صراع العقول: كيف حولت إيران ميزان القوة في الخليج وأربكت حسابات ترامب ونتنياهو .
في تطور دراماتيكي غير موازين القوة في منطقة الخليج، شهدت الكويت والبحرين أمس هجوماً غير مسبوق بطائرات بدون طيار وصواريخ باليستية إيرانية، استهدف مطار الكويت الدولي وقاعدة "علي السالم" العسكرية التي تستضيف قوات أمريكية، بالإضافة إلى مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين. الهجوم الذي أودى بحياة مواطن هندي وأصاب 63 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة .
![]() |
| شهدت الكويت والبحرين أمس هجوماً غير مسبوق بطائرات بدون طيار وصواريخ باليستية إيرانية، |
لم تكن هذه الضربات مجرد رد فعل عادي، بل جاءت كرسالة واضحة وحاسمة من طهران للعالم: أي اعتداء على المصالح الإيرانية، حتى لو كان تحت مسمى "دفاعي" كما تصفه واشنطن، سيقابل برد قاس على القواعد الأمريكية والمصالح الخليجية في الجانب الغربي من الخليج العربي. هذه المعادلة الجديدة التي تفرضها إيران تُظهر تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك، وتضع المنطقة على حافة الهاوية .
تفاصيل الهجوم الإيراني على الكويت والبحرين: رسالة لا تقبل التأويل .
استهداف المطار المدني: خرق للقواعد الدولية .
كشفت صور الأقمار الصناعية التي نشرت اليوم عن أضرار كبيرة في مطار الكويت الدولي، حيث تعرضت صالة الركاب الرئيسية (المبنى رقم 1) لأضرار هيكلية كبيرة، مما أدى إلى تعليق حركة الطيران المدني وتحويل الرحلات إلى مطارات إقليمية أخرى .
ما يثير القلق بشكل خاص هو أن إيران لم تكتف باستهداف الملحق العسكري المجاور للمطار، بل ضربت صالة الركاب المدنية بشكل مباشر، مما أدى إلى إصابة عشرات المدنيين من جنسيات متعددة، بينهم مسافرون وعمال ومستخدمون للمطار. وزارة الصحة الكويتية أوضحت أن الإصابات توزعت على سبعة مستشفيات، وتضمنت بتراً للأطراف وجروحاً في الرأس ونزيفاً دماغياً، مما يدل على وحشية الهجوم المتعمدة .
ملاحظة مهمة: الضربة الإيرانية على المطار المدني تشكل تصعيداً خطيراً في الصراع، حيث تستهدف البنية التحتية الحيوية والمدنيين بشكل متعمد، وهو ما قد يغير موقف المجتمع الدولي من الأزمة.
القواعد الأمريكية في مرمى النار .
لم تقتصر الهجمات على المطار المدني، بل طالت قاعدة "علي السالم" الجوية في الكويت، وهي قاعدة رئيسية تستضيف طائرات الهليكوبتر والقوات الأمريكية، بالإضافة إلى مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
الحرس الثوري الإيراني أعلن مسؤوليته عن الهجمات، مؤكداً أنها جاءت رداً على العدوان الأمريكي الذي استهدف ناقلة نفط إيرانية وبرج اتصالات في جزيرة قشم الاستراتيجية في مضيق هرمز . هذا التصعيد المتبادل يحمل المنطقة إلى مربع خطير، حيث أصبحت القواعد الأمريكية والمطارات المدنية أهدافاً مشروعة في المعادلة الإيرانية الجديدة.
الخلفيات الجيوسياسية: الحصار الأمريكي والضربات على السفن الإيرانية .
معركة مضيق هرمز: قلب الصراع النابض .
قبل أيام قليلة من الهجوم على الكويت، شهد مضيق هرمز تصعيداً عسكرياً كبيراً، حيث استهدفت القوات الأمريكية سفناً إيرانية في المضيق، بدعوى "الدفاع عن حرية الملاحة". لكن الرواية الإيرانية تؤكد أن القوات الأمريكية استهدفت ناقلة نفط إيرانية كانت تحاول الوصول إلى جزيرة خرج رغم الحصار الأمريكي .
