفسه اليوم أمام أول اختبار حقيقي لوحدته. فهل يستمر المجلس مع هذا التباين الحاد في الرؤى تجاه إيران وأمريكا؟ أم أننا أمام سيناريو تفكك صامت؟

الرسالة التي وصلت إلى واشنطن من هذا الغياب كانت واضحة كالشمس: مسقط تمشي في طريق مختلف تماماً عن باقي العواصم الخليجية، وهي مستعدة لدفع ثمن هذا الاختلاف، حتى لو كان الثمن غالي.

قطر والمسيرات: صفقة بمليارات الدولارات تتحول إلى أزمة ثقة وجودية .

إذا كانت عُمان تمثل طرفاً مهماً في أزمة الانقسام الخليجي، فإن قطر تمثل الطرف الآخر الذي يقلق واشنطن بشكل متزايد هذه الأيام. فالدوحة كانت طرفاً في واحدة من أكبر وأهم صفقات التسليح مع أمريكا خلال العقد الأخير: صفقة شراء طائرات MQ-9 Reaper بدون طيار، التي تعتبر العمود الفقري للحرب الجوية الحديثة.

موقع "تكتيك ريبورت" المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية، نشر تقريراً في منتهى الخطورة كشف النقاب عن حجم الأزمة التي تعيشها الدوحة مع واشنطن بخصوص هذه الصفقة. التقرير قال إن القطريين يدرسون بجدية الانسحاب من الصفقة، أو على الأقل تعديل شروطها بشكل جذري.

لكن لنفهم أبعاد هذه الأزمة، يجب أن نعرف أولاً ما هي طائرة MQ-9 Reaper ولماذا هي مهمة بهذا الشكل.

طائرة MQ-9 Reaper هي درون أمريكية من الجيل التاسع، دخلت الخدمة في الجيش الأمريكي عام 2001، وتعتبر أول وأخطر طائرة مسيرة في ترسانة البنتاغون. على مدى عقدين من الزمن، كانت هذه المسيرة هي الأداة الرئيسية للاغتيالات المستهدفة وعمليات الاستطلاع في أفغانستان والعراق واليمن والصومال.

ما يميز الطائرة MQ-9 Reaper هو مزيج فريد من القدرات: أولاً، قدرة هائلة على الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية من مسافات بعيدة. ثانياً، قدرة متطورة على تحليل البيانات باستخدام الذكاء الصناعي، مما يعني أن الطائرة لا تجمع المعلومات فقط، بل تحللها وتصنفها وتستخرج منها النتائج بشكل شبه فوري. ثالثاً، قدرتها على الطيران على ارتفاعات شاهقة تصل إلى 50 ألف قدم، والبقاء في الجو لأكثر من 24 ساعة متواصلة.

سعر الطائرة الواحدة يتراوح بين 30 و34 مليون دولار حسب التجهيزات المضافة. هذا يعني أن صفقة قطر لشراء 8 طائرات كانت ستتجاوز ربع مليار دولار، وهو مبلغ ضخم حتى بمعايير دول الخليج الغنية.

قطر كانت متحمسة لشراء هذه الطائرات، وكذلك السعودية والإمارات، لكن شيئاً كبيراً تغير بعد الحرب الأخيرة. فما الذي حدث بالضبط؟

بحسب تقارير موقع "تكتيك ريبورت"، فإن القطريين فوجئوا بأن طائرة MQ-9 Reaper حققت أداءً ضعيفاً ومخزياً في الحرب ضد إيران. الرقم الذي أثار الذهول في أروقة البنتاغون وفي القيادة العسكرية القطرية: إيران تمكنت من إسقاط 20 طائرة من هذا الطراز خلال 39 يوماً فقط من القتال المكثف.

هذا الرقم مفزع ليس فقط لارتفاع تكلفته المالية، بل لأنه يهز الثقة في السلاح الأمريكي الأحدث والأكثر تطوراً. كيف يمكن لطائرة بهذه المواصفات وهذه التكلفة أن تسقط بهذه السهولة أمام دفاعات إيرانية تعتبر متوسطة المستوى مقارنة بالدفاعات الروسية أو الصينية؟

إيران تسقط المسيرات وتكسر المعادلة: الرقم الذي أذهل البنتاغون وأربك الحسابات .

