لغز واشنطن: كيف تنتهي الحرب رسمياً على إيران بينما يستعد البنتاجون لقصفها من جديد؟
مقدمة: تناقضات البيت الأبيض تعيد خلط الأوراق
في تطور سياسي وعسكري غير مسبوق، خرجت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلانين متناقضين تماماً خلال ساعات قليلة. الإعلان الأول كان رسمياً وموجهاً إلى الكونجرس الأمريكي، يفيد بانتهاء الحرب على إيران رسمياً. بينما كان الإعلان الثاني غير مباشر، لكنه حمل تهديداً واضحاً باستئناف العمليات العسكرية خلال يوم أو يومين، في إشارة إلى "أمر جلل" ينتظر المنطقة. هذا التناقض الصارخ لم يأتِ من فراغ، بل يعكس أزمة حقيقية تعيشها الإدارة الأمريكية على أكثر من صعيد: دستوري، وعسكري، وسياسي، واقتصادي. لفهم ما يجري، يجب أن نغوص في تفاصيل المشهد المعقد الذي يرسم ملامح المرحلة المقبلة من الصراع الأمريكي الإيراني.
الإعلانان المتناقضان: قراءة في التوقيت والمضمون
البيان الرسمي للبيت الأبيض: الحرب انتهت رسمياً
قبل ساعات قليلة، توجه البيت الأبيض بخطاب رسمي إلى الكونجرس الأمريكي جاء فيه أن الحرب على إيران قد انتهت رسمياً. هذا البيان، الذي وصف بأنه "إعلان نهاية العمليات القتالية"، حمل توقيتاً شديد الدلالة. فالحرب التي بدأت في أواخر فبراير أو بدايات مارس الماضي، كانت قد تجاوزت الستين يوماً، وهو الحد الأقصى الذي يمنحه الدستور الأمريكي للرئيس لشن عمليات عسكرية دون موافقة الكونجرس. بهذا الإعلان، تكون الإدارة قد وجدت مخرجاً قانونياً من ورطة دستورية كانت تهدد بملاحقتها قضائياً.
تصريحات ترامب الخاصة: حرب جديدة خلال ساعات
في المقابل، كان ترامب نفسه في جلسة مباحثات مع قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال كوبر براد كوبر، لاستعراض خطة عسكرية جديدة لضرب أهداف داخل إيران. الخطة التي نوقشت تصفها مصادر مطلعة بأنها "ضربات مركزة وسريعة وقوية لكنها محدودة"، أي أنها لا تهدف إلى حرب شاملة كما حدث في الأسابيع الماضية. والأكثر إثارة للقلق هو تصريح ترامب بأن "بكره أو بعده بالكتير" سيكون هناك أمر جلل بخصوص إيران، في إشارة واضحة إلى تحرك عسكري كبير. هذا التناقض الصارخ يطرح السؤال: هل انتهت الحرب حقاً، أم أن إدارة ترامب تلعب لعبة مزدوجة لإرباك الخصوم والالتفاف على القيود الدستورية؟
المعضلة الدستورية: التفويض الرئاسي وساعة الستين يوماً
أزمة دستورية في واشنطن
لفهم هذا التناقض، يجب العودة إلى النقطة المحورية في الأزمة: المدة القانونية التي يمتلكها الرئيس الأمريكي لشن العمليات العسكرية. ينص الدستور الأمريكي على أن الرئيس ليس من حقه إعلان الحرب بمفرده، فهذا حق حصري للكونجرس يحتاج إلى موافقة الأغلبية. لكن الرئيس يملك صلاحية شن عمليات عسكرية لمدة لا تتجاوز الستين يوماً دون موافقة مسبقة من الكونجرس. هذه المدة انتهت منذ أسابيع. فالعمليات العسكرية بدأت في نهاية فبراير أو بداية مارس، ومع دخول شهر مايو، نكون قد تجاوزنا الستين يوماً بوضوح.
كيف حاول البنتاجون الالتفاف على الدستور؟
عندما خاطب الكونجرس البنتاجون ووزارة الدفاع، سألهم سؤالاً محرجاً: "لقد انتهت المدة القانونية الممنوحة لكم، أين تقييم العمليات العسكرية؟ وماذا تحقق من الأهداف؟". هنا بدأت الإدارة في ابتكار حجج قانونية هشة. من أبرزها الادعاء بأن الحرب لم تستمر ستين يوماً كاملة، بل توقفت بعد اليوم التاسع والثلاثين أو الأربعين بسبب وقف إطلاق النار. وفقاً لهذا المنطق، فإن العشرين يوماً المتبقية لا تحتسب، لأنه لم تشهد عمليات قتال برية أو جوية واسعة. لكن هذا الادعاء قوبل بسخرية من الخبراء الدستوريين، الذين أكدوا أن العمليات الاستخباراتية، والطلعات الجوية، والتزود بالوقود جوياً، والتحكم في البحر، كلها تندرج تحت بند العمليات العسكرية.
