فضيحة شارون تتكرر؟ لا.. هذه المرة إسرائيل تسرق الليطاني وتحتل القلعة.. ولبنان يدفع الثمن .

 سرقة نهر الليطاني: كيف حققت إسرائيل حلم ديفيد بن غوريون بعد 80 عاماً من المحاولات الفاشلة؟

سرقة نهر الليطاني على يد إسرائيل 2026، تفاصيل احتلال قلعة الشقيف من قبل الجيش الإسرائيلي، قصة فضيحة أرييل شارون في قلعة بوفورت عام 1982 عندما حارب 1200 جندي إسرائيلي 30 مقاتلاً فلسطينياً لمدة 4 أيام، حلم ديفيد بن غوريون من مؤتمر بازل 1897 بجعل نهر الليطاني الحدود الشمالية لإسرائيل، اعترافات ليفي إشكول بسرقة المياه الإسرائيلية، كيف عبرت الدبابات الإسرائيلية نهر الليطاني عام 2026 لأول مرة منذ اجتياح 1982، سرقة إسرائيل لمياه الأنهار اللبنانية وتحويلها إلى مستوطنات الجليل، ماذا حدث لحزب الله بعد اغتيال حسن نصر الله وتفجير أجهزة البيجر، تحليل المخطط الإسرائيلي المكون من خمس نقاط الذي كشفته صحيفة هآرتس ويديعوت أحرونوت، مرونة إيران المفاجئة في الملف النووي بسبب الضربات على حزب الله، الخلاف المصطنع بين ترامب ونتنياهو حول الحرب على لبنان، الحكومة اللبنانية تقدم تنازلات غير مسبوقة لإسرائيل تحت وطأة الحرب، نهر الليطاني أهم مصدر مائي في لبنان بطول 170 كيلومتراً ومعدل تدفق 1.4 مليار متر مكعب سنوياً، لماذا تعتبر قلعة الشقيف موقعاً استراتيجياً بامتياز بارتفاع 700 متر فوق سطح البحر، كيف فشلت إسرائيل في احتلال القلعة عامي 1978 و1982 ثم نجحت عام 2026، حرب الممرات الإسرائيلية والطريق البري من الهند إلى أوروبا عبر فلسطين ولبنان وسوريا وتركيا، استنزاف الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بين 1982 و2000 وخسائر فادحة، تحليل جيوسياسي شامل لأحداث لبنان وسوريا والصراع الإسرائيلي الإيراني، مدونة THOUGHTS للتحليل السياسي والاستراتيجي، عرب وعروبة ومستقبل الأمة في مواجهة المخططات الصهيونية، هل سينهار حزب الله أم سيعود أقوى، جنوب لبنان من احتلال إلى احتلال، القصة الكاملة لسرقة مياه الشرق الأوسط.


سرقة نهر الليطاني على يد إسرائيل 2026،
سرقة نهر الليطاني على يد إسرائيل 2026،

في مشهد بدا وكأنه مأخوذ من فيلم سياسي مشوق، تمكن الجيش الإسرائيلي خلال الأيام القليلة الماضية من تحقيق إنجاز ظل حلماً يراود مؤسسي دولة الاحتلال منذ نهاية القرن التاسع عشر. قوات الاحتلال لم تكتفِ بعبور نهر الليطاني لأول مرة منذ اجتياح 1982، بل استولت أيضاً على قلعة الشقيف الاستراتيجية التي أذلت أرييل شارون قبل 44 عاماً وجعلته أسطورة فشل عسكري. هذه التطورات المتسارعة تطرح أسئلة مصيرية: كيف حدث كل هذا؟ ولماذا الآن تحديداً؟ وأين دور المقاومة اللبنانية وايران في كل هذه المعادلة؟

قلعة الشقيف: حصن الصمود الذي تحول إلى كابوس إسرائيلي .

موقع استراتيجي بامتياز .

قلعة الشقيف، أو "بوفورت" كما يطلق عليها الغرب، تقف شامخة على ارتفاع 700 متر فوق سطح البحر في منطقة النبطية بجنوب لبنان. بناها الصليبيون منذ حوالي 900 عام، وأطلقوا عليها اسم "الحصن الجميل" بالفرنسية القديمة. لكن جمالها الخارجي يخفي أهمية عسكرية بالغة جعلتها هدفاً إسرائيلياً منذ اللحظة الأولى لقيام دولة الاحتلال.

ما يجعل هذه القلعة ثمينة جداً في المعادلة العسكرية هو أنها تشكل برج مراقبة طبيعياً لا يضاهى. من على قمتها، تستطيع القوات الكاشفة رصد كل تحركات المقاومة في جنوب لبنان وصولاً إلى الجليل الأعلى وهضبة الجولان المحتلة. بل إنها تطل على نهر الليطاني نفسه، شريان الحياة المائي الذي طالما حلم الصهاينة بسرقته. لذلك، حين وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس السيطرة عليها بأنها "نقطة تحول دراماتيكية في الحرب ضد حزب الله"، لم يكن يبالغ على الإطلاق.

فضيحة شارون التي لا تُنسى .

لنفهم حجم الإنجاز الإسرائيلي الحالي، يجب أن نعود بالزمن إلى عام 1982. كان أرييل شارون يشغل منصب وزير الدفاع، وقرر شن حرب واسعة على لبنان تحت ذريعة "إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية". احتلال قلعة الشقيف كان أحد الأهداف المركزية لتلك الحرب.

حشد الجيش الإسرائيلي أكثر من 1200 جندي وضابط مزودين بالدبابات والمدرعات والطائرات المقاتلة. اندفعوا نحو القلعة التي لم يكن يدافع عنها سوى 30 مقاتلاً فقط من المقاومة الفلسطينية. المقاتلون الثلاثون لم يكونوا يملكون أسلحة متطورة ولا دبابات ولا طائرات. كان معهم فقط بنادقهم وعبواتهم الناسفة وإيمانهم بالقضية.

