السيسي يرعب ترامب بتحرك عسكري… الإمارات تطرد طيران نتنياهو من الخليج.
في حلقة اليوم، نفتح واحدًا من أخطر ملفات المنطقة: هل بدأت السماء العربية تُغلق أمام طيران نتنياهو؟ وهل تحولت اتفاقيات أبراهام من حلم إسرائيلي إلى عبء سياسي وأمني على الخليج؟
العنوان الذي بين أيدينا يحمل صدمة كبرى: السيسي يرعب ترامب بتحرك عسكري مفاجئ، والإمارات تطرد طيران نتنياهو من سماء الخليج. لكن هل هذه مجرد عناوين مثيرة، أم أننا أمام انقلاب حقيقي في قواعد اللعبة بالشرق الأوسط؟
![]() |
| السيسي يرعب ترامب بتحرك عسكري مفاجئ، والإمارات تطرد طيران نتنياهو من سماء الخليج |
ما سنراه في هذا التحليل ليس مجرد قراءة للأخبار، بل تفكيك لأسرارها وحكاياتها الخفية. سنبدأ من التقرير الذي هز الأوساط الإسرائيلية، ثم ننتقل إلى التحرك المصري غير المسبوق، قبل أن نناقش السؤال الأكبر: هل يولد تحالف سني جديد قادر على ردع ترامب ونتنياهو؟
الإمارات تغلق سماء الخليج – الصدمة الإسرائيلية.
تقرير قناة "كان" الذي هز تل أبيب.
كشفت هيئة البث الإسرائيلية "قناة كان"، في تقرير استخباراتي حساس، أن إحدى دول المنطقة رفضت بشكل قاطع السماح لإسرائيل باستخدام مجالها الجوي خلال الهجمات الأخيرة على إيران. القرار، الذي وُصف في الأوساط الإسرائيلية بـ"الصاعق"، جاء في اللحظة الحرجة التي كان فيها بنيامين نتنياهو وهرتسي هليفي – رئيس أركان جيش الاحتلال – يستعدان لتوجيه ضربة جديدة ضد طهران .
المفاجأة الأكبر لم تكن في الرفض وحده، بل في هوية الدولة الرافضة. كل التحليلات الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن هذه الدولة هي الإمارات، التي كانت حتى الأمس القريب في طليعة الدول المطبعة مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام. والأكثر إيلامًا لتل أبيب أن الرسالة الإماراتية لم تكن مجرد رفض عابر، بل كانت واضحة وحاسمة: "لن تستخدم أي أجواء خليجية لحروبكم بعد اليوم".
هذا التطور دفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى حالة من الاستنفار التحليلي. كيف يمكن أن تكون الإمارات – الشريك الاستراتيجي الذي راهن نتنياهو عليه لبناء "ناتو شرق أوسطي" ضد إيران – هي نفسها من تغلق المجال الجوي في اللحظة الحاسمة؟
بلومبيرغ تكشف: اجتماع أمني إماراتي-إيراني في طهران.
لم تقف الصدمة عند هذا الحد. فبينما كان الإسرائيليون يحاولون استيعاب الرفض الخليجي، نشرت وكالة بلومبيرغ الأمريكية تقريرًا أكثر إثارة: الإمارات أرسلت طائرة عسكرية إلى طهران، حطت على مدرج العاصمة الإيرانية، وخرج منها مسؤولون عسكريون وسياسيون رفيعو المستوى لاجتماع وجهاً لوجه مع نظرائهم الإيرانيين.
هذا الاجتماع، الذي وُصف بأنه الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب على إيران، ناقش ملفات بالغة الحساسية:
سبل خفض التصعيد العسكري بين الطرفين
ضمانات بألا تستهدف إيران الأراضي الإماراتية
تفاهمات حول حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز
واللافت أن إيران أبدت، قبل الاجتماع، رغبة صريحة في التوصل إلى تفاهم مع الإمارات. وفي الضربات الإيرانية الأخيرة، لم يتم المساس بسماء الإمارات أو أراضيها – وهي إشارة غير مسبوقة إلى وجود قنوات اتصال فعالة بين أبوظبي وطهران.
