داليا زيادة: من شبرا إلى واشنطن.. رحلة "الزهرة في سلة المهملات" التي أحرقت جذورها .
في قلب القاهرة، وتحديداً في حي شبرا العريق، ولدت في يناير من عام 1982 طفلة ستُكتب عنها آلاف المقالات في المستقبل. لم يكن أحد يتخيل أن تلك الفتاة الصغيرة، التي نشأت بين أزقة شبرا المزدحمة، ستصبح يوماً واحدة من أكثر الشخصيات المصرية إثارة للجدل على الساحة الدولية. داليا زيادة، ذلك الاسم الذي أصبح علامة فارقة في عالم السياسة والصراع الفكري، لم تأت من فراغ؛ بل هي نتاج بيئة معقدة، وتعليم متعدد الثقافات، وخيارات مصيرية قلبت حياتها رأساً على عقب.
هي ليست مجرد "ناشطة حقوقية" أو "كاتبة" بالمعنى التقليدي، بل هي ظاهرة مركبة. جمعت في مسيرتها بين العمل الأكاديمي، والنشاط المدني، والانخراط المباشر في مؤسسات بحثية إسرائيلية، قبل أن تنتهي بها الحال في واشنطن تعيش تحت حماية مؤسسات أمريكية-يهودية، بعد أن أغلقت مصر أبوابها أمامها نهائياً. في هذا الفصل، سنقوم بتفكيك هذه الشخصية من جذورها: من هوية حي شبرا، إلى علاقاتها الدولية المعقدة.
الجذور المصرية: لم تخرج داليا من فراغ .
ولدت داليا زيادة في حي شبرا بالقاهرة، وهو حي شعبي عريق يعرف بتعدديته الطائفية والثقافية، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون لعقود. هذا الحي، الذي يحمل روح القاهرة القديمة، شكل وعي داليا المبكر بالتنوع، لكنه ربما شكل أيضاً رغبتها المبكرة في "الاختلاف" و"التمرد" على المألوف. لم تدرس داليا في الأزهر أو الجامعات المصرية المحلية، بل سلكت طريقاً مختلفاً تماماً.
التحقت بجامعة تافتس (Tufts University) في الولايات المتحدة، حيث درست العلاقات والأمن الدولي. هذا المشوار الأكاديمي، الذي قضته في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية، أعاد تشكيل نظرتها للعالم بالكامل. الخروج من شبرا إلى كامبريدج بولاية ماساتشوستس، ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو قفزة هائلة في نمط التفكير. هناك، تلقت داليا تأطيراً أكاديمياً للصراع العربي الإسرائيلي يختلف تماماً عن السردية التي نشأت عليها في القاهرة. هذا الأساس الأكاديمي هو ما جعلها لاحقاً قادرة على مناقشة قضايا الأمن القومي بلغة يفهمها الغرب، وهو ما فتح لها الأبواب لاحقاً.
لكن ما هو المؤهل الذي منحها هذه القوة؟ في السيرة الذاتية المنتشرة لها، توصف بأنها كاتبة ومؤلفة حاصلة على تدريب عالٍ في العلاقات الدولية، لكنها ليست حاملة دكتوراه في العلوم السياسية بالمعنى التقليدي. قوتها الحقيقية لم تكن في شهاداتها الأكاديمية وحدها، بل في قدرتها على توظيف هذا التعليم لخدمة أجندة محددة، وفي إجادتها للغة الإنجليزية بطلاقة، وفي فهمها العميق لثقافة المؤسسات البحثية والدبلوماسية في واشنطن.
ملاحظة مهمة للقارئ: تعتبر جامعة تافتس من المؤسسات الأمريكية العريقة التي تركز على العلاقات الدولية، وتضم مركز للقانون والدبلوماسية، وهو معقل لصناع القرار الأمريكي. هذا المشرب الأكاديمي يفسر تحول داليا من ناشطة محلية إلى لاعبة دولية تفكر خارج الصندوق المصري تماماً.
المؤسسات التي شكلتها: من ابن خلدون إلى واشنطن .
لم تكن حياة داليا زيادة المهنية خطاً مستقيماً، بل كانت قفزات بين كيانات ذات توجهات مختلفة تماماً. هذه القفزات، التي قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة، تخفي في الواقع خيطاً رفيعاً واحداً: محاولة الوصول إلى منصة دولية مؤثرة.