لنعد إلى الرقم الذي يبدو أنه غيّر المعادلة كلها في الخليج والعالم: 20 طائرة MQ-9 Reaper سقطت في 39 يوماً فقط من القتال. ما الذي يعنيه هذا الرقم حقاً؟ وما هي انعكاساته على الاستراتيجية العسكرية الأمريكية برمتها؟

الولايات المتحدة دخلت إلى الحرب ضد إيران بأحدث ما لديها من طائرات مسيرة، بأفضل الطيارين والمشغلين، وبأحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي والاتصالات. هذا هو الطراز الذي يفترض أنه قادر على التحليق على ارتفاعات لا تصلها صواريخ الدفاع الجوي، والبقاء في الجو لأكثر من 24 ساعة، وجمع كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية وتحليلها فوراً.

ولكن إيران، التي يصفها الكثيرون في الغرب بأنها دولة نامية في مجال التكنولوجيا العسكرية، تمكنت من تطوير أنظمة حرب إلكترونية ودفاع جوي متطورة قادرة على رصد هذه الطائرة وتتبعها واستهدافها. المشكلة الأساسية أن الطائرة MQ-9 Reaper تضطر إلى خفض سرعتها بشكل كبير جداً عندما تحتاج إلى جمع بيانات دقيقة أو تصوير مناطق معينة، وعندها تصبح هدفاً سهلاً لأنظمة الدفاع الإيرانية.

ولكن القصة لا تقف عند المسيرات فقط. فالخبر الأكثر خطورة وإثارة للجدل مما تسرب إلى وسائل الإعلام الغربية والعربية هو أن طائرة F-35 الأمريكية، أغلى وأحدث طائرة شبح في العالم، تعرضت لإصابة مباشرة أو اضطرت للهبوط اضطرارياً بعد تعرضها لنيران إيرانية مضادة للطائرات.

التفاصيل أكثر إثارة: تقرير سري رفع إلى الكونغرس الأمريكي تحدث عن سقوط أو تلف 42 طائرة أمريكية من مختلف الأنواع في حرب إيران التي استمرت 39 يوماً. من ضمن هذه الطائرات كانت مقاتلة F-35 اعتبرتها التقارير "قد سقطت" رغم أنها لم تتحطم داخل الأجواء الإيرانية، بل هبطت هبوطاً اضطرارياً في إحدى الدول الخليجية بعد تعرضها لأضرار بالغة.

هذا النوع من التسريبات والتقارير يهز الثقة في التكنولوجيا العسكرية الأمريكية حتى النخاع. فإذا كانت طائرة F-35 الشبح التي تقدر تكلفتها بأكثر من 80 مليون دولار معرضة للإصابة والإسقاط، فماذا عن بقية الأسلحة التقليدية؟ وإذا كان الحوثيون في اليمن قادرين على إسقاط المسيرات الأمريكية المتطورة، فماذا تفعل إيران نفسها بدفاعاتها الجوية المتطورة؟

السؤال الذي يطرحه القطريون والسعوديون والإماراتيون الآن على أنفسهم: لماذا نشتري سلاحاً باهظ الثمن تثبت الأيام الميدانية أنه معرض للسقوط أمام خصوم لا يمتلكون نصف إمكانياتنا العسكرية أو المالية؟

صفقة قطر تتحول إلى أزمة ثقة: مطالب دوحة جديدة تجعل البنتاغون في حيرة  .

بعد أن فوجئ القطريون بهشاشة الطائرة MQ-9 Reamer في مواجهة الدفاعات الإيرانية، بدأوا في إعادة التفكير بجدية في صفقة شراء هذه المسيرات. لكنهم لم ينسحبوا بشكل مفاجئ، بل فتحوا باب المفاوضات مع البنتاغون من جديد، ومع الشركة المصنعة "جنرال أتومكس"، وطرحوا مطالب جديدة وجريئة.