لماذا صدمت تل أبيب؟
السبب الذي جعل القرار الإسرائيلي يشعر بصدمة حقيقية هو أن إسرائيل كانت تراهن على ثلاثة أعمدة استراتيجية منذ توقيع اتفاقيات أبراهام:
الأول: أن دول الخليج ستصبح منصة خلفية لوجستية لعملياتها العسكرية ضد إيران. المجال الجوي الخليجي لم يكن مجرد سماء، بل كان ممرًا حيويًا لتقصير مسافات الطيران وتجنب الأجواء المعادية.
الثاني: أن التطبيع الاقتصادي والتكنولوجي سيتحول تلقائيًا إلى تحالف أمني وعسكري. الإمارات وقعت صفقات أسلحة وتكنولوجيا مع إسرائيل بمليارات الدولارات، وكان من المتوقع أن يترجم ذلك إلى دعم عسكري غير محدود.
الثالث: أن واشنطن ستظل السند الخلفي لأي عمل عسكري إسرائيلي في المنطقة. لكن الإدارة الأمريكية الحالية، كما سنرى، بدأت تتبنى مقاربة مختلفة.
التطبيع ليس شيكًا على بياض.
الرسالة التي أرسلتها الإمارات إلى إسرائيل واضحة بكل المقاييس: "اتفاقيات أبراهام لا تعني أن مدننا ومطاراتنا ومنشآتنا النفطية ستصبح دروعًا بشرية لحروب نتنياهو".
الحقيقة أن الإمارات وجدت نفسها في مأزق استراتيجي حقيقي. فمن ناحية، هناك التزامات التطبيع والانفتاح على إسرائيل. ومن ناحية أخرى، هناك واقع مرير: أي ضربة إسرائيلية تنطلق من أجوائها أو تمر عبرها، أو أي هجوم إسرائيلي يستخدم بنيتها التحتية، يعني أن الإمارات أصبحت هدفًا مشروعًا للانتقام الإيراني.
في الحرب الأخيرة، تعرضت القواعد العسكرية والموانئ والمنشآت الحيوية في الخليج لتهديدات مباشرة. ولحسن الحظ، نجت الإمارات من أضرار كبرى، لكن درس المستقبل كان واضحًا: الالتزام الأعمى بإسرائيل قد يكلف الخليج غالياً.
لماذا يخاف الخليج من حرب إسرائيل وإيران؟
هناك أسباب بنيوية تدفع دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، إلى كبح جماح إسرائيل ومنع جر المنطقة إلى حرب شاملة:
البراند الاقتصادي: الإمارات بنت نموذجها الاقتصادي على كونها "دولة آمنة"، وجهة للاستثمارات الأجنبية والسياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا. أي صاروخ يسقط على أراضيها – حتى لو لم يسبب دمارًا كبيرًا – يهز هذا البراند ويطير بثقة المستثمرين.
مشاريع المستقبل: السعودية والإمارات تستثمران مئات المليارات في مشاريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. "رؤية السعودية 2030" ومشاريع دبي وأبوظبي المستقبلية تتطلب بيئة مستقرة. لا أحد سيستثمر في مراكز بيانات ضخمة في منطقة يمكن أن تشتعل في أي لحظة.
التكلفة الاقتصادية للتصعيد: أي حرب جديدة في الخليج تعني اضطرابًا في إمدادات الطاقة، وارتفاعًا جنونيًا في أسعار التأمين على الشحن، وتهديدًا للملاحة في مضيق هرمز. هذه التكلفة يتحملها الجميع، لكن الخليج يتحمل الجزء الأكبر منها.
الضغط الأمريكي: تقرير قناة "كان" أشار بوضوح إلى أن واشنطن أبلغت إسرائيل بضرورة الامتناع عن جر المنطقة إلى حرب أوسع. الإدارة الأمريكية، بغض النظر عن هوية رئيسها، لا تريد حربًا شاملة في الشرق الأوسط تورط قواتها وتستنزف حلفاءها .
