يتيمة وسط المحيط: الجريمة المروعة في قارب الموت .
ماذا تفعل هذه الطفلة وسط المحيط؟ وما السر الخطير الذي تحمله معها؟
في عام 1961، صدمت فتاة صغيرة العالم. كانت صورتها وهي عائمة وحيدة في قارب نجاة صغير وسط المحيط الأطلسي تتصدر الصفحات الأولى للصحف حول العالم. التقط الصورة أحد أفراد طاقم سفينة شحن يونانية عثر على الفتاة بعد أن قضت أربعة أيام في البحر.
كيف وصلت تلك الفتاة إلى وسط المحيط؟ وكيف تمكنت من البقاء على قيد الحياة؟
بقيت قصتها المرعبة طي النسيان لمدة خمسين عاماً، إلى أن قررت أخيراً مشاركتها مع العالم. روت ما واجهته من رعب ومخاوف أدى بها إلى أن تضيع في ذلك المحيط الشاسع.
الرحلة الأخيرة .
الطبيب آرثر دوبرولت وعائلته .
الفتاة الصغيرة تدعى تيري دوبرولت. والدها هو طبيب العيون آرثر دوبرولت، الذي ولد في ولاية ويسكونسن الأمريكية. كان لديه شغف كبير للمياه الاستوائية، وكثيراً ما كان يستذكر المياه الدافئة التي أبحر فيها خلال الحرب العالمية الثانية.
في السنوات التي تلت تسريحه من الجيش، اكتسب الطبيب سمعة جيدة كواحد من أفضل أطباء العيون في مدينة غرين باي. كان الرجل البالغ من العمر 41 عاماً تراوده أحلام بأخذ عائلته في رحلة بحرية إلى جزر البهاما، تلك الجزر الواقعة في المحيط الأطلسي جنوب شرق الولايات المتحدة الأمريكية.
تألفت العائلة من زوجته جين (38 عاماً)، وابنه براين (14 عاماً)، وابنته تيري (11 عاماً)، والابنة الصغرى رينيه (7 سنوات).
بحلول عام 1961، وبعد توفير الأموال اللازمة للرحلة، قرر الدكتور دوبرولت عدم تأجيلها أكثر. أخذ إجازة من عمله، واتخذ الترتيبات اللازمة. أصبحت العائلة مستعدة لتحقيق هذا الحلم، بعيداً عن شتاء ويسكونسن القاسي. أرادوا التمتع بإجازة بحرية لمدة أسبوع على سطح البحار المغمورة بالشمس. كانت هذه رحلة العمر بالنسبة لهم.
استئجار المركب الشراعي .
توجهت العائلة إلى فلوريدا لاستئجار أحد المراكب الشراعية في مدينة فورت لودرديل. وجدوا ما كانوا يبحثون عنه: مركب شراعي يدعى "بلوبيل"، بقيادة القبطان جوليان هارفي البالغ من العمر 44 عاماً. كان برفقته زوجته ماري دين هارفي (34 عاماً)، وهي كاتبة طموحة ومضيفة طيران. لم يمض على زواجهما سوى أربعة أشهر فقط.
بدأت الرحلة بهدوء. استمتع الجميع بأوقاتهم بالغوص في المياه والجلوس تحت أشعة الشمس. كانت الأمور تسير على ما يرام. وبعد انقضاء الأسبوع، قررت عائلة دوبرولت العودة إلى الولايات المتحدة.
لكن في 12 نوفمبر، في منتصف تلك الليلة وأثناء رحلة العودة، حدث شيء رهيب. قُتل جميع أفراد عائلة دوبرولت بالإضافة إلى زوجة القبطان هارفي.
العثور على القبطان هارفي .
في صباح اليوم التالي، عثرت ناقلة نفط على القبطان هارفي في زورق نجاة. كان برفقته جثة أصغر أبناء عائلة دوبرولت، الطفلة رينيه. كانا ينجرفان مع التيار في وسط المحيط.
بعد إنقاذه، عاد هارفي إلى ميامي في فلوريدا، حيث خضع لتحقيق رسمي من قبل خفر السواحل الأمريكي. طلب منه المحققون أن يخبرهم ما الذي حدث في تلك الليلة.
رواية هارفي للمحققين .