المذهل أن هؤلاء الثلاثين صمدوا لمدة أربعة أيام كاملة، مستنزفين القوات الإسرائيلية وأحدثوا فيها خسائر فادحة أوقفت تقدمهم مراراً وتكراراً. وعندما تمكن الجيش أخيراً من اقتحام القلعة، ولم يتبق منها سوى أنقاض، حدثت المفاجأة. القوات الإسرائيلية اكتشفت أن المقاومة التي قاتلتها طوال هذه الأيام لم تكن سوى هؤلاء الثلاثين رجلاً فقط.

انتشر الخبر في إسرائيل كالنار في الهشيم وتحولت القلعة إلى فضيحة مدوية طاردت شارون طوال حياته السياسية. كيف لجيش بكل هذه الإمكانات أن يقف عاجزاً أمام 30 مقاتلاً؟ كيف استمرت المعركة أربعة أيام كاملة بهذا التفاوت الجنوني في القوات؟ قلعة الشقيف أصبحت رمزاً للفشل الإسرائيلي، ودرساً في المقاومة لا ينسى.

من احتلال إلى احتلال .

بالرغم من الفضيحة، ظلت القلعة تحت السيطرة الإسرائيلية من عام 1982 حتى عام 2000. خلال هذه الفترة الطويلة، تعرضت الحامية العسكرية الموجودة فيها يومياً لكمائن وعبوات ناسفة أودت بحياة العديد من الجنود والضباط. لم تكن هناك لحظة راحة أو أمان لمن كانوا متمركزين هناك، لأن المقاومة كانت تضربهم في كل وقت وحين.

عندما قرر رئيس الوزراء إيهود باراك الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، اتخذ قراراً جباناً لم يسبق له مثيل. قبل أن يغادر، أمر بتفخيخ القلعة بكميات هائلة من المتفجرات، وفجّرها عن بُعد بعد انسحاب آخر جندي. انهارت أجزاء كبيرة من هذا الصرح التاريخي الذي عمر 900 عام، وتحولت إلى أكوام من الحجارة المتناثرة. كان هذا تدميراً متعمداً لمعلم حضاري، ورسالة كراهية واضحة لكل من تسول له نفسه مقاومة الاحتلال.

لكن حزب الله، الذي تأسس في نفس العام 1982، لم ينتظر طويلاً. استعاد السيطرة على ما تبقى من القلعة، وحولها إلى موقع عسكري ومرصد هام. رفع علم الحزب على أنقاضها، وأعلن أن المقاومة باقية حتى تحرير كل شبر من الأرض اللبنانية.

والآن، في عام 2026، رُفع العلم الإسرائيلي مجدداً فوق ما تبقى من قلعة الشقيف. وزير الدفاع كاتس قال في تصريح متلفز: "أبطالنا استولوا على بوفورت مرة أخرى، وسيبقون هناك كجزء من المنطقة الأمنية في لبنان". السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستتكرر تجربة 1982-2000، أم أن هذه المرة مختلفة؟

ملاحظة مهمة: المقارنة بين احتلال 1982 واحتلال 2026 تظهر فارقاً حاسماً في ميزان القوى. قبل 44 عاماً، كان 30 مقاتلاً فقط يقفون في وجه الجيش الإسرائيلي لأربعة أيام كاملة. اليوم، بعد الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله - تفجير أجهزة البيجر، اغتيال حسن نصر الله، تدمير مخازن الصواريخ، اختراق شبكات الاتصالات - استطاعت إسرائيل احتلال القلعة في وقت قياسي وبمقاومة محدودة جداً. هذا التحول الجذري يوضح حجم الضربة الموجعة التي تلقاها التنظيم.

عبور الليطاني: حلم الصهاينة الذي تحقق بعد 80 عاماً .

حرب 1948 والحدود المفقودة .

قبل أن نصل إلى تفاصيل الاجتياح الحالي، يجب أن نفهم عمق الجذور التاريخية لهذا الحلم الإسرائيلي. عندما اندلعت حرب 1948 وأعلن قيام دولة إسرائيل، لم تكن الحدود الشمالية للدولة الجديدة محددة بشكل نهائي. ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، كان يمتلك رؤية توسعية واضحة: أن تكون إسرائيل دولة تمتد من نهر الفرات في الشرق إلى نهر النيل في الغرب. لكنه كان واقعياً بما يكفي ليعرف أن هذا الحلم قد يستغرق أجيالاً.

في تلك الفترة المبكرة، وقف بن غوريون أمام خريطة فلسطين وشمالها، ومد إصبعه إلى نهر الليطاني داخل الأراضي اللبنانية. قال لمن حوله: "هذا النهر يجب أن يكون الحدود الشمالية لدولة إسرائيل. مياهه ستكون لمستوطناتنا في الجليل". كانت هذه بداية حلم استمر لأكثر من 80 عاماً، وتوالى على تنفيذه سبعة رؤساء وزراء إسرائيليين، لكنهم جميعاً فشلوا. حتى جاء بنيامين نتنياهو في عام 2026.

اعترافات ليفي إشكول الصادمة .

بعد بن غوريون، جاء رئيس الوزراء ليفي إشكول ليكون أكثر جرأة وصراحة. في خطاب له أمام الكنيست، قال عبارة أصبحت أيقونة للطمع الإسرائيلي: "لا يسعى إسرائيل العطشانة أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى مياه نهر الليطاني تتدفق إلى البحر المتوسط. القنوات باتت جاهزة في إسرائيل لاستقبال مياه نهر الليطاني. لن نسمح بتبديد هذه الثروة الوطنية".

إشكول لم يكن يتحدث عن أمن إسرائيل أو حماية حدودها. كان يتحدث بصراحة عن سرقة المياه. كان يعترف بأن إسرائيل دولة فقيرة مائياً، وأن 80% إلى 90% من مياه الشرب فيها تعتمد على تحلية مياه البحر المكلفة. لكن إلى جوارهم، في لبنان، هناك نهر يفيض بالمياه العذبة ويصب في البحر دون أن يستفيد منه اللبنانيون بالشكل الكافي. فلماذا لا يأخذونه؟ هذا هو منطق القوة الذي تتبناه إسرائيل منذ تأسيسها.

اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة تحذر .