جلسة الكونجرس: وزير الدفاع في قفص الاتهام
مشهد الاحتقان داخل قاعات الكونجرس
المشهد الأكثر إحراجاً لم يكن في ميادين القتال، بل داخل قاعات الكونجرس حيث تم استدعاء وزير الدفاع بيت هيكسيث وقادة البنتاجون لتقديم حساب علني عن مجريات الحرب. ما جرى في تلك الجلسة وصفته مصادر بأنه "هزيلة" و"إهانة" لبيت هيكسيث، فقد تمت محاصرته بأسئلة حادة كشفت فجوة هائلة بين الرواية الرسمية والحقيقة على الأرض.
كم كلفت الحرب حقاً؟
بدأ النواب بملف التكاليف المالية. قال وزير الدفاع أن الحرب كلفت 25 مليار دولار فقط. لكن الرد جاء سريعاً: "هذا كلام غير صحيح، أنت صرفت 50 مليار دولار حتى الآن". ولم تقتصر التكاليف على هذا الرقم، فهناك خسائر الطائرات التي سقطت والذخيرة التي استُنزفت، وكل هذا خارج حساب الخمسين ملياراً. السؤال الذي وجه للوزير كان مدمراً: "لقد صرفت هذا المبلغ الهائل، فهل دمرت البرنامج النووي الإيراني؟ هل أسقطت النظام؟ هل حققت أياً من الأهداف التي من أجلها خضتم هذه الحرب؟".
انهيار الرواية الرسمية عن هزيمة إيران
حين حاول الوزير الادعاء بأن إيران قد هُزمت، وتحديداً من خلال الحصار الاقتصادي الذي ألحق بها خسائر فادحة، قوبل بحقيقة صادمة: إيران كسبت خلال الأسبوعين الماضيين فقط ما بين 14 إلى 18 مليار دولار. فكيف يمكن اعتبار ذلك هزيمة لإيران؟ وعندما تحدث عن تراجع القدرات الصاروخية الإيرانية، قيل له: "أنت كذاب، الصواريخ الإيرانية بمصانعها ومدنها موجودة وتعمل بكامل طاقتها". أما البرنامج النووي، فكانت الفضيحة الأكبر. الوزير ادعى أنه تم تدميره خلال حرب الاثني عشر يوماً الأولى وأيضاً في الحرب الأخيرة، لكن النواب وجهوا له سؤالاً حاسماً: "أنت الآن تتفاوض مع إيران على أن تدمر هي بنفسها برنامجها النووي، فإذا كنت قد دمرته فعلاً، فلماذا تتفاوض على تدميره مجدداً؟".
اتهامات بتضليل الرئيس
الموقف وصل إلى حد اتهام وزير الدفاع بتقديم معلومات مضللة لدونالد ترامب. فقد قيل بوضوح إن كل المعلومات التي قدمها بيت هيكسيث للرئيس كانت بعيدة عن الواقع. هذا الاتهام ليس مجرد كلام، بل هو اعتراف ضمني بأن البنتاجون أخطأ في تقديراته، وأن الأهداف المعلنة للحرب لم تتحقق.
صفقة السلاح الصينية: كيف تعافت إيران صاروخياً؟
الشحنة السرية من بكين
أحد أهم العوامل التي غيرت موازين القوى على الأرض هو وصول شحنة جديدة من المواد الخام اللازمة لصناعة الوقود الصلب للصواريخ، قادمة من الصين عبر خمس سفن. هذه الشحنة وحدها، وفقاً لتقارير استخباراتية أمريكية، تكفي لصناعة حوالي 800 صاروخ جديد. وهذا الرقم يعادل تقريباً كل ما أطلقته إيران منذ بداية الحرب. بمعنى آخر، في الوقت الذي كانت واشنطن تظن أنها تستنزف القدرات الصاروخية الإيرانية، كانت طهران تستعد لمواجهة جديدة بترسانة معاد تجديدها بالكامل.