أخبر هارفي المحققين أنه بحلول الساعة الحادية عشرة مساء تلك الليلة، هبت عاصفة قوية. تسببت قوة الأمواج المندفعة في تحطم الصاري الرئيسي للمركب. سقوط الصاري أدى إلى اختراق سطح المركب وحدوث انفجار في أنابيب الوقود في غرفة المحرك، مما تسبب في نشوب حريق هائل.
قال هارفي إن الجميع كان في حالة ذعر شديد، وحاول هو إطفاء النيران. تراجع الجميع إلى الخلف، وبدأت المياه تتسرب إلى المركب. استطاع هارفي الوصول إلى قارب النجاة والقفز إليه. حاول إنقاذ الآخرين لكنه لم ير أحداً بسبب الظلام. لكنه تمكن من رؤية الطفلة رينيه طافية فوق المياه قريباً منه، فانتشلها قبل أن يغرق المركب ويختفي في أعماق المحيط.
أضاف هارفي أنه حاول إنعاش الطفلة، لكن بعد فوات الأوان. كانت قد توفيت.
استنفر خفر السواحل كل الجهود للبحث عن الجثث التي غرقت في المحيط، لكن لم تسفر الجهود عن أي نتائج. لم يُعثر على أي أثر لأفراد عائلة دوبرولت أو زوجة القبطان.
تيري: الطفلة التي تحدت المحيط .
كانت تيري دوبرولت تبلغ من العمر 11 سنة فقط عندما وجدت نفسها تائهة في المحيط الأطلسي. بقيت تائهة أربعة أيام كاملة في الماء، وسط أسماك القرش والأمواج التي يصل ارتفاعها من 3 إلى 30 متراً.
لم يكن معها أكل ولا شرب، ولا حتى مظلة تحميها من الشمس والمطر. في قلب المحيط، لا أحد قادر على الوصول إليها، ولا أحد يعرف أنها لا تزال على قيد الحياة.
في أحد الأيام، رأت تيري طائرة تحلق فوقها في السماء. صرخت بأعلى صوتها، وخلعت بلوزتها وحاولت التلويح بها نحو الطائرة، لعل أحداً يراها. لكن لم يرها أحد. وكان ذلك طبيعياً، لأن لون عوامة النجاة ولون ملابسها كان أبيض. واللون الأبيض في البحر يُرى من بعيد كأنه موجة عائمة على سطح الماء.
مر اليوم تلو الآخر. تيري لا تشرب ولا تأكل، ولا تستطيع حماية نفسها من الشمس. كانت النتيجة أن جسدها بدأ ينهار، وجلدها بدأ يتحرق، وعيناها بدأتا تضلمان. بدأت تفقد الوعي.
لحظة الإنقاذ .
عندما شعرت تيري بمن يرفعها من العوامة، اعتقدت أنها ماتت أو أنها تحلم. من الذي سيرفعها على يديه من قلب المحيط؟
لكنها لم تكن ميتة ولا تحلم. سفينة يونانية كانت تمر في المحيط بالصدفة. أحد الركاب نظر إلى الماء ورأى منظراً لم يصدقه: طفلة صغيرة نائمة على عوامة على سطح الماء.
بسرعة، أبلغ الركاب القبطان، الذي أمر بإطفاء محركات السفينة. نزل قارب صغير يحمل مجموعة من البحارة. أنقذوا البنت وأصعدوها إلى السفينة. حاولوا إفاقتها، لكنها كانت فقط تفتح عينيها وتغلقهما، وتنطق بكلام غير مفهوم ثم تسكت. كانت تحرك يديها كأنها تشير إلى شيء تراه هي وحدها، ثم تغيب عن الوعي مرة أخرى.
أبلغ القبطان خفر السواحل الأمريكية، الذين أرسلوا طائرة هليكوبتر لنقل البنت إلى أقرب مستشفى.
اعترافات تيري .
بعد أن بدأت تيري تستفيق وتستوعب ما حدث، سألها المحققون سؤالاً واحداً فقط: "ماذا حدث لك؟ من فعل بك هذا؟"
وهنا، بدأت تيري تحكي قصتها من البداية.
حكت عن بيتها الهادئ في مدينة غرين باي. عن أبيها الطبيب الذي كان يدخر طوال عام كامل مع زوجته لتحقيق حلم الرحلة البحرية. عن إيجارهم للمركب "بلوبيل" الذي كان إيجاره اليومي 100 دولار. عن البحار جوليان هارفي، الطيار السابق في الحرب العالمية الثانية، والذي خدم في جزر البهاما، فبدا لهم مرشداً سياحياً وحارساً شخصياً في آن واحد. عن زوجته التي عرضت الطبخ لهم على متن المركب بأجر إضافي، فوافق الأب ليدلل أولاده ويجعل الرحلة لا تنسى.
