انسحاب أميركا من ألمانيا: هل بدأت نهاية حلف الناتو؟
في تطور جيوسياسي مفاجئ حمل تداعيات عميقة على مستقبل التحالف العابر للأطلسي، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون" رسمياً عن سحب نحو خمسة آلاف جندي من أراضي ألمانيا، في خطوة وصفت بأنها تأتي ضمن "إعادة تموضع استراتيجي" للقوات الأميركية في أوروبا. هذا القرار، الذي يُتوقع أن يكتمل تنفيذه خلال فترة تتراوح بين ستة واثني عشر شهراً، ليس مجرد تغيير في الأعداد العسكرية، بل هو رسالة سياسية حادة تعكس تحولاً جذرياً في مفهوم التحالف كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .
ما يحدث اليوم يتجاوز بكثير الخلافات الدبلوماسية التقليدية بين واشنطن وعواصم أوروبا. إنه اختبار حقيقي لصلابة أقدم تحالف عسكري في التاريخ الحديث، وإعلان غير مباشر بأن "الحامية الأميركية" التي اعتادت عليها أوروبا لعقود لم تعد مضمونة كما كانت. فبين التصريحات النارية من البيت الأبيض، وردود الفعل الغاضبة من برلين، والتساؤلات المقلقة من داخل مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل، يبدو المشهد الأمني الأوروبي مقبلاً على مرحلة جديدة لم تشهدها القارة العجوز منذ انهيار جدار برلين.
شرارة الأزمة: عندما اتهمت برلين واشنطن بـ"الإذلال"
اندلعت الأزمة الراهنة على وقع تصريحات مدوية من المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي قال خلال لقاء مع طلاب في مدينة مارسبيرغ إن الإدارة الأميركية "دخلت الحرب في إيران دون أي استراتيجية على الإطلاق"، مضيفاً بتصريح كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير: "إن أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية" .
هذه الكلمات لم تكن مجرد نقد عابر، بل كانت بمثابة إعلان قطيعة سياسية على مستوى الخطاب. ففي الوقت الذي كانت واشنطن تغرق في مستنقع حرب إيران التي اندلعت في 28 فبراير الماضي بعد شن ضربات أميركية إسرائيلية مشتركة على منشآت إيرانية حساسة، جاء الرد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي كان يمر عبره خمس الطاقة العالمية قبل الحرب .
الرد الأميركي: من التهديد إلى التنفيذ
لم ينتظر الرئيس دونالد ترامب طويلاً للرد. ففي سلسلة من التصريحات الحادة على منصته "تروث سوشيال"، هاجم المستشار الألماني قائلاً إنه "لا يعرف ما الذي يتحدث عنه"، متّهماً إياه بأنه "يرى أنه من المقبول أن تمتلك إيران أسلحة نووية"، وهو اتهام اعتبرته برلين تجاوزاً خطيراً لكل الخطوط الحمراء الدبلوماسية .
نائب المستشار الألماني لارس كلينغبايل دافع بشدة عن ميرتس، موجهاً انتقاداً لاذعاً لترامب: "نحن حقاً لا نحتاج إلى أي نصائح من دونالد ترامب. عليه أن ينظر إلى الفوضى التي خلقها بنفسه" .
لكن ترامب هذه المرة لم يكتفِ بالهجوم اللفظي. فبعد أيام فقط، أعلن البنتاجون رسمياً عن سحب 5000 جندي من ألمانيا، وهو ما يمثل نحو 15% من الوجود العسكري الأميركي في أكبر قاعدة له في أوروبا. وفي مؤتمر صحفي من المكتب البيضاوي، وسّع ترامب دائرة التهديد لتشمل إيطاليا وإسبانيا، قائلاً: "إيطاليا لم تقدم لنا أي مساعدة على الإطلاق، وكانت إسبانيا مريعة، مريعة للغاية" .
الأرقام لا تكذب: القوات الأميركية في أوروبا بالأرقام
لفهم حجم ما يحدث، لا بد من النظر إلى الأرقام التي ترسم صورة أوضح للوجود العسكري الأميركي في القارة العجوز. فوفقاً لأحدث الإحصاءات الرسمية حتى 31 ديسمبر 2025، بلغ عدد القوات الأميركية في القواعد الأوروبية الرئيسية على النحو التالي:
حجم الانتشار الأميركي في أوروبا (حتى ديسمبر 2025)
ألمانيا: 36,436 جندياً
إيطاليا: 12,662 جندياً
إسبانيا: 3,814 جندياً
بريطانيا: حوالي 10,000 جندي
هذه الأرقام تعني أن الانسحاب المقرر من ألمانيا سيُبقي هناك حوالي 31,436 جندياً، وهو رقم لا يزال ضخماً لكنه يعود بالوجود الأميركي إلى مستويات ما قبل عام 2022، أي قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا الذي دفع إدارة بايدن إلى تعزيز الانتشار الأميركي في أوروبا .