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كشف في جلسة استماع أمام الكونجرس عن طبيعة العمليات الجارية، قائلاً إن السفن التي تحاول عبور المضيق تتعرض لهجمات بطائرات بدون طيار، وتقوم القوات الأمريكية بإسقاطها، ثم ترد إيران باستهداف منشآت أمريكية في المنطقة . هذا السيناريو أصبح يتكرر بشكل مقلق، مما يجعل مضيق هرمز ساحة حرب مفتوحة تهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.
العقيدة الإيرانية الجديدة: الدولة الانتحارية .
ما نراه اليوم في السلوك الإيراني يشبه إلى حد كبير عقيدة "الدولة الانتحارية"، التي تضرب بدون قيود أو خطوط حمراء. هذا التصرف المتطرف يأتي نتيجة صدمة داخلية في إيران من الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت بنية تحتية مدنية ومجمعات سكنية إيرانية.
تقارير إعلامية كشفت أن ثلثي الأهداف الأمريكية والإسرائيلية داخل إيران كانت أهدافاً مدنية بحتة، مما دفع طهران إلى تبني سياسة "العين بالعين"، وضرب المدنيين والبنية التحتية في الدول الخليجية. هذا التصعيد المتبادل يحول المنطقة إلى ساحة لتسديد الحسابات، حيث يدفع المدنيون الأبرياء الثمن الأغلى.
الفشل الاستراتيجي الأمريكي: هل يظهر ضعف ترامب؟
دروس من الماضي: فشل "مشروع الحرية".
قبل شهر فقط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "مشروع الحرية" لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكنه سرعان ما تراجع عنه بعد ضغوط من حلفاء المنطقة . اليوم، تعمل الإدارة الأمريكية بشكل أقل علانية، حيث تكتفي بتنسيق هادئ مع شركات الشحن الراغبة في عبور المضيق، مع تقديم المشورة والدعم العسكري عند الحاجة .
الكاتب بيان كلارك من معهد هدسون يوضح أن السفن التجارية تطفئ أجهزة تحديد المواقع وتلتصق بالساحل العماني الجنوبي للمضيق لتجنب الألغام الإيرانية والهجمات، بينما تقوم القوات الأمريكية بدور المراقب والمدافع غير المباشر . هذا الوضع يُظهر مدى الضعف الاستراتيجي الأمريكي، حيث أصبحت القوة العظمى عاجزة عن تأمين ممر مائي حيوي تتدفق عبره 21% من احتياجات العالم النفطية .
صورة ترامب المهتزة .
ترامب يبدو اليوم وكأنه "الأهبل في الزفة" كما يصفه المحللون، حيث يتحدث بتصريحات منفصلة تماماً عن الواقع الاقتصادي والعسكري في المنطقة. حديثه عن إمكانية فتح المضيق في سبتمبر المقبل يعتبر كارثة سوداء، وفقاً لخبراء الاقتصاد، لأن تقديرات المخزونات النفطية الحالية تشير إلى أن العالم قد يواجه نقصاً كارثياً يرفع أسعار النفط إلى 150 أو 160 دولاراً للبرميل في العقود الآجلة .
إحصائية خطيرة: مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، يتوقع الرؤساء التنفيذيون لشركات النفط الكبرى مثل إكسون موبيل أن تشهد العقود الآجلة للنفط أرقاماً قياسية تصل إلى 160 دولاراً، مما سيؤدي إلى تضخم هائل وركود اقتصادي عالمي.
الخبراء في نيويورك تايمز يتحدثون عن أن الركود والانكماش سيحدثان حتماً، حتى لو تم بلوغ ذروة التصعيد والاتجاه نحو خفضه. لكن ترامب، وبتصريحاته المتخلفة، يُظهر أنه غير قادر على الخروج من هذا الصراع، ولا يملك استراتيجية واضحة للتعامل مع التحديات المتزايدة في المنطقة.
