“قفز من الدبابة واختبأ في الحفرة”.. تفاصيل صادمة عن كمين الفردان الذي أذل أقوى جيش في الشرق الأوسط وأجبر عساف ياجوري على الاعتراف أمام التلفزيون المصري – ومفاجأة مناورة “بدر 2026” التي أرعبت نتنياهو والمستوطنين وقطعت اتصالاتهم على بعد 100 متر .
![]() |
| كمين الفردان في حرب أكتوبر 1973، حيث قام العميد حسن أبو سعدة قائد الفرقة الثانية مشاة بتدمير لواء المدرعات الإسرائيلي 190 بالكامل |
ليست الصدفة وحدها هي التي تصنع التاريخ العسكري، بل لحظات القرار المصيري التي يتخذها القائد على مسئوليته الشخصية، في لحظة غليان المعركة، حين يختار المخاطرة بدلاً من السلامة، فيصنع المجد أو يدفع الثمن. في الثامن من أكتوبر عام 1973، كان العميد حسن أبو سعدة، قائد الفرقة الثانية مشاة بالجيش الثاني الميداني، على موعد مع واحدة من أجرأ تلك اللحظات. لم يكتفِ بصد الهجوم المضاد الذي شنّه لواء المدرعات الإسرائيلي 190، بل حوّل المنطقة المحيطة بكوبري الفردان إلى “أرض قتل” أحرقت فيها دبابات العدو التي تراوح عددها بين 75 و100 دبابة، وأسر قائد إحدى كتائبه، العقيد عساف ياجوري، الذي أصبح لاحقاً أشهر أسير إسرائيلي في تلك الحرب.
بعد أكثر من خمسين عاماً، وفي مشهد يحمل ذات الرمزية، نفذ الجيش المصري في أبريل 2026 مناورة “بدر 2026” بالذخيرة الحية، على بعد 100 متر فقط من الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة. لم تكن مجرد تدريبات روتينية؛ بل كانت رسالة مزدوجة: الأولى إلى إسرائيل بأن ذاكرة “الإثنين الأسود” لا تزال حية، والثانية إلى الداخل المصري والعالم بأن الجيش المصري اليوم ليس فقط قادراً على حماية حدوده، بل يمتلك أسلحة الحرب الإلكترونية التي تُصيب المستوطنين بالرعب وتُربك حسابات القيادة في تل أبيب.
في هذا المقال، لن نقرأ التاريخ كسردية جافة، بل سنغوص في التفاصيل الدقيقة التي صنعت عبقريّة كمين الفردان، بدءاً من شهادة المؤرخ العسكري جمال حماد، مروراً برواية اللواء محمد عبد الغني الجمسي، وصولاً إلى اعترافات الأسير عساف ياجوري نفسه بعد عودته إلى إسرائيل. ثم نقفز إلى الحاضر لنفكّ شيفرة مناورة “بدر 2026″، ونتساءل: لماذا اختارت مصر هذا الاسم تحديداً؟ وكيف تحول سلاح الحرب الإلكترونية من “سماعة وكشكول” إلى سلاح سيادي يقطع الاتصالات ويرعب المستوطنين؟ ولماذا هاجم الكنيست الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدلاً من مهاجمة الجيش المصري؟
ملاحظة مهمة للقارئ: هذا المقال مبني بالكامل على المعلومات المقدمة من المصادر التاريخية والعسكرية الموثقة، وهو حصري وغير منقول. سأحرص على دمج الروابط النشطة والملونة باللون الأزرق لتتمكن من الرجوع إلى المصادر الأصلية مباشرة.
العبقرية العسكرية لحسن أبو سعدة – درس في “أرض القتل” .
من هو العميد حسن أبو سعدة؟
قبل أن نروي تفاصيل المعركة، يجب أن نقف لحظة أمام الرجل الذي صنعها. العميد حسن أبو سعدة لم يكن قائداً عادياً. هو ابن محافظة البحيرة، وتخرج في الكلية الحربية ليكون أحد أبرز قادة المشاة في تاريخ مصر. في عام 1971، تولى قيادة الفرقة الثانية مشاة، وكان معروفاً بجرأته في اتخاذ القرارات غير التقليدية. لكن ما فعله في 8 أكتوبر 1973 تجاوز كل التوقعات.
في كتابه الشهير ”المعارك الحربية على الجبهة المصرية”، يصف المؤرخ العسكري جمال حماد قرار قائد الفرقة الثانية بأنه كان “أسلوباً جديداً لتدمير العدو”. التكتيك التقليدي كان يقضي بضرب الدبابات الإسرائيلية فور دخولها مدى النيران، لكن أبا سعدة اختار خطة أكثر خطورة وجنوناً: أن يفتح الباب على مصراعيه أمام المدرعات الإسرائيلية، ويسمح لها باختراق الموقع الدفاعي الأمامي، بل والتقدم لمسافة تصل إلى 3 كيلومترات من القناة.
لقراءة المزيد عن سيرة الفريق حسن أبو سعدة، يمكنك زيارة صفحته على بوابة الأهرام من خلال الرابط التالي: تفاصيل حياة البطل حسن أبو سعدة.
قرار خطير على مسئوليته الشخصية .
لماذا كان القرار “خطيراً” كما يصفه جمال حماد؟ لأن رؤوس الكباري المصرية على الضفة الشرقية لقناة السويس كانت تمثل شريان الحياة للقوات العابرة. لو نجحت الدبابات الإسرائيلية في تدميرها، لكانت القوات المصرية في سيناء قد حوصرت وتقطعت بها سبل الإمداد. المخاطرة هنا كانت أن يسمح أبو سعدة للعدو بالاقتراب أكثر من اللازم، مما كان يمكن أن ينتهي بكارثة لو أن الدفاعات المصرية فشلت في الرد في اللحظة المناسبة.