محطاتها المهنية الرئيسية:
أولا: مديرة تنفيذية لمركز ابن خلدون للدراسات الديمقراطية. كانت هذه نقطة انطلاقها القوية. المركز الذي أسسه سعد الدين إبراهيم، كان في ذلك الوقت الذراع البحثي للمعارضة الليبرالية في مصر. العمل هناك عرّفها على لغة "الحقوق" و"الديمقراطية" و"المنظمات المانحة". هذا المنصب جعلها تتصدر واجهة النشاط المدني في مصر ما بعد 2000، لكنه أيضاً وضعها في قلب صراعات السلطة والتمويل التي انتهت باتهامها بالفساد المالي من قبل إبراهيم نفسه.
ثانيا: مديرة إقليمية لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأمريكي. هنا جاءت القفزة الأغرب. من مركز علماني إلى منظمة إسلامية أمريكية؟ هذا التحول يثير الدهشة. لكن بالتدقيق، نجد أن منظمة المؤتمر الإسلامي الأمريكي (التي تسمى اليوم "مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية"؟) كانت تعمل كجسر بين الجاليات المسلمة والحكومة الأمريكية. هذا المنصب منحها خبرة في العمل داخل النظام الأمريكي، ووسع شبكة علاقاتها مع صناع القرار في واشنطن في عهد إدارة أوباما.
ثالثا: مديرة مركز دراسات الديمقراطية الحرة ومركز ميم (MEEM) لدراسات الشرق الأوسط وشرق المتوسط. هنا بدأت الوجوه تتغير. المركزان كانا بمثابة "منصة انطلاق" نحو اليمين السياسي. هذا هو المكان الذي بدأت فيه تحولها الجذري من معارضة لسلطة الجيش المصري (بسبب الانقلاب كما ترى هي) إلى انتقاد للإسلام السياسي بشكل لاذع، ومن ثم إلى داعم مطلق لإسرائيل.
رابعا (والأهم): عضوة في لجنة العلاقات الخارجية في المجلس القومي للمرأة المصرية. هذه المعلومة قد تكون الأكثر إثارة للصدمة. كيف لامرأة اتهمت بالعمالة لإسرائيل أن تكون جزءاً من مؤسسة حكومية مصرية رسمية؟ هذا يؤكد أن تحول داليا لم يكن مفاجئاً أو لحظياً، بل حدث تدريجياً. المجلس القومي للمرأة، برئاسة قرينة رئيس الجمهورية السابق، كان يضم أطيافاً مختلفة، وخبرة داليا في العلاقات الدولية كانت مفيدة لهم في فترة ما قبل طردها من مصر. هذا البعد الرسمي في سيرتها هو ما يجعل قضيتها شائكة قانونياً، لأنها كانت جزءاً من المؤسسة ثم تحولت إلى خصم لها.
التدوين والكتابة: ساحة حرب موازية .
بعيداً عن المؤسسات، كانت داليا زيادة محاربة شرسة على منصة التدوين. لديها مدونة باللغتين العربية والإنجليزية، ظلت لسنوات منبراً لنشر أفكارها حول حقوق الإنسان والحريات والعلاقات الدولية. التدوين كان ملاذها الآمن. في المدونة، لم تكن مجرد ناشطة، بل كانت كاتبة تبحث عن أسلوبها الخاص، بعيداً عن قيود اللغة الرسمية.
مع مرور الوقت، تحولت المدونة من منصة دفاعية (عن حقوق الأقباط، حقوق المرأة، حرية التعبير) إلى منصة هجومية. بدأت في توجيه سهامها نحو الحركات الإسلامية، وتحديداً الإخوان المسلمين وحماس. وفي الفترة التي سبقت أكتوبر 2023، كانت داليا قد أنضجت بالفعل خطاباً مفاده أن "الخطر الحقيقي على مصر والعالم العربي هو الإسلام السياسي، وليس إسرائيل" . هذا الإطار الفكري هو ما جعلها تدافع لاحقاً عن قتل الجنود الإسرائيليين على الحدود المصرية في حادثة يونيو 2023، بحجة أنها "تهديد للأمن القومي المصري" .
"الزهرة في سلة المهملات": السيرة الذاتية كسلاح سياسي .
