ترمب يمنح إيران مهلة الأحد الأخيرة.. والخليج بين مطرقة الحرب وسندان ابتزاز هرمز | تحليل حصري من قلب المنطقة

 حرب إيران مباشر: الموعد النهائي لترمب وإيران على أهبة الاستعداد – تحليل جيوسياسي شامل من قلب المنطقة .

تاريخ النشر: 23 أبريل 2026

لم يكن صباح الثالث والعشرين من أبريل مثل بقية الأيام في المنطقة العربية. فمع شروق الشمس فوق مياه الخليج الدافئة، كانت الأنباء تتوالى من كل اتجاه حول موعد نهائي جديد حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمفاوضات مع إيران. القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، المعروفة بقربها من دوائر صنع القرار في تل أبيب، نقلت عن مصادر وصفتها بالرفيعة المستوى أن واشنطن أبلغت حليفتها الإسرائيلية بأن يوم الأحد المقبل هو آخر موعد للتفاوض، وما بعد ذلك قد يكون مختلفاً تماماً.

هذا التطور لم يأت من فراغ. فالرئيس الأمريكي اعتاد منذ بدء الحرب في أواخر فبراير الماضي على إطلاق إنذارات نارية تبدو وكأنها الساعة صفر، ثم يعلن فجأة عن تمديد الهدنة لأيام أو أسابيع إضافية. لكن متابعين للشأن الأمريكي لاحظوا تغيراً في نبرة ترمب خلال الأيام العشرة الأخيرة، حيث أصبح أقل حماساً للإعلان عن "النصر الكبير" وأكثر تركيزاً على "الحلول العملية" التي تنهي الصراع دون إحراج لأي طرف. هذا التحول في الخطاب قد يكون مؤشراً على أن الضغوط داخل البنتاغون وخارجه بدأت تؤثر على الرئيس الذي يضع نصب عينيه دوماً الانتخابات المقبلة والتكلفة البشرية لأي حرب طويلة الأمد.


لماذا يصر ترمب على تحديد موعد نهائي الآن،
لماذا يصر ترمب على تحديد موعد نهائي الآن،

لمتابعة تفاصيل التصريحات الأمريكية الأخيرة، اضغط هنا لزيارة موقع البيت الأبيض الرسمي

في الجانب الإيراني، كان الرد بارداً وحذراَ في نفس الوقت. المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية لم تنفِ ولم تؤكد وجود موعد نهائي، مكتفية بالقول إن "القوات المسلحة الإيرانية في حالة أهبة استعداد قصوى للدفاع عن الشعب الإيراني ضد أي تهديد外部". هذا التصريح الرسمي، رغم قصر عباراته، يحمل في طياته رسالة مزدوجة: الأولى أن طهران لا تخشى الموعد النهائي، والثانية أن أي تحرك عسكري أمريكي سيقابل برد لن يكون محدوداً كما يتوقع البعض. قراءة متعمقة للموقف الإيراني تكشف أن هناك انقساماً حاداً بين الجناح العسكري الذي يريد المواجهة، والجناح الدبلوماسي الذي يرى في التفاوض فرصة أخيرة لإنقاذ الاقتصاد الإيراني المنهار، وسنتحدث عن هذا الانقسام بالتفصيل لاحقاً.

ملاحظة مهمة من المحرر: هذا التحليل مبني على معلومات متاحة حتى صباح 23 أبريل 2026. نظراً لسرعة تطور الأحداث، ننصح القارئ بمتابعة المصادر المباشرة المذكورة في نص المقال للحصول على آخر المستجدات.

 ترمب والمواعيد النهائية – استراتيجية معتادة أم قرار حاسم هذه المرة؟

منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها الحرب في أواخر فبراير، لاحظ المراقبون نمطاً واضحاً في سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب: إطلاق إنذار نهائي دراماتيكي، انتظار رد فعل إيران، ثم إعلان تمديد الهدنة في اللحظة الأخيرة. هذا النمط تكرر أربع مرات على الأقل خلال الشهرين الماضيين، مما جعل الكثيرين يتوقعون أن ما يحدث الآن ليس أكثر من حلقة جديدة في مسلسل "المواعيد النهائية" الذي أتقنه ترمب خلال مسيرته السياسية. لكن هناك من يرى أن هذه المرة مختلفة، وأن الأجواء داخل أروقة البنتاغون أصبحت أكثر جدية مما كانت عليه في الأسابيع السابقة.

بحسب تقرير حصري نشره موقع أكسيوس الأمريكي في الحادي والعشرين من أبريل، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين كبار رفضوا الكشف عن هوياتهم، فإن ترمب خرج من المشاورات الأمنية الأخيرة "محبطاً" بشكل غير مسبوق. التقرير أوضح أن الخيارات العسكرية المطروحة أمام الرئيس الأمريكي إما أنها مكلفة جداً من الناحية البشرية، أو أنها لن تحقق الأهداف الاستراتيجية المطلوبة بشكل كامل. هذا الإحباط الأمريكي لم يكن ليظهر على الملأ لولا أن الحرب استمرت أطول مما توقعه الجميع، وأن قدرة إيران على الصمود فاقت كل التقديرات الاستخباراتية التي قدمتها وكالة المخابرات المركزية قبل اندلاع القتال.