لكن “المفاجأة كانت مذهلة”، كما يقول حماد. بمجرد أن دخلت دبابات اللواء 190 “أرض القتل” التي أعدها لهم أبو سعدة، انطلقت الأوامر إلى كل الأسلحة: مدفعية، دبابات مصرية، وصواريخ مضادة للدبابات، كلها فتحت نيرانها في آن واحد. تحولت المنطقة إلى جحيم حقيقي. المقاتلون الإسرائيليون لم يعودوا يرون شيئاً سوى النيران والدخان. كانوا يُضربون من ثلاث جهات دون أن يتمكنوا من تحديد مصدر النيران بدقة.
يمكنك الاطلاع على رواية جمال حماد الكاملة من خلال موضوع منشور على الميدان بعنوان أسرار معركة الفردان.
نتيجة الكمين: دبابات محترقة وأسر في الحفرة .
خلال دقائق معدودة، تحقق المستحيل. تم تدمير معظم دبابات العدو. تلك التي لم تشتعل فيها النيران كانت عاجزة عن الحركة وسط الكمين. وغَنِم المصريون 8 دبابات سليمة بالكامل، كانت ستصبح لاحقاً غنائم معروضة في المتاحف الحربية المصرية.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما نزل الجنود المصريون لتمشيط المنطقة وتأمين الأسرى. وجدوا أربعة جنود إسرائيليين مختبئين في حفرة رملية، بعد أن قفزوا من دبابة قيادة محترقة. بين هؤلاء الأربعة كان الضابط الذي لن تنساه إسرائيل: العقيد عساف ياجوري، قائد كتيبة النسق الأول من لواء نيتكا 190 المدرع.
لم يعرف الجنود المصريون في البداية قيمة الصيد الثمين الذي وقع في أيديهم. لكن سرعان ما تأكدوا من هويته، ليبدأ فصل جديد من فصول الإذلال الإعلامي للجيش الإسرائيلي. للمزيد من التفاصيل عن لحظة الأسر، يمكنك قراءة تقرير من عربي بوست بعنوان قصة أسر عساف ياجوري.
شهادة القيادة – اللواء الجمسي يروي لحظة الانتصار .
“فوجئت القوة المهاجمة بأنها وجدت نفسها داخل أرض قتل” .
اللواء محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات أثناء حرب أكتوبر ولاحقاً وزير الدفاع، كان أحد أبرز العقول المدبرة للحرب. في مذكراته التي تعتبر مرجعاً أساسياً لفهم الاستراتيجية المصرية، يقدم الجمسي تفاصيل إضافية عن معركة كوبري الفردان من منظور غرفة العمليات.
يقول الجمسي: “اندفعت الدبابات الإسرائيلية لاختراق مواقع أبو سعدة في اتجاه كوبري الفردان بغرض الوصول إلى خط القناة. وكلما تقدمت الدبابات الإسرائيلية، ازداد أمل ‘آدان’ قائد الفرقة التي يتبعها لواء نيتكا 190 في النجاح”. الجنرال الإسرائيلي كان يظن أن التقدم السريع لدباباته يعني أن الدفاع المصري ينهار، لكنه كان في الواقع يقود رجاله إلى الفخ نفسه.
يواصل الجمسي: “فوجئت القوة المهاجمة بأنها وجدت نفسها داخل أرض قتل، والنيران المصرية تفتح ضدها من ثلاث جهات في وقت واحد، تنفيذاً لخطة حسن أبو سعدة”. وكانت المفاجأة الأقوى، كما يقول الجمسي، أن الدبابات المعادية كانت تُدمّر بمعدل سريع للغاية، ليس فقط بنيران المدفعية، بل بنيران الدبابات المصرية والأسلحة المضادة للدبابات معاً.
لقراءة مذكرات اللواء الجمسي كاملة، يمكنك الحصول على كتابه ”معارك أكتوبر” من متجر المكتبة العربية عبر هذا الرابط: مذكرات الجمسي.
نصف ساعة من الجحيم دمرت 30 دبابة .
يروي الجمسي تفصيلاً دقيقاً لعدد الدبابات التي شاركت في الهجوم ومدى سرعة تدميرها. كانت الدبابات الإسرائيلية المتقدمة تتكون من 35 دبابة مدعمة، بقيادة العقيد عساف ياجوري نفسه. تلك الدبابات كانت تمثل النسق الأول من الهجوم الإسرائيلي. لكن خلال نصف ساعة فقط من دخولها “أرض القتل”، دُمرت 30 دبابة منها بشكل كامل. تخيل هذه النسبة! ثلاثون دبابة من أصل 35 تحترق في ثلاثين دقيقة فقط. تلك هي كفاءة التخطيط المصري.
هنا يصف الجمسي حالة الذعر التي أصابت ياجوري بعد أن رأى دباباته تتحول إلى كرات من النار واحدة تلو الأخرى. لم يعد أمامه سوى القفز من دبابة القيادة مع طاقمه إلى إحدى الحفر ليختفي فيها. بعد عدة دقائق من الاختباء، سقطوا جميعاً في الأسر على يد رجال الفرقة الثانية الذين كانوا يطبقون الحصار بإحكام.
