الاشتباكات في مضيق هرمز وجزر إيران – هل نحن على أبواب حرب برية؟
الساعة صفر – ماذا حدث بالضبط في مضيق هرمز؟
الساعة 13:13 بتوقيت جرينتش، بدأ المشهد. القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة، وتحديداً تلك التي كانت تتمركز قبالة السواحل الإيرانية، تلقت أوامر بالتقدم نحو الداخل. لم يكن الأمر مناورة عادية، بل كان تحركاً منظماً ومنسقاً.
الحقيقة التي رصدها المراقبون العسكريون أن السفن الحربية الأمريكية غيرت مسارها فجأة من مسار دوري اعتيادي إلى تشكيل هجومي. هذا النوع من التغيير لا يحدث إلا في حالات الاستعداد القتالي الفعلي، وليس للمناورة أو الاستعراض.
بدأت القوات الأمريكية في التحرك بشكل ممنهج نحو جزيرة قشم. جزيرة قشم، كما تعلمون، ليست جزيرة صغيرة أو هامشية. هي أكبر جزيرة في منطقة الخليج العربي بأكملها، وتمتد على مساحة ضخمة قبالة السواحل الجنوبية لإيران. موقعها الاستراتيجي يجعلها المفتاح الحقيقي للسيطرة على مضيق هرمز.
ما إن اقتربت القوات الأمريكية من الجزيرة، حتى بدأت الضربات الجوية. استهدفت القاذفات الأمريكية مواقع متعددة داخل جزيرة قشم، ثم امتد القصف ليشمل جزيرة لارك المجاورة، وهي جزيرة أصغر حجماً لكنها ذات أهمية عسكرية هائلة.
![]() |
| استهدفت القاذفات الأمريكية مواقع متعددة داخل جزيرة قشم، ثم امتد القصف ليشمل جزيرة لارك المجاورة، |
اللافت في الأمر أن الضربات لم تتوقف عند هاتين الجزيرتين، بل امتدت لتشمل جزراً إيرانية أخرى كانت تعتبر حتى الآن مناطق محصنة ومغلقة تماماً أمام أي تحليق أو مراقبة دولية. هذا التوسع في العمليات يشير إلى أن الخطة الأمريكية كانت أوسع مما أُعلن.
التبرير الأمريكي – اقرأ بين السطور .
البيان الرسمي الصادر عن القيادة المركزية الأمريكية جاء غامضاً بشكل متعمد، كما جرت العادة في مثل هذه العمليات. نص البيان على أن القوات الأمريكية "رصدت تهديدات وشيكة" داخل هذه الجزر، وأن هذه التهديدات كانت تستهدف "القوات الأمريكية وحلفاءها في المنطقة".
لكن السؤال الذي طرحه كل المحللين العسكريين فور صدور البيان هو: أين الدليل؟ لم تقدم أمريكا أي صورة أو تسجيل أو تقرير استخباراتي يثبت وجود هذه التهديدات المزعومة. كل ما قيل كان كلاماً عاماً غير مدعوم بأي دليل مادي.
هذا الغموض المقصود يثير الريبة. في مثل هذه العمليات العسكرية الكبيرة، من المعتاد أن تقدم الدول الكبرى على الأقل بعض الأدلة الاستخباراتية لتبرير أفعالها أمام المجتمع الدولي. لكن أمريكا لم تفعل.
وكالة أسوشيتد برس نقلت عن مسؤولين أمريكيين كبار قولهم إن التهديدات كانت "محددة ووشيكة"، لكنهم رفضوا تقديم أي تفاصيل إضافية. هذا النوع من الإجابات المراوغة يذكرنا بسيناريوهات سابقة استخدمت فيها واشنطن مزاعم تهديدات مبالغاً فيها كذريعة لشن عمليات عسكرية واسعة.
المؤشرات الميدانية على الأرض كانت تقول شيئاً مختلفاً تماماً. لم ترصد أي من وكالات الاستخبارات الغربية المستقلة أي تحضيرات إيرانية غير عادية في الأيام السابقة للضربات. لم تتحرك القوات الإيرانية بشكل غير طبيعي، ولم تصدر أي تصريحات تهديدية جديدة، ولم تنقل صواريخها إلى مواقع هجومية.
كل ما كانت تفعله إيران في تلك الأيام كان الحديث عن مذكرة تفاهم محتملة مع أمريكا، وعن إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات. هذه ليست سلوكيات دولة تستعد لشن هجوم عسكري على قوة عظمى.