بدأت الرحلة يوم الأربعاء 8 نوفمبر 1961. لمدة أربعة أيام كاملة، عاشت الأسرة أسعد أيام حياتها: لعب وغطس وفسح على الجزر.
ثم جاء اليوم الخامس، آخر أيام الرحلة.
ما حدث في تلك الليلة .
تيري تعبت من كثرة اللعب، فنزلت إلى غرفتها في أسفل المركب لتنام. وبقي على ظهر المركب أبوها وأمها وأخواها مع البحار وزوجته.
لم تمض سوى دقائق قبل أن تستيقظ تيري مذعورة على صوت أخيها براين وهو يصرخ وينادي والده.
صعدت تيري مسرعة إلى سطح المركب. وهناك، رأت مشهداً لن تنساه ما حييت. أبوها وأمها وأخواها غرقان في دمائهم. والبحار كان ممسكاً ببندقية صيد، يحاول فك قارب النجاة لينزله إلى الماء.
عندما رآها البحار، ركض نحوها، وضربها بمقبض البندقية، ثم صرخ بها. حملها من الأرض ونزلها بالقوة إلى أوضتها.
تيري كانت في حالة صدمة كاملة. لم تكن تستوعب ما رأته. هل كان كابوساً أم حقيقة؟ أبوها وأمها وأخواها قُتلوا؟ لكنها تركتهم قبل عشر دقائق فقط وهم يلعبون ويضحكون.
من قتلهم؟ هل هو البحار الذي كان يلعب معهم طوال أربعة أيام؟
ولماذا لم يقتلها معهم؟ ولماذا أنزلها إلى أوضتها مرة أخرى؟
أم أن هناك شخصاً آخر هو من قتلهم، والبحار كان يدافع عنهم ببندقيته؟ وعندما رآها، خاف عليها وحاول إنقاذها، فنزلها إلى أوضتها ليحميها؟
لم تكن تيري قادرة على التفكير ولا على استيعاب ما يحدث.
الغرق .
لم تمر دقائق حتى اهتزت السفينة بقوة. بدأت المياه تتسرب إلى غرفة تيري. السفينة كانت تغرق.
وقفت تيري متجمدة في مكانها لثوان، حتى وصل الماء إلى نصف جسدها. صحيح أن البحار قال لها ألا تخرج من غرفتها، لكنها لو بقيت واقفة، ستموت غرقاً. فصعدت مرة أخرى إلى سطح السفينة.
الدماء لا تزال تغطي السطح، لكن أباها وأمها وأخويها اختفوا جميعاً. ألقى بهم أحدهم في الماء؟
أين البحار وزوجته؟
نظرت تيري إلى كابينة البحار، فرأت زوجته مقتولة أيضاً وغارقة في دمائها. وعندما خرجت من الكابينة، رأت البحار ينزل قارب النجاة إلى الماء. كان واقفاً حائراً، كأنه يبحث عن شيء.
نادته تيري وسألته: "أين أمي؟"
هذه المرة، لم يصرخ البحار في وجهها. بل طلب منها أن تمسك الحبل المربوط بقارب النجاة، بينما يدخل الكابينة ليحضر شيئاً ويعود إليها.
أمسكت تيري الحبل وهي مرعوبة ومرتجفة.
دخل البحار الكابينة وخرج. لكنه فوجئ بأن الحبل سقط من يد تيري، وقارب النجاة بدأ يبتعد عنهما في الماء.
نظر البحار إلى تيري وهو حائر، كأنه يحاول اتخاذ قرار سريع بشأن شيء لا تفهمه هي. فجأة، تركها واقفة في مكانه، وقفز إلى الماء. سبح حتى وصل إلى قارب النجاة، ثم اختفى في الظلام وسط أمواج المحيط.
العوامة .
وقفت تيري على سفينة تغرق بالدماء، تغرق في المحيط الأطلسي. فتاة في الحادية عشرة من عمرها، لا تعرف ماذا تفعل أو كيف تتصرف.
ثم وقعت عيناها على العوامة. تلك العوامة التي كان والدها يعلمها باستمرار كيفية استخدامها في حالات الخطر. علمها كيف تفكها من على المركب وتلقيها في الماء، ثم كيف تدخل داخلها حتى لا تغرق.