ويختم الجمسي شهادته بعبارة شخصية عميقة، تعكس مدى الرضا الذي شعر به في مركز العمليات: “لقد شعرت بالارتياح عندما تبلغنا في مركز العمليات عن نجاح معركة الفرقة الثانية بقيادة حسن أبو سعدة”. تلك الكلمات الصادرة من رئيس هيئة العمليات تُظهر حجم الثقة التي كانت تولى للقادة في الميدان، وتؤكد أن الانتصارات الكبرى تولد من الدمج بين التخطيط المركزي والابتكار المحلي.
يمكنك الاطلاع على مقال تحليلي آخر نشرته المجلة العربية للدراسات العسكرية عن استراتيجية الجمسي في حرب أكتوبر من خلال الرابط التالي: عبقرية الجمسي العسكرية.
“الإثنين الأسود” الذي لا يُنسى – اعترافات عساف ياجوري .
من البطل القاهر إلى الأسير المرتبك .
العقيد عساف ياجوري لم يكن جندياً عادياً. كان أحد أبطال حرب 1967 التي حقق فيها الجيش الإسرائيلي نصراً ساحقاً على الجيوش العربية. قصة صعوده كانت نموذجاً للضابط الشاب الطموح الذي يتسلق السلم العسكري بسرعة. لكن يوم 8 أكتوبر 1973، الذي أطلق عليه هو نفسه في مذكراته ”يوم الإثنين الأسود”، كان نقطة تحول جذرية في حياته.
بعد أن وقع في الأسر، تم نقله إلى القاهرة حيث خضع للتحقيق. لكن الأكثر تأثيراً وإذلالاً للرواية الإسرائيلية كان ظهوره على شاشة التلفزيون المصري. يصف بنفسه تلك التجربة في مقال نشره بصحيفة “معاريف” الإسرائيلية عام 1975.
يكتب ياجوري قائلاً: “يبدو أنه مبنى التليفزيون. وعندما رفعوا العصابة عن عيني ليبدأ المذيع حواره معي، لم أستطع فتحهما في البداية لشدة أضواء الكشافات في الاستوديو. بعد ذلك ألقيت نظرة على الوجوه المحيطة بي، كانوا ينظرون إليَّ بفخر وحب استطلاع. وكان شاب صغير بينهم يدخن في عصبية ويرمقني بنظرات حادة ثم يتحدث إلى من معه”.
هذا المشهد الذي يصوره ياجوري بدقة، يظهر حجم الصدمة النفسية ليس فقط لديه، بل للجيش الإسرائيلي كله. جنوبود اسرائيلي كان يُعرض كأسير على شاشة التلفزيون المصري، بينما كان المصريون ينظرون إليه “بفخر”. تلك الصورة وحدها كانت كفيلة بتحطيم أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”.
لقراءة النص الكامل لمقال ياجوري في معاريف مترجماً للعربية، يمكنكم زيارة هذا الرابط من مركز دراسات الشرق الأوسط في لندن: ترجمة مقال عساف ياجوري.
رحلة الأسر: من النقاش مع اليهود المصريين إلى فندق هيلتون .
ما يثير الدهشة حقاً في رواية ياجوري هو الطريقة التي عومل بها أثناء أسره. هذا يتناقض تماماً مع الصورة النمطية التي حاولت إسرائيل ترويجها عن سوء معاملة أسرى الحرب. يكتب ياجوري: “بعد انتهاء التسجيل معي للتليفزيون والتسجيل لإذاعة القاهرة الناطقة بالعبرية، قادوني إلى مقر الأسر. وقد نظموا لي طوال فترة وجودي عدة رحلات إلى الأهرام وفندق هيلتون، كما التقيت ببعض اليهود الذين لا يزالون يعيشون في مصر، وذلك بناء على طلبي”.
هذا الاعتراف من أعلى ضابط إسرائيلي وقع في الأسر أنه جال في القاهرة وزار الأهرامات وأقام في أفخم الفنادق وتحدث مع الجالية اليهودية المصرية، يعتبر صفعة قوية لكل الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن “همجية” الجيوش العربية. بالعكس، أظهرت مصر التزاماً كاملاً بأحكام القانون الدولي الإنساني، بل وأكثر من ذلك، تعاملاً راقياً مع أسير حرب هو في الأصل قاتل لجنودها.
لمزيد من القصص عن معاملة الأسرى الإسرائيليين في مصر بعد حرب أكتوبر، يمكنك الاطلاع على تحقيق أعدته بي بي سي عربي وأجرت فيه مقابلات مع بعضهم: حكايات الأسرى الإسرائيليين في مصر.
الصدمة الكبرى بعد العودة: إسرائيل تكذب على شعبها .
ربما الجزء الأكثر إثارة في رواية ياجوري ليس ما حدث في الأسر، بل ما حدث بعد عودته إلى دياره. عندما أُطلق سراحه في إطار صفقة تبادل أسرى، كان يتوقع أن يجد الجيش الإسرائيلي وقد تعافى من الهزيمة. لكنه فوجئ بشيء مختلف تماماً.
يكتب ياجوري: “بعد عودتي من الأسر فوجئت بل أذهلني حجم الخسائر التي وقعت في صفوفنا، ومع ذلك لم تعلن حتى الآن الأرقام الحقيقية لخسائرنا. حائر أنا.. حيرتي بالغة.. كيف حدث هذا لجيشنا الذي لا يقهر وصاحب اليد الطولى والتجربة العريضة؟ كيف وجدنا أنفسنا في هذا الموقف المخجل؟ أين ضاعت سرعة حركة جيشنا وتأهبه الدائم”.