في عام 1949، نشرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (ESCWA) تقريراً مهماً حول الموارد المائية في لبنان. التقرير قال إن "مياه نهر الليطاني هي مفتاح المستقبل في لبنان". وأضاف أنه إذا تم استغلال هذه المياه بشكل صحيح، يمكن للشعب اللبناني استخدامها في توليد الكهرباء، وري الأراضي الزراعية، وتخزينها لتأمين احتياجاته من مياه الشرب، أو حتى بيعها للدول التي تعاني من نقص المياه مثل إسرائيل.

المفارقة المؤلمة أن لبنان لم يستغل هذه الفرصة أبداً. واليوم، بدلاً من أن يبيع لبنان المياه لإسرائيل ويحصل على أموال طائلة يمكن أن تعيد إعمار بلاده، ها هي إسرائيل تأخذ المياه بالقوة دون أن تدفع قرشاً واحداً. الحلم الإسرائيلي بسرقة المياه كان دائماً أرخص وأسرع وأسهل من شرائها. واليوم، تحقق هذا الحلم على أرض الواقع.

محاولات الاجتياح السابقة ,

قبل أن تنجح إسرائيل في عام 2026، حاولت مراراً الوصول إلى نهر الليطاني عسكرياً:

اجتياح 1978: بدأت إسرائيل أول محاولة عسكرية جادة، وبررت ذلك بـ"حماية حدودها الشمالية من منظمة التحرير الفلسطينية". استمرت العملية حوالي ثلاثة أشهر، لكن المقاومة العنيفة والضغط الدولي أجبرا إسرائيل على الانسحاب دون أن تحقق هدفها بالوصول إلى النهر. عادت القوات إلى ما وراء الحدود الدولية، لكنها زرعت بذور الاحتلال الطويل.

اجتياح 1982: جاء الأوسع والأعنف. إسرائيل حشدت قوات عسكرية ضعف ما حشدته في حرب أكتوبر 1973. كانت العين على الليطاني، وكانت القلعة الهدف الأول. هذه المرة نجح الجيش الإسرائيلي في الوصول إلى النهر، بل وتجاوزه إلى الشمال. استولى على نهر الوزاني الذي يفصل جنوب لبنان عن هضبة الجولان، وسيطر على 12 قرية لبنانية. بدأ فوراً في سحب المياه عبر أنابيب إلى المستعمرات الإسرائيلية.

لكن المقاومة، التي كانت تتشكل وتتطور، جعلت الوجود هناك جحيماً لا يُطاق. المقاومة الإسلامية في لبنان - التي تطورت لاحقاً إلى حزب الله - بدأت في تنظيم صفوفها وتوجيه ضربات موجعة. أسر الجنود، تفجير الآليات، قنص الضباط، كلها عمليات جعلت الجنرالات الإسرائيليين يعيدون حساباتهم. النهاية كانت الانسحاب عام 2000 تحت وطأة الخسائر الفادحة.

لماذا نجحت إسرائيل في 2026؟ السؤال الحقيقي ليس كيف نجحت إسرائيل، بل لماذا فشلت المقاومة هذه المرة. فشل حزب الله في الدفاع عن جنوب لبنان له أسباب واضحة: عملية أجهزة البيجر التي اخترقت شبكة اتصالات الحزب وقتلت وأصابت الآلاف من عناصره، اغتيال الأمين العام حسن نصر الله الذي كان العمود الفقري للتنظيم، القصف الجوي الممنهج لمخازن الصواريخ والذخائر الاستراتيجية، واختراق أجهزة المخابرات الإسرائيلية للدوائر الداخلية للحزب.

كل هذه العوامل أضعفت قدرة حزب الله على الدفاع عن نفسه أولاً، وعن جنوب لبنان ثانياً. إسرائيل استغلت هذا الضعف بدقة جراحية، وضربت في اللحظة المناسبة لتحقق ما عجزت عنه لعقود طويلة.

مياه الليطاني: لماذا هي كل هذا الثمن؟

نهر يبدأ من بعلبك ويصب في المتوسط .

لنفهم أهمية نهر الليطاني، يجب أن نتعرف عليه جغرافياً. يبدأ النهر من منطقة بعلبك في سهل البقاع شرق لبنان، ويسير في اتجاه الجنوب لمسافة تزيد عن 170 كيلومتراً. بعد أن يقطع معظم طول لبنان من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، ينعطف فجأة نحو الغرب ويخترق الجبال ليصب في البحر المتوسط جنوب مدينة صور مباشرة.

هذا المسار الطويل يجعل النهر المصدر المائي الأهم في لبنان، بطول يقترب من 170 كيلومتراً، ومعدل تدفق سنوي يصل إلى حوالي 1.4 مليار متر مكعب من المياه العذبة. لبنان بالكامل يمتلك 16 نهراً، لكن الليطاني هو الأكبر والأغزر والأهم.

مياه للزراعة والشرب والكهرباء .

بالإمكانات الطبيعية الهائلة هذه، يمكن لنهر الليطاني أن يكون العمود الفقري للاقتصاد اللبناني. مشروع "الليطاني" الضخم، الذي بدأ العمل فيه في الخمسينيات وما زال غير مكتمل حتى اليوم، كان يهدف إلى:

  • توليد 2.2 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً عبر سدين رئيسيين

  • ري حوالي 120 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في سهل البقاع والجنوب

  • توفير مياه الشرب لملايين اللبنانيين في بيروت والجنوب

  • تخزين المياه في بحيرات صناعية للاستخدام في فترات الجفاف

لكن كل هذه الأحلام بقيت حبراً على ورق. والحلم الوحيد الذي تحقق هو حلم إسرائيلي بسرقة هذه المياه وتحويلها إلى مستوطناتها.

ماذا تفعل إسرائيل بالمياه الآن؟

تقارير استخباراتية إسرائيلية كشفت أن الجيش بدأ فور عبوره نهر الليطاني في تركيب شبكة أنابيب ضخمة تمتد جنوباً نحو الحدود الإسرائيلية. هذه الأنابيب ستصل المياه المسروقة إلى:

  • بحيرة طبريا (بحيرة طبرية) التي تعتبر الخزان المائي الاستراتيجي لإسرائيل

  • شبكات الري في مستوطنات الجليل الأعلى التي تعاني من ملوحة متزايدة

  • المدن الكبرى مثل حيفا وتل أبيب عبر قنوات النقل الطويلة

هذا ليس تهديداً، هذا يحدث الآن على أرض الواقع. مياه الليطاني لم تعد مياه لبنانية، بل أصبحت جزءاً من الميزان المائي الإسرائيلي. وسكان الجنوب اللبناني، الذين كانوا يروون مزارعهم من هذا النهر لعقود، وجدوا أنابيبهم فارغة ومزروعاتهم تموت عطشاً.