هل فشل حلم "الناتو الشرقي أوسطي"؟
أحد أكبر أحلام بنيامين نتنياهو كان تحويل اتفاقيات أبراهام من مجرد اتفاقيات تطبيع اقتصادي وسياسي إلى حلف عسكري متكامل على غرار الناتو، يضم إسرائيل ودول الخليج ومصر، لمواجهة إيران ومشروعها الإقليمي.
لكن ما حدث خلال الحرب الأخيرة وأعقابها كشف هشاشة هذا الحلم. فبحسب تحليل مركز كارنيجي للدراسات، فإن "اتفاقيات أبراهام ولا القواعد الأمريكية ولا السلاح الأمريكي كافية لحماية الدول الخليجية وحدها". الحرب أظهرت أن أمن الخليج لا يمكن اختزاله في علاقة ثنائية مع إسرائيل أو أمريكا.
والأكثر إيلامًا لنتنياهو هو أن دول الخليج بدأت تفتح قنوات اتصال مباشر مع طهران، بدلًا من تصعيد المواجهة. هذا التحول في السياسة الخليجية – من التصعيد إلى التهدئة – هو ما دفع المحللين الإسرائيليين إلى وصف ما يحدث بأنه "انقلاب إماراتي صريح على روح اتفاقيات أبراهام" .
ولكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد "انقلاب". ما تفعله الإمارات هو إعادة تعريف لطبيعة علاقتها مع إسرائيل: التطبيع مستمر في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، لكنه لن يكون غطاءً لأي مغامرة عسكرية إسرائيلية في المنطقة. بعبارة أخرى: "التطبيع له حدود، والإمارات ليست تابعة لأحد".
مصر تدخل المشهد – السيسي يغير قواعد اللعبة.
تدريب جوي مشترك مصري-تركي: الحدث الذي لم يتوقعه أحد.
بينما كان العالم مشغولًا بالتحركات الإماراتية، كانت القاهرة تستعد لضربتها الاستراتيجية. في 11 يونيو 2026، أعلنت وزارة الدفاع المصرية عن انطلاق تدريب جوي مشترك مع القوات الجوية التركية، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام، في عدة قواعد جوية مصرية.
هذا الحدث، لو كان قد حدث قبل خمس أو ست سنوات فقط، لكان الجميع ضحكوا عليه واستبعدوه. فمصر وتركيا كانتا، حتى وقت قريب جدًا، على حافة الهاوية. التوتر بلغ ذروته في ليبيا، حيث دعمت القاهرة قوات المشير خليفة حفتر الشرقية، بينما دعمت أنقرة حكومة الوفاق في طرابلس. وكان الرئيس السيسي قد صرح بأن "سرت والجفرة خط أحمر"، مؤكدًا أن أي تقدم للقوات التركية سيقابل بالقوة المصرية.
اليوم، الطيارون المصريون والأتراك يتدربون معًا، ويوحدون مفاهيمهم القتالية، ويتبادلون الخبرات في قواعد جوية مصرية. البيان العسكري المشترك تحدث عن "توحيد مفاهيم قتالية"، وهو تعبير عسكري يعني أن الطيارين من البلدين يتدربون على نفس الإجراءات والتكتيكات، بحيث يمكنهم العمل معًا في أي عملية مستقبلية.
من العداء إلى المصالح: ماذا تغير؟
السياسة الخارجية لا تُبنى على المشاعر، بل على المصالح. والقاهرة وأنقرة أدركتا أن استمرار العداوة مكلف جدًا، وأن التعاون بينهما يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة للطرفين.
بحسب تقرير صادر عن مركز INSS الإسرائيلي، فإن التقارب المصري-التركي يستند إلى مجموعة من المصالح المشتركة التي لا يمكن تجاهلها :
زيادة التجارة البينية من 9 مليارات دولار إلى 15 مليارًا سنويًا
تصدير الغاز المسال المصري إلى تركيا، مما يفتح أسواقًا جديدة للطاقة المصرية
توسيع التعاون العسكري ليشمل تدريبات بحرية مشتركة وصفقات أسلحة
تبادل الخبرات في مجال صناعة الطائرات بدون طيار (المسيرات) والذخائر
السيسي يبحث عن بدائل: لماذا تحتاج مصر إلى تركيا؟
من المنظور المصري، هناك عدة دوافع رئيسية وراء هذا التقارب السريع مع أنقرة:
تنويع مصادر السلاح: مصر كانت تعتمد بشكل كبير على التسليح الأمريكي والفرنسي والروسي. لكن هذا الاعتماد جعلها عرضة للضغوط السياسية. تركيا تقدم بديلاً حقيقيًا، خاصة في مجالات حساسة مثل أنظمة الدفاع الجوي والمسيرات والذخائر الموجهة. صفقة سابقة بين البلدين شملت نظام دفاع جوي تركي قصير المدى ومصنع ذخائر مشترك، وهي خطوة أولى نحو شراكة دفاعية أعمق.