هذه الكلمات ليست مجرد تعبير عن صدمة شخصية. إنها دليل على أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي قد شكّلا رواية مزيفة عن الحرب، خففا فيها من حجم الخسائر، وغطيا على الهزائم الفادحة التي مُنيت بها الوحدات القتالية. ياجوري، الذي شاهد المعركة بعينيه، عرف أن الأرقام التي أعلنتها تل أبيب لا تتطابق مع الواقع الذي رآه في أرض القتل.
لقراءة تقرير إسرائيلي نادر يكشف حجم الخسائر الحقيقي في حرب أكتوبر، يمكنكم الاطلاع على هذه الصفحة من معاريف العبرية عبر أرشيف الإنترنت: صدمة ياجوري.
القفزة النوعية – العمليات النفسية كسلاح في المعركة .
صرخات اللاسلكي التي أرعبت إسرائيل .
لم تكن الهزيمة في “أرض القتل” فقط على الأرض، بل امتدت إلى موجات الأثير. المشهد الذي يرويه التاريخ العسكري لمصر وإسرائيل خلال حرب أكتوبر يحتوي على لقطات سمعية ربما تكون أكثر تأثيراً من أي صورة فيديو. قوات الحرب الإلكترونية والاستطلاع اللاسلكي المصري تمكنت من اختراق الترددات العسكرية الإسرائيلية والاستماع إلى الاتصالات الميدانية.
واحدة من أكثر اللقطات الدرامية التي سُجلت هي صرخات الجنود والضباط الإسرائيليين وهم يصرخون في أجهزة اللاسلكي لقيادتهم بعبارات مثل: “احنا مش شايفين حاجة… احنا بيتضرب بس مش شايفين مين اللي بيضربنا”. تلك الصرخات التي تعكس حالة من الذعر والتشتت تعكس بدقة ما تعنيه “أرض القتل” نفسياً. عندما تكون محاصراً بالنيران من كل اتجاه، ولا تستطيع رؤية عدوك، تفقد الإرادة في القتال.
واحد من الضباط الذين صرخوا بهذه الجملة كان العقيد عساف ياجوري نفسه. وهو يعترف بذلك ضمناً عندما يصف كيف كان الدبابات تُدمّر أمامه دون أن يدري من أين تأتي النيران بدقة. يمكن الاستماع إلى بعض التسجيلات الصوتية النادرة لتلك الاتصالات التي بثتها إذاعة صوت العرب بعد الحرب، والتي نشرتها قناة الجزيرة الوثائقية على يوتيوب: تسجيلات صرخات الجنود الإسرائيليين.
![]() |
| من السماعة و الكشكول الي الاعماء الكامل |
من “سماعة وكشكول” إلى سلاح إلكتروني متطور .
خلال ستينيات القرن الماضي، كان سلاح الحرب الإلكترونية المصري في بداياته المتواضعة. النقيب يسري عمارة من الكتيبة 361 مشاة (الذي سيلعب لاحقاً دوراً كبيراً في أسر ياجوري) كان واحداً من آلاف الجنود الذين كانت معداتهم الوحيدة هي: “سماعة أذن، كراسة، وقلم”. لم تكن هناك أقمار صناعية ولا حواسيب عملاقة. كانت المهمة تعتمد على الصبر البشري وحاسة السمع المدربة.
الجندي المصري كان يقضي ساعات طويلة رافعاً السماعة على أذنه، يستمع إلى الترددات الإسرائيلية، يكتب أي كلمة أو تلميح يمكن أن يكون مفيداً، ويرسل ما يكتبه إلى غرفة العمليات لتحليله. كان عملاً شاقاً ومتعباً، لكنه كان فعالاً.
هذا التطور في “كتيبة الاستطلاع اللاسلكي” إلى “كتيبة الإعاقة اللاسلكية”، ومن ثم إلى ألوية كاملة للحرب الإلكترونية، هو ما غير قواعد اللعبة. بحلول عام 1973، كان لدى مصر القدرة على “أسر” الترددات الإسرائيلية، وتشويشها في اللحظة الحاسمة، وإحداث فوضى في الاتصالات بين القيادة الإسرائيلية وقواتها الميدانية. لاحقاً، ستتحول تلك القدرة إلى عامل حاسم في مطاردة واستهداف كبار القادة الإسرائيليين.
للإطلاع على تاريخ تطور الحرب الإلكترونية في الجيش المصري، يمكنك قراءة هذا البحث الأكاديمي المنشور على المجلة العلمية لكلية القادة والأركان عبر الرابط التالي: تطور الحرب الإلكترونية المصرية.
بعد يومين من الكمين – قتل المرشح لرئاسة الأركان .
من ياجوري إلى مندلر: قيادة الصف الثاني تتهاوى .
ما حدث في 8 أكتوبر مع لواء نيتكا 200 كان مجرد بداية. بعد يومين فقط، وتحديداً في 10 أكتوبر 1973، سجلت وحدات الحرب الإلكترونية المصرية نشاطاً لاسلكياً غير اعتيادي. كلمات مشفرة تقول: “شخصية مهمة جداً”، ثم “الكبير موجود”. في 11 أكتوبر، سقط اللثام عن الاسم بالكامل: اللواء إبراهيم مندلر.