داليا زيادة تقدم نفسها دائماً كـ"زهرة في سلة المهملات" (Flower in the trash)، وهو تعبير وصفت به نفسها في مقابلة مع جيروزاليم بوست . هذا التشبيه البلاغي ليس بريئاً؛ فهو يحمل رسالة واضحة: "أنا الضحية الجميلة في بيئة قذرة فاسدة". في روايتها، هي المثقفة المستنيرة التي تعرضت للاضطهاد من الجانبين: من الإسلاميين (بسبب جرأتها) ومن الدولة المصرية القومية (بسبب علاقاتها الدولية).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هي حقاً "زهرة" أم أن جذورها، التي كانت في تربة شبرا الخصبة، قد اقتلعت بفعل خياراتها الخاصة؟ لقد جمعت داليا بين متناقضات عجيبة: ترتدي الحجاب، لكنها تتبنى أفكاراً علمانية متطرفة. تعمل مع مؤسسات إسرائيلية، لكنها تتحدث باسم "الديمقراطية والسلام". تدعي حب مصر، لكنها تصف المصريين المنتقدين لها بأبشع الصفات.
إن رحلة داليا زيادة، من حي شبرا إلى واشنطن، هي قصة امرأة وقعت في فخ "التفرد". أصرت على أن تكون الصوت الأكثر نشازاً في جوقة عربية غاضبة، واختارت أن تبيع هذا النشاز لأعلى مزايد. في محطاتها المختلفة، كانت داليا تبحث عن "منزل فكري" دائم. بدأت في منزل الليبرالية المصرية (مركز ابن خلدون)، ثم انتقلت إلى منزل التوفيق بين الإسلام وأمريكا، واستقرت أخيراً في منزل اليمين الإسرائيلي المتطرف في واشنطن. الثابت الوحيد في هذه الرحلة هو أنها كانت تترك خلفها جسوراً محترقة، إلى أن وصلت إلى نقطة اللاعودة، حيث أصبحت مصر تحاكمها غيابياً، وأصبحت تعيش على هامش السياسة الأمريكية، محاطة بالصحفيين الإسرائيليين والممولين اليمينيين.
داليا زيادة: معركة الجنسية والخيانة في زمن الحرب الإعلامية .
إذا كان الفصل السابق قد تناول الجذور الفكرية والعملية لداليا زيادة، فإن هذا الفصل سيغوص في اللحظة الفارقة: حرب غزة وما بعدها. هنا، يتحول السرد من كونه سيرة ذاتية لامرأة مثيرة للجدل، إلى ملف أمني وقانوني ساخن يمس سيادة الدولة المصرية واستقرارها. من هي داليا زيادة اليوم؟ هي "المنفى" الذي تختار العيش في أمريكا، لكنها "الهاربة" من ملاحقات قضائية في مصر. هي "زميلة باحث" في مؤسسة إسرائيلية، لكنها "متهمة بالعمالة" في بلدها الأصلي.
داليا ليست مجرد ناشطة؛ داليا زيادة أصبحت قضية. وقضيتها تتلخص في سؤال واحد: هل يحق لمواطن مصري، كان يوماً جزءاً من مؤسسات الدولة، أن يقف علناً مع عدو تاريخي في حرب إبادة، ويحرض على بلده، ويصف شعبه بالكلاب، ثم يتمتع بالجنسية المصرية وحماية القانون المصري؟
من قاهرة الثوار إلى واشنطن "الهاربين" .
لكي نفهم كيف تحولت داليا من داخل النظام إلى خارجه، علينا العودة بشكل سريع إلى عام 2011. داليا، مثل كثير من الليبراليين، رحبت بثورة يناير. كانت ترى فيها فرصة للتخلص من ما كانت تعتبره "كابوس التوريث والفساد". لكن سرعان ما انقلبت الأمور. مع وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم ثم الإطاحة بهم في 2013، وجدت داليا نفسها في موقف حرج. لم تكن من محبي الإخوان، لكنها كانت أيضاً ناقدة عنيفة للسلطة الجديدة "العسكرية".