المطلب الأول: يريد القطريون بيانات أكثر دقة عن قدرات الطائرة الحقيقية. يريدون معرفة سرعتها القصوى تحت مختلف الظروف، والمدى الأقصى الذي يمكن أن تطير إليه، وارتفاعها الأمثل للمناورة. كل هذه البيانات كانت تعتبر في السابق معلومات سرية للغاية لا تشاركها أمريكا مع أحد، لكن بعد سقوط 20 طائرة، تغيرت المعادلة.

المطلب الثاني: يريد القطريون أنظمة قيادة وتحكم متطورة ومتنقلة. ليس فقط أنظمة ثابتة في قواعد عسكرية، بل أنظمة يمكن تركيبها على عربات متحركة. لماذا؟ لأنهم يريدون القدرة على تحريك غرفة قيادة الطائرة في أي لحظة إذا ما شعرت قطر أن موقعها الثابت قد تم اكتشافه من قبل إيران أو وكلائها.

المطلب الثالث والأكثر جرأة: يريد القطريون صيانة متقدمة ودائمة للطائرة. هم حسبوا حساب أن الطائرة ستتعرض للإسقاط أو التلف إذا ما دخلت أجواء إيران، لذلك يريدون عقود صيانة خاصة تسمح لهم بإعادة الطائرات للخدمة بسرعة قياسية. هذا الطلب هو اعتراف صريح بأنهم لا يثقون في قدرة الطائرة على البقاء في الجو لفترات طويلة دون أن تسقط.

المطلب الرابع والأهم: القطريين لا يريدون استخدام MQ-9 كطائرة تجسس هجومية داخل إيران. هم يريدون استخدامها كطائرة إنذار مبكر وقيادة معارك من خارج الأجواء الإيرانية فقط. هذا يعني أنهم يريدون النسخة الأقل تطوراً والأقل تكلفة، أي الإصدار B من الطائرة، لأنهم لا يخططون أساساً لإدخالها إلى منطقة الخطر.

هذه المطالب القطرية وضعت البنتاغون في موقف حرج. فإذا وافق على هذه المطالب، فسيضطر إلى الكشف عن أسرار تكنولوجية كانت محمية لعقود. وإذا رفض، فقد تفقد أمريكا صفقة بمليارات الدولارات، والأهم قد تخسر حليفاً استراتيجياً في أكثر منطقة حساسية في العالم.

اهتزاز هيبة السلاح الأمريكي: رسالة خطيرة وصلت إلى كل عواصم العالم .

ما حدث في حرب إيران ليس مجرد خسائر عسكرية عابرة يمكن تعويضها بالأموال. الأمر أكبر وأخطر من ذلك بكثير. ما حدث هو أن هيبة السلاح الأمريكي اهتزت بشكل لم يحدث منذ حرب فيتنام قبل نصف قرن.

دعونا نلخص الخسائر الأمريكية في الحرب:

أولاً، خسائر بشرية: مئات الجنود والطيارين بين قتيل وجريح وأسير. كل عائلة أمريكية فقدت ابناً أو أخاً بدأت تتساءل: لماذا هذه الحرب؟ وما هو الثمن الذي ندفعه؟

ثانياً، خسائر مادية: عشرات الطائرات المسيرة والحربية التي سقطت، بتكلفة إجمالية تقديرية تتراوح بين 5 و10 مليارات دولار. هذا المبلغ كان يمكن أن يبنى مستشفيات ومدارس وجسوراً في أمريكا نفسها.

ثالثاً، خسائر استراتيجية: فقدان القدرة على تهديد إيران عسكرياً أجبر أمريكا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، وليس من موقع قوة.

رابعاً، خسائر معنوية: اهتزاز ثقة الحلفاء في السلاح الأمريكي قد يكون أخطر الخسائر على الإطلاق. فإذا لم يعد حلفاء أمريكا في الخليج واثقين من قدرة الأسلحة الأمريكية على حمايتهم، فسيبدؤون بالبحث عن بدائل: أسلحة أوروبية، أسلحة صينية، أو حتى أسلحة روسية.