الخلاف الأمريكي الإسرائيلي حول لبنان: صراع في زمن الحرب .
حزب الله يضرب في الشمال .
بينما تنشغل واشنطن وطهران في صراعهما المحتدم، تشتعل الجبهة اللبنانية بشكل لم يكن متوقعاً. حزب الله يضرب الشمال الإسرائيلي بشكل شبه يومي، مما يضع الحكومة الإسرائيلية في مأزق حقيقي. القوات الإسرائيلية الموجودة في جنوب لبنان تتعرض للاستنزاف والقتل، حيث تستخدم المقاومة طائرات درون متطورة مزودة بأنظمة تصوير حراري ليلي، تطارد الجنود الإسرائيليين في أي منطقة يدخلونها .
المشهد الأكثر إثارة هو سيطرة حزب الله على قلعة الشقيف الصليبية (Beaufort Castle) قرب النبطية، وهي موقع استراتيجي على ارتفاع كبير، حيث يقوم عناصر المقاومة بتصوير القوات الإسرائيلية ليلاً وهم يخلون الموقع تحت وطأة الضربات، مما يدل على تخلخل الموقف العسكري الإسرائيلي .
مكالمة "بيبي المجنون".
المكالمة الهاتفية الأخيرة بين ترامب ونتنياهو كشفت عن شرخ حقيقي في العلاقة بين الحليفين. ترامب اعترف علناً بأنه وصف نتنياهو بأنه "مجنون" (f***ing crazy) على الهواء، وأخبره أنه لولاه لكان في السجن الآن .
جوهر الخلاف يتمحور حول العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. ترامب يريد وقف التصعيد للتركيز على المفاوضات مع إيران، بينما نتنياهو مصرّ على مواصلة الحملة ضد حزب الله، معتبراً أن أي تراجع سيُفهم على أنه ضعف. تقارير أفادت بأن نتنياهو تجاهل رغبة ترامب في وقف التقدم نحو بيروت، وأصر على شن غارات جديدة في الضاحية الجنوبية .
لكن هل هذا الخلاف حقيقي أم مجرد خداع تكتيكي للإيرانيين؟ التاريخ يذكرنا بأن الطرفين سبق أن أدارا حملات تضليل مماثلة قبل حرب الأيام الـ12، حيث أظهرا خلافات كبيرة لإيهام العدو بأن هناك شرخاً استراتيجياً، بينما كان التنسيق العسكري على أعلى مستوى. بعض المحللين يعتبرون أن 90% من هذا المسلسل الهابط هو مجرد تضليل إعلامي، وأن الهدف الاستراتيجي الموحد بين البلدين هو تدمير القدرات الإيرانية في المنطقة .
الاقتصاد العالمي رهينة: تداعيات إغلاق مضيق هرمز .
أرقام مرعبة لتأثير النفط .
الضحايا ليسوا فقط العسكريين والمدنيين الذين يسقطون في ساحات القتال، بل الاقتصاد العالمي بأكمله يئن تحت وطأة الحرب. مضيق هرمز هو شريان الحياة للطاقة العالمية، حيث يمر عبره حوالي 21 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي .
إغلاق المضيق لأسبوع واحد فقط قد يكلف الاقتصاد العالمي 5.5 مليار دولار يومياً، ويدفع أسعار النفط إلى 120 دولاراً للبرميل . التقديرات الحالية تتحدث عن أرقام أكثر فظاعة، حيث قد تصل الأسعار في العقود الآجلة إلى 150 أو حتى 160 دولاراً، وهو رقم لم نشهده منذ عقود.
هذا الوضع يشكل كارثة سوداء على التضخم والأسواق العالمية، خاصة مع توقعات الخبراء في نيويورك تايمز بأن الركود سيحدث حتماً، وأن الانكماش الاقتصادي قد يكون أعمق وأطول أمداً مما نتوقع، حتى لو تم التوصل إلى هدنة في المستقبل القريب.