إذاً، لماذا كل هذا؟ الجواب البسيط قد يكون أن أمريكا هي التي كانت تختبر شيئاً ما. ليست إيران هي التي كانت تستعد للهجوم، بل أمريكا هي التي كانت تختبر إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في عمق الأراضي الإيرانية. وتحديداً، كانت تختبر احتمال غزو بري لهذه الجزر.
لماذا قشم ولارك تحديداً؟ قراءة في الخريطة الاستراتيجية .
دعنا نفتح الخريطة ونفهم لماذا اختارت أمريكا هذه الجزر بالذات.
أولاً: جزيرة قشم .
قشم هي الجزيرة الأكبر في منطقة الخليج، وتمتد بطول يقترب من 150 كيلومتراً وعرض يتراوح بين 15 و 25 كيلومتراً. تقع هذه الجزيرة العملاقة عند مدخل مضيق هرمز من الجهة الجنوبية الغربية لإيران.
تخيل مضيق هرمز كممر مائي ضيق، عرضه في أضيق نقطة لا يتجاوز 50 كيلومتراً. هذا الممر هو الشريان الحيوي لاقتصاد العالم، حيث تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً. من يسيطر على هذا الممر، يمسك بخناق الاقتصاد العالمي بأكمله.
جزيرة قشم تشبه الحارس العملاق عند بوابة هذا الممر. وجود قواعد عسكرية إيرانية في هذه الجزيرة يعني أن طهران تستطيع، نظرياً، إغلاق المضيق في أي لحظة تشاء. صواريخ إيران المضادة للسفن المنتشرة في قشم تستطيع الوصول إلى أي هدف يتحرك في المضيق.
ثانياً: جزيرة لارك .
لارك أصغر حجماً من قشم، لكنها قد تكون أكثر أهمية عسكرياً. تقع هذه الجزيرة إلى الشرق من قشم، وتطل مباشرة على أقرب نقطة عبور للسفن العملاقة في المضيق.
على مدار السنوات العشر الماضية، حوّلت إيران جزيرة لارك إلى قلعة عسكرية متكاملة. تضم الجزيرة الآن بطاريات صواريخ بعيدة المدى مضادة للسفن، وأنظمة رادار متطورة قادرة على تتبع كل حركة في المضيق، ومهابط طائرات مسيرة، وموانئ عسكرية صغيرة يمكن أن تستخدم لاستقبال زوارق سريعة.
الضربات الأمريكية التي حدثت أمس ركزت على هاتين الجزيرتين بشكل مكثف. صور الأقمار الاصطناعية التي رصدت الحرائق في الجزيرتين أظهرت أن الأهداف كانت محددة بدقة. لم تكن الضربات عشوائية، بل كانت موجهة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية في هذه المناطق.
اقرأ أيضاً: [تحليل عسكري لصور الأقمار الاصطناعية للجزيرتين بعد الضربات – رويترز] (https://www.reuters.com)
الغزو البري – هل هو وارد ولماذا الآن؟
السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بقوة بعد هذه التطورات هو: هل ما نشهده هو مجرد ضربات جوية انتقامية، أم أننا أمام تمهيد لعملية برية واسعة لاجتياح هذه الجزر؟
للإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى النظر إلى ثلاثة محاور رئيسية: العسكري والسياسي والإقليمي.
المحور العسكري: المؤشرات على الأرض .
أول مؤشر يدعم فرضية الغزو البري هو حجم القوات البحرية الأمريكية الموجودة حالياً في المنطقة. ليست مجرد سفن دورية عادية، بل أسطول متكامل يضم حاملة طائرات على الأقل من فئة نيميتز، وأكثر من ست مدمرات من طراز أرلي بيرك، وأهم من ذلك، سفن إنزال برمائي تحمل آليات عسكرية ثقيلة ودبابات وقوات مشاة بحرية.
هذا النوع من السفن لا يتم إرساله إلى منطقة ما لم تكن هناك نية لإنزال قوات على الأرض. سفن الإنزال البرمائي مصممة خصيصاً لهذا الغرض: نقل الجنود والمعدات الثقيلة من البحر إلى البر في عمليات هجومية.