كانت هذه آخر ما علمها إياه والدها قبل أن يموت. وكأنه كان يشعر أنها ستحتاج إليها.
تحركت تيري بسرعة نحو العوامة، وأخذتها وألقتها في الماء. ثم قفزت هي أيضاً إلى الماء، وسبحت حتى وصلت إليها. واحتضنتها.
لم يبقَ مع تيري في قلب المحيط الأطلسي سوى هذه العوامة. احتضنتها وكأنها كل ما تبقى لها في الدنيا.
حجم المحيط .
المحيط الأطلسي يمتد من المحيط المتجمد الشمالي وصولاً إلى القارة القطبية الجنوبية. مساحته 106 ملايين كيلومتر مربع، أي أنه يغطي 22% من كوكب الأرض. عمقه 3646 متراً تحت سطح الماء. وفي هذا المحيط يقع خندق بورتوريكو، الذي يصل عمقه إلى 8376 متراً تحت سطح الماء، وهو أحد أعمق الأماكن على وجه الأرض.
يشتهر المحيط الأطلسي بكثرة الأسماك المفترسة، مثل القرش الأبيض الكبير (أكبر سمكة مفترسة في العالم)، والقرش النمر، والقرش الثور، والأسماك العظمية المفترسة، وسمك السيف.
هذا هو المحيط الذي كانت تطفو فيه تيري. وحدها. عمرها 11 سنة.
القبطان هارفي بين النجاة والكشف .
رحلة هارفي بعد الهروب .
البحار هارفي لم يكن في حالة أفضل من تيري، لكنها كانت أفضل بكثير. كان على متن قارب نجاة مجهز بالأكل والشرب والعلاج. لكنه، مثلها، كان تائهاً.
الغريب أنه وهو يحاول الهرب، حاول إنقاذ أخت تيري الصغرى رينيه (7 سنوات). أخذها معه على قارب النجاة، رغم أنها كانت قد ماتت بالفعل. وبالرغم من موتها، رفض أن يتركها في الماء، وحملها معه ليحمي جثتها من الأسماك المفترسة.
بقي هارفي تائهاً في المحيط الأطلسي لمدة 24 ساعة كاملة. ثم قابلته سفينة كبيرة محملة بالنفط. أطلق إشارات ضوئية نحو السماء فرآه طاقم السفينة. اقتربوا منه وأنقذوه.
ما جعل ركاب السفينة يتعاطفون معه أكثر هو الطفلة الصغيرة التي كانت معه. بنت في السابعة من عمرها، شعرها أحمر كالقمر، لكنها كانت ميتة.
تمثيل دور الضحية .
سأله المنقذون: "ماذا حدث لك؟ هل معك أحد آخر ننقذه؟"
قال هارفي: "لا، ليس معي أحد. كنت قبطان مركب سياحي، وكان معي زوجتي وأسرة كاملة أبحر بهم في جزر البهاما. لكن في آخر أيام الرحلة، ظهرت عاصفة قوية. كسرت سارية المركب، وسقطت على خزان الوقود وكسرته. حدث انفجار وحريق كبير. الحريق قتل زوجتي وكل أفراد الأسرة. الوحيدة التي تمكنت من إنقاذ جثمانها هي هذه الطفلة الصغيرة. أسرتها كلها غرقت في البحر. حتى زوجتي، لم أجدها أيضاً، غرقت في البحر".
عندما نطق اسم زوجته، انهار باكياً، وبدأ يقول كلاماً غير مفهوم. بدا وكأنه فقد عقله من شدة الحزن على زوجته. كان واضحاً أنه أحبها كثيراً.
تعاطف معه ركاب السفينة وطلبوا له خفر السواحل. أرسل خفر السواحل مروحية نقلته إلى أقرب مستشفى على السواحل الأمريكية.
هناك، سأله المحققون نفس الأسئلة، فأجاب بنفس الإجابات.
الشكوك تبدأ .
سأله المحققون: "لديك مسدس إشارات ضوئية، لماذا لم تستخدمه عندما ضربت العاصفة السفينة؟ لماذا لم ترسل نداء استغاثة عبر جهاز الإرسال؟ لم نتلق منك أي نداء. وأخبرنا أين غرقت السفينة بالضبط لنذهب ونحاول إنقاذ أي شخص آخر."