إيران تستخرج وتصلح وتبني من جديد
التقارير الاستخباراتية الصادرة عن وكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية متفقة على حقيقة صادمة: خلال الأسبوعين الماضيين فقط، أي منذ أن توقفت الحرب مؤقتاً، نجحت إيران في استخراج الصواريخ المخزنة داخل مداخل الجبال، وتصليح منصات الإطلاق التي تضررت، وإعادة تجهيز ترسانتها بالكامل. لم تكتف إيران بذلك، بل أنتجت صواريخ جديدة، مما جعل قدراتها الصاروخية الآن أفضل مما كانت عليه قبل الحرب. هذا التقييم لا يأتي من مصادر إيرانية، بل من صحف كبرى مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز وأكسيوس وفاينانشال تايمز ورويترز.
إسرائيل: الخاسر الأكبر في الحرب
أهداف إسرائيل الحقيقية من الحرب
من الضروري هنا أن نفهم أن إسرائيل لم تخض هذه الحرب من أجل مضيق هرمز، ولا من أجل الحصار، ولا حتى من أجل البرنامج النووي الإيراني بالدرجة الأولى. هدف إسرائيل الأساسي كان اثنين فقط: القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني، ووقف دعم الوكلاء، وفي مقدمتهم حزب الله. هذان الهدفان هما ما يهددان الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مباشر، وليس البرنامج النووي الذي يظل تهديداً بعيد المدى نسبياً.
اعترفات القيادة العسكرية الإسرائيلية
الطريف أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي نفسه خرج ليعترف بأنه "لا توجد طريقة للتعامل مع حزب الله، خاصة في مجال المسيرات". هذا اعتراف خطير، فحزب الله لا يمتلك بالضرورة صواريخ إيران الجبارة، لكن مشكلته تكمن في المسيرات التي "تغربل" الدفاعات الجوية الإسرائيلية. سكان شمال إسرائيل ما زالوا مهجرين حتى الآن، ولم يعودوا إلى منازلهم رغم وقف إطلاق النار، وهذا يعكس حجم الإخفاق في تحقيق الأهداف المعلنة.
إسرائيل تخرج خالية الوفاض
الحقيقة الأكثر إيلاماً لإسرائيل هي أنها دخلت الحرب لتحقيق هذين الهدفين، وخرجت منهما دون أي تقدم يذكر. البرنامج الصاروخي الإيراني لم يُلمس، بل أصبح أقوى. وحزب الله لم يُهزم، بل ما زال يشكل تهديداً حقيقياً. في المقابل، دفع الإسرائيليون ثمناً باهظاً: خسائر في المعدات، استنزاف للذخيرة، تهجير للسكان، وأضرار اقتصادية جسيمة. فهل كان كل هذا ثمناً لتحقيق أهداف لم تتحقق؟ هذا ما يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى الحرب برمتها.
أسواق النفط: فقاعة وهمية تنذر بكارثة حقيقية
الأرقام الحقيقية لسعر النفط
في تحليل نشرته مجلة الإيكونوميست البريطانية، وصف ما يحدث في أسواق النفط بأنه "عالم من الخيال". لماذا هذا الوصف؟ لأن الأرقام المتداولة لا تعكس الواقع إطلاقاً. الأسعار التي تسمع عنها (120 دولاراً للبرميل) لا تعبر عن السوق الحقيقي. السعر الفوري للنفط، أي لو ذهبت الآن لتشتري برميلاً لتستلمه فوراً، يتجاوز 140 دولاراً، ويصل في بعض التقديرات إلى 145 أو حتى 148 دولاراً للبرميل. هذه أرقام ضخمة لم تشهدها الأسواق منذ عقود.
لماذا الأسعار مرتفعة رغم "انتهاء الحرب"؟
هنا المفارقة: الأسعار مرتفعة جداً رغم أن الحرب قد انتهت رسمياً (بحسب الإعلان الأمريكي). والإيكونوميست تقول إن هذا التناقض يعكس حقيقة خطيرة: السوق يعاني من عجز حقيقي في الطلب، والاحتياطيات الاستراتيجية يتم السحب منها بشكل كبير جدا. هذا يعني أن الكارثة لم تحدث بعد. نحن فقط في بداية الأزمة. لو استمر الوضع على ما هو عليه، أو لو تجددت الحرب بشكل أكثر شراسة، فإن الأسعار ستقفز إلى مستويات لا يمكن تخيلها، مما سيضرب الاقتصاد العالمي في الصميم.