الاستقلالية الاستراتيجية: مصر تريد أن ترسل رسالة واضحة لواشنطن وتل أبيب: "لسنا حلفاء تلقائيين، ولدينا بدائل استراتيجية". إذا حاولت أمريكا الضغط على مصر عسكريًا أو اقتصاديًا، فإن القاهرة لديها الآن خيارات أخرى.
الردع الإسرائيلي: مصر لديها مخاوف حقيقية من التمدد الإسرائيلي على حدودها، خاصة بعد دخول جيش الاحتلال إلى محور فيلادلفيا الذي يفصل مصر عن قطاع غزة. كما أن التحركات الإسرائيلية في سوريا ولبنان تثير قلق القاهرة. مصر لا تريد حربًا مع إسرائيل، لكنها تريد أن تثبت أنها قادرة على الردع وألا تكون الطرف الأضعف في المعادلة.
ماذا تريد تركيا من مصر؟
الجانب التركي لديه أيضًا دوافع قوية للتقارب مع مصر. المركز التركي لدراسات الشرق الأوسط "ORSAM" وصف المرحلة الجديدة بأنها "تشكيل محور عسكري لتحقيق توازن إقليمي" في عدة ملفات حساسة:
ليبيا: تركيا لديها وجود عسكري في ليبيا، لكن أي تسوية سياسية في هذا البلد دون مشاركة مصر هي تسوية ناقصة. تركيا تحتاج للقاهرة لتحقيق الاستقرار في الملف الليبي بما يخدم مصالحها.
شرق المتوسط: تركيا تواجه تحديًا كبيرًا في ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص، بسبب وجود جزر يونانية صغيرة قبالة الساحل التركي. مصر، كقوة إقليمية كبرى في شرق المتوسط، يمكن أن تكون حليفًا مهمًا في هذه المفاوضات.
غزة والسودان والقرن الأفريقي: تركيا تريد توسيع نفوذها في هذه المناطق، ومصر هي بوابة العرب إلى أفريقيا. التعاون مع القاهرة يمنح أنقرة شرعية إقليمية لا يمكن الحصول عليها بأي طريقة أخرى.
إسرائيل تصبح "الغراء" الذي يجمع الأطراف المتناحرة؟
المفارقة اللافتة أن السياسات الإسرائيلية العدوانية في غزة ولبنان وسوريا قد تكون السبب الرئيسي في تقريب وجهات النظر بين مصر وتركيا. فبحسب تحليل مركز INSS، فإن "إسرائيل أصبحت بمثابة المادة اللاصقة التي تربط القاهرة وأنقرة" . بعبارة أخرى، وجود تهديد مشترك – أو على الأقل قلق مشترك – من التوسع الإسرائيلي هو ما دفع البلدين إلى طي صفحة الخلافات والعمل معًا.
في بيان مشترك صدر عن الرئيس السيسي والرئيس أردوغان، وقف الرجلان على موقف موحد من عدة قضايا:
المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة
دعم عودة السلطة الفلسطينية المُصلحة إلى القطاع
إحياء العملية السياسية لحل الدولتين
إدانة الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا ولبنان
دعم سيادة الصومال ورفض الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال
هذه ليست مجرد تصريحات دبلوماسية عابرة، بل هي برنامج عمل مشترك بين أكبر قوتين عسكريتين في المنطقة.
السعودية وباكستان – العمود الفقري للمحور الجديد.
اتفاقية دفاع مشترك تهز المنطقة.