آسيا الأكثر تضرراً .
الدول الآسيوية هي الأكثر تأثراً بهذه الأزمة، حيث تعتمد اقتصادات اليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا بشكل كبير على النفط الخليجي الذي يعبر مضيق هرمز . ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة تكاليف المعيشة بشكل كبير، وسيضغط على الميزانيات التجارية لهذه الدول، مما قد يسبب أزمات اقتصادية عميقة.
الهند، التي فقدت أحد مواطنيها في هجوم مطار الكويت، هي الأخرى ستشعر بتداعيات الأزمة، حيث تعتمد على النفط الخليجي بنسبة كبيرة . الصين، في المقابل، حرصت على تأمين احتياطي استراتيجي ضخم من النفط الإيراني قبل اندلاع الحرب، مما يجعلها أقل تأثراً نسبياً .
الرد الخليجي: بين التبعية الأمريكية والاستقلالية الاستراتيجية .
الغضب المتصاعد ضد واشنطن .
الخليج يواجه اليوم أزمة ثقة حقيقية مع حليفه التقليدي واشنطن. لماذا؟ لأن الدول الخليجية تتعرض للضرب والدمار نتيجة مغامرات أمريكا العسكرية في المنطقة، بينما ترد واشنطن بتصريحات منفصلة عن الواقع، أو بإعلانات منتصرة عن "صد الهجمات" لا تعكس الأضرار الحقيقية التي لحقت بالبنية التحتية.
الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، دعت إلى رد خليجي مشترك على أي اعتداء إيراني على دولة خليجية، مما يعني ضربات جوية جماعية على إيران. هذا الطرح خطير جداً لأنه سيوسع رقعة الصراع ويُدخل المنطقة كلها في حرب طويلة الأمد، شبيهة بحرب الثماني سنوات بين إيران والعراق. لكنه في نفس الوقت يعكس حالة من اليأس والإحباط من الردود الأمريكية غير الفعالة .
هل حان وقت التحالفات الإقليمية دون أمريكا؟
الموقف الحالي يطرح سؤالاً كبيراً: هل حان الوقت لدول الخليج للتفكير في تحالفات إقليمية لا تعتمد على الغطاء الأمريكي؟ بعض الورق البحثية الإيرانية تتحدث بثقة عن أن التواجد الأمريكي في المنطقة أصبح مؤذياً وغير جدير بالثقة، وأن الخليج يدرك الآن أن أمريكا لم تعد قادرة على قمع خصومها أو إنهاء الاستنزاف الكبير في هذه الحرب .
هذا الإدراك الخليجي المتزايد هو هدف استراتيجي كبير حققته إيران، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى اتفاقيات دفاع مشترك وعدم اعتداء وتعاون اقتصادي وسياسي بين دول الخليج مع بعضها البعض، بدون أي تواجد عسكري أمريكي. هذا السيناريو، الذي كان حلماً قبل سنوات، أصبح الآن احتمالاً واقعياً، خاصة مع استمرار الضربات وتآكل الثقة في الردع الأمريكي.
العامل النووي: السلاح الورقي الذي قد يقلب المعادلة .
إيران على عتبة القنبلة .
الحديث عن الحرب لن يكتمل دون الإشارة إلى الملف النووي، الذي يظل ورقة الضغط الأقوى في يد طهران. تقرير صادر عن نيويورك تايمز يؤكد أن إيران تستطيع امتلاك قنبلة نووية متى شاءت ومتى أرادت، لأنها تمتلك كل الأدوات والتكنولوجيا اللازمة للتخصيب .
القنابل الأمريكية الحالية لا تستطيع الوصول إلى المنشآت النووية المحصنة في أعماق الجبال، وهذه المنشآت ليست فقط في فوردو ونطنز وأصفهان، بل توجد في جبال كثيرة ومعروفة وغير معروفة، وعلى أعماق هائلة. هذا يعني أن القدرة النووية الإيرانية أصبحت حقيقة واقعية لا يمكن لأي ضربة عسكرية انتزاعها من طهران.