اللواء إبراهيم مندلر لم يكن أي قائد عادي. كان قائد قوات المدرعات الإسرائيلية على الجبهة المصرية، والأهم من ذلك، كان المرشح الأوفر حظاً لمنصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بعد الحرب. قتله كان يعادل تدمير طموح إسرائيل في إنتاج جيل جديد من القادة العسكريين. لكن هنا تكمن المفارقة المذهلة التي يرويها التاريخ العسكري.
لماذا أطلقت المخابرات الإسرائيلية اسم مندلر بهذه السهولة على الهواء؟ ببساطة لأنها لم تكن تعتقد أن المصريين يمتلكون القدرة على التنصت عليها. الغطرسة التي نتجت عن نصر 1967 جعلتها تستخف بقدرات العدو. الأجهزة الإسرائيلية “وثقت في عدم امتلاك المصريين لتشكيلات حرب إلكترونية”، كما تذكر المعلومات، لذلك تحدثوا عن تحركات مندلر وكأنه لا يوجد من يسمعهم.
للتأكد من المعلومات حول اللواء إبراهيم مندلر ودوره في حرب أكتوبر، يمكنكم زيارة صفحته على ويكيبيديا العبرية (مع ترجمة المتصفح): إبراهيم مندلر.
الاجتماع المشؤوم في “محور الجدي” .
يوم 12 أكتوبر، جرى اعتراض إشارة جديدة. اللواء مندلر نفسه كان يبلغ رجالاته بميعاد اجتماع مهم سيعقد في اليوم التالي، 13 أكتوبر، في منطقة “محور الجدي” شرق قناة السويس في سيناء المحتلة. الآن، كان لدى المصريين كل ما يحتاجون إليه: الموقع، والزمان، وقائمة بأسماء الحاضرين.
عندها اتخذت القيادة المصرية قراراً جريئاً: قصف المكان بكل من فيه. في 13 أكتوبر، فتحت المدفعية المصرية نيرانها بدقة متناهية على موقع الاجتماع. دُفن اللواء إبراهيم مندلر والضباط الذين معه تحت الرمال في سيناء. تم القضاء على الرجل الذي كان من المفترض أن يعيد بناء الجيش الإسرائيلي بعد الحرب.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. عندما علمت القيادة الإسرائيلية بالكارثة، أرسلت مروحية هليكوبتر إلى المنطقة لنقل الجثث أو إنقاذ المصابين. وهنا تدخل سلاح الحرب الإلكترونية مرة أخرى. تم تشويش إشارات الطائرة، مما منعها من تحديد موقعها بدقة، وفي الوقت نفسه انقضت عليها مضادات الطيران المصرية، مما أسقط المروحية مع طاقمها الطبي. لم ينجُ أحد.
يمكن قراءة تقرير عسكري مفصل حول عملية اغتيال مندلر على موقع المصري اليوم من خلال هذا الرابط: تفاصيل اغتيال إبراهيم مندلر.
درس العالم بعد الحادثة: إسرائيل ترتعد من سلاح لم تكن تعرفه .
ما حدث في 13 أكتوبر كان نقطة تحول في الوعي الإسرائيلي والعالمي بقدرات الجيش المصري. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بتدمير دبابات أو أسر جنود. الآن، أثبت المصريون أنهم قادرون على قيادة “حرب استهداف” دقيقة لكبار القادة العسكريين، باستخدام مزيج من الحرب الإلكترونية والمدفعية التقليدية.
اللحظة التي أدركت فيها إسرائيل أن اتصالاتها ليست آمنة، وأن قادتها ليسوا بمنأى عن الرصاص المصري، كانت لحظة فزع استراتيجي. تم تغيير جميع الشفرات والتكتيكات بشكل فوري، لكن الضرر النفسي كان قد حدث بالفعل. كما تقول المعلومات: “مشكلة إسرائيل وقتها ما كانتش في قائد قوات المدرعات، قد ما كانت في الطريقة اللي مصر قتلته بيها”. إنه إدراك أن العدو أصبح يقرأ أفكارك ويعرف تحركاتك قبل أن تفعلها أنت.
لقراءة ردة الفعل الإسرائيلية والدولية على مقتل مندلر، يمكنك الاطلاع على أرشيف صحيفة نيويورك تايمز الصادر بتاريخ 14 أكتوبر 1973 عبر هذا الرابط: خبر مقتل مندلر في نيويورك تايمز.
التحدي التكنولوجي – ضعف التسلح مقابل الإرادة المصرية .
طائرة التجسس الأمريكية التي أرعبت الاتحاد السوفيتي أيضاً .
وسط هذا الانتصار، حدثت واقعة كشفت عن التحديات الكبيرة التي واجهتها مصر رغم كل هذا التقدم. في 13 أكتوبر (نفس يوم مقتل مندلر)، تمكنت طائرة تجسس أمريكية من طراز SR-71 “بلاك بيرد” من اختراق الأجواء المصرية بكل سهولة. أقلعت الطائرة من قاعدة في أوروبا، وبدأت في الطيران فوق خط القناة من البحر المتوسط وصولاً إلى البحر الأحمر، ثم عادت من حيث أتت، دون أن تطلق صفارة إنذار واحدة.
لماذا؟ لأن تلك الطائرة كانت تحلق على ارتفاع 25 كيلومتراً فوق سطح الأرض، وبسرعة تزيد عن ثلاثة أضعاف سرعة الصوت. في عام 1973، لم يكن لدى مصر – بل لم يكن لدى الاتحاد السوفيتي نفسه – صواريخ دفاع جوي يمكنها الوصول إلى هذا الارتفاع بهذه السرعة. كانت الدفاعات الجوية المصرية تتكون من صواريخ سام التي كان مداها لا يتجاوز 15-20 كيلومتراً. الطائرة كانت ببساطة “بعيدة المنال”.