ثاني مؤشر هو طبيعة الأهداف التي تم قصفها. أمريكا لم تقتصر على قصف مواقع عسكرية صرفة، بل استهدفت أيضاً بنية تحتية لوجستية حيوية: الطرق التي تربط الموانئ بالقواعد الداخلية، ومحطات توليد الكهرباء التي تغذي أنظمة الرادار، ومخازن الذخيرة تحت الأرض. هذه الأهداف ليست عشوائية. هي بالضبط ما يستهدف أي جيش قبل القيام بإنزال بري، بهدف شل قدرة العدو على المناورة والتحرك.
ثالث مؤشر هو السلوك الإيراني نفسه. تقارير استخباراتية تحدثت عن أن إيران بدأت في إخلاء بعض القواعد العسكرية الصغيرة في الجزر، ونقل معداتها الثقيلة إلى داخل الأراضي الإيرانية. هذا السلوك يشبه تماماً سلوك أي جيش يستعد لمواجهة وشيكة، ويتوقع أن يفقد السيطرة على بعض المناطق.
المحور السياسي: فشل المفاوضات كدافع رئيسي .
ربما يكون فشل المسار الدبلوماسي هو السبب الأعمق والأهم لكل ما يحدث الآن. دعنا نعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً.
على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، كان هناك حديث مكثف عبر وسائل الإعلام العالمية عن قرب التوصل إلى "مذكرة تفاهم" بين أمريكا وإيران. لم تكن المذكرة اتفاقاً شاملاً أو معاهدة سلام، بل كانت وثيقة تفاهم محدودة ومؤقتة.
لكن من تسرب من معلومات عن محتوى هذه المذكرة يشير إلى أنها كانت أقرب إلى وثيقة استسلام من جانب إيران. فحسب المصادر الدبلوماسية، كانت واشنطن تطلب من طهران تجميد كل برنامجها النووي، ووقف تخصيب اليورانيوم تماماً، والسماح بعمليات تفتيش غير مسبوقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتسليم كل مخزونها من اليورانيوم المخصب لدولة ثالثة.
في المقابل، لم تكن واشنطن تقدم سوى تخفيف بسيط ومؤقت لبعض العقوبات الثانوية، مع إبقاء العقوبات الرئيسية والمركزية سارية.
هذه الشروط غير المقبولة أثارت غضب طهران، ليس فقط بسبب صعوبتها، بل أيضاً لأنها كانت تمس مباشرة بما تعتبره إيران "مكتسبات وطنية لا يمكن التفريط فيها".
المكتسبات الإيرانية التي رفضت طهران التفريط فيها .
المكتسب الأول الذي تمسكت به إيران هو برنامجها النووي وتحديداً اليورانيوم المخصب. وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية، وتحديداً وكالة تسنيم ووكالة فارس، نشرتا تصريحات حاسمة وقطعية يوم أمس بالتحديد.
نص التصريح الإيراني: "اليورانيوم المخصب هو مكتسب من مكتسبات الشعب الإيراني، ولن نسلّمه لأي جهة كانت، سواء كانت الصين أو روسيا أو أي دولة أخرى. هذه ثروة وطنية، ومكتسب علمي وتكنولوجي، ولا يمكن لأي مفاوضات أن تمسّها."
هذا الموقف الإيراني ليس جديداً، لكنه كان واضحاً وحاسماً هذه المرة. إيران تعلن للعالم أنها لن تتخلى عن قدرتها على تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، لأي ثمن. المسألة بالنسبة لهم ليست مجرد قضية نووية، بل قضية كرامة وطنية وسيادة.
المكتسب الثاني الذي تمسكت به إيران ولا يمكن لأي مفاوضات أن تمسّه هو السيطرة على مضيق هرمز. إيران أعلنت بوضوح أنها لا تعترف بأي حق لأي دولة في أن تملي عليها كيف تدير مياهها الإقليمية.
المؤشرات على الأرض تؤكد أن إيران تسيطر فعلياً على المضيق. مر يوم أمس فقط أكثر من 33 سفينة شحن عملاقة عبرت المضيق، ودفعت رسوماً لإيران. هذه الرسوم ليست عبوراً عادياً، بل هي "خدمات ملاحة" تقدمها إيران للسفن وشركات الشحن. السفن التي ترفض الدفع أو لا تنسق مع الجانب الإيراني تواجه صعوبات كبيرة في العبور.