أما بالنسبة لإيطاليا وإسبانيا، فإن التهديدات ما زالت في مرحلة "الدراسة والمراجعة"، لكن خطورتها تكمن في حقيقة أنها صدرت من رئيس سبق أن نفذ تهديداته ضد ألمانيا. فإذا تم سحب القوات من إيطاليا (12,662 جندياً) وإسبانيا (3,814 جندياً)، فإن ذلك سيوجه ضربة قاسية للجناح الجنوبي لحلف الناتو برمّته.
لماذا إيطاليا وإسبانيا بالذات؟ قصة الخلاف الحقيقي
بعيداً عن التصريحات الإعلامية، هناك أسباب جوهرية تفسر غضب واشنطن من حليفَيها الأوروبيين في جنوب القارة. فوفقاً لتقارير إعلامية موثوقة وتصريحات رسمية، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بكلمات سياسية، بل بأفعال ملموسة: رفض روما ومدريد فتح قواعدهما العسكرية ومجاليهما الجوي للعمليات الأميركية ضد إيران .
وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو أوضح موقف بلاده في البرلمان، معلناً أن إيطاليا لن تشارك في العمليات العسكرية الهجومية ضد إيران، وهو موقف تحول إلى فعل ملموس عندما رفضت السلطات الإيطالية السماح للقاذفات الأميركية باستخدام قاعدة "سيغونيلا" الجوية في صقلية، تلك القاعدة التي تعتبر من أهم المنشآت العسكرية الأميركية خارج الوطن.
ومع ذلك، قال كروسيتو إن إيطاليا أبدت استعدادها للمشاركة في مهمات فتح مضيق هرمز، وأن الجيش الأميركي أثنى على هذا الموقف. لكن يبدو أن هذا لم يكن كافياً لترامب، الذي يريد التزاماً كاملاً ودون شروط .
المشهد ذاته تكرر في إسبانيا، حيث أغلقت مدريد قاعدتي "روتا" البحرية و"مورون" الجوية أمام أي استخدام في الحرب ضد إيران. وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس ردت على تهديدات ترامب بثقة لافتة، مؤكدة أن بلادها "أحد أكثر الدول التزاماً بحلف الناتو"، وأن تصريحات الرئيس الأميركي "تجاوزت الحدود" .
قراءة إيطالية: "أميركا تعيد تعريف العلاقات وليس الانسحاب"
في تحليل معمق نشرته وسائل إعلام إيطالية، اعتبر مراقبون أن تهديدات ترامب ليست سياسة معلنة بقدر ما هي "تكتيك ضغط" أو "لغة تفاوض" تهدف إلى إعادة تعريف شروط التحالف. فالرئيس الأميركي يتبع منطقاً واضحاً: "كلما دفعت أوروبا أكثر، كلما حصلت على حماية أكبر" .
لكن ما يقلق حقاً صُنّاع القرار في روما ومدريد هو السيناريو الأسوأ: ماذا لو حدث الانسحاب فعلاً؟ وماذا ستفعل القواعد الأميركية؟ والأهم، من سيملأ الفراغ الاستراتيجي الذي سيتركه غياب القوات الأميركية؟ هذه التساؤلات تعكس حالة قلق حقيقية من أن تتحول أوروبا إلى ساحة معركة جيوسياسية جديدة، أو أن تصبح القارة العجوز "رخوة" في مواجهة التحديات الأمنية من الشرق والجنوب .
الناتو في حيرة: "نحن في تواصل مع واشنطن لفهم التفاصيل"
وسط هذه العاصفة، يحاول حلف شمال الأطلسي أن يظهر بمظهر الواثق من قدراته، لكن التصريحات الرسمية الصادرة من بروكسل تكشف عن قلق حقيقي. أليسون هارت، المتحدثة باسم الناتو، كتبت على منصة "إكس" أن الحلف يعمل مع الولايات المتحدة "لفهم تفاصيل قرارها بشأن وضع قواتها في ألمانيا" .