في 17 سبتمبر 2025، وبعد أيام فقط من ضربة إسرائيلية استهدفت قيادة حماس في الدوحة، وقعت السعودية وباكستان على اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي (SMDA) . الاتفاقية، التي وُصفت بأنها الأهم في تاريخ العلاقات بين البلدين، تتضمن بندًا صريحًا للدفاع الجماعي يحاكي بشكل كبير المادة الخامسة من معاهدة الناتو: "أي عدوان على أحد البلدين يُعتبر عدوانًا على كليهما".
هذه الاتفاقية لم تأتِ من فراغ. فهي تتويج لعقود من التعاون العسكري والأمني الوثيق بين الرياض وإسلام آباد. باكستان كانت دائمًا الحليف العسكري الأقرب للسعودية، مع وجود آلاف الجنود الباكستانيين في المملكة لأغراض التدريب والدفاع الجوي.
لكن الجديد في اتفاقية 2025 هو الطابع الرسمي والملزم. لأول مرة، تتحول العلاقة من تفاهمات غير رسمية إلى التزام قانوني واضح. ومع الحديث عن أن الاتفاقية "تشمل جميع الوسائل العسكرية"، برز سؤال خطير: هل أصبحت السعودية تحت المظلة النووية الباكستانية؟
الورقة النووية الباكستانية: بين الحقيقة والمبالغة.
باكستان تمتلك ترسانة نووية تقدر بنحو 170 رأسًا حربيًا، إلى جانب صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الإيرانية والإسرائيلية. وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف صرح في مقابلة تلفزيونية بأن القدرات النووية الباكستانية "ستكون متاحة" للسعودية إذا لزم الأمر .
لكن التحليل الأكثر توازنًا، الذي نشرته معهد الشرق الأوسط (MEI)، يحذر من المبالغة في تفسير هذه التصريحات . فالمظلة النووية ليست مجرد تصريح سياسي؛ إنها التزام عسكري معقد. هل ستخاطر باكستان بحرب نووية مع إسرائيل – أو مع أي قوة نووية أخرى – من أجل السعودية؟ هذا سؤال مفتوح على نطاق واسع.
الواقع أن القيمة الحقيقية للاتفاقية قد تكون أكثر دبلوماسية منها عسكرية. فهي ترسل رسالة إلى واشنطن وتل أبيب وطهران مفادها أن السعودية لديها خيارات استراتيجية أخرى، وأن الضغط عليها قد يأتي بنتائج عكسية.
باكستان: لاعب إقليمي بامتياز.
باكستان ليست مجرد حليف عسكري للسعودية، بل هي قوة إقليمية مؤثرة بحد ذاتها. امتلاكها السلاح النووي يجعلها اللاعب الوحيد في العالم الإسلامي الذي يملك هذه الورقة. كما أن موقعها الجيوسياسي المطل على الخليج والمحيط الهندي وجنوب آسيا يجعلها محورية في أي معادلة إقليمية جديدة.
دوافع باكستان للانخراط في هذا المحور الجديد متعددة:
الدعم المالي السعودي: باكستان تمر بأزمة اقتصادية خانقة، والدعم السعودي – الذي تجاوز مؤخرًا 3 مليارات دولار – هو شريان حياة للاقتصاد الباكستاني.
الشرعية الإسلامية: باكستان تريد أن تبرز كقائد للعالم الإسلامي، والمشاركة في تحالف سني كبير يعزز من مكانتها.
مواجهة النفوذ الهندي: باكستان ترى في أي تحالف إقليمي يضمها فرصة لموازنة النفوذ الهندي المتزايد في المنطقة.
السعودية بين المطرقة والسندان.
السعودية تجد نفسها اليوم في موقع معقد. من جهة، لديها مصالح استراتيجية مع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل أحيانًا. ومن جهة أخرى، المشروع السعودي الطموح "رؤية 2030" يتطلب استقرارًا إقليميًا وحلفاء أقوياء.
اللافت أن التوتر بين السعودية والإمارات بدأ يطفو على السطح في عدة ملفات، أبرزها اليمن والسودان والصومال . الرياض تدعم القوات المسلحة السودانية، بينما الإمارات تدعم قوات الدعم السريع. في الصومال، اعترفت إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، بينما ترفض السعودية ذلك بشدة. هذه الخلافات تعقّد فكرة "التحالف السني" الموحد.