رد هارفي: "لم أضرب إشارات ضوئية لأنني كنت أحاول إنقاذ الركاب. والسفينة غرقت بسرعة. كان أمامي خياران: إما أن أذهب إلى الكابينة لأبحث عن المسدس، وفي هذه الحالة لن أنقذ أحداً ويموت الجميع، أو أحاول إنقاذهم بنفسي حتى لو لم أستطع إرسال إشارات. أما جهاز الإرسال فاحترق مع النار التي اندلعت في المركب. لم يكن لدي أي وسيلة لإرسال نداء استغاثة".
صدق جميع الضباط الأمريكيين روايته. باستثناء ضابط واحد فقط.
لماذا شك هذا الضابط؟ لستة أسباب:
السبب الأول: كيف قررت تجاهل الإشارات الضوئية لتجد وقتاً لإنقاذ الركاب، ومع ذلك لم تنقذ أحداً؟
السبب الثاني: كيف كنت مشغولاً بمحاولة إنقاذ الركاب؟ وكيف عرفت أن جهاز الإرسال احترق؟ جهاز الإرسال موجود بجانب مسدس الإشارات الضوئية. لو وصلت إلى جهاز الإرسال وعرفت أنه تالف، كان بإمكانك أن تمد يدك وتأخذ المسدس وتطلق إشارات في السماء. أي سفينة تمر بالقرب كانت ستراك وتنقذك أنت وجميع الركاب.
السبب الثالث: ما علاقة الحريق بموت جميع الركاب؟ السفينة تحترق، حسناً. لكن لماذا لم يقفز الركاب إلى الماء؟
السبب الرابع: كيف لم يكن لديك وقت لإحضار مسدس الإشارات الضوئية، بينما كان لديك وقت لتفك قارب النجاة وتركبه وحدك وتترك بقية الركاب؟
السبب الخامس: كيف يمكن لبحر وطيار خدم في الحرب العالمية الثانية وقضى معظم خدمته في جزر البهاما أن لا يستطيع تحديد المكان الذي غرقت فيه السفينة، حتى نتمكن من فحصها والتأكد من أن عاصفة جوية هي التي ضربتها وكسرت ساريتها وأحرقتها قبل أن تغرق؟
السبب السادس: هذه كانت معلومة يعرفها هذا الضابط وحده عن البحار، ولا يعرفها باقي الضباط.
السر المظلم لجوليان هارفي .
ما هي المعلومة التي كان يعرفها ذلك الضابط؟
تبين أن جوليان هارفي لم يكن متزوجاً من ماري دين فقط. هذه كانت زوجته السادسة. وفي كل مرة، كانت زوجته تموت بطريقة مختلفة.
في إحدى المرات، كان يقود سيارته مع زوجته وحماته. وفجأة، زاد سرعته وهو يصعد جبلاً، ثم فتح باب السيارة وقفز منها قبل أن تسقط السيارة من الجبل وتموت زوجته وحماته.
في حادثة أخرى، كان قبطاناً لسفينة سياحية. قرر أن يقترب بسفينته من حطام سفينة أخرى معروف في البحر. كبار البحارة فقط كانوا يعرفون مكان هذا الحطام، وكانوا دائماً يحذرون بعضهم من الاقتراب منه. لكن هارفي كان الوحيد الذي قرر الاقتراب، حتى اصطدمت سفينته بالحطام وغرقت بمن عليها. نجا هو وحده.
حوادث كثيرة كهذه، وهو دائماً الناجي الوحيد.
الجشع والدافع .
لماذا كان يفعل ذلك؟
من أجل مبلغ التأمين. تأمين السفينة التي تغرق، وتأمين الزوجات اللواتي يقتلن.
في كل مرة يتزوج فيها هارفي، كان هو من يذهب ليؤمن على حياة زوجته. لم يكن يؤمن على حياته، بل على حياة زوجته. وبالصدفة العجيبة، في كل مرة، كانت الزوجة هي التي تموت وهو الذي يعيش. وفي كل مرة، كان يقبض 20,000 دولار، قيمة مبلغ التأمين.
زوجته السادسة، ماري دين، كانت مضيفة طيران، تؤلف الروايات وتكتب الكتب. بمجرد زواجه منها، أخذ لها وثيقة تأمين على الحياة: إذا تعرضت لأي حادث وماتت بسببه، سيحصل على تعويض قيمته 20,000 دولار.