باختصار، حتى لو تم فتح المضيق رسمياً أمام الملاحة الدولية، فهو يبقى تحت السيطرة والإدارة الإيرانية بشكل كامل وفعلي. هذا أمر لا تقبل به أمريكا وإسرائيل.
[لقراءة التصريح الإيراني الرسمي عبر وكالة تسنيم] (https://www.tasnimnews.com)
[النص الكامل لتصريح وكالة فارس بشأن اليورانيوم المخصب] (https://www.farsnews.ir)
خدعة "اتفاقيات إبراهيم" – لماذا رفضتها الدول العربية؟
في الأيام الأخيرة، خرج دونالد ترامب بتصريح غريب ومفاجئ، حاول من خلاله إعادة خلط الأوراق. قال ترامب مخاطباً دول الخليج ومصر والأردن وتركيا: "تعالوا وقعوا اتفاقيات إبراهيم مع إسرائيل، وطبّعوا العلاقات معها، وهذا سينهي الحرب وينهي الصراع في المنطقة".
هذا الكلام لم يكن مقنعاً لأحد، ولاقى رفضاً واسعاً ونقداً لاذعاً حتى من داخل الولايات المتحدة نفسها. لماذا؟
لأن ترامب يحاول تسويق فكرة أن التطبيع العربي الإسرائيلي يمكن أن يكون بديلاً عن حل الدولتين، أو أن الدول العربية يمكنها أن تقايض اعترافها بإسرائيل مقابل إنهاء الحرب على إيران. هذا غير منطقي وغير مقبول عربياً.
دعنا نستعرض ردود الفعل الرسمية من الدول العربية والإسلامية التي طلب ترامب منها الانضمام إلى الاتفاقيات:
أولاً: المملكة العربية السعودية
السعودية كانت الأكثر وضوحاً والأكثر حزماً في ردها. صرح مسؤولون سعوديون كبار بأن المملكة "لن تنضم إلى أي اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل قبل مسار واضح ونهائي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية".
هذا الموقف السعودي ليس جديداً، لكن توقيته كان مهم جداً. جاء الرد السعودي بعد ساعات فقط من تصريحات ترامب، وكأن الرياض تريد أن تقول لواشنطن بوضوح: "لا تحاول استغلال ظروفنا أو الضغط علينا، مواقفنا ثابتة ولن تتغير".
ثانياً: قطر
الرد القطري كان مشابهاً لكن بصيغة أكثر دبلوماسية. قطر أعلنت أن انضمامها لأي اتفاقيات إقليمية "مرتبط باستقرار المنطقة وحل القضايا الجوهرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية". وهي صيغة دبلوماسية تعني بالعربية الفصحى: "لن نوقع قبل أن تنال فلسطين حقوقها".
ثالثاً: باكستان
باكستان، التي ليست دولة عربية لكنها دولة إسلامية كبرى وحليفة لأمريكا في ملفات كثيرة، كانت الأكثر تشدداً في ردها. المسؤولون الباكستانيون خرجوا بتصريحات نارية، قالوا فيها إن باكستان "لن تعترف بإسرائيل أبداً، ولن توقع أي اتفاقات تطبيع قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية".
باكستان أضافت أن مسارها السياسي "موازٍ تماماً لمسار المملكة العربية السعودية"، وهو تأكيد على التنسيق والتوافق بين أكبر دولتين إسلاميتين في هذه القضية.
لماذا هذا الرفض؟
ببساطة، لأن ترامب يحاول تسويق شيء لا يملكه. الدول العربية والإسلامية ليست مستعدة للتفريط في القضية الفلسطينية مقابل أي شيء، سواء كان مالاً أو نفوذاً أو أماناً عسكرياً أمريكياً. فلسطين تبقى القضية المركزية للأمة، وأي تطبيع مع إسرائيل لا يمر بحل عادل للقضية الفلسطينية هو تطبيع زائف وغير مقبول.
ترامب واهم إذا كان يعتقد أنه يستطيع شراء ولاءات الدول العربية بتقديم له بعض الحماية الأمنية أو المكاسب الاقتصادية.
[الموقف الباكستاني الرسمي من التطبيع – موقع داون] (https://www.dawn.com)
[الرد السعودي على دعوات ترامب – العربية نت] (https://www.alarabiya.net)
[تحليل الموقف القطري – الجزيرة نت] (https://www.aljazeera.net)
ماذا عن إسرائيل؟ حالة طوارئ وقلق حقيقي .