المقترح الإيراني الجديد: من التفاوض على الاتفاق إلى التفاوض للمفاوضات
ما هو المقترح الجديد؟
وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، قدمت إيران مقترحاً جديداً وصف بأنه "أكثر مرونة" من المقترح الذي قدمته قبل يومين. لكن دعنا نكون دقيقين: هذا المقترح ليس مختلفاً جوهرياً عن سابقه. الفرق بسيط جداً لدرجة أنه قد لا يلاحظه إلا الخبراء. المقترح الأول قالت فيه إيران إنها مستعدة لفتح مضيق هرمز، لكن بشروطها الخاصة: فرض رسوم مرور للحصول على تعويضات الحرب. وإذا لم تعطها واشنطن أموالاً نقدية، فإنها ستأخذ تعويضاتها من رسوم العبور.
في نفس الوقت، وضعت إيران ثلاثة شروط لفتح المضيق: إنهاء الحصار، وتعهد بعدم شن حرب مرة أخرى، وتأجيل مناقشة البرنامج النووي. هذا عرض قوي يعكس ثقة إيران في موقفها.
التعديل الصغير الذي يحدث الفارق
في المقترح الجديد، تم تعديل كلمة واحدة فقط. بدلاً من كلمة "تعهد"، استخدمت إيران كلمة "ضمانات". العرض الآن يقول: "أعطونا ضمانات بأنكم لن تشنوا حرباً علينا من جديد، وأعطونا ضمانات بفك الحصار". هذا التعديل اللغوي البسيط يحمل دلالة مهمة: إيران مستعدة لقبول ضمانات أقل صرامة من التعهدات الرسمية. لكنها في المقابل لم تتنازل عن أي من مطالبها الجوهرية.
لماذا رفض ترامب العرض؟
هنا يأتي دور مستشاري ترامب. المستشارون الذين يستمع لآرائهم (وليس حاشيته المباشرة من الصقور) نصحوه بقبول العرض. قالوا له: "هذا عرض جيد، خذه". لكن ترامب رفض. بدلاً من ذلك، عاد إلى "شلة الصياع" المحيطين به، وفي مقدمتهم وزير دفاعه بيت هيكسيث، الذي قال له: "لا يمكن القبول بهذا، نحن نحقق انتصارات مدهشة، الحصار يقتل إيران، ونحن أوشكنا على تحقيق كل أهدافنا". مرة أخرى، المعلومات المضللة التي قدمها هيكسيث لترامب دفعت الرئيس لاتخاذ قرار رفض العرض. وجاء رد الفعل سريعاً: باكستان توسطت بين الطرفين وقالت لإيران: "قدموا عرضاً آخر أكثر مرونة". فجاء العرض الجديد بالتعديل اللغوي البسيط.
الحقيقة غير المفهومة عن المقترح الإيراني
نقطة في غاية الأهمية قد تكون فاتت على كثيرين: هذا المقترح الإيراني ليس لإنهاء الحرب، ولا للوصول إلى اتفاق سلام. لا، لا، لا. هذا المقترح هو فقط لبدء المفاوضات. إيران تطلب هذه الشروط فقط كي توافق على الجلوس مع الأمريكيين على طاولة حوار واحدة. الشروط التي تضعها ليست لإنهاء الصراع، بل لتحديد شروط المقدمة. تخيل أن تعقد صفقة عقارية، لكن قبل أن تتفاوض على السعر، تطلب من البائع أن يوقع على تعهد بأنه لن يرفع السعر خلال المفاوضات. هذا هو منطق المقترح الإيراني. إنهم لا يتفاوضون على الاتفاق بعد، بل يتفاوضون على شروط التفاوض نفسه. هذا وحده يخبرك كم هو الضغط الإيراني هائل على الولايات المتحدة الأمريكية.
خيارات ترامب: بين المطرقة والسندان
الخيار الأول: قبول المقترح الإيراني
إذا قبل ترامب المقترح الإيراني، فسيواجه اتهامات من خصومه بأنه استسلم لإيران وتراجع عن كل ما قاله عن "الضغط الأقصى" والانتصارات المدهشة. هذا الخيار، رغم أنه قد يكون العقلانياً من منظور براغماتي، إلا أنه مكلف سياسياً جداً في الداخل الأمريكي.