هذا ما كان يعرفه ذلك الضابط. لكن حتى هذه اللحظة، لم يكن هناك دليل قاطع على أنه هو من قتل زوجاته، أو أنه هو من قتل عائلة دوبرولت.
الاعتراف الأخير .
عندما علم هارفي بنجاة تيري .
تذكر الخطاب الذي كتبه هارفي لصديقه قبل أن ينتحر؟
عندما علم هارفي أن خفر السواحل أنقذ تيري من المحيط الأطلسي، أدرك أن اللعبة انتهت. البنت ستحكي كل ما رأته، وسيتم القبض عليه ومحاكمته. إما أن يعدم، أو يقضي ما تبقى من عمره في السجن.
دخل أول فندق صادفه على الطريق. استأجر غرفة. كتب خطاباً اعترف فيه بكل جرائمه. ثم طلب من صديقه طلباً واحداً فقط: أن يعتني بابنه الوحيد، الذي كان عمره 14 سنة.
بعد ذلك، دخل الحمام وانتحر.
الغريب في الاعتراف .
الغريب في الخطاب أنه بالرغم من اعترافه بكل الجرائم التي ارتكبها، لم يعتذر عن أي جريمة منها. حتى الجريمة الأخيرة التي انكشف بسببها، لم يعتذر عنها. اكتفى بسرد تفاصيلها.
اعترف بأنه خطط لقتل زوجته ماري دين منذ اليوم الأول لتزوجهما. ولهذا السبب أخذ لها بوليصة تأمين على الحياة. وعندما عرض عليه الدكتور دوبرولت رحلة إلى جزر البهاما، قرر أن هذه هي الفرصة المناسبة ليتخلص من زوجته ويقبض مبلغ التأمين.
على الرغم من أن ماري كانت تعمل كمضيفة طيران وتكتب الروايات، إلا أنه أقنعها بالمجيء معه في الرحلة. قال لها: "ألست تقدمين الطعام للناس على متن الطائرة؟ تعالي قدميه على المركب. إنها فرصة لنتفسح معاً خمسة أيام كاملة ونستمتع".
وافقت ماري، وجاءت معهم.
تفاصيل الجريمة كما اعترف بها .
في الأيام الأربعة الأولى، كان الجميع سعداء. في اليوم الخامس، قرر هارفي تنفيذ خطته.
لكن أثناء محاولته قتل زوجته، قاومت وصرخت بأعلى صوتها. وعندما شعر أن الدكتور دوبرولت سمع الصراخ واقترب من الكابينة ليرى ما يحدث، أطلق النار على زوجته ليقتلها بسرعة.
الدكتور دوبرولت، عندما رأى ما يحدث، حاول الاشتباك مع هارفي. لكن هارفي أطلق النار عليه وقتله.
زوجة الدكتور دوبرولت حاولت إنقاذ زوجها، فأطلق عليها النار وقتلها أيضاً.
بدأ الأطفال يصرخون عندما رأوا ما يحدث. فقرر هارفي أنهم يجب أن يموتوا جميعاً، وأن يغرق المركب ليخفي جريمته.
أما تيري، التي نجت، فيقول في اعترافه إنه لم يقتلها لأنه كان متأكداً أنها ستموت حتماً. فتاة في الحادية عشرة من عمرها على متن مركب يحترق ويغرق في قلب المحيط الأطلسي، لا يمكنها النجاة. فتركها ومضى.
أما جثة رينيه، أخت تيري الصغرى، فأخذها معه كتمويه. أراد أن يخلق قصة درامية تجعل الناس يصدقونه. أراد أن يظهروا بمظهر الرجل الطيب الذي لا يستطيع حتى أن يترك جثة طفلة في البحر. هذه هي القصة التي حاول أن يبيعها للناس.
وفعلاً، صدقه الناس في البداية. ركاب السفينة التي أنقذته صدقوا قصته وتعاطفوا معه. حتى الضباط الأمريكيين صدقوه جميعاً، باستثناء ذلك الضابط الوحيد الذي كان يتابع قضاياه السابقة.
في ستينيات القرن الماضي، لم تكن الأمور كما هي اليوم. الأدلة قد تكون موجودة وواضحة، لكن متابعة القضية كانت صعبة. من كان سيبحث عن مركب غارق في قاع المحيط الأطلسي؟ العالم كان لا يزال يخرج من ويلات الحرب العالمية الثانية.