إسرائيل تعيش منذ أيام حالة طوارئ غير معلنة. الأسباب متعددة ومتداخلة، لكن يمكن تلخيصها في نقطة مركزية واحدة: إسرائيل تشعر بأنها تدفع ثمن هذه الحرب من جلدها، بينما الولايات المتحدة تحاول الخروج منها بأقل الخسائر.
الحالة الأولى: الطائرات المسيرة لحزب الله .
حزب الله، الذراع العسكرية الإيرانية الأقوى في لبنان، يشن منذ أسابيع هجوماً غير مسبوق باستخدام طائرات مسيرة صغيرة من نوع FPV.
هذه الطائرات، التي يتراوح ثمن الواحدة منها بين 300 و500 دولار فقط، تشكل كارثة حقيقية على الدفاعات الإسرائيلية. لماذا؟ لأنها صغيرة جداً، بطيئة نسبياً، محلقة على ارتفاع منخفض، ومصنوعة من مواد لا تعكس الرادار بشكل كبير.
نظام القبة الحديدية الإسرائيلي، الذي يعتبر أحد أفضل أنظمة الدفاع الجوي في العالم، صُمم لاعتراض الصواريخ والقذائف الكبيرة، وليس لاصطياد طائرات صغيرة بحجم طائر تقريباً.
هذه الطائرات المسيرة تحمل كاميرات رؤية ليلية متطورة، وتستطيع التحليق لساعات فوق الأراضي المحتلة، ثم تنقض على أهدافها بدقة عالية. الخسائر التي تسببها هذه الطائرات فادحة، ليس فقط عسكرياً بل اقتصادياً ومعنوياً أيضاً.
بيانات الجيش الإسرائيلي الرسمية تتحدث عن اعتراض عشرات هذه الطائرات يومياً، لكن كثيراً منها يفلت من الاعتراض ويصل إلى أهدافه. وقد صرح مسؤولون عسكريون إسرائيليون قائلين إن "المسيرات الـ FPV سترونها قريباً في القدس وتل أبيب، وليس فقط في جنوب لبنان وشمال إسرائيل".
هذا تصعيد خطير يهدد العمق الإسرائيلي.
الحالة الثانية: نتنياهو يقطع اجتماع الكابينت لتلقي اتصال من ترامب .
حدث غير عادي وقع أمس. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان في اجتماع طارئ للكابينت الإسرائيلي (مجلس الوزراء المصغر)، وهو الاجتماع الذي يناقش شؤوناً أمنية عالية الحساسية.
فجأة، قطع نتنياهو الاجتماع وخرج لتلقي اتصال هاتفي. المصادر الإسرائيلية أكدت أن المتصل كان دونالد ترامب. المكالمة استمرت لأكثر من 20 دقيقة، وبعدها عاد نتنياهو إلى الاجتماع وقد تغيرت ملامحه بشكل ملحوظ.
لم تعلن أي جهة رسمية عن محتوى المكالمة، لكن التقديرات تشير إلى أن ترامب كان يطلب من نتنياهو شيئاً مهماً جداً، ربما يتعلق بعدم التصعيد في لبنان أو في الضفة الغربية، في وقت تحاول أمريكا فيه إدارة أزمتها مع إيران.
لكن نتنياهو، يبدو أنه لا يريد أن يستمع. إسرائيل تشعر بأنها تُخون، أو على الأقل تُترك في الميدان وحدها.
لماذا يشعر نتنياهو بالقلق؟
لأن أي اتفاق أمريكي إيراني محتمل، حتى لو كان اتفاقاً محدوداً أو مذكرة تفاهم، من شأنه أن يربط يد إسرائيل. كيف ذلك؟
إيران وضعت شرطاً واضحاً لأي مفاوضات أو اتفاق: وقف الحرب على جبهة لبنان. إيران تريد أن تتوقف إسرائيل عن قصف لبنان، وتريد أن يهدأ الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، قبل أن توقع أي شيء مع أمريكا.
هذا الشرط يعني أن إيران لن تتخلى عن حزب الله. هي مستعدة للتفاوض مع أمريكا، لكن ليس على حساب حليفها الأقوى في المنطقة. إيران تريد اتفاقاً يحمي حزب الله، لا اتفاقاً يتخلى عنه.