المخطط الإسرائيلي المكون من خمس نقاط .

التطورات الميدانية في لبنان لم تأتِ من فراغ. وراء كل هذا التصعيد تقف خطة إسرائيلية محكمة، كشفت عنها وسائل إعلام إسرائيلية متطابقة، وفي مقدمتها صحيفة "هآرتس" و"يديعوت أحرونوت". هذه الخطة تتكون من خمس نقاط رئيسية، وتنفذ الآن على مراحل.

الهدف الأول: إدارة الحرب بدلاً من إنهائها .

إسرائيل تريد تمديد أمد الصراع بشكل محكوم ومدروس، بحيث تحقق مكاسب سياسية وعسكرية على أرض الواقع بدلاً من الاندفاع نحو اتفاق سلام غير مضمون أو هدنة مؤقتة. الحرب بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة ضغط لتحقيق أهداف على طاولة المفاوضات.

من خلال إدارة الحرب بدلاً من إنهائها، تستطيع إسرائيل:

  • الضغط على حزب الله وحكومة لبنان لتقديم تنازلات متتالية

  • اختبار قدرات المقاومة واستنزافها دون الدخول في مواجهة شاملة

  • منح الجيش وقتاً كافياً لترسيخ وجوده في المناطق المحتلة وبناء التحصينات

  • الانتظار للظرف الدولي المناسب لفرض "اتفاق سلام" بشروطها

صحيفة هآرتس وصفت هذه الاستراتيجية بأنها "إدارة الحرب بأقل تكلفة وأكبر عائد"، وأضافت أن إسرائيل تعلمت من دروس غزة أن الحروب الخاطفة قد لا تحقق الأهداف الاستراتيجية الطويلة الأجل.

الهدف الثاني: فرض شروط اليوم التالي .

في كل حروبها السابقة مع لبنان، كانت إسرائيل تنسحب بعد فترة قصيرة، وتكتفي بـ"الردع" و"الاستقرار النسبي". هذه المرة مختلفة. إسرائيل تريد فرض "اليوم التالي" للحرب بشروطها هي، وليس بشروط المقاومة أو الحكومة اللبنانية.

ما الذي تعنيه "شروط اليوم التالي"؟

  • إعادة رسم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل لمصلحة الأخيرة

  • تحديد من يحمل السلاح في جنوب لبنان (الجيش اللبناني فقط، وليس حزب الله)

  • إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تحت إشراف دولي (وقراءة إسرائيلية)

  • مراقبة حركة الأفراد والبضائع عبر المعابر الحدودية لمنع تسلل الأسلحة

كل هذه الشروط تم التفاوض بشأنها بالفعل مع الحكومة اللبنانية، ووافقت بيروت على معظمها تحت وطأة الحرب والخوف من توسعها. المطلوب الآن هو التنفيذ، وإسرائيل تضغط لضمان عدم التراجع عنه.

الهدف الثالث: فصل لبنان عن حزب الله وسوريا عن جيشها .

هذا الهدف هو الأكثر طموحاً وخطورة. إسرائيل تريد تفكيك "محور المقاومة" الذي شكله النظام الإيراني على مدى أربعة عقود. هذا المحور يتكون من ثلاثة أركان رئيسية: النظام السوري (قبل سقوطه)، حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق.

في سوريا، تحقق الهدف بفعل الأحداث المتسارعة. الجيش السوري انهار، وأصبحت القوات الإسرائيلية تتحرك بحرية في جنوب سوريا دون أي مقاومة تذكر. الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع أبدت مرونة غير مسبوقة، بل غيرت اسم شارع عبد المنعم رياض - الذي كان رئيس أركان الجيش المصري - بعد طلب إسرائيلي، وهذا رمز على عمق التبعية.

في لبنان، لا تزال المعركة مستمرة. لكن إسرائيل حققت تقدماً كبيراً: الحكومة اللبنانية أقرت قانوناً يجرد حزب الله من سلاحه، وأعلنت رفضها للأجندة الإيرانية، ووافقت على ترسيم الحدود البحرية. كل هذه تنازلات كانت مستحيلة قبل اندلاع الحرب.

للمزيد من التفاصيل حول انهيار الجيش السوري، يمكنك الاطلاع على [تقرير المعهد الملكي للخدمات المتحدة حول سوريا ما بعد الأسد]

الهدف الرابع: كسب الوقت والشرعية الدولية .

إسرائيل تدرك جيداً أن صورتها الدولية تشوهت بشكل كبير بسبب الجرائم التي ارتكبت في قطاع غزة. التقارير التي تحدثت عن مجازر بحق المدنيين، واستخدام التجويع كسلاح، وقصف المستشفيات والمدارس، كلها أثرت على سمعة الدولة العبرية في أوروبا والولايات المتحدة.

لهذا، تعمل إسرائيل الآن على تغيير السردية. تقدم نفسها كدولة "تريد التفاوض والسلام"، وتصور حزب الله على أنه "الإرهابي العنيد الذي يرفض كل مبادرات التهدئة". هذه القصة تحظى بقبول متزايد في العواصم الغربية، خاصة بعد الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الخليج والكويت.

كل يوم تمر فيه الحرب دون اتفاق هو يوم تكسب فيه إسرائيل شرعية إضافية. فكلما طالت المدة، كلما أصبح الرد الإسرائيلي "متناسباً" والضربات الجوية "مشروعة". هذا هو فن إدارة الصراع إعلامياً، وإسرائيل تتقنه ببراعة.

الهدف الخامس: ربط مسار التفاوض بالحرب مع إيران .

أخيراً وليس آخراً، كل ما يحدث في لبنان وسوريا هو جزء من لعبة أكبر مع إيران. حزب الله هو أقوى وأهم ذراع عسكري إيراني في المنطقة. إذا استطاعت إسرائيل تحييده أو إضعافه إلى حد كبير، فإنها تسحب من طهران ورقة ضغط لا تقدر بثمن.