الخيار الثاني: شن حرب جديدة بتفويض جديد
هذا هو الخيار الذي تتجه إليه الإدارة حالياً. الفكرة هي إعلان انتهاء الحرب الأولى (بما يحقق المخرج القانوني من أزمة الستين يوماً)، ثم شن حرب جديدة بقائمة أهداف مختلفة. الهدف الجديد الذي يتم مناقشته حالياً هو "الاستحواذ على اليورانيوم المخصب بنسبة 60% الموجود في جبل إصفهان وجبل الفقاس". هذا الهدف يختلف عن الهدف السابق الذي كان "تدمير البرنامج النووي". الهدف الجديد محدد وواضح وقابل للتحقق. الفرق شاسع بين تدمير برنامج نووي كامل (وهو أمر شبه مستحيل)، والاستيلاء على كمية محددة من اليورانيوم في مكان معروف (وهو أمر صعب لكنه ممكن).
إذا فعلها ترامب، فسيعلن "لقد نفذنا عملية تاريخية جبارة لم يستطع أي جيش في العالم أن ينفذها، دخلنا قلب إيران، استولينا على اليورانيوم المخصب، وخرجنا منتصرين". هذه "صورة النصر" التي يبحث عنها. صورة ستخفي حقيقة أن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً، والحصار لا يزال قائماً، والصواريخ الإيرانية لا تزال موجودة، والنظام لا يزال في مكانه. لكنها صورة ستُباع للإعلام على أنها إنجاز تاريخي.
الخيار الثالث: انتظار الضغوط وخلخلة التحالفات
هذا خيار سلبي، لكنه موجود على الطاولة. الانتظار يعني أن الوضع سيبقى معلقاً، وأن الضغط على الكونجرس سيزداد، وأن التحالفات الإقليمية (خاصة مع إسرائيل) قد تتصدع. إسرائيل التي دخلت الحرب لهدفين ولم تحققهما، قد تبدأ في التساؤل عن جدوى التحالف مع إدارة لا تستطيع تحقيق أهدافها.
السيناريو المرتقب: غزو بري محدود؟
هل الغزو البري وارد؟
الحديث عن عملية برية داخل الأراضي الإيرانية لاستهداف جبل إصفهان ليس مجرد كلام في الإعلام. لقد تم عرض الخطة على ترامب، ويتم مناقشتها بجدية. من الناحية العسكرية البحتة، هل الجيش الأمريكي قادر على تنفيذ عملية برية محدودة في عمق إيران؟ الإجابة: نعم، لديه القدرات. القوات الخاصة الأمريكية (دلتا فورس، السيل تيم، الـ82 المحمولة جواً، المظلات) قادرة على تنفيذ عمليات معقدة من هذا النوع.
لماذا هي عملية خطيرة جداً؟
لكن النجاح العسكري وحده لا يكفي. السؤال الأهم: ماذا بعد الاستيلاء على اليورانيوم؟ الرد الإيراني سيكون عنيفاً وشاملاً. إيران أعلنت أن لديها 60 مليون جندي (في إشارة إلى التعبئة العامة للشعب خلف القيادة)، ومستعدة للغزو البري. هذا ليس مجرد تهديد، فالاستعدادات الإيرانية لمواجهة أي توغل بري حقيقية وكبيرة. علاوة على ذلك، حتى لو نجحت العملية في الاستيلاء على اليورانيوم، فإن مضيق هرمز سيظل مغلقاً، والصواريخ الإيرانية ستظل موجودة، وحزب الله سيواصل تهديد شمال إسرائيل. العملية ستحقق هدفاً تكتيكياً واحداً، لكنها لن تحل أي مشكلة استراتيجية، بل قد تفاقمها.
رأيي في هذه النقطة
بصراحة، الخيارات العسكرية التي تناقش في البنتاجون لتجريد إيران من قدراتها أو إجبارها على الاستسلام أنا لا أعتقد أن أيّاً منها سيحقق نتائج حقيقية على الأرض. القوة العسكرية وحدها، مهما بلغت تكلفتها، لا تستطيع إذلال دولة بحجم وتماسك إيران. كل الخيارات تؤدي إلى نفس النتيجة: لا سلم، لا حرب، لا منتصر، لا مهزوم. دوامة من العنف والدمار دون حسم.
التداعيات الاقتصادية: حرب التكلفة التي لا تنتهي
الخمسون ملياراً الأولى وما بعدها
لقد أنفقت الولايات المتحدة حتى الآن أكثر من 50 مليار دولار على هذه الحرب. وهذا الرقم لا يشمل خسائر الطائرات والسفن والذخائر. إضافة إلى ذلك، فإن إغلاق مضيق هرمز رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، مما تسبب في خسائر اقتصادية هائلة للاقتصاد العالمي. ببساطة، الولايات المتحدة تدفع مرتين: مرة مباشرة من خلال ميزانية البنتاجون، ومرة غير مباشرة من خلال ارتفاع أسعار الطاقة الذي يضرب المواطن الأمريكي العادي في جيبه.