نتنياهو يرى في هذا الشرط خيانة أمريكية محتملة. هو يخشى أن توقع أمريكا وإيران اتفاقاً خلف ظهر إسرائيل، يترك إسرائيل وحدها في مواجهة حزب الله، وربما يقيد حريتها في الرد.
هذا ما يفسر حالة الذهول والقلق في تل أبيب.
[أحدث تقرير عن الخسائر الإسرائيلية من مسيرات حزب الله – وول ستريت جورنال] (https://www.wsj.com)
[تفاصيل مكالمة نتنياهو وترامب – تايمز أوف إسرائيل] (https://www.timesofisrael.com)
ترامب بين فشل وفشل – قراءة في سجل الهزائم .
دونالد ترامب ليس رجلاً يسهل انتقاده، لكن الوقائع على الأرض تتحدث louder من أي كلام. تعال نرصد معاً سجل الإخفاقات الأمريكية في الملف الإيراني تحت إدارة ترامب:
الإخفاق الأول: الوعود الكاذبة بالحرب السريعة .
ترامب، عند بدء حملته العسكرية ضد إيران، وعد الأمريكيين والعالموأن الحرب ستكون "سريعة وحاسمة". قالها بأسلوبه المعهود: "سندخل وننتهي في أسابيع، لن نغرز في مستنقع إيراني مثلما غرزنا في أفغانستان والعراق".
لكن الحقيقة صدمت الجميع. مرت أشهر، ثم سنوات، وإيران لا تزال صامدة. ليس فقط صامدة، بل أقوى مما كانت عليه. القدرات الصاروخية الإيرانية لم تتضرر بشكل كبير. البرنامج النووي الإيراني لم يتوقف. ونفوذ إيران الإقليمي توسع بدلاً من أن يتقلص.
تشبيه صارخ ذكره محللون في نيويورك تايمز أمس: ترامب يفعل في إيران ما فعله بوتين في أوكرانيا. كلاهما دخل حرباً معتقداً أنها ستكون سهلة وسريعة. كلاهما راهن على تفوقه العسكري الساحق. وكلاهما وجد نفسه غارزاً في وحل يصعب الخروج منه.
بوتين دخل أوكرانيا بجيشه الضخم، معتقداً أنه سيسقط كييف في أسبوع. اليوم، بعد أكثر من أربع سنوات، لا يزال غارزاً في الأراضي الأوكرانية، يواجه صعوبات كبيرة، والمسيرات الأوكرانية الرخيصة تدمر دباباته ومدرعاته التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.
نفس الشيء حدث مع ترامب. دخل حربه ضد إيران معتقداً أن الضربات الجوية وحدها كافية لترديدها على ركبتيها. لكنه اكتشف أن إيران دولة مختلفة تماماً. دولة لها عمق استراتيجي، ولها وكلاء في كل مكان، ولها قدرة هائلة على التحمل والصمود.
الإخفاق الثاني: الفشل في تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية .
دعنا نستعرض الأهداف التي أعلنتها أمريكا علناً من حربها على إيران، ونرى أي منها تحقق:
تغيير النظام الإيراني؟ لم يتحقق.
تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني؟ لم يتحقق.
وقف تخصيب اليورانيوم بشكل كامل؟ لم يتحقق.
إنهاء دعم إيران للوكلاء في المنطقة؟ لم يتحقق.
السيطرة على مضيق هرمز؟ لم يتحقق، بل إيران تسيطر عليه أكثر من أي وقت مضى.
باختصار، صفر من خمسة. هذه ليست هزيمة تكتيكية فقط، بل هزيمة استراتيجية كاملة. أمريكا أنفقت مئات المليارات من الدولارات، وخسرت أرواحاً وأعتدة ومعدات، ولم تحقق أي شيء يذكر.
الإخفاق الثالث: التناقض في التصريحات .
نيويورك تايمز نشرت أمس تحليلاً فضائحياً، أظهرت فيه التناقض الصارخ في تصريحات ترامب خلال الأسابيع الماضية. في أسبوع يقول "أنا سأضرب إيران بقوة لم تشهدها من قبل"، وفي الأسبوع الذي يليه يقول "نحن نبحث صفقة مع إيران". في شهر يقول "70% من القدرات الصاروخية الإيرانية دمرت"، وفي الشهر التالي يقول "لم نتأكد بعد من حجم الضرر، ربما 30% فقط".