ما هو الربط هنا؟

  • كل كيلومتر تتقدمه القوات الإسرائيلية في لبنان يضعف موقف إيران على طاولة المفاوضات النووية

  • كل صاروخ يخسره حزب الله يعني فقدان إيران لقدرة على الردع في جبهتها الشمالية

  • كل يوم تمر فيه الحرب دون هزيمة إسرائيلية هو فشل للمشروع الإقليمي الإيراني

لاحظ كيف تحركت طهران فجأة: أعلنت مرونة غير مسبوقة في الملف النووي، ووافقت على مناقشة برنامجها رغم تأكيداتها السابقة بأنه "غير قابل للمناقشة". وزير الخارجية الإيراني أرسل إشارات إيجابية عبر الوسطاء، وطلب من الولايات المتحدة "تخفيف الضغط على حلفائنا في لبنان". التوقيت ليس مصادفة. الضربات على حزب الله تؤثر مباشرة على حسابات طهران.

يمكنك قراءة [تحليل موقع أكسيوس حول تأثير الحرب في لبنان على المفاوضات النووية مع إيران]

الخلاف ترامب-نتنياهو: حقيقي أم تمثيلية؟

مكالمة "بيبي المجنون".

كشفت تقارير إعلامية، منها تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكالمة وصفت بـ"الساخنة جداً". وقال ترامب لنتنياهو، بحسب مسؤولين أميركيين تحدثوا للصحيفة، عبارة أصبحت عنواناً للأزمة: "أنت مجنون... كنت في السجن لولاي... أنا أنقذ مؤخرتك".

ترامب لم ينكر ما قيل، بل أكده للصحافة الأميركية: "نعم، قلت ذلك. لم أقل غاضباً، لكنني كنت منزعجاً قليلاً من قتاله المستمر مع لبنان. في مرحلة ما قلت لبيبي: يجب أن نوقف هذا. يجب أن نوقفه".

المكالمة كشفت عن توتر حقيقي بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي. ترامب يريد وقف التصعيد لعدة أسباب:

  • التركيز على المفاوضات مع إيران وحل أزمة مضيق هرمز

  • تجنب تورط الولايات المتحدة في حرب إقليمية شاملة قبل انتخابات التجديد النصفي

  • إرضاء الجناح الجمهوري الذي يريد خفض الإنفاق العسكري

  • الحفاظ على صورته كصانع سلام (اتفاقات أبراهام، تطبيع العلاقات)

بينما نتنياهو يريد الاستمرار في تدمير حزب الله قبل أن يتعافى ويعيد بناء قدراته. يعتبر نتنياهو أن الفرصة الحالية ذهبية، وأن أي توقف الآن سيعني عودة التهديد بعد بضع سنوات.

اقرأ تفاصيل المكالمة الكاملة كما نشرتها [صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية]

هل هذا الخلاف حقيقي أم تمثيلية مضللة؟

لكن قبل أن نصدق أن هناك شرخاً حقيقياً بين الحليفين التاريخيين، لننظر إلى الحقائق على الأرض. بينما يتشاجر ترامب ونتنياهو على الهواء، ماذا يحدث في الميدان؟

الحقيقة: الإدارة الأميركية أعطت الضوء الأخضر لاستئناف ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما كان ممنوعاً قبل أسابيع قليلة. البنتاغون أعلن عن تعزيزات عسكرية جديدة في شرق المتوسط "لحماية المصالح الأميركية". ووزير الخارجية ماركو روبيو قال في مؤتمر صحفي: "نحن نقف إلى جانب إسرائيل في حقها في الدفاع عن نفسها".

هذا ليس انقساماً، هذا تنسيق متقدم. ترامب يريد أن يظهر للعالم وكأنه "قائد السلام" الذي يكبح جماح حليفه المتشدد، وفي الوقت نفسه يسمح بتقدم العمليات العسكرية التي تخدم أجندته في إضعاف إيران. إنها لعبة ذات وجهين، والهدف واحد: تدمير قدرات "محور المقاومة".

التاريخ يعيد نفسه. قبل حرب الأيام الـ12، أظهر القادة الإسرائيليون والأميركيون خلافات علنية واسعة لإيهام إيران بأن هناك شرخاً استراتيجياً بين الحليفين. وفي الخفاء، كانت الأجهزة تعمل بتناغم تام لتنسيق الضربات. هذه المرة، قد يكون المشهد مكرراً لكن بأدوات مختلفة.

نتنياهو نفسه قال في رده على انتقادات ترامب: "لدينا أهداف مشتركة مع الولايات المتحدة. أحياناً هناك خلافات تكتيكية، كما يحدث في أفضل العائلات. لكننا دائماً نجد طريقة للعمل معاً". هذه العبارة تعني: اطمئنوا، نحن متحدون في الغرفة الخلفية مهما تشاجرنا أمام الكاميرات.

أين دور حزب الله في كل هذا؟

إنجازات سابقة وتحديات حالية .

لا يمكن إنكار أن حزب الله حقق إنجازات عظيمة على مدى العقود الماضية. تحرير جنوب لبنان عام 2000 كان إنجازاً تاريخياً لم يسبقه له مثيل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. حرب يوليو 2006 كانت صدمة للجيش الإسرائيلي الذي توقع حرباً خاطفة من أسبوعين فوجد نفسه في مستنقع لمدة 33 يوماً. كل هذه الإنجازات جعلت من حزب الله نموذجاً للمقاومة العربية.

لكن الأيام الحالية تكشف عن تراجع خطير في قدرات الحزب. الضربات القاسية التي تلقاها خلال الأشهر الأخيرة لم تكن مجرد خسائر عادية، بل كانت موجعة جداً:

  • تفجير أجهزة البيجر: اختراق أمني هائل تسبب في مقتل وإصابة الآلاف من عناصر الحزب في لحظة واحدة

  • اغتيال حسن نصر الله: الأمين العام الذي كان يعتبر أيقونة لا تُمس، ورمزاً للمقاومة، سقط في غارة جوية دقيقة

  • تدمير البنية التحتية العسكرية: مخازن الصواريخ، مقرات القيادة، شبكات الاتصالات، كلها تعرضت لقصف ممنهج

  • اختراق الصفوف القيادية: جواسيس إسرائيليون تسللوا إلى دوائر القرار وأفشوا أسراراً خطيرة

كل هذه الضربات أثرت بشكل كبير على القدرة القتالية لحزب الله. التنظيم الذي كان يملك عشرات الآلاف من الصواريخ القادرة على إصابة أي هدف في إسرائيل، بات اليوم يكافح للحفاظ على ما تبقى من ترسانته.