ترامب قال في تصريحات سابقة إن إيران "وافقت مسبقاً" على عدم امتلاك سلاح نووي ، لكن التقارير تؤكد أن إيران احتفظت بالعتبة النووية (Nuclear Threshold)، أي القدرة على التخصيب السريع إلى مستويات عسكرية في أي لحظة تشاء. هذا الوضع يشكل كابوساً استراتيجياً لواشنطن وتل أبيب، خاصة مع استمرار الحرب وتنامي التحديات في المنطقة.
تبعات القنبلة الإيرانية على المنطقة .
دخول إيران النادي النووي سيغير الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بشكل جذري. دول الخليج ستضطر إلى إعادة حساباتها بالكامل، وقد تسعى هي الأخرى إلى حلفاء جدد أو إلى برامج نووية خاصة بها. هذا الاحتمال يقلق الجميع، بما في ذلك حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة.
الورقة البحثية الكبيرة في مجلة فورين أفيرز تتحدث عن أن إيران تعيد تشكيل الشرق الأوسط الجديد وفق رؤيتها الخاصة، وهذا يشمل استخدام الردع النووي لحماية نفسها و"أذرعها" في المنطقة . هذا السيناريو المرعب قد يصبح واقعاً خلال سنوات قليلة إذا استمرت الحرب والتوترات الحالية.
انسحاب إسرائيل من لبنان: نهاية نتنياهو السياسية؟
الاستنزاف في المستنقع اللبناني .
حزب الله لم يعد مجرد جماعة مسلحة، بل أصبح قوة ردع حقيقية تمتلك اليد العليا في ميدان المعركة. القوات الإسرائيلية الموجودة في جنوب لبنان تتعرض للاستنزاف بشكل مستمر، في مشهد يذكرنا بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000 ومن غزة عام 2005.
استخدام طائرات الألياف الضوئية بدون طيار (Fiber Optic Drones) التي يصعب اعتراضها، والصواريخ المضادة للدروع التي تخترق التحصينات، والألغام المتطورة، كلها أدوات جعلت المكوث الإسرائيلي في جنوب لبنان مستحيلاً على المدى الطويل .
نتنياهو يدرك تماماً أن الانسحاب من لبنان سيكون نهاية مسيرته السياسية، تماماً كما حدث مع الحكومات الإسرائيلية السابقة التي انسحبت من لبنان. لذلك هو يحاول التلكؤ والتأجيل، ورفع سقف المطالب، وإطالة أمد الحرب، لكن كل هذه المحاولات لا تحل المشكلة المتزايدة في الجنوب اللبناني، والتي تزداد تعقيداً مع كل يوم يمر.
قوة غير متوقعة لحزب الله .
ما يثير الدهشة هو أن كل الضربات الهائلة التي تعرض لها حزب الله، بما في ذلك قطع طرق الإمداد الاستراتيجية واغتيال القادة، لم تؤد إلى إضعافه، بل بالعكس، أصبح اليوم أقوى وأكثر خبرة مما كان عليه قبل الحرب. هذا يؤكد فشل الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في لبنان، ويظهر أن الحل العسكري في هذه المنطقة مستحيل، وأن الحل الوحيد هو سياسي ودبلوماسي.
الضربة الموجعة التي تلقاها حزب الله باغتيال قائده السابق أدت إلى نقلة نوعية في أدائه العسكري، حيث أصبح أكثر لامركزية وأكثر قدرة على المناورة والمباغتة. هذا التطور جعله خصماً أكثر صعوبة مما كان عليه في أي وقت مضى .
من المستفيد من استمرار الحرب؟
قراءة في اللعبة الإقليمية .