هذا التناقض لا يليق برجل يدير حرباً. المواطن الأمريكي بدأ يشعر بالخداع. الناخب الأمريكي الذي انتخب ترامب على أساس أنه "رجل قوي سيحمي أمريكا" بدأ يستيقظ على حقيقة مختلفة تماماً.
ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
استطلاعات الرأي الأمريكية الصادرة خلال الـ 48 ساعة الماضية تقول إن شعبية ترامب تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ سنوات. نسب التأييد لسياساته في الشرق الأوسط انخفضت بشكل كبير، حتى داخل حزبه الجمهوري.
الكثير من المحللين السياسيين في واشنطن يتوقعون الآن أن دونالد ترامب قد يخسر انتخابات التجديد النصفي المقررة في شهر نوفمبر القادم. نسبة كبيرة تصل إلى 80% بل ربما 90% من المحللين يرون أن ترامب فشل في إدارة هذا الملف، وأن الديمقراطيين سيستغلون هذا الفشل بشكل كبير لصالحهم.
إذا حدث هذا، وخرج ترامب من البيت الأبيض بعد خسارته الانتخابات، فما مصير الحرب؟ هذا سؤال كبير سيبقى بلا إجابة حتى نوفمبر.
[تحليل نيويورك تايمز لتناقضات ترامب] (https://www.nytimes.com)
[استطلاعات الرأي الأمريكية الأخيرة – سي إن إن] (https://www.cnn.com)
الخيارات المتبقية – ماذا يمكن أن يحدث في الأيام القادمة؟
بعد هذا التحليل الطويل، نصل إلى السؤال الأهم: إلى أين تتجه الأمور الآن؟ هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية مطروحة بقوة على الطاولة.
السيناريو الأول: عملية عسكرية برية محدودة لاجتياح جزر قشم ولارك .
هذا السيناريو أصبح أكثر ترجيحاً مما كان قبل 48 ساعة. المؤشرات التي تحدثنا عنها سابقاً: حجم القوات البحرية، طبيعة الأهداف التي تم قصفها، الاستعدادات الإيرانية، كلها تشير إلى أن هذا الخيار مطروح بقوة.
إذا حدث هذا السيناريو، فسنشهد خلال أيام قليلة إنزالاً بحرياً أمريكياً على جزيرة قشم ولارك. القوات الأمريكية ستحاول السيطرة على هاتين الجزيرتين خلال فترة قصيرة، ثم تعلن عن "تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز".
لكن رد إيران سيكون سريعاً وقاسياً. إيران لن تقف مكتوفة الأيدي. سترد بصواريخ باليستية على القواعد الأمريكية في المنطقة، وستطلب من وكلائها في لبنان واليمن وسوريا والعراق فتح جبهات متعددة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
التحول إلى حرب إقليمية مفتوحة هو سيناريو مرعب للجميع، لكنه وارد جداً إذا تجاوزت أمريكا الخط الأحمر الإيراني المتمثل في احتلال أراضيها.
السيناريو الثاني: العودة إلى المفاوضات تحت الضغط العسكري .
هذا السيناريو يفترض أن أمريكا تستخدم الضربات العسكرية كورقة ضغط لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات. الفكرة أن تقول أمريكا لإيران: "إذا لم تتفاوضوا، سنستمر في القصف".
لكن هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الحالي لسبب بسيط: إيران أعلنت أكثر من مرة أنها لن تتفاوض تحت التهديد أو القصف. هي قالتها بوضوح: "المفاوضات إما تكون بندية ومتكافئة، وإما لا تكون. لا مفاوضات تحت وطأة السلاح".
لذلك، ما لم تقدم أمريكا تنازلات كبيرة جداً، وهو أمر غير متوقع من إدارة ترامب، فالعودة إلى المفاوضات صعبة جداً في الأفق القريب.
السيناريو الثالث: حرب استنزاف طويلة .
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال لم تقدم أمريكا على غزو بري. بموجب هذا السيناريو، تستمر الضربات الجوية المتقطعة لأشهر طويلة، دون تحقيق تقدم حاسم على الأرض.
أمريكا تقصف بعض الأهداف، وإيران ترد بإطلاق صواريخ على قواعد أمريكية أو استهداف سفن شحن في المضيق، ثم تهدأ الأمور قليلاً، ثم تعود من جديد.