لكن رغم هذه الخلافات، يبدو أن السعودية وباكستان ومصر وتركيا تجد نفسها على اتفاق في الملفات الكبرى – وأبرزها التصدي للتوسع الإسرائيلي ووقف الحرب في غزة.
التحالف السني – حقيقة وهم؟
ماذا يعني مصطلح "Sunni Axis"؟
في الأسابيع الأخيرة، بدأ مصطلح "المحور السني" أو "Sunni Axis" يتردد بقوة في الصحافة الإسرائيلية والغربية. صحيفة جيروزاليم بوست نشرت تحليلاً مطولاً عن هذا التحالف الناشئ، واصفة إياه بأنه قد يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط .
لكن ما هو هذا المحور بالضبط؟
ببساطة، هو تنسيق سياسي وأمني متنامٍ بين أربع دول سنية كبرى: مصر، تركيا، السعودية، وباكستان. هذه الدول بدأت تدرك أن مصالحها المشتركة – خاصة في مواجهة السياسات الإسرائيلية العدوانية وتداعيات الحرب على إيران – تستوجب تنسيقًا وثيقًا يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
اجتماع وزراء الخارجية الأربعة في الرياض (مارس 2026) ، ثم في إسلام آباد (مارس 2026) ، ثم في أنطاليا (أبريل 2026) ، كان مؤشرًا واضحًا على أن هذا التنسيق يسير بخطى سريعة نحو مأسسته .
معهد الدراسات الاستراتيجية (IISS) يحلل الرباعية الجديدة
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في بريطانيا، وهو أحد أعرق مراكز الأبحاث العسكرية في العالم، نشر في 6 مايو 2026 تحليلاً مطولاً عن "الرباعية الشرق أوسطية الجديدة" . التقرير خلص إلى عدة نتائج مهمة:
هذه الرباعية بدأت تتشكل كرد فعل مباشر على العدوانية الإسرائيلية وتداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
البلدان الأربعة لديها مخاوف أمنية مشتركة، أبرزها منع انهيار إيران واندلاع فوضى أمنية على حدودها.
الرباعية ليست حلفًا عسكريًا رسميًا بعد، لكنها قد تتطور إلى "مجموعة تنسيق" تلعب دورًا مهمًا في إدارة الأزمات الإقليمية.
الولايات المتحدة لم تعد الحليف الموثوق به للجميع، والرباعية تحاول ملء الفراغ الذي تركته سياسات "أمريكا أولاً".
التحديات والعقبات: لماذا قد يفشل التحالف؟
مع كل هذا الحماس، هناك أسباب وجيهة للتشكك في قدرة هذا التحالف على التحول إلى كيان عسكري موحد وفعال:
الخلافات التاريخية: العلاقات بين هذه الدول شابها التوتر لعقود. مصر وتركيا كانتا على حافة الهاوية قبل سنوات قليلة. السعودية وتركيا مرتا بفترة قطيعة دبلوماسية حادة بعد مقتل جمال خاشقجي في إسطنبول عام 2018. باكستان لديها مصالح معقدة مع إيران والهند قد تتعارض مع التزاماتها تجاه السعودية .
تضارب المصالح الإقليمية: السعودية والإمارات – التي قد تنضم إلى التحالف أو تقف على الحياد – لديهما خلافات في اليمن والسودان والصومال. تركيا لديها طموحات في شرق المتوسط تتعارض مع المصالح المصرية في بعض النقاط. هذه الخلافات قد تعيق أي عمل موحد .
الضغوط الخارجية: الولايات المتحدة لا تنظر بعين الرضا إلى تحالف عسكري سني كبير قد يخرج عن سيطرتها. إسرائيل، كما سنرى، تبذل جهودًا دبلوماسية كبيرة لمنع اكتمال هذا التحالف. والصين وروسيا لهما مصالحهما الخاصة التي قد لا تتوافق مع توجهات الرباعية.