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الحرب المستعرة؟ الإجابة ليست بسيطة، لكن يمكننا تحليل المكاسب لكل طرف:
إيران: تحقق مكاسب استراتيجية ضخمة، حيث تعزز مكانتها كقوة إقليمية، وتظهر قدرتها على تحدي الولايات المتحدة، وتوحد الشعب خلف النظام تحت عنوان "المقاومة الوطنية". الهجمات الأخيرة على المدنيين وإن كانت مرفوضة أخلاقياً، إلا أنها أظهرت "العقيدة القتالية الجديدة" التي تقول: "إن ضربتم مدننا، سنضرب مدنكم".
روسيا والصين: المستفيد الأكبر غير المباشر. الحرب تضعف الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة، وترفع أسعار الطاقة مما يعود بالنفع على الاقتصاد الروسي، وتفتح المجال لنفوذ صيني أوسع في منطقة كانت تحتكرها أمريكا. الصين تحديداً استغلت الأزمة لتعزيز علاقاتها مع إيران ودول الخليج على حد سواء .
إسرائيل: المكاسب مؤقتة وخطيرة. تدمير قدرات إيران النووية والعسكرية قد يؤجل التهديد، لكنه يأتي بتكلفة باهظة: استنزاف في لبنان، وتصعيد مع حزب الله، وتوتر مع الحليف الأمريكي. نتنياهو قد يفقد منصبه إذا انسحب من لبنان دون "نصر واضح"، وهو ما يبدو مستبعداً حالياً.
الولايات المتحدة: الخاسر الأكبر بلا منازع. الحرب كشفت هشاشة الردع الأمريكي، وأظهرت عدم قدرة واشنطن على حماية حلفائها أو تأمين المصالح الحيوية (الممرات المائية). استمرار الحرب سيؤدي إلى تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة لصالح الصين وروسيا .
الإعلام كسلاح حاسم .
الميدان الآخر الذي تحسم فيه الحرب هو الميدان الإعلامي، وهنا تمتلك إيران اليد العليا بشكل واضح. وكالات الأنباء الإيرانية تنشر بسرعة مقاطع فيديو وصوراً للضربات، وتظهر "انتصاراتها" وكأنها حدث عادي، بينما الرواية الأمريكية والإسرائيلية تصل متأخرة ومربكة.
الديبلوماسية العامة الإيرانية، كما تصفها ورقة فورين أفيرز البحثية، "ساحقة" (Overwhelming)، حيث تمكنت من توحيد الشارع الإيراني خلف النظام بعد أن كانت هناك انقسامات حادة قبل الحرب. استهداف المدنيين والعقوبات القاسية والتلويح "بتدمير الحضارة الإيرانية" من قبل ترامب، كلها عوامل ساهمت في انتفاضة قومية إيرانية دفعت الشعب للنزول إلى الشوارع تأييداً للنظام لا ضده .
ماذا بعد؟ السيناريوهات المتوقعة للأيام القادمة .
سيناريو التفاؤل: هدنة مؤقتة وفتح جزئي للمضيق .
هذا السيناريو يتطلب تدخلاً دولياً كبيراً، ربما بوساطة صينية أو عمانية، يتم بموجبه التوصل إلى تفاهم على فتح المضيق جزئياً لمرور ناقلات النفط مع ضمانات بعدم الاستهداف. لكن هذا السيناريو يبدو غير مرجح حالياً، خاصة مع تصريحات ترامب غير الواقعية وتصميم إيران على الاستمرار في الضربات طالما استمرت الهجمات على أراضيها.
سيناريو التشاؤم: حرب إقليمية شاملة .
هذا هو السيناريو المرعب الذي يتحدث عنه الجميع. إذا استمرت إيران في استهداف المدنيين والبنية التحتية، وإذا قامت الدول الخليجية بـ "الرد الجماعي" كما تطالب الإمارات، وإذا تدخلت إسرائيل بشكل أوسع في لبنان، فقد نجد أنفسنا أمام حرب جهوية تشمل كامل المنطقة، مع انهيار اقتصادي عالمي وارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية.
هذا السيناريو يصب في مصلحة إيران التي تريد إظهار قدرتها على "تحطيم" الاقتصاد العالمي وتوجيه ضربة قاسية للولايات المتحدة وحلفائها، كما يصب في مصلحة إسرائيل التي تريد تدمير القدرات النووية والعسكرية لإيران قبل أن تصبح "منيعة".