هذه الرسالة الخطيرة وصلت إلى كل عواصم العالم، من الرياض إلى أبوظبي، ومن الدوحة إلى المنامة، ومن طوكيو إلى سيئول، ومن برلين إلى باريس. العالم كله بدأ يعيد حساباته: هل أمريكا لا تزال القوة العظمى الوحيدة القادرة على حماية حلفائها؟ أم أننا أمام عالم متعدد الأقطاب، حيث سيكون لكل لاعب دوره؟


معضلة ترامب ومستقبل النظام العالمي بعد حرب إيران .

تسريبات الاتفاق الأمريكي الإيراني: لماذا يتردد ترامب في التوقيع على الصفقة؟

في خضم هذا التوتر المتصاعد بين أمريكا وإيران، وفي وسط هذه الانقسامات الخليجية الخطيرة، تسربت إلى وسائل الإعلام العالمية أنباء مثيرة ومفاجئة: الولايات المتحدة وإيران توصلا بالفعل إلى اتفاق. لكن ملامح هذا الاتفاق لا تزال غامضة، وتوقيعه متوقف على قرار الرئيس الأمريكي.

حسب تقرير نشرته شبكة أكسيوس الأمريكية الموثوقة، فإن المفاوضات بين الجانبين استمرت لثلاثة أيام متتالية في الدوحة، وتمت صياغة بنود رئيسية للاتفاق، لكن كل ما تبقى الآن هو توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الوثيقة النهائية. لكن التوقيع لم يحدث بعد، وترامب يتردد بشكل واضح. لماذا؟

هناك عدة تفسيرات لهذا التردد، بعضها سياسي وبعضها نفسي وبعضها متعلق بالرئيس شخصياً.

التفسير الأول: أي اتفاق مع إيران الآن سيكون بمثابة اعتراف ضمني بالفشل. ترامب دخل الحرب قبل أشهر واعداً الناخبين الأمريكيين والحلفاء بـ"تدمير القدرات النووية والعسكرية الإيرانية بشكل كامل"، لكنه يخرج منها متفاوضاً على فتح مضيق هرمز وتقاسم السيطرة عليه مع العدو الإيراني نفسه. هذا تناقض صارخ يصعب تبريره لأي ناخب أمريكي.

التفسير الثاني: تفاصيل الاتفاق المسربة تثير غضب الحلفاء التقليديين لأمريكا في المنطقة. فبحسب تسريبات إعلامية، فإن الاتفاق يتضمن بنوداً مثيرة للجدل مثل: حق إيران في فرض رسوم على السفن المارة في مضيق هرمز، واعتراف أمريكي ضمني بحق إيران في تقديم خدمات الملاحة والإرشاد للسفن، وتقاسم عماني إيراني للإشراف على المضيق.

هذه البنود تعني عملياً أن إيران "تُتوج" كحارس رسمي لمضيق هرمز، وهو ما كان ترامب ونائبه وحلفاء أمريكا في الخليج يقسمون أنه لن يحدث أبداً.

التفسير الثالث: ترامب يخاف من رد فعل جماعته من المحافظين الجدد في واشنطن. فإذا وقع الاتفاق، سيتهمه خصومه في الحزب الجمهوري وفي مراكز الأبحاث المحافظة بأنه "خسر الحرب وأنقذ إيران من الانهيار". هذا الاتهام قد يلاحقه لسنوات، وقد يدمر إرثه السياسي.

التفسير الرابع والأعمق: ترامب لا يريد أن يظهر بمظهر "الضعيف" أو "المتراجع". الرجل بنى شعبيته على صورة الرجل القوي الذي لا يتراجع، الذي يضرب ولا يهادن، الذي يفاوض من موقع قوة وليس ضعف. التوقيع على اتفاق مع إيران، مهما كانت بنوده، سيكسر هذه الصورة التي استغرق بناؤها عقوداً.

التفسير الخامس: هناك من يقول إن ترامب يتبع استراتيجية "تسريب البنود وقياس رد الفعل". فهو يسمح بتسريب بعض بنود الاتفاق يوماً بعد يوم، ويراقب رد فعل جمهوره وحلفائه وخصومه. فإن كان الرفض ساحقاً، يتراجع ويعلن أن التسريبات غير صحيحة. وإن كان هناك قبول نسبي، يتقدم ويوقع. هذه اللعبة السياسية الخطيرة قد تطيل أمد الأزمة لأشهر.