من المستفيد الحقيقي؟
في هذا الصراع المستعر، هناك جهة واحدة تبدو أنها المستفيد الأكبر: الصين وروسيا. ففي الوقت الذي تنزف فيه أمريكا أموالاً ودماءً في الشرق الأوسط، تنشغل هذه الدول بتعزيز مواقعها الاستراتيجية في مناطق أخرى. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط يفيد كلاً من روسيا (كبرى منتجي النفط) وإيران نفسها. الصين تستفيد بشراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة، حيث أن العقوبات الأمريكية لم تنجح في وقف هذا التدفق بالكامل.
نقاط القوة الإيرانية التي لا يراها البنتاجون
الموقع الجيوستراتيجي الفريد
إيران دولة جبلية وعرة التضاريس، مما يجعل أي غزو بري عملية معقدة ومكلفة جداً. الجبال ليست مجرد عائق طبيعي، بل هي حصون طبيعية تسمح للمدافعين بالاختباء والكمائن والهجمات المباغتة. إضافة إلى ذلك، فإن إيران دولة ذات عمق استراتيجي، لا يمكن احتلالها بسهولة.
تحالفات إيران في المنطقة
إيران لا تقاتل وحدها. فهي تمتلك شبكة واسعة من الوكلاء والحلفاء في المنطقة: حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، فصائل عديدة في العراق وسوريا. هذه الشبكة تسمح لإيران بفتح جبهات متعددة ضد أعدائها، مما يشتت جهودهم ويزيد من تكلفة أي مواجهة. هجوم على إيران يعني حرباً إقليمية، وليس مجرد مواجهة ثنائية.
الصمود الشعبي
آخر ما يجب أن ننساه هو العامل البشري. لقد أثبتت العقوبات الاقتصادية القاسية على مدى سنوات أن الشعب الإيراني لديه قدرة هائلة على الصمود. فكرة أن الحصار سيؤدي إلى انهيار النظام أو ثورة شعبية ثبت أنها وهمية تماماً. الشعب الإيراني، رغم معاناته الاقتصادية، لا يزال مسانداً لنظامه في مواجهة ما يراه عدواً خارجياً.
الخلاصة: نهاية حرب أم بداية أخرى؟
ما نشهده اليوم هو أزمة متعددة الأوجه: أزمة دستورية في واشنطن، وأزمة ثقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، وأزمة مصداقية للقادة العسكريين، وأزمة استراتيجية في المنطقة بأسرها. الإعلان عن انتهاء الحرب هو اعتراف ضمني بالفشل في تحقيق الأهداف في المدة المحددة دستورياً، بينما التحضير لجولة قتال جديدة هو محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء الوجه.
السؤال الأهم الذي يجب أن نضعه أمامنا الآن: هل ستكون هذه الجولة مختلفة؟ المؤشرات تقول إنها ستكون أقوى وأعنف، لكنها لن تحقق النتائج المرجوة. الأرجح أنها ستزيد الأمور تعقيداً، وتغلق المنطقة أكثر، وتخنق الاقتصاد العالمي، وتقتل المزيد من الأبرياء، دون أن تضع حداً لهذا الصراع المستعر.
في النهاية، تبقى الحقيقة أن المنطقة بأسرها تراهن على صبر القادة وعقلانيتهم، وهي سلع نادرة جداً في زمن الحروب. المستفيد الأكبر حتى الآن هو إيران، التي نجحت في الصمود وتحقيق الردع، والخاسر الأكبر هو إسرائيل التي لم تحقق أياً من أهدافها، والولايات المتحدة عالقة في مستنقع لم تتوقع عمقه. والأدهى من ذلك كله أن الشعب الفلسطيني، كما هو الحال دائماً في صراعات المنطقة، يدفع أعلى فاتورة. اللهم احفظ مصر وأهلها من كل سوء.
ملاحظة مهمة من الكاتب:
هذا التحليل مبني على المعلومات المتاحة حتى كتابة هذه السطور. نظراً لسرعة تطور الأحداث، أنصح القارئ الكريم بمتابعة المصادر الأصلية للأخبار أولاً بأول:
إقرأ أيضا :