في مرحلة ما، قررت داليا أن الطريق إلى التأثير لا يمر عبر القاهرة، بل عبر واشنطن وتل أبيب. وفقاً لمقابلات صحفية، بدأت تشعر بأن "الربيع العربي" فشل، وأن "الخطر الوحيد المتبقي هو الإسلام السياسي". هذا التوجه جعلها تتقارب مع مراكز الفكر المحافظة في الغرب التي تتبنى نفس الطرح: "إسرائيل حصن الحضارة في وجه التطرف الإسلامي."
الذروة كانت في السابع من أكتوبر 2023. فور وقوع الهجمات، وبدلاً من موقف وسطي أو إنساني، انحازت داليا بشكل كامل وغير مشروط لإسرائيل. وصفت ما حدث بأنه "مجزرة ومذبحة" . لكن المشكلة لم تكن في وصفها للهجوم، بل في تعميها المتعمد عما يليه: الإبادة الجماعية في غزة. استمرت في تبرير قتل الأطفال والنساء بحجة أن إسرائيل تحارب "نيابة عن المنطقة بأكملها" . هذا الموقف، الذي يعتبر تطرفاً حتى في أوساط اليمين الإسرائيلي المتشدد، جعلها شخصاً غير مرغوب فيه في مصر.
بلاغات الخيانة وتجريد الجنسية: الإجراءات القانونية.
الرد المصري لم يتأخر. تقدم محامون ونشطاء بسلسلة من البلاغات تتهمها بالخيانة العظمى والعمالة لإسرائيل. الأساس القانوني واضح: المادة 77 مكرر من قانون العقوبات المصري تجرم الاتصال بأعداء الدولة أو تقديم العون لهم في زمن الحرب أو السلم. الفعل هنا ليس مجرد رأي سياسي، بل هو "تحريض واضح" ضد المصالح المصرية.
في مايو 2025، وصلت الأمور إلى ذروتها. تقدم حمدي عبد العزيز، المحامي البارز، بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية. الدعوى تطالب بتجريدها من الجنسية المصرية بشكل فوري . الحجة التي قدمها المحامون: داليا زيادة انضمت إلى مراكز أبحاث إسرائيلية (وهي "دولة معادية" بحكم القانون المصري، رغم وجود معاهدة سلام)، وقدمت استشارات سياسية وأمنية لها تضر بالأمن القومي المصري، وهو ما يندرج تحت بند "خدمة دولة أجنبية دون إذن الحكومة المصرية".
في مصر، القضية شعبياً أصبحت محسومة. حتى من يختلفون مع داليا سياسياً، يرون أن ما تفعله تجاوز حدود النقد إلى "العداء المعلن". داليا نفسها، في مقابلة مع جيروزاليم بوست في مايو 2025، وصفت نفسها بأنها "مثل الأهرامات، لن يستطيع أحد تجريدها من هويتها المصرية" . لكن النقطة التي تغفل عنها هي أن الأهرامات موجودة في مصر وليست في واشنطن، وهي ليست مهددة بفقدان جنسيتها لأنها لم تخن بلدها.
استشهاد قانوني: القوانين المصرية تسمح بسحب الجنسية ممن يقيم بشكل دائم في الخارج دون عذر مقبول ويتصرف بما يضر بمصالح البلاد. من الناحية الإجرائية، القضية معقدة لأنها تتطلب موافقة مجلس الوزراء، وفي ظل حساسية العلاقة مع أمريكا، قد تظل القضية معلقة لبعض الوقت، لكنها ضغط هائل على مستقبلها المهني.
المنظمات والمؤسسات: من يدفع الفاتورة؟
لفهم الدافع وراء استمرار داليا في هذا الطريق رغم المخاطر، علينا متابعة "من يقف خلفها". ليست داليا مجرد "ناشطة مستقلة" تعبر عن رأيها على تويتر.
خريطة علاقاتها المؤسسية الحالية:
مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية (JCFA): هو بيتها الأساسي الآن. زميلة أولى للبحث والدبلوماسية. المركز له توجهات يمينية واضحة ومقرب من حكومة نتنياهو السابقة. انضمامها إليه كان بمثابة "تحول كامل" إلى المعسكر المعادي للمقاومة بشكل جهوي.
مركز دراسات الشرق الأوسط وشرق المتوسط (MEEM): لا يزال اسمه ضمن سيرتها الذاتية، لكن نشاطه تراجع لصالح تواجدها في القدس وواشنطن.