كيف انهار الدفاع عن الجنوب؟

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف فشل حزب الله في الدفاع عن جنوب لبنان، وهو الذي يعد هذه المنطقة معقله الأول وجذوره التاريخية؟

الإجابة معقدة وتتضمن عدة عوامل:

  1. الضربة الاستباقية الإسرائيلية: إسرائيل ضربت أولاً وبقوة، قبل أن يتمكن حزب الله من تنظيم صفوفه.

  2. اختراق استخباراتي غير مسبوق: إسرائيل عرفت كل شيء عن تحركات الحزب وخطوط إمداده.

  3. الاستنزاف المطول: سنوات من القتال في سوريا والعراق أثرت على خبرات ومعدات الحزب.

  4. العزلة الإقليمية: النظام السوري الذي كان يقدم دعماً لوجستياً حيوياً، انهار وخرج من المعادلة.

المحلل العسكري رون بن يشاي كتب في "يديعوت أحرونوت" أن "حزب الله لم يعد كما كان. الضربات المتتالية جعلته يخسر أكثر من 60% من قدراته الصاروخية، وأكثر من 40% من مقاتليه المخضرمين. ما تبقى منه لا يكفي لشن هجوم كبير، بل بالكاد يكفي للدفاع عن معاقله الرئيسية".

هل سينهار حزب الله أم سيعود أقوى؟

الحرب بين إسرائيل وحزب الله دخلت مرحلة جديدة لم يسبق لها مثيل. بعض المحللين يتوقعون انهياراً قريباً للتنظيم، بينما يراهن آخرون على قدرته على الصمود وإعادة البناء.

الاستاذ إيال زيسر، في صحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية، حذر من التفاؤل المفرط. كتب: "مقتل عشرات من عناصره أو تدمير القرى الشيعية لا يُزعج نعيم قاسم. هو يعتقد، كما كان يعتقد السنوار في زمانه، أن الدمار الذي يجره على نفسه يخدم التنظيم في الواقع، ويخفف الانتقادات الموجهة إليه بين أبناء الطائفة الشيعية، بل يجلب له الدعم والمجندين الجدد".

هذه الرؤية تؤكد أن حزب الله ليس مجرد تنظيم عسكري، بل هو مشروع مجتمعي ومذهبي له جذور عميقة في البيئة الشيعية اللبنانية. تدمير البيوت والمزارع لا يقتل المشروع، بل قد يزيده إصراراً. التجربة اللبنانية بين 1982 و2000 تظهر أن الاستنزاف الطويل لم يكسر إرادة المقاومة، بل زادها قوة.

رون بن يشاي نفسه، في مقال آخر، أقر بأن "الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان هذه المرة أصعب من أي وقت مضى، لأنه ليس لدينا حليف محلي مثل جيش لحد الذي كان يقاتل إلى جانبنا في الثمانينيات. اليوم، سيضطر الجيش الإسرائيلي إلى المحاربة وحده، وهذا مرهق ومكلف للغاية".

أين إيران من كل هذا؟

لبنان: ورقة ضغط إيرانية تتحول إلى نقطة ضعف .

لطالما نظر النظام الإيراني إلى حزب الله باعتباره تاجه الثمين، ورقة ضغطه الأقوى في مواجهة إسرائيل والغرب. كلما اشتدت العقوبات على طهران، كلما لوح قادتها بالقدرات الصاروخية لحزب الله. كلما اقتربت المفاوضات النووية من طريق مسدود، كلما تحدثت إيران عن "الردع المتوازن" عبر جبهة لبنان.

لكن هذا الحلم الإيراني يتحول الآن إلى كابوس. بدلاً من أن يكون حزب الله ورقة ضغط إسرائيلية، أصبح نقطة ضعف يمكن استغلالها.

كيف تحولت المعادلة؟

  • إيران خسرت سوريا: نظام بشار الأسد الذي كان يربط طهران بحزب الله براً سقط. الحدود البرية بين إيران ولبنان عبر العراق وسوريا لم تعد آمنة.

  • الضربات الإسرائيلية في لبنان تهدد الردع الإيراني: إذا كانت إسرائيل تستطيع ضرب حزب الله في معقله بهذه القوة، فماذا يمنعها من ضرب أي هدف إيراني آخر؟

  • الملف النووي تحت الضغط: إيران شعرت بالخطر فوافقت فجأة على مناقشة برنامجها النووي رغم تأكيداتها السابقة بأنه "غير قابل للمناقشة".

وزير الخارجية الإيراني أرسل إشارات إيجابية إلى واشنطن عبر الوسطاء العمانيين والقطريين. طلبت طهران "تهدئة" في لبنان مقابل "مرونة" في الملف النووي. هذا هو الربط الذي كنا نتحدث عنه. إيران تدرك أن لبنان أصبح نقطة ضعفها، وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

مرونة إيرانية مفاجئة في الملف النووي.

المفاجأة الكبرى جاءت على لسان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. في مؤتمر صحفي عاجل، قال: "إيران أبدت استعداداً غير مسبوق لمناقشة برنامجها النووي بجدية. نحن ندرس العروض الإيرانية عبر القنوات الدبلوماسية".

هذا التصريح كان صادماً لمن يتابعون الملف النووي عن كثب. قبل أسابيع فقط، كان المسؤولون الإيرانيون يرددون أن "البرنامج النووي غير قابل للتفاوض" و"خطوطنا الحمراء واضحة". فجأة، وبعد أن عبرت الدبابات الإسرائيلية نهر الليطاني واحتلت قلعة الشقيف، تغير الموقف الإيراني بالكامل.