وفي محاولة لاستباق الأسوأ، أضافت هارت: "يؤكد هذا القرار على ضرورة أن تواصل أوروبا الاستثمار بشكل أكبر في الدفاع، وأن تتحمل حصة أكبر من المسؤولية عن أمننا المشترك" .
هذا الموقف يُظهر انقساماً داخل الحلف. فمن ناحية، يحاول الناتو تهدئة المخاوف والتأكيد على أنه لا يزال "واثقاً في قدرته على توفير الردع والدفاع"، بينما يُقرّ في الوقت نفسه بأن "أوروبا يجب أن تصبح أقوى ضمن حلف أقوى" .
ماذا يعني هذا القرار بالنسبة لأوروبا؟
وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس حاول تحويل الانتكاسة إلى فرصة، مشيراً إلى أن الانسحاب كان "متوقعاً" وأن ألمانيا "تسير على الطريق الصحيح" من خلال توسيع قواتها المسلحة وزيادة مشترياتها من المعدات العسكرية. وأضاف قائلاً: "وجود الجنود الأميركيين في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، يصب في مصلحتنا ومصلحة الولايات المتحدة" .
لكن الأرقام تتحدث بلغة مختلفة. فالتوسع العسكري الألماني الذي يتحدث عنه بيستوريوس، رغم كونه حقيقياً، لا يمكن أن يعوض الفراغ الذي سيتركه غياب 5000 جندي أميركي في وقت قريب، ناهيك عن الآلاف الآخرين الذين قد يغادرون إيطاليا وإسبانيا.
الملف الشائك: جزر فوكلاند كورقة ضغط بريطانية
من أكثر الملفات إثارة للدهشة في هذه الأزمة هو إحياء ملف جزر فوكلاند (مالفيناس). فوفقاً لوثائق داخلية للبنتاجون تسربت إلى وكالة رويترز، فإن إدارة ترامب تدرس إعادة النظر في دعمها الدبلوماسي للسيادة البريطانية على الأرخبيل، كإجراء انتقامي محتمل ضد لندن لرفضها الانضمام الكامل للعمليات العسكرية ضد إيران .
ملاحظة مهمة: هذا التطور يمثل سابقة خطيرة في تاريخ التحالف الغربي. فالمملكة المتحدة تعتبر الحليف الأكثر ولاءً لواشنطن منذ عقود، والتخلي عنها في قضية فوكلاند سيكون رسالة مفادها أنه لا يوجد "حلفاء دائمون" في عصر ترامب، بل "حلفاء حسب الطلب".
الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي، الحليف المقرب لإدارة ترامب، لم يضيّع الفرصة. ففي مقابلة تلفزيونية، قال مايلي: "نحن نفعل كل ما في وسعنا لإعادة جزر مالفيناس إلى الأرجنتين. السيادة غير قابلة للتفاوض" .
الأدميرال اللورد ويست، قائد سابق في البحرية الملكية البريطانية، علّق على التطورات قائلاً إن ترامب "لا يفهم الناتو ولا قيادة الحلفاء". وفي إشارة إلى حرب 1982 التي أودت بحياة 649 جندياً أرجنتينياً و255 جندياً بريطانياً، حذّر من أن العودة إلى مستنقع فوكلاند ستكون "كارثة للغرب بأكمله" .
الجانب الاقتصادي: أوروبا تدفع الثمن
بعيداً عن الدبابات والطائرات، ثمّة جانب اقتصادي لا يقل أهمية في هذه الأزمة. فالحرب في إيران، وإغلاق مضيق هرمز، ألحقا أضراراً جسيمة بالاقتصاد الأوروبي الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
وفقاً لبيانات حديثة، تكبد الاتحاد الأوروبي 25 مليار يورو إضافية (حوالي 30 مليار دولار) لشراء النفط والغاز منذ بدء الحرب، مع اضطرار الدول الأوروبية إلى اللجوء إلى مصادر بديلة في الولايات المتحدة والنرويج .
هذا الوضع دفع المستشار ميرتس إلى التحذير من أن الحرب قد تتحول إلى "مستنقع جديد" مثل أفغانستان والعراق، وهو ما يبرر جزئياً موقف برلين المتردد في دعم العمليات العسكرية الأميركية .