الطابع الارتجالي: حتى الآن، كل ما حدث هو اجتماعات وزارية وتصريحات إعلامية. لم يتم التوقيع على معاهدة دفاع مشترك بين الأربعة. لم تتحد موازينهم العسكرية. لم تتبلور قيادة موحدة أو عقيدة قتالية مشتركة.
ماذا تقول إسرائيل؟
القلق الإسرائيلي من هذا التطور واضح وصريح. يوني بن مناحيم، الباحث في مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، وصف أردوغان بأنه "أخطر رجل من وجهة نظر إسرائيلية" وحذر من أن تركيا تعمل بهدوء على بناء "كتلة سنية جديدة" لملء الفراغ الذي سيتركه انهيار إيران .
المقال ذاته نقلاً عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت قوله إن "تركيا هي إيران الجديدة"، وإنها "تحاول قلب السعودية ضدنا وتأسيس محور سني معادي باكستاني نووي".
لكن هناك أيضًا أصوات إسرائيلية أكثر هدوءًا. بعض المحللين يعتقدون أن فكرة "المحور السني" مبالغ فيها، وأن الانقسامات بين الدول العربية والإسلامية لا تزال عميقة لدرجة تمنع أي تحالف حقيقي . كما أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية وأمنية قوية مع بعض الدول العربية – وإن كانت هذه العلاقات تواجه اختبارًا حقيقيًا في ظل التطورات الأخيرة.
السماء العربية ليست ممرًا مجانيًا.
ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد أزمة عابرة، ولا هو مجرد خلاف تكتيكي بين حلفاء سابقين. نحن أمام تحول هيكلي عميق في قواعد اللعبة.
الإمارات قالت بوضوح إن التطبيع مع إسرائيل ليس "شيكًا على بياض"، وإن اتفاقيات أبراهام لا تعني أن تصبح المدن الإماراتية دروعًا بشرية في حرب نتنياهو. وأبوظبي أثبتت أنها قادرة على فتح قنوات مع طهران عندما تتعارض المصالح، وأنها لن تكون مجرد تابع لأي طرف.
مصر قالت بصوت عالٍ إنها لن تبقى وحيدة في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. وإن لديها بدائل استراتيجية، وإن تركيا وباكستان والسعودية يمكن أن يكونوا شركاء موثوقين عندما تتقاطع المصالح.
تركيا تسعى إلى تعويض ما فاتها من نفوذ في العالم العربي، وتستثمر في العداء الإسرائيلي لتعزيز مكانتها كقائد للمعسكر المناهض للتوسع الإسرائيلي.
السعودية وباكستان تتحركان لبناء تحالف دفاعي ربما يكون الأهم في المنطقة منذ عقود، وإن كانت العقبات ما زالت كبيرة أمام تحويله إلى حلف عسكري فعال.
السؤال الذي يبقى مطروحًا، وإجابته ستحدد مستقبل المنطقة بأكملها:
هل هذا التنسيق المتزايد بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان قادر على ردع ترامب ونتنياهو، أم أنه سيبقى مثل الجامعة العربية – مجرد بيانات شجب وإدانة لا تجدي نفعًا؟
الإجابة لن تأتي من التصريحات، بل من الأفعال. الأيام القادمة – وربما الأسابيع – ستكون حاسمة في تحديد مسار المنطقة. الحرب على إيران لم تنتهِ بعد. الحرب في غزة لم تنتهِ بعد. والتوترات في لبنان وسوريا واليمن لم تهدأ بعد.
في هذا المشهد المتقلب، المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، وأن إسرائيل لم تعد كما كانت قبل حربها على إيران. السماء العربية التي كانت ممرًا مجانيًا لطائراتها بدأت تغلق، واحدة تلو الأخرى.
وهل يمكن لأي كان أن يضمن أن الغد لن يحمل المزيد من المفاجآت؟
إقرأ أيضا :
سقوط نتنياهو الوشيك: ترامب وفانس يتخليان عنه والإمارات تدفع 3 مليار دولار لإيران - التحليل الكامل.
تحصينات إسرائيل على حدود مصر وغزة.. هل يدخل محور فيلادلفيا أخطر مواجهة منذ كامب ديفيد؟