تصريحات متضاربة: ماذا تقول واشنطن رسمياً عن الاتفاق مع إيران؟

وسط هذه التسريبات، خرج مسؤولون أمريكيون بتصريحات متضاربة وحذرة. نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي يعتبر من المقربين جداً لترامب، قال في تصريح صحفي: "والله احنا لسه ما وصلناش لصفقة، بس أنا متفائل، لكن احنا لسه ما وصلناش للمنطقة دي اللي نوصل فيها لاتفاق".

هذا التصريح يحمل رسالتين متناقضتين في نفس الوقت. الأولى: نفي الوصول إلى اتفاق، والثانية: تفاؤل بالوصول إليه. هذا التناقض يعكس حالة الارتباك داخل إدارة ترامب نفسها.

صحيفة "إن بي سي نيوز" الأمريكية، التي تعتبر من أكثر الصحف تأثيراً في واشنطن، قالت إن الاتفاق تم بالفعل التوصل إليه، وأن المفاوضات استمرت لثلاثة أيام في قطر، وأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان موجوداً في الدوحة ليس فقط لمناقشة الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في قطر، بل لمناقشة الاتفاق مع المسؤولين الأمريكيين بشكل مباشر.

هذا يعني أن زيارة عراقجي لقطر كانت تحمل أكثر من وجه، وأن الدوحة استضافت جولة مفاوضات حاسمة بين الطرفين. فإذا كان هذا صحيحاً، فإن قطر لعبت دور الوسيط، ليس عُمان هذه المرة.

لكن هناك فارقاً كبيراً بين "التوصل إلى اتفاق" و"التوقيع على الاتفاق". فالتوصل يعني أن الخبراء والمفاوضين أنهوا عملهم الفني، أما التوقيع فهو القرار السياسي الذي يتخذ من قبل القادة. وهنا تكمن العقدة.

ترامب يريد أن يظهر وكأنه هو من يتحكم في إيقاع المفاوضات، وليس العكس. يريد أن يوحي للعالم أنه لا يزال في موقع القوة، وأن أي اتفاق سيتم سيكون بشروطه وليس بشروط إيران. لكن الواقع على الأرض يقول إن أمريكا هي التي تحتاج إلى الاتفاق أكثر من إيران، لأن الاستمرار في الحرب سيكلفها أكثر مما ستربح.

معضلة ترامب السياسية: لماذا لا يعترف الرئيس الأمريكي بخطئه؟

لننتقل الآن إلى التحليل الأعمق الذي نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، واحدة من أقوى المجلات التحليلية في العالم. كاتب المقال هو ستيفن وولدتز، أحد أقوى المحللين داخل المجلة، ورجل مقالاته معروفة بالعمق والجرأة.

عنوان المقال كان صادماً ومباشراً: "لماذا دونالد ترامب لا يريد الاعترف بخطئه في حرب إيران". الكاتب يطرح سؤالاً محورياً: هل سيعترف ترامب بأنه أخطأ في تقديراته عندما قرر خوض هذه الحرب؟ أم سيستمر في التمسك بموقفه حتى النهاية؟

يقول وولدتز في مقاله: "واضح جداً من مرور الوقت أن ترامب غرز في موضوع إيران، والدليل على ذلك أن الحرب لم تحقق أهدافها، وأن أمريكا تجلس اليوم تتفاوض من موقع ضعف مع العدو نفسه الذي كانت تريد تدميره".

الكاتب يطرح مقارنة تاريخية مثيرة. جون كينيدي، عندما فشلت عملية غزو خليج الخنازير في كوبا، خرج أمام الشعب الأمريكي واعترف بخطئه وبفشل العملية. رونالد ريجن أيضاً اعترف بأخطائه في بعض السياسات الخارجية. العديد من الرؤساء الأمريكيين اعترفوا بأخطائهم وخرجوا أقوى مما كانوا.

لكن دونالد ترامب ليس مثلهم. فالرجل، بحسب التحليل، يعاني من حالة من الغرور المفرط الذي يمنعه من الاعتراب بأي خطأ، مهما كانت الأدلة دامغة. هذا الغرور يجعله أسير قراراته السابقة، غير قادر على التراجع عنها أو تعديلها.