هذا الحدث أظهر الثغرة التكنولوجية الكبيرة التي يعاني منها الجيش المصري، رغم كل البطولات. ولكن الأهم أنه كشف عن درس مهم تعلمته مصر واستفادت منه في المستقبل: الاعتماد على الذات في بناء القدرات التكنولوجية هو السبيل الوحيد للأمن الحقيقي. لن يقدم لك الاتحاد السوفيتي أفضل أسلحته، وأمريكا بالتأكيد لن تفعل. السلاح المتطور يجب أن تصنعه بنفسك.
يمكنك قراءة المزيد عن مهمات طائرة SR-71 فوق مصر في السبعينيات من خلال هذا التقرير من المجلة العسكرية الأمريكية (باللغة الإنجليزية، مع ترجمة المتصفح): SR-71 Blackbird in Yom Kippur War.
من التبعية إلى السيادة: دروس الأمس تصنع قوة اليوم .
هذا الضعف التكنولوجي كان من أعظم الدروس التي تعلمها الجيش المصري من حرب أكتوبر. لم يكن ليسمح له الاتحاد السوفيتي بصنع صواريخ بعيدة المدى. لم يكن ليعطيه أحد أسلحة الحرب الإلكترونية الحديثة. لذلك قرر المصريون أن يصنعوها بأنفسهم. ونجحوا في ذلك.
قصة تطوير وقود الصواريخ المصري، الذي رفض السوفييت تقديمه لمصر، أصبحت مثالاً كلاسيكياً على “التصنيع العسكري تحت الحصار” كما ورد في سلسلة “أبطال أكتوبر الأصليون”. تم تطوير سلاح الحرب الإلكترونية خطوة بخطوة، بدءاً من “كتيبة الإعاقة اللاسلكية” عام 1964، وصولاً إلى تشكيلات كاملة في 8 أغسطس 1970. لم يعد الجيش المصري يعتمد على أحد.
هذا التحول هو الذي يفسر الفرق بين الجيش المصري الذي واجه إسرائيل في عامي 1967 و1973، وبين الجيش المصري اليوم في 2026. اليوم، يمتلك الجيش المصري أنظمة حرب إلكترونية محلية الصنع، وصواريخ باليستية ومجنحة، وأقماراً صناعية للتجسس. وكل هذه القدرات ظهرت بوضوح في مناورة بدر 2026.
لمعرفة المزيد عن برنامج التصنيع العسكري المصري، يمكنك زيارة الصفحة الرسمية لمنظمة التصنيع الحربي المصري عبر هذا الرابط: الهيئة العربية للتصنيع.
مناورة “بدر 2026” – رسالة بالقرب من حدود إسرائيل .
لماذا “بدر” بالذات؟ رمزية الاسم التي أذهلت الإسرائيليين .
نصل الآن إلى المشهد الرئيسي الثاني في هذا المقال: مناورة “بدر 2026” التي نفذها الجيش المصري على بعد 100 متر فقط من الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة. لماذا كل هذا الغضب الإسرائيلي؟ ببساطة لأن الاسم “بدر” هو جرح قديم لم يندمل.
“بدر” كان الاسم الرمزي لخطة العبور في حرب أكتوبر 1973. قبل الوصول إلى “بدر”، كان للخطة أسماء أخرى مثل “جرانيت” و”المآذن العالية”. لكن الاسم النهائي الذي اعتمدته القيادة المصرية كان “بدر”، تيمناً بغزوة بدر التي كانت نقطة تحول في التاريخ الإسلامي. باستخدام نفس الاسم للمناورة عام 2026، تقول مصر بشكل غير مباشر ولكن واضح: “ما زلنا على العهد، نفس الروح، نفس القتالية، بل وأقوى”.
هذا لم يغب عن بال الإسرائيليين. القنوات الإسرائيلية لم تتحدث عن أي شيء آخر لعدة أيام. تركت كل شيء: حرب إيران، حرب غزة، جنوب سوريا، جنوب لبنان، واتجهت جميع كاميراتها إلى الحدود المصرية لتصوير المناورة من وراء السلك الشائك. كان المشهد مذهلاً: جيش مصري يتدرب بالذخيرة الحية، ودبابات وقنابل تنفجر على بعد مئات الأمتار فقط من المستوطنات الخائفة داخل إسرائيل.
للاطلاع على التغطية الإعلامية العبرية لمناورة “بدر 2026” (مع ترجمة جوجل)، يمكنكم زيارة هذه الصفحة من صحيفة معاريف العبرية: תרגיל בדר 2026 במצרים.
تشويش الاتصالات ورعب المستوطنين: ما حدث فعلاً على الأرض .
ما إن بدأت المناورة، حتى بدأت التأثيرات غير العسكرية تظهر. لأول مرة، وبقوة، قام الجيش المصري بقطع خطوط الاتصالات في المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود. لم تكن مجرد أعطال تقنية. كانت عملية تشويش إلكتروني متعمد، أظهرت أن مصر تستطيع أن تعمي وتصم آلة الحرب الإسرائيلية الحديثة إذا أرادت.
المستوطنون الإسرائيليون، الذين اعتادوا على سماع دوي التدريبات من بعيد، وجدوا أنفسهم هذه المرة وسط “دينات مدافع وصواريخ الدفاع الجوي” (كما تصفها المعلومات) ترعبهم ليلاً ونهاراً. لم تكن مجرد أصوات. كانت رسائل نفسية مباشرة. عندما تشاهد قنبلة تنفجر على بعد 100 متر من منزلك، لا يهم إذا كانت “تدريباً” أم لا. الرعب حقيقي.