ماذا يريد ترامب حقاً؟ قراءة في الاستراتيجية
إذا نظرنا إلى المشهد ككل، يمكننا رسم صورة أوضح لما يحاول الرئيس الأميركي تحقيقه من كل هذا التصعيد:
1. الحصة العادلة: يريد ترامب من الدول الأوروبية أن تدفع 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، كما تم الاتفاق عليه في قمة لاهاي في يونيو 2025 . وهو يعتقد أن أوروبا ظلت لعقود "تستغّل" الحماية العسكرية الأميركية دون أن تدفع الثمن الكافي.
2. الطاعة العمياء: يريد ترامب من حلفائه أن يتبعوا القيادة الأميركية في كل حرب تخوضها واشنطن، دون نقاش أو تمهل. وعندما رفضت الدول الأوروبية ذلك في حرب إيران، شعر بالخذلان والغضب.
3. إعادة تعريف الناتو: يريد ترامب تحويل الناتو من حلف عسكري قائم على مبدأ "واحد للكل والكل للواحد" إلى أداة أميركية تنفيذية تخدم المصالح الأميركية المباشرة فقط.
هذا التفسير تؤكده تقارير إعلامية إيطالية وصفت تهديدات ترامب بأنها "ليست سياسة معلنة، بل أداة ضغط" .
ماذا يعني هذا للعالم العربي؟
بعيداً عن العواصم الغربية، لمشهد الانهيار التدريجي لحلف الناتو تداعيات مباشرة على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي تحديداً.
أمن الخليج: دول مجلس التعاون الخليجي كانت تعتمد بشكل غير مباشر على شبكة التحالفات الغربية لحماية ممراتها المائية، وأهمها مضيق هرمز. تفكك هذه الشبكة يعني أن دول الخليج ستضطر إلى الاعتماد أكثر على قدراتها العسكرية الذاتية، أو إلى البحث عن حلفاء جدد.
الاستثمارات الخليجية في أوروبا: تمتلك صناديق الثروة السيادية الخليجية تريليونات الدولارات مستثمرة في الأسواق الأوروبية. أي تصاعد للتوترات الأمنية أو الاقتصادية في أوروبا سيدفع هذه الصناديق إلى إعادة توجيه استثماراتها إلى آسيا أو أميركا.
الملفات العالقة: فتح ملف جزر فوكلاند يُظهر أن إدارة ترامب مستعدة للمساس بسيادة حلفائها التقليديين لتحقيق أهدافها. وهذا يثير تساؤلات حول موقف واشنطن من ملفات أخرى مثل الصحراء الغربية أو قبرص أو حتى القدس.
السيناريوهات المحتملة: إلى أين تتجه الأمور؟
أمام المشهد المتأزم حالياً، يمكن تصور عدة سيناريوهات للمستقبل القريب:
السيناريو الأول: العودة إلى طاولة المفاوضات (الأقل احتمالاً)
يتطلب هذا السيناريو تقديم تنازلات من الجانبين: واشنطن تقدم ضمانات أمنية إضافية، وأوروبا تزيد إنفاقها الدفاعي وتقدم دعماً أكبر في حرب إيران. لكن مع تصاعد التصعيد اللفظي حتى الآن، تبدو هذه الصورة بعيدة المنال.
السيناريو الثاني: أوروبا تستقل بأمنها (السيناريو الأكثر جدلاً)
هذا هو ما يحاول بيستوريوس تحقيقه: أوروبا أقوى، وأكثر إنفاقاً على جيشها، وأقل اعتماداً على أميركا. لكن الواقع يقول إن أوروبا ما زالت بعيدة عن القدرة على ملء الفراغ الذي سيتركه انسحاب أميركي كبير. فكما قال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين لصحيفة "بوليتيكو"، "يمكننا شراء المزيد من الدبابات، لكننا لا نستطيع شراء قمر صناعي استطلاعي جديد بين عشية وضحاها".
السيناريو الثالث: الناتو "الخفيف" أو المنقوص العضوية
قد نشهد ولادة "ناتو بسرعتين": ناتو للدول التي تلتزم بإنفاق 5% وتشارك في كل حروب أميركا، وناتو آخر للدول "المترددة" التي ستُستبعد من بعض التدريبات أو المناورات أو حتى من آلية الدفاع المشترك (المادة 5).
الحرب في إيران: خلفية الأزمة
لفهم أسباب الخلاف الحاد بين واشنطن وعواصم أوروبا، لا بد من العودة إلى جذور الحرب في إيران نفسها. فما الذي حدث بالضبط؟
في 28 فبراير 2026، شنت قوات أميركية وإسرائيلية مشتركة ضربات جوية على منشآت إيرانية حساسة، في عملية وصفت بأنها "استباقية" لمنع طهران من تطوير سلاح نووي. لكن الهجوم لم يحقق أهدافه بالكامل، بل أتى بنتائج عكسية .