المقارنة الأخرى التي يقدمها الكاتب هي مع جورج بوش الابن. بوش دخل حرب العراق عام 2003 بحجة امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل، ثم تبين أن هذه المعلومات كانت خاطئة تماماً. لكن بوش لم يعترف بخطئه أبداً، وظل مقتنعاً أن غزو العراق كان ضرورياً مهما كانت التكلفة. ترامب، بحسب الكاتب، يسير على نفس الطريق.

ثم يقارنه مع بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني السابق. جونسون لا يزال مقتنعاً أن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي كان "أكبر إنجاز" حققته بريطانيا في القرن الحادي والعشرين، رغم كل الأدلة على الضرر الاقتصادي الكبير الذي تسبب فيه هذا القرار.

وربما الأقرب إلى ترامب هو مايك بومبيو، وزير خارجيته في الفترة الأولى. بومبيو لا يزال مصراً على أن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 كان "أكبر إنجاز دبلوماسي وسياسي" حققته أمريكا في الشرق الأوسط، رغم أن هذا القرار هو الذي أدى إلى إلغاء القيود عن البرنامج النووي الإيراني وتقريب إيران من القنبلة أكثر من أي وقت مضى.

معركة الغرور: لماذا يعتبر ترامب أن الاعتراف بالفشل مستحيل؟

لكن هل غرور ترامب هو السبب الوحيد؟ أم أن هناك حسابات سياسية أعمق؟

المفارقة التي يشير إليها وولدتز في مقاله هي أن ترامب، من الناحية النظرية، هو أقدر الرؤساء الأمريكيين على الاعتراف بخطئه دون خسارة سياسية كبيرة. لماذا؟

لأن ترامب، بكل المقاييس، هو رئيس قوي للغاية. خصومه في الحزب الديمقراطي واقعون ومشتتون، ولا يوجد قائد ديمقراطي واحد قادر على تحدي ترامب بجدية. حتى متابعوه وأنصاره، لا أحد يجرؤ على رفع رأسه أو انتقاده، لأنه بمجرد أن ينتقده أحد، يقوم ترامب باستبداله فوراً.

لننظر إلى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. ترامب يبدل المرشحين كما يشاء، وأي شخص ينتقده أو يختلف معه، يقوم فوراً بإسقاطه ودعم مرشح آخر مكانه، ويكسب هذا المرشح الانتخابات بسهولة. هذه القوة السياسية الهائلة تعني أن ترامب قادر على تحمل أي اعتراف بالخطأ دون أن يخسر قاعدة أنصاره.

إذاً، ما الذي يمنعه؟

الإجابة، بحسب المحلل، ليست الخوف من الخصوم السياسيين، بل الخوف من نتنياهو. رئيس وزراء إسرائيلي هو الذي دفع ترامب باتجاه هذه الحرب، وهو الذي أقنعه أن الضربة على إيران ستكون سهلة وسريعة وستحقق أهدافها. فإذا اعترف ترامب بالفشل الآن، فكأنه يتهم نتنياهو بالتضليل، وهذه خطوة دبلوماسية وسياسية قد تكون مكلفة جداً للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية.

ولكن هناك من يقول إن ترامب لن يعترف بفشله أبداً، ولن يوقع أي اتفاق مع إيران أيضاً. سيبقى الموقف معلقاً، والتصريحات المتضاربة مستمرة، إلى أن تنتهي فترة ولايته الرئاسية.

هذا السيناريو يعني أن الحرب قد تعود في أي لحظة، لأن عدم الوصول إلى اتفاق يبقي احتمال التجدد العسكري قائماً. وإذا عادت الحرب، فستكون أكثر عنفاً ودماراً من السابقة.

الخسائر الحقيقية: العالم بعد إغلاق مضيق هرمز لمدة ثلاثة أشهر .