دور المجتمع الدولي .
الأطراف الخارجية تبدو عاجزة ومشتتة. الاتحاد الأوروبي يدعو لتهدئة لكن تأثيره محدود. الصين تنأى بنفسها وتحمي مصالحها. روسيا تدعم إيران لكنها غير معنية بتوسع الحرب. الأمم المتحدة فقدت دورها تماماً.
الوحيدة القادرة على تغيير المعادلة هي الولايات المتحدة نفسها، لكن واشنطن تعاني من شلل في القرار، وترامب يبدو مشغولاً بحساباته السياسية الداخلية وأزماته مع الحلفاء أكثر من كونه قائداً حقيقياً للأزمة.
خاتمة: دروس من معركة الخليج .
الصراع الحالي ليس مجرد حرب عسكرية، بل هو حرب وجودية على مستقبل المنطقة والنظام العالمي بأسره. الدروس المستفادة من الأسابيع القليلة الماضية ستُدرس لعقود قادمة في جميع مراكز الدراسات الاستراتيجية حول العالم.
المتعلم الأول هو أن الردع الأمريكي لم يعد كما كان، وأن القوة العظمى يمكن أن تُهزم باستراتيجيات غير تقليدية وأسلحة غير متكافئة إذا توفرت الإرادة والصبر. هذا الدرس لم يضيع على أعداء أمريكا في جميع أنحاء العالم، الذين سيتحلون بجرأة أكبر في تحدي واشنطن في المستقبل.
المتعلم الثاني هو أن الدول الخليجية تدرك الآن بشكل قاطع أن أمنها لم يعد مضموناً بتحالفاتها الغربية، وأن عليها البحث عن استراتيجيات بديلة، ربما من خلال تحالفات إقليمية أقوى أو من خلال انفتاح أكبر على القوى الصاعدة مثل الصين.
والمتعلم الثالث، وهو الأهم، أن إيران أثبتت أنها قوة لا يمكن ترويضها عسكرياً، وأن أي محاولة لفرض الإرادة عليها عبر القوة ستفشل، وستجر المنطقة والعالم إلى دوامة من العنف والدمار لا نهاية لها في الأفق. الحل الوحيد هو الحل السياسي، لكن يبدو أن الطريق إليه لا يزال طويلاً وشائكاً، ومرصوفاً بالمزيد من الدماء والدمار قبل أن تنتهي هذه المأساة.
روابط مصادر المقال :
مطار الكويت الدولي يستأنف عملياته: تقرير رسمي كويتي يؤكد اعتراض 13 صاروخاً و17 طائرة مسيرة، وسقوط ضحايا بينهم هندي، وإصابة 63 شخصاً
تفاصيل الأضرار في المبنى رقم 1: إعلان كويتي رسمي عن استهداف المطار بطائرات معادية ووصف الهجوم بـ "الإجرامي"
الحرس الثوري الإيراني يعلن مسؤوليته: بيان رسمي من طهران يؤكد استهداف قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين رداً على واشنطن
رواية البنتاغون الرسمية: القيادة المركزية الأمريكية تعلن تنفيذ ضربات جديدة على جزيرة قشم وإسقاط مسيرات إيرانية
التحليلات الجيوسياسية والملاحة في المضيق
لعبة السيطرة على هرمز: تحليل لواشنطن بوست حول "التحكم الذكي" الإيراني والمنافسة الأمريكية على فرض الهيمنة البحرية
أزمة الثقة بين الحلفاء: تقرير يكشف رغبة مسؤولين سابقين في إعلان الخلافات مع نتنياهو علناً خوفاً من جر واشنطن لحرب أوسع
الأزمة اللبنانية الإسرائيلية
خلاف ترامب ونتنياهو: تفاصيل حصرية عن المكالمة المتوترة بين الرئيس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن التصعيد في بيروت ولبنان