إيران ردت بقوة: أغلقت مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية، وشنّت هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على قواعد أميركية في المنطقة، وحققت بعض الاختراقات الأمنية التي فاجأت المحللين العسكريين الغربيين. وكانت النتيجة: ارتفاع أسعار النفط إلى 108 دولارات للبرميل، وشلل في حركة التجارة العالمية، ونقص حاد في الطاقة في أوروبا .
في هذه الأثناء، قدمت إيران عرضاً وساطة لإنهاء الحرب، يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل تأجيل المفاوضات حول برنامجها النووي. واشنطن وصفت العرض بأنه "أفضل من سابقه، لكنه لا يزال غير كافٍ" .
مستقبل حلف الناتو: البداية من النهاية
عند تأسيس حلف شمال الأطلسي في أبريل 1949 من قبل 12 دولة (بلجيكا، كندا، الدنمارك، فرنسا، أيسلندا، إيطاليا، لوكسمبورغ، هولندا، النرويج، البرتغال، بريطانيا، والولايات المتحدة)، كان الهدف الأساسي هو مواجهة التوسع السوفيتي في أوروبا . وبعد 77 عاماً على التأسيس، أصبح الحلف يضم 32 دولة، لكن الغرض من وجوده تغير بشكل كبير.
الآن، ولأول مرة في التاريخ، يهدد أحد المؤسسين الحلف ذاته بالتفكك. ترامب لا يريد تدمير الناتو بالكامل (لأنه يحتاج إليه للضغط على الصين وروسيا)، لكنه يريد تحويله إلى أداة أكثر مرونة وأقل إزعاجاً للمصالح الأميركية.
المشكلة أن هذه "المرونة" التي يتحدث عنها ترامب تتعارض تماماً مع جوهر التحالف: الالتزام المتبادل غير المشروط. فإذا أصبحت المادة 5 من معاهدة الناتو (بند الدفاع المشترك) قابلة للتفاوض أو الإلغاء حسب "كرم" كل دولة عضو، فما الفائدة من وجود الحلف أصلاً؟
هذه هي المعضلة الوجودية التي يواجهها الناتو اليوم أكثر من أي وقت مضى.
التعليقات الختامية: أوروبا في مفترق طرق
بينما يلوح ترامب بانسحاب القوات من ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا كورقة ضغط، و بينما تتصارع العواصم الأوروبية بين الخوف من فقدان الحماية الأميركية والخوف من دفع ثمن باهظ لحروب لا تريدها، هناك شيء واحد مؤكد: مياه الأطلسي أصبحت أكثر برودة مما كانت عليه قبل عام.
إذا كانت الثمانين يوم من عام 2026 ستدخل التاريخ كبداية نهاية حلف الناتو، أو كبداية "استقلال أوروبا الاستراتيجي" عن أميركا، فهذا يعتمد على مدى حكمة القادة في برلين وباريس ولندن، و على مدى قدرة واشنطن على احتواء نزوات رئيس يبدو أنه لا يثق حتى في أقرب حلفائه.
في النهاية، كما قال الشاعر اللاتيني القديم: "من يريد السلام فعليه أن يستعد للحرب". لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: "من يريد التحالف فعليه أن يدفع الثمن، وأن يرضى بشروط من يدفع أكثر". وإذا استمر هذا المنطق، فإن التحالفات العسكرية كما عرفناها ستصبح شيئاً من الماضي.
روابط المصادر
وكالة أنباء الأناضول: نائب المستشار الألماني ينتقد ترامب ويصف حرب إيران بالفوضى
Insajderi: الناتو يرد على الانسحاب الأميركي من ألمانيا
CCTV (الصين): تحليل إيطالي لتهديدات ترامب بسحب القوات
MercoPress: مايلي يجدد مطالبة الأرجنتين بجزر فوكلاند مع دعم أميركي محتمل
Daily Express: ترامب يهدد بسحب قوات الناتو من ألمانيا بعد انتقادات ميرتس
The Chosun Ilbo: إدارة ترامب تعيد النظر في دعم السيادة البريطانية على فوكلاند
Newsweek: ألمانيا تقول إن ترامب يتعرض للإذلال من إيران في الحرب
AP News: كندا مقراً لمؤسسة مالية تابعة للناتو