لنخرج الآن من دائرة التصريحات والتحليلات السياسية، وننظر إلى الأرقام والإحصاءات الحقيقية وراء هذه الحرب. ما هي الخسائر التي تكبدها العالم بسبب إغلاق مضيق هرمز لمدة ثلاثة أشهر متواصلة؟

منذ بدء الصراع العسكري بين أمريكا وإيران، قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أمام الملاحة الدولية. ليس إغلاقاً جزئياً أو تهديدات فقط، بل إغلاقاً فعلياً بقطع بحري إيراني يمنع أي سفينة من المرور دون تفتيش أو تصريح.

النتيجة: توقف عبور ما يقرب من 10 ملايين برميل من النفط يومياً عبر المضيق. هذا الرقم الضخم يمثل حوالي 10 في المئة من الإنتاج العالمي للنفط، وأكثر من 20 في المئة من النفط المنقول بحراً في العالم.

انعكاسات هذا الإغلاق على الاقتصاد العالمي كانت كارثية:

أولاً: ارتفاع أسعار النفط الخام بشكل جنوني. سعر برميل النفط قفز من 75 دولاراً قبل الحرب إلى أكثر من 150 دولاراً خلال فترة الإغلاق.

ثانياً: تضخم عالمي غير مسبوق. ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى ارتفاع أسعار كل شيء: الطعام، الدواء، المواصلات، والصناعات.

ثالثاً: تباطؤ اقتصادي في معظم دول العالم. المصانع أغلقت، الشركات قلصت إنتاجها، والناس أصبحت غير قادرة على تحمل تكاليف المعيشة.

رابعاً: أزمة طاقة في أوروبا. أوروبا التي كانت تعتمد على نفط الخليج، اضطرت إلى البحث عن مصادر بديلة أكثر تكلفة.

خامساً: مكاسب ضخمة للدول المنتجة للنفط خارج الخليج، مثل روسيا وفنزويلا وليبيا، لكن على حساب المستهلكين في كل مكان.

الخسائر لم تكن اقتصادية فقط. بل كانت استراتيجية أيضاً. العالم كله شاهد أن أمريكا، رغم كل قوتها العسكرية، لم تكن قادرة على فتح مضيق هرمز بالقوة، واضطرت للتفاوض مع إيران لإعادة فتحه. هذه الصورة التي نقلتها وسائل الإعلام إلى كل بيت في العالم، تركت أثرها النفسي.

رسالة خطيرة وصلت إلى كل عواصم العالم: أمريكا لم تعد قادرة على حماية ممرات الملاحة البحرية الحيوية بمفردها. هذه الرسالة سمعها الجميع، والأهم من ذلك أن الصين سمعتها جيداً وبدأت في تحركاتها.

انعكاسات بعيدة المدى: الصين وتايوان وأوروبا في عالم ما بعد الحرب .

عندما تخوض إدارة أمريكية حرباً وتفشل في تحقيق أهدافها بشكل واضح، فإن الرسالة التي تصل إلى باقي دول العالم واضحة وبسيطة: "قبضة أمريكا لم تعد بقوة السابق، والعالم لم يعد أحادي القطب كما كان".

والصين، القوة العظمى الصاعدة، كانت أول من استغل هذا الوضع الجديد. ففي الأيام الأخيرة، خرجت وزارة الخارجية الصينية بتصريح غير مسبوق في لهجته وتوقيته تجاه تايوان، الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها.

البيان الصيني كان حاسماً وحاداً: على أمريكا أن "تحترم نفسها" و"تتوقف فوراً عن توريد الأسلحة للجزيرة"، لأن هناك "مبدأ الصين الواحدة" الذي يجب على أمريكا احترامه، وإلا فإن العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم ستتضرر بشكل خطير.

هذه النبرة الصينية المتصاعدة والحادة لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل حرب إيران. فما الذي تغير؟

ببساطة، الصين ترى أن أمريكا أصبحت مشغولة ومشلولة في منطقة الخليج، وأنها غير قادرة على إدارة جبهتين في وقت واحد. إذا كانت أمريكا عاجزة عن حماية حلفائها التقليديين في الخليج، فكيف ستحمي تايوان التي هي أبعد وأقل أهمية استراتيجية بالنسبة لواشنطن؟

والأمر نفسه ينطبق على أوروبا. في تحول لافت ومقلق، شنت روسيا هجوماً بطائرات انتحارية على أهداف عسكرية في رومانيا، دولة عضو في حلف الناتو. الرد الفعل الغربي كان خافتاً وغير حاسم. لم ترد أمريكا بضربة عسكرية، ولم تعلن أوروبا حالة الطوارئ أو التعبئة العامة.