لكن الله شاء أن تبقى تيري على قيد الحياة. شاء أن ينجيها من البحر، ومن أسماك القرش، ومن الجوع والعطش والشمس. شاء أن يرسل لها سفينة كاملة لتنقذها وتشهد على ما رأته. ثم شاء أن يشرب القاتل من نفس الكأس التي سالت منها دماء أسرته، وأن ينتحر بيده.
مذكرات تيري دوبرولت .
الصورة التي التقطت لتيري عندما أنقذتها السفينة اليونانية، وهي على عوامة النجاة البيضاء، أصبحت لاحقاً غلاف مذكراتها التي كتبتها بعنوان "وحيدة في المحيط الأطلسي".
كتبت تيري في مذكراتها كل ما حدث. بدءاً من البيت الهادئ في غرين باي، إلى الأيام السعيدة على متن المركب، إلى لحظة اكتشافها ليلة المذبحة، ثم أيامها الثلاثة التي قضتها وحيدة فوق الأمواج.
لم تكن تيري مجرد ضحية صامتة. لقد قررت بعد خمسين عاماً أن تروي قصتها بنفسها، وأن تكون صوتاً لمن صمتوا إلى الأبد.
الدروس المستفادة .
كل ما حدث في تلك القصة يعلمنا ثلاثة دروس مهمة:
الدرس الأول: لا تأمن لأحد بشكل أعمى .
قد يكون الشخص الذي أمامك لطيفاً، وسيماً، ومحترفاً، وحاصلاً على أوسمة تقديرية. لكن خلف كل ذلك قد يختبئ وحش لا تدركه إلا بعد فوات الأوان.
جوليان هارفي كان بطلاً حربياً، طياراً متميزاً، قبطاناً محترفاً. لكنه كان أيضاً قاتلاً متسلسلاً يرى في الناس مجرد أرقام في بوالص تأمين.
الدرس الثاني: الجزاء من جنس العمل .
تظن أنك ستنجو بجرائمك؟ أين ستذهب من الله؟
المحيط الأطلسي الذي تصل نسبة النجاة فيه إلى ما يقرب من الصفر. ومع ذلك، أنجى الله منه طفلة في الحادية عشرة من عمرها. أسماك القرش كانت تحيط بها ولم تستطع الاقتراب منها. الأمواج التي تحطم السفن وتغرقها لم تقترب منها. الشمس والماء المالح والجوع والعطش، لم يستطع أي منها أن يؤذيها.
من الذي حفظها؟ الله وحده.
الدرس الثالث: ثق بالله، فهو وحده القادر على رد الظلم
مهما كانت قوة خصمك، وسلطانه، ونفوذه، ومكره، فالله بالمرصاد.
قصة سيدنا يوسف خير دليل. عندما ألقاه إخوته في الجب، ماذا قال الله له؟ "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون".
ظن إخوته أنهم تخلصوا منه إلى الأبد. لكن السنين مرت، وإخوة يوسف هم أنفسهم من جاء إليه يطلبون العون. قالوا له: "يا أيها العزيز، مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، إن الله يجزي المتصدقين".
لا تخف أبداً، طالما أن الله معك.
الخاتمة
تيري دوبرولت لم تمت في المحيط. لم تمت من الجوع أو العطش أو حروق الشمس أو هجمات أسماك القرش. عاشت. وعندما كبرت، تزوجت وأنجبت أطفالاً. وبقيت صامتة خمسين عاماً، ثم قررت أن تتكلم.
في عام 2010، نشرت مذكراتها "وحيدة: يتيمة في المحيط"، وأخبرت العالم بالحقيقة كاملة.
أما الإرث الأعظم الذي تركته تيري للعالم، فهو تغيير لون عوامات النجاة. قبل قصتها، كانت العوامات بيضاء اللون، وهو لون لا يرى في عرض البحر. بعد قصتها، غيرت خفر السواحل في العالم لون عوامات النجاة إلى اللون البرتقالي المائل للأحمر، لأنه اللون الأكثر وضوحاً في البحر، ويمكن رؤيته من بعيد ومن الجو.
اليوم، عندما ترى عوامة نجاة برتقالية على أي شاطئ أو على أي سفينة، تذكر أن لونها تغير بسبب فتاة صغيرة تدعى تيري دوبرولت، رفضت أن تموت، واختارت أن تحكي قصتها للعالم.