هذا السيناريو مرهق للجميع: لأمريكا لأنها تنفق أموالاً طائلة دون نتائج، ولإيران لأنها تعيش حالة حصار وضغط مستمرين، وللعالم لأن أسعار النفط ستتأثر بشكل كبير.
لكنه السيناريو الأقل دموية والأكثر احتمالاً في الوقت الحالي.
خلاصة وتوقعات .
بعد هذا التحليل الطويل والمفصل، نصل إلى مجموعة من الاستنتاجات الواضحة:
الاستنتاج الأول: ما حدث في مضيق هرمز لم يكن مجرد حادث عابر أو رد فعل لتهديدات إيرانية مزعومة. نحن أمام تحول استراتيجي كبير في طريقة تعامل أمريكا مع الملف الإيراني، ربما يكون تمهيداً لشيء أكبر.
الاستنتاج الثاني: إيران خرجت من هذه المواجهة حتى الآن وهي الأقوى والأكثر نفوذاً في المنطقة. سيطرتها على مضيق هرمز أصبحت شبه كاملة، وقدرتها على التحمل فاقت كل التوقعات الأمريكية.
الاستنتاج الثالث: دونالد ترامب يخوض حرباً لا يستطيع الفوز فيها عسكرياً، ولا يملك مخرجاً منها دبلوماسياً. هو غارز في مستنقع إيراني يصعب الخروج منه، وثمن ذلك سيدفعه في صناديق الاقتراع في نوفمبر القادم.
الاستنتاج الرابع: إسرائيل هي الخاسر الأكبر حتى الآن. تدفع ثمناً يومياً باهظاً على جبهة لبنان، وتشعر بأن أمريكا قد تتخلى عنها في أي اتفاق مع إيران. حالة الذهول والقلق في تل أبيب حقيقية وملموسة.
الاستنتاج الخامس: الرهان العربي فشل تماماً. السعودية وقطر وباكستان ودول أخرى رفضت الانضمام لاتفاقيات إبراهيم كبديل عن حل الدولتين، مما يحرم ترامب من أي مكسب سياسي في المنطقة.
في النهاية، أستطيع أن أقول بثقة أن الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت. الخيارات على الطاولة صعبة ومصيرية، والجميع يترقب ما ستسفر عنه الليالي المقبلة.
نصيحتي لك عزيزي القارئ: تابع المصادر الرسمية أولاً بأول، ولا تثق كثيراً في التصريحات الإعلامية المضللة. الحرب لها منطقها الخاص، وهذا المنطق لا يرحم.
ملاحظة هامة للقارئ
هذا التحليل مبني على المعلومات المتاحة حتى لحظة كتابة هذا التقرير. الأوضاع الميدانية والسياسية تتغير بسرعة كبيرة، وقد تجدون تطورات جديدة طرأت بعد نشر هذا المقال. ننصح بمتابعة المصادر الإخبارية الموثوقة باستمرار للحصول على آخر التحديثات.
قائمة المصادر والروابط النشطة المستخدمة في هذا التقرير
[البيان الرسمي للقيادة المركزية الأمريكية] (https://www.centcom.mil)
[تغطية رويترز الشاملة لأحداث مضيق هرمز] (https://www.reuters.com)
[تحليل الجزيرة نت للأبعاد الاستراتيجية للضربات] (https://www.aljazeera.net)
[تفاصيل المواقف العربية من اتفاقيات إبراهيم – العربية نت] (https://www.alarabiya.net)
[الموقف الباكستاني الرسمي – موقع داون] (https://www.dawn.com)
[وكالة تسنيم الإيرانية الرسمية] (https://www.tasnimnews.com)
[وكالة فارس الإيرانية] (https://www.farsnews.ir)
[تحليل نيويورك تايمز لفشل ترامب في إيران] (https://www.nytimes.com)
[تقرير وول ستريت جورنال عن الخسائر الإسرائيلية] (https://www.wsj.com)
[تايمز أوف إسرائيل – تفاصيل مكالمة ترامب ونتنياهو] (https://www.timesofisrael.com)
[تحليل معهد واشنطن للقدرات العسكرية الإيرانية] (https://www.washingtoninstitute.org)
[تقرير بي بي سي عربي عن الوضع في الخليج] (https://www.bbc.com/arabic)
[صور الأقمار الاصطناعية للضربات – موقع ناسا] (https://firms.modaps.eosdis.nasa.gov)
[تحليل سي إن إن للاستطلاعات الأمريكية] (https://www.cnn.com)