العالم ببساطة أصبح مشغولاً بإيران، وروسيا تستغل هذا الانشغال لتعزيز مواقعها في أوروبا الشرقية وفي البحر الأسود. هذا يشبه إلى حد كبير ما حدث في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما كانت القوى العظمى مشغولة بمشاكلها الداخلية، فسمح لهتلر بضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا دون ردع حقيقي.

الخلاصة النهائية: أخطر لحظة في النظام العالمي الحديث

عندما ننظر إلى كل هذه المتغيرات مجتمعة - تهديدات ترامب النارية لعُمان، انسحابها شبه الرسمي من التحالف الخليجي، تردد قطر في شراء الأسلحة الأمريكية، إسقاط 20 طائرة مسيرة متطورة، تسريبات الاتفاق بين أمريكا وإيران، تغير الخطاب الصيني تجاه تايوان، والهجمات الروسية غير المسبوقة على دول الناتو - نجد أنفسنا أمام مشهد واحد مخيف: النظام العالمي الذي قادته أمريكا بلا منازع منذ نهاية الحرب الباردة عام 1991 يمر بلحظة تحول مصيرية قد لا يعود بعدها كما كان أبداً.

عُمان، الدولة الصغيرة التي يصفها البعض بـ"سويسرا الشرق الأوسط" لحيادها وحكمتها، لم تكن هدفاً لتهديدات ترامب بالصدفة. لم يكن ترامب غاضباً من عُمان فقط، بل كان غاضباً من كل حلفائه في المنطقة الذين بدأوا يشككون في قدرة أمريكا على حمايتهم، ويبحثون عن أوراق بديلة، ويقربون من إيران التي بدت أنها صامدة في وجه العاصفة.

الخطر الحقيقي الآن ليس أن "تفجر" أمريكا عُمان، فهذا سيناريو مستبعد جداً. الخطر الحقيقي هو أن النظام العالمي القديم سينفجر أو ينهار، ليحل محله نظام جديد فوضوي، لا أحد يدري كيف ستكون ملامحه. هل سيكون عالماً متعدد الأقطاب بقيادة أمريكا والصين وروسيا؟ أم سيعود العالم إلى مربع القبائل والتحالفات المتغيرة كما كان قبل الحربين العالميتين؟

ترامب، بكل تأكيد، لن يعترف بفشله. غروره يمنعه، وحساباته السياسية مع إسرائيل ومع جمهوره تمنعه. هو سيستمر في تصريحاته النارية وخطابه القوي حتى النهاية. لكن الوقائع على الأرض تتحدث بلغة مختلفة تماماً. الوقائع تقول إن أمريكا تتفاوض اليوم من موقع ضعف، وحلفاءها التقليديون في الخليج يراهنون على إيران، وخصوم أمريكا الاستراتيجيون في بكين وموسكو يقرؤون الخريطة الجديدة جيداً ويستعدون لمرحلة ما بعد أمريكا.

الآن، والعالم بأسره يترقب ما سيحدث في مضيق هرمز، وفي مفاوضات فيينا، وفي الانتخابات الأمريكية القادمة، تبقى عُمان هناك، واقفة على حافة الهاوية، صامدة بثبات، توازن بين عملاقين، وتدفع ثمناً غالياً لسياسة حكيمة لا تريد إلا أن تريح المنطقة والعالَم من شر حروب لا طائل منها ولا نهاية لها في الأفق.

هكذا تتحول الدبلوماسية إلى لعبة نار حارقة. وهكذا يدفع الأبرياء، في كل مرة وفي كل مكان، ثمناً باهظاً لأخطاء وغرور الأقوياء. والعبرة لمن يعتبر.

والله أعلم بما ستؤول إليه الأمور، لكن المؤكد أن المنطقة والعالم لن يعودا كما كانا قبل هذه الحرب.


إقرأ ايضا :

إرسال تعليق

أحدث أقدم