التفسير بسيط: إيران تشعر بالخوف. خوف من أن تتوسع الحرب لتشملها مباشرة، وخوف من أن تخسر كل أوراق الضغط في المنطقة دفعة واحدة، وخوف من أن ينهار حزب الله بالكامل ويترك طهران مكشوفة أمام إسرائيل وأمريكا.

هذه المرونة الإيرانية لها ثمن بالطبع. إيران تريد وقف الحرب في لبنان، أو على الأقل وقف تقدم القوات الإسرائيلية نحو الشمال. وفي المقابل، تقدم تنازلات في الملف النووي قد تشمل تجميد التخصيب، والسماح بتفتيشات دولية مفاجئة، وحتى التفاوض على تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي.

لكن هل تثق أمريكا وإسرائيل بهذه المرونة؟ هل هي حقيقية أم مجرد مناورة لكسب الوقت؟ الأيام القادمة ستكشف الحقيقة.

الحكومة اللبنانية: المتفرج العاجز.

تنازلات مؤلمة تحت وطأة الحرب.

في خضم كل هذا العنف والتدمير، أين الحكومة اللبنانية؟ وماذا تفعل لحماية سيادة بلادها ومواطنيها؟

للأسف، الإجابة محزنة. الحكومة اللبنانية تجلس على مقاعد المتفرجين، أو الأسوأ من ذلك، تقدم تنازلات تلو الأخرى تحت ضغط الحرب والخوف.

ما هي هذه التنازلات؟

  1. إعادة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل: قبل الحرب، رفض لبنان أي تفاوض حول الحدود البحرية إلا عبر الأمم المتحدة. الآن، قبل بترسيم جديد يصب في مصلحة إسرائيل ويسمح لها باستخراج الغاز من حقول متنازع عليها.

  2. إصدار قانون يجرم أي سلاح خارج الجيش اللبناني: هذا القانون يستهدف حزب الله مباشرة، ويجرد إيران من أقوى أذرعها العسكرية. الحكومة اللبنانية أقرته تحت الضغط، وانتظرت إسرائيل لحظة إعلانه لتعبر نهر الليطاني.

  3. الإعلان عن رفض الأجندة الإيرانية: وزراء ومسؤولون لبنانيون أعلنوا علناً أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية، وأن "يد إيران" يجب أن تبتعد عن شؤونهم الداخلية.

  4. الموافقة على نزع سلاح حزب الله: خطة تدريجية لنزع سلاح التنظيم، تبدأ من جنوب الليطاني ثم تمتد إلى كل المناطق اللبنانية.

كل هذه التنازلات المؤلمة قدمتها الحكومة اللبنانية بدون أن تحصل على أي مقابل ملموس. لا انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، لا وقف دائم لإطلاق النار، لا تعويضات عن الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمنازل والمزارع.


لبنان خارج حسابات الجميع.

أسوأ ما في المشهد هو أن لبنان أصبح خارج حسابات اللاعبين الكبار. إيران لا تتفاوض من أجل لبنان، بل من أجل حزب الله. إسرائيل لا تقاتل من أجل "أمنها" فقط، بل من أجل سرقة المياه وتوسيع الحدود. أمريكا تدير الصراع من زاوية القوة العظمى، ولبنان مجرد رقعة شطرنج.

في كل المكالمات الهاتفية، والرسائل الدبلوماسية، والاجتماعات السرية التي تم الكشف عنها، لم يذكر أحد "مصلحة لبنان العليا". لم يسأل أحد عن مئات الآلاف من اللبنانيين النازحين داخلياً. لم يهتم أحد بالمصانع المدمرة، والجسور المنهارة، والحقول الزراعية المحترقة.

الأمم المتحدة تصدر بيانات استنكار روتينية، وتشكل لجان تحقيق لن تنجز شيئاً. الجامعة العربية تعقد اجتماعات طارئة تنتهي ببيانات شجب لا تغير من الواقع شيئاً. لبنان ترك وحيداً يواجه آلة حربية متفوقة، وحكومته عاجزة، ومقاومته مرهقة، وشعبه يتفرج مذهولاً.

إذا كنت مواطناً لبنانياً وتشاهد إسرائيل تبلع في بلدك حتة وراء الأخرى، فالسؤال الذي يبقى عالقاً في رأسك: ماذا تفعل؟ هل تهرب مثل المئات من آلاف اللبنانيين الذين نزحوا بالفعل؟ هل تصمت وتنتظر انتهاء العاصفة؟ أم تحمل السلاح وتنضم إلى المقاومة ولو كانت مرهقة ومهزومة حالياً؟

لا توجد إجابة سهلة. لكن المؤكد أن الصمت ليس خياراً. لأن الصمت اليوم يعني أن تغيير الخرائط سيصبح أمراً واقعاً، وأن سرقة المياه ستصبح حقيقة دائمة، وأن استمرار الاحتلال سيكون بداية وليس نهاية.

إقرأ [التقرير الكامل للأمم المتحدة حول الأزمة الإنسانية في لبنان]، الذي يحذر من أن أكثر من مليون لبناني قد يصبحون لاجئين في بلدهم إذا استمر القتال.

ماذا بعد؟ سيناريوهات للأيام القادمة.

بناءً على كل ما سبق، يمكننا رسم عدة سيناريوهات محتملة للأيام والأسابيع القادمة. لا أحد يملك الكرة البلورية، لكن تحليل المعطيات المتاحة يمكن أن يعطينا صورة تقريبية عن المستقبل.

السيناريو الأول: هدنة مؤقتة وإعادة انتشار.

هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً، والذي تعمل عليه الأوساط الدبلوماسية حالياً. بموجبه:

  • يتم التوصل إلى هدنة إنسانية لمدة 30-60 يوماً

  • تنسحب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق المحتلة، لكنها تبقى في قلعة الشقيف ومحيط نهر الليطاني

  • تتوقف الضربات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت

  • تبدأ مفاوضات غير مباشرة حول تبادل الأسرى وإعادة الإعمار

لكن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة. إسرائيل لا تريد أن تنسحب من أي موقع حققت السيطرة عليه. المقاومة لا تريد أن تقبل باحتلال إسرائيلي لأي شبر من الأراضي اللبنانية. الأمم المتحدة عاجزة عن فرض أي شيء. والولايات المتحدة مهتمة بمصالحها أولاً وأخيراً.

السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة.

هذا السيناريو هو المتوقع حسب معظم المحللين. بموجبه:

  • تستمر الاشتباكات عند مستويات منخفضة إلى متوسطة لفترة قد تصل إلى عدة سنوات

  • يحاول حزب الله استعادة عافيته وإعادة بناء قدراته، لكن تحت القصف المستمر

  • يحاول الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في المنطقة الأمنية، لكنه يتعرض لكمائن وخسائر يومية

  • يتوقف القصف الجوي الكثيف على المدن، لكن الغارات الدقيقة على قادة ومواقع الحزب تستمر

هذا السيناريو مرهق للجميع. الجيش الإسرائيلي يدفع ثمناً يومياً من الأرواح والمعدات. حزب الله يكافح للبقاء والتجمع. اللبنانيون في مناطق القتال يعيشون في جحيم يومي. لكنه قد يكون السيناريو الأكثر واقعية في ضوء استحالة الحل العسكري السريع لأي من الطرفين.

السيناريو الثالث: توسع الحرب إقليمياً.

هذا هو السيناريو الأسوأ، لكن لا يمكن استبعاده تماماً. بموجبه:

  • تفشل كل جهود التهدئة، وتتسع رقعة القتال لتشمل شمال إسرائيل وصولاً إلى حيفا فتل أبيب

  • ترد المقاومة بصواريخ بعيدة المدى تستهدف عمق إسرائيل لأول مرة منذ 2006

  • تتدخل إيران بشكل غير مباشر لدعم حزب الله، إما عبر إرسال مستشارين أو فتح جبهات أخرى في سوريا والعراق

  • تضطر الولايات المتحدة للتدخل بشكل أكبر لحماية إسرائيل، وقد تمتد الضربات إلى أهداف إيرانية مباشرة

هذا السيناريو سيكون كارثياً على الجميع. آلاف القتلى في كل الأطراف. دمار هائل للبنية التحتية في لبنان وإسرائيل. انهيار اقتصادي إقليمي. وتدخل دولي معقد ومتشابك. الجميع يريد تجنبه، لكنه قد يحدث إذا أخطأ أي طرف في الحسابات.

السيناريو الرابع: الحل الدبلوماسي الشامل.

هذا السيناريو يبدو حالياً أشبه بالحلم أكثر منه واقعاً، لكن العجلة الدبلوماسية تدور في الخلفية. بموجبه:

  • توافق جميع الأطراف على العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 2006 مع تعديلات جذرية

  • تنسحب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب الحالية

  • يتسلم الجيش اللبناني معززاً بقوات دولية (ربما فرنسية) السيطرة على جنوب لبنان

  • يسلم حزب الله أسلحته الثقيلة للجيش اللبناني، ويتحول إلى حزب سياسي فقط

  • تبدأ عملية إعادة إعمار ضخمة بتمويل دولي وخليجي

هذا الحلم يواجه عقبات جمة: حزب الله لن يسلم سلاحه بسهولة، إسرائيل لا تثق بالجيش اللبناني، وفرنسا والدول الغربية تتحرك ببطء شديد.

يمكنك متابعة آخر تطورات المحادثات الدبلوماسية عبر [صفحة بعثة الأمم المتحدة في لبنان (UNIFIL) الرسمية]

خاتمة: من ربح ومن خسر حتى الآن؟

بعد هذه الجولة الطويلة في تفاصيل المشهد اللبناني المتأزم، يمكننا محاولة الإجابة على السؤال الأهم: من المستفيد الحقيقي من كل هذا؟

إسرائيل: هي الرابح الأكبر بلا منازع، على الأقل حتى الآن. حققت أهدافاً كانت تحلم بها لعقود:

  • احتلال قلعة الشقيف التي أذلتها طويلاً

  • عبور نهر الليطاني وبدء سحب مياهه

  • إضعاف حزب الله إلى أقصى درجة

  • إجبار الحكومة اللبنانية على تنازلات سياسية غير مسبوقة

  • الضغط على إيران في الملف النووي

حزب الله: هو الخاسر الأكبر حتى الآن. لكنه ليس خارج اللعبة تماماً. خسر قدرات عسكرية هائلة، وأوراق ضغط كان يعتمد عليها، وقيادات تاريخية. لكنه لا يزال يملك مقاتلين، وصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وقدرة على إطالة أمد الحرب إلى سنوات. إعلان وفاته سابق لأوانه.

إيران: خسرت ورقة ضغط ثمينة، لكنها لم تخسر الحرب كلها. حركت أوراقها بذكاء، وأبدت مرونة في الملف النووي، وربما تنقذ ما يمكن إنقاذه. لكن صورتها كقوة إقليمية قادرة على حماية حلفائها تأثرت بشدة، وهذا ثمن باهظ على المدى الطويل.

لبنان: هو الخاسر الأكبر في كل الأحوال. خسر أراضيه، خسر مياهه، خسر سيادته، خسر أهله، خسر مستقبله. لبنان الذي كان يسمى "سويسرا الشرق" تحول إلى ساحة حرب. لبنان الذي كان نموذجاً للتعايش الطائفي أصبح ساحة صراع بالوكالة. لبنان الذي يملك أجمل طبيعة في المنطقة أصبح أرضاً محتلة ومنهوبة.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: ماذا بعد؟ هل ستكتفي إسرائيل بما حققته أم ستطمع في المزيد؟ هل سينهار حزب الله أم يعود أقوى؟ هل سينتبه العالم إلى معاناة اللبنانيين أم سيظل مشغولاً بصراعاته الأخرى؟ والأهم: هل يتحد اللبنانيون لمواجهة هذا الخطر الوجودي أم سيظلون منقسمين كما كانوا دائماً؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة على كل هذه الأسئلة. لكن المؤكد أن المنطقة لن تعود كما كانت قبل رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف.

اللهم احفظ لبنان وأهله، وأنقذه مما هو فيه، واجمع كلمته على الحق والوحدة الوطنية.

قائمة المصادر والمراجع

إقرأ أيضا :



إرسال تعليق

أحدث أقدم