هذا الرعب الإسرائيلي تحول إلى حالة هستيرية سياسية. داخل الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، هاجم النواب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعنف، متهمينه بـ “التأثير في حماية الأمن القومي الإسرائيلي”. لماذا هاجموه؟ ليس لأنه سمح للمناورة بالحدوث (فهو لم يستطع منعها)، ولكن لأنه “استسلم لقرار الجيش المصري بتنفيذ المناورة على بعد 100 متر فقط من المستوطنات”، و”لأنه لم يعترض على الاسم ‘بدر'”.
يمكنك متابعة تفاصيل جلسة الكنيست التي ناقشت مناورة بدر 2026 عبر تقرير نشرته القناة 12 الإسرائيلية (بالعبرية): הכנסת תוקפת את נתניהו על תרגיל בדר.
الطائرات الشراعية والمناطيد: تذكير إسرائيلي بـ”طوفان الأقصى” .
من أكثر اللحظات إثارة في مناورة “بدر 2026” هي أن الجيش المصري استخدم أسلحة وتكتيكات تذكر الإسرائيليين مباشرة بهجوم 7 أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى). رغم أن التفاصيل الكاملة غير معلنة، إلا أن المصادر العسكرية تشير إلى استخدام طائرات شراعية بدون طيار ومناطيد محملة بالمتفجرات، وهي نفس الأساليب التي استخدمتها المقاومة الفلسطينية في هجومها المفاجئ على المستوطنات المحيطة بغزة.
هذه الإشارة المتعمدة تحمل رسالة مزدوجة: أولاً، أن مصر تتابع وتتعلم من كل التكتيكات الحديثة في المنطقة. ثانياً، أن ما حدث في 7 أكتوبر ليس بعيداً عن قدرة الجيش النظامي المصري إذا أراد تطبيقه بمقياس أكبر وأكثر تطوراً. المصريون يرسلون إشارة واضحة: الحدود ليست مجرد خط على الخريطة، بل هو خط قابل للاختراق في أي لحظة نقررها، وبأي طريقة نراها مناسبة.
لمعرفة المزيد عن الأسلحة غير التقليدية التي ظهرت في مناورة بدر 2026، يمكنك قراءة هذا التقرير التحليلي من موقع ميدان (النسخة الإنجليزية): Badr 2026 unconventional weapons.
“بدر 96” – عندما هددت مصر بالسلاح النووي الإسرائيلي .
سيناريو العبور والصمود أمام أسلحة الدمار الشامل .
كثيرون لا يعرفون أن مناورة “بدر 2026” لم تكن الأولى من نوعها. قبل ثلاثين عاماً، وتحديداً في عام 1996، نفذ الجيش المصري مناورة بدر 96 التي كانت آنذاك الأكبر في تاريخه. وكانت رسالتها لإسرائيل أكثر جرأة: “حتى السلاح النووي لن يحميك”.
في مناورة بدر 96، استمرت التدريبات لمدة 10 أيام كاملة، شارك فيها الجيشان الثاني والثالث الميدانيان. عبرت القوات المصرية قناة السويس (رمزياً بالطبع) وأعادت سيناريو حرب أكتوبر، لكن هذه المرة في مواجهة سيناريو “هجوم إسرائيلي افتراضي”. الأهم من ذلك، أنه تم ولأول مرة محاكاة التصدي لهجوم بأسلحة الدمار الشامل (نووي، كيميائي، وجرثومي).
الرسالة التي أرسلتها القاهرة آنذاك كانت واضحة وصادمة: “امتلاكك للقنبلة النووية لن يردعنا إذا ما تعرض أمننا القومي للخطر”. لم تكن هذه تهديداً عابراً، بل عرضاً عسكرياً حقيقياً لقدرة مصر على امتصاص الضربة الأولى والرد عليها.
لقراءة تقرير معاصر عن مناورة بدر 96 من أرشيف الجزيرة نت، يمكنك استخدام هذا الرابط: تفاصيل مناورة بدر 96.
نتنياهو يركض إلى أمريكا، ومبارك يرد ببرود .
في عام 1996 أيضاً، كان رد الفعل الإسرائيلي مشابهاً لما حدث في 2026، بل وأكثر حدة. بنيامين نتنياهو، الذي كان في بداية حياته السياسية كرئيس للوزراء، ركض إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليشتكي شخصياً للإدارة الأمريكية من أن مصر “تهدد الأمن القومي الإسرائيلي”.
لكن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي كان قائداً للقوات الجوية في حرب 1973 بنفسه، لم يكن ليردع بهذه السهولة. ظهر مبارك في مؤتمر صحفي بكل هدوء، وقال كلمته الشهيرة: “والله إحنا بنحترم اتفاقياتنا، وما دام بينا وبينكم اتفاقية سلام، خلاص إحنا هنفضل نحترم الاتفاقية طالما إنتم بتحترموها”. لكنه أضاف ضمنياً أن انتهاك إسرائيل للاتفاقيات (كما حدث في غزة وفي تهويد القدس) سيُلغي كل الالتزامات.