معهد دراسات الأمن القومي (INSS): تعاونت معهم في عدة فعاليات. هذا المعهد مرتبط بجامعة تل أبيب ويضم مستشارين سابقين للجيش الإسرائيلي.
المجلس القومي للمرأة: المفارقة هنا كبيرة. كيف كانت عضواً في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس قومي حكومي الآن وقد أصبحت هدفاً للقضاء المصري؟ هذا يدل على أن خروجها عن النص لم يكن متوقعاً، أو أن انحدارها الأخلاقي تسارع بعد خروجها من مصر.
هناك اتهامات غير مثبتة قضائياً ولكنها متداولة إعلامياً بأنها تتلقى تمويلاً سخياً من مؤسسات يهودية أمريكية مقابل ظهورها الإعلامي المستمر وانتقاداتها للدولة المصرية. ما هو مؤكد أنها تعيش في واشنطن بأسلوب يسمح لها بالسفر بين الجامعات الأمريكية (وزارت 59 جامعة في جولة واحدة ) وحضور المؤتمرات، وهو ما يتطلب دعماً لوجستياً كبيراً.
تداعيات أكتوبر: القطيعة النهائية .
ربما كان بإمكان داليا زيادة أن تبقى في دائرة الخلاف السياسي العادي لو توقفت عند حد "تأييد إسرائيل" نظرياً. لكنها تجاوزت ذلك. في يونيو 2023، قبل أكتوبر بأشهر، كتبت منشوراً هاجمت فيه المصريين الذين احتفلوا بمقتل جنود إسرائيليين على الحدود، ووصفتهم بـ "الإرهابيين المحتملين" ودافعت عن حق إسرائيل في الوجود . هذا المنشور وحده كان كافياً لجعلها منبوذة شعبيًا. المصريون، حتى المعارضون للنظام، لا يقبلون بالاحتفاء بقتل جيشهم (حتى لو كان بالنيابة عن إسرائيل).
بعد 7 أكتوبر، زاد الطين بلة. لم تكتفِ بدعم إسرائيل، بل بدأت في "التحذير" من الخطر المصري على إسرائيل، ملمحة إلى أن المناورات العسكرية المصرية في سيناء تحمل رسائل تهديدية. هذا تجاوز للخط الأحمر. فالاتفاقية المصرية الإسرائيلية تنظم العلاقة العسكرية بشكل دقيق، والتشكيك فيها من محللة "إسرائيلية" هو بمثابة تحريض على الحرب بين حليفين.
مستقبل القضية: في انتظار قرار عربي أم قرار أمريكي؟
مستقبل داليا زيادة غامض. هي غير مرحب بها في مصر، ولن تعود إليها. القضاء المصري قد يصدر حكماً بتجريدها من الجنسية غيابياً، لكن تنفيذه رمزي لأنها تحمل جنسية مصرية فقط (وهو أمر سيتم إلغاؤه) مما قد يجعلها عديمة الجنسية إذا لم تحصل على الجنسية الأمريكية. وهي حالياً في أمريكا، التي تعتبر "ملاذاً آمناً" للمعارضين.
القصة هنا تجاوزت داليا كشخص، وأصبحت جزءاً من لعبة أكبر. أمريكا وإسرائيل تستخدمانها كورقة لتقديم "وجه عربي" معتدل (أو معادٍ للمقاومة) في الإعلام الغربي. بينما تستخدمها مصر كورقة لإثبات "وطنيتها" ورفضها للتطبيع الشعبي. الشعب المصري، في كل هذا، هو الخاسر الأكبر، لأنه يشاهد ابنة بلده تبيع دماء أطفال غزة مقابل منصب في مركز أبحاث. داليا زيادة هي "ضحية" لفكرها المتطرف، أو "عار" على جبين الحرية المصرية، حسب الزاوية التي تنظر منها. لكن الذي لا جدال فيه: اسمها سيبقى مرتبطاً بالخيانة في الوجدان الجمعي للعرب لسنوات قادمة.
إقرأ أيضا :
انفجار الخليج: الإمارات تنسحب من أوبك وعُمان تقاطع القمة والسعودية تصمت.. هل نحن على أبواب حرب إقليمية جديدة؟عمولة 75% على منتجات لا تملكها | كيف يضاعف الذكاء الاصطناعي أرباح التسويق بالعمولة .