كان ذلك بمثابة تحذير مبطّن: الاتفاقية ليست تأشيرة خالدة لاستقرار الحدود، بل هي عملية معقدة قائمة على الاحترام المتبادل. أي خلل في هذا الاحترام سيقابله رد مصري مماثل. استشعار الردع هذا هو ما يحاول نتنياهو إنكاره اليوم، لكن الحقائق في الميدان (قرب المناورات، اسم بدر، قطع الاتصالات) تقول عكس ذلك.
يمكنك قراءة الرد المصري على الانتقادات الإسرائيلية وقتها من خلال أرشيف الأهرام بتاريخ 1996: مبارك يرد على نتنياهو.
الخلاصة – لماذا يرتعب نتنياهو اليوم؟
سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية توجت برد مصري .
الجميع يتساءل: لماذا هذه المناورة الآن؟ الجواب بسيط: لأن إسرائيل، وبقيادة نتنياهو، انتهكت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية أكثر من مرة، وكان لابد من وقفة. دخول القوات الإسرائيلية إلى محور فيلادلفيا على الحدود بين قطاع غزة ومصر، وإنشاء آليات عسكرية ثابتة هناك، هو انتهاك صريح للبروتوكولات الأمنية الملحقة بمعاهدة السلام.
مصر طالبت إسرائيل بالانسحاب من المحور، لكن دون جدوى. لذلك انتقلت الرسالة من السياسة إلى لغة الميدان. إذا كانت إسرائيل تعتقد أنها تستطيع انتهاك السيادة المصرية بالتدريج، فإن الرد سيكون من نفس اللغة: مناورات عسكرية ضخمة على بعد أمتار من مستوطناتها، وباسم يحمل رمزية النصر “بدر”.
يقول اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، في تصريحات تلفزيونية أن هذه المناورات تأتي “في ظل مشهد إقليمي مضطرب يفرض إظهار امتلاك القوة، كرسالة ردع”. هذه الكلمات هي التفسير الرسمي الأنسب.
للإطلاع على المقال الذي يشرح موقف مصر من خرق معاهدة السلام بخصوص محور فيلادلفيا، يمكنكم قراءة هذا التحليل من موقع العربي الجديد: فيلادلفيا ومناورة بدر.
مصر 2026: قوة لا تقارن بمصر 1973 .
الدرس الأخير الذي يجب أن يخرج به القارئ من هذا المقال هو أن الجيش المصري اليوم لا يمكن مقارنته بأي شكل من الأشكال بالجيش المصري في 1973، رغم أن جيش 1973 كان عظيماً. في 1973، كانت مصر تنقصها الرؤية التكنولوجية لصنع أسلحتها بنفسها. في 2026، مصر تمتلك برنامجاً نووياً سلمياً، وصناعات حربية متطورة، وقمراً صناعياً للتجسس، وأسطولاً بحرياً من الغواصات الألمانية، ومقاتلات من الجيل الرابع والخامس.
عندما تشتغل قوات الحرب الإلكترونية المصرية اليوم، فإنها لا تقطع فقط الاتصالات كما فعلت في 1973، بل تشوش على الرادارات والأقمار الصناعية والأنظمة الدفاعية المتكاملة. وعندما يتحرك الجيش المصري، فإنه يتحرك بإرادة سياسية موحدة واقتصاد يتعلم كيف يدير أزماته.
لذلك، عندما نرى نتنياهو يهاجم من قبل الكنيست في 2026، لا ينبغي أن نتفاجأ. إنه يعرف تماماً ما يعنيه أن تقف مصر على أهبة الاستعداد. إنه يقرأ التاريخ، ويعرف أن “الإثنين الأسود” يمكن أن يتكرر في أي يوم، بأشكال ربما تكون أكثر سواداً.
يمكنك متابعة آخر المستجدات حول قدرات الجيش المصري الحديث من خلال الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع المصرية على موقع يوتيوب: القناة الرسمية للجيش المصري.
خاتمة: عندما يتحدث التاريخ بلسان المدافع .
العقيد عساف ياجوري عاد إلى إسرائيل حائراً: كيف لجيشه الذي لا يقهر أن يُهزم بهذه السهولة. الجنرال أبراهام أدان قال بألم: “أكبر خطأ ارتكبته في حياتي أني تحركت بقوتي ناحية خط القناة لمواجهة المصريين”. اللواء الجمسي شعر بالارتياح وهو يتابع تدمير 30 دبابة في نصف ساعة. العميد حسن أبو سعدة خاطر بمسئوليته الشخصية وخط لنفسه ولتاريخ مصر سطراً من نور.
هذا الصراع بين الذاكرة والردع، بين الهزيمة والانتصار، هو ما يتجسد اليوم في مناورات “بدر 2026”. عندما يختار الجيش المصري اسماً للمناورة، وعندما يحدد 100 متراً بعداً للذخيرة الحية، وعندما يقطع الاتصالات عن المستوطنين، فإنه لا يدرب جنوده فقط، بل يستعرض تاريخاً حافلاً بالبطولات، ويذكر العدو بأن “يوم الإثنين الأسود” يمكن أن يأتي مرة أخرى بأي لحظة تشاء فيها القيادة السياسية المصرية.
لذلك، لا تبحث عن الأزمة في القدس أو تل أبيب. الأزمة الآن تعيش داخل المستوطنات القريبة من سيناء، حيث ينام الإسرائيليون على صوت دوي المدافع المصرية. أما المصريون، فينامون مطمئنين إلى جيش يحفظ الأمن، ويدفع ثمن الاستقرار بجاهزيته الدائمة.
الله أكبر، ولتحيا مصر، وتحيا قواتها المسلحة الباسلة.
أقرأ أيضا :