لقراءة التقرير الكامل على موقع أكسيوس، يمكنك الضغط على هذا الرابط

هناك سبب آخر قد يكون أقل وضوحاً لكنه لا يقل أهمية: الدعم الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة بدأ يتراجع بشكل ملحوظ. استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك ونُشرت نتائجه في العشرين من أبريل أظهر أن 47% فقط من الأمريكيين يؤيدون استمرار الحرب، بينما يعارضها 48%، وهي النسبة الأولى من نوعها التي يتفوق فيها المعارضون على المؤيدين منذ بدء القتال. هذا التحول في الرأي العام يضع ترمب في موقف صعب، فهو الذي بنى حملته الانتخابية السابقة على "إنهاء حروب الشرق الأوسط"، ويجد نفسه الآن متورطاً في حرب جديدة لم تكن ضمن حساباته قبل تسعة أشهر فقط.

ما الذي تغير في الميدان خلال الأيام الأخيرة؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن ننظر إلى التطورات العسكرية التي حدثت خلال الأسبوعين الماضيين تحديداً. فالميدان، كما يقول العسكريون، هو الحكم الوحيد العادل في أي حرب. التقارير الميدانية التي وردت من مصادر متعددة، من بينها شبكة سي بي إس الأمريكية، تشير إلى أن القوات الإيرانية غيرت تكتيكاتها بشكل جذري منذ منتصف أبريل. بدلاً من المواجهات المباشرة التي كانت تكبدها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، تحول الحرس الثوري إلى استراتيجية "الضرب والاختفاء" باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية قصيرة المدى.

هذه الاستراتيجية الجديدة أربكت القيادة العسكرية الأمريكية، التي كانت تستعد لمواجهة تقليدية أكثر منه لحرب عصابات حديثة في عرض البحر. أحد المسؤولين في البنتاغون قال لشبكة سي بي إس، بشرط عدم الكشف عن هويته، إن "الإيرانيين أصبحوا أكثر ذكاءً مما كنا نعتقد. يستخدمون طائرات مسيرة صغيرة جداً لا تظهر على الرادار، ويطلقونها من منصات متحركة على الشواطئ، ثم يختفون قبل أن نتمكن من تحديد مواقعهم". هذا الوضع جعل الرد العسكري الأمريكي أقل فاعلية، وزاد من تكلفة الحرب بشكل ملحوظ.

تفاصيل الأداء العسكري الإيراني كما وردت في تقرير سي بي إس متاحة هنا

ليس هذا فقط، بل إن شبكة الاستخبارات الإيرانية تمكنت، وفقاً لمصادر استخباراتية غربية، من اختراق بعض أنظمة الاتصالات الأمريكية في المنطقة، مما سمح لها بمعرفة التحركات العسكرية قبل حدوثها. هذا الاختراق، إذا تم تأكيده، سيكون تطوراً خطيراً يغير موازين القوى في أي مواجهة مقبلة. إسرائيل، التي تتابع هذه التطورات بقلق شديد، أعلنت أكثر من مرة أنها "مستعدة لكل السيناريوهات"، لكن حتى هي تعترف بأن الحرب مع إيران في شكلها الحالي قد تكون مختلفة تماماً عن أي حرب خاضتها من قبل.

لماذا يصر ترمب على الموعد النهائي رغم كل الصعوبات؟

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إذا كان الميدان صعباً، والدعم الشعبي متراجعاً، والأوروبيون يئنون تحت وطأة ارتفاع أسعار الطاقة، فلماذا يصر ترمب على تحديد موعد نهائي الآن، ولماذا لم يكتفِ بتمديد الهدنة بهدوء كما فعل في المرات السابقة؟ الإجابة قد تكون سياسية أكثر منها عسكرية. فالانتخابات الرئاسية الأمريكية تقترب خطوة خطوة، وترمب يحتاج إلى "انتصار" يعلن للناخبين الأمريكيين أنه "حقق السلام" في الشرق الأوسط.

لكن الأهم من ذلك، وفقاً لتحليلات نشرتها مجلة فورين أفيرز في عددها الأخير، أن ترمب يريد إجبار إيران على تقديم تنازلات محددة قبل أن تصبح الحرب "قديمة" في أذهان الناخبين. هذه التنازلات تشمل: فتح مضيق هرمز بالكامل دون أي قيود، والموافقة على تفتيش المنشآت النووية بشكل مفاجئ، والتوقف عن دعم الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان. إيران حتى الآن ترفض هذه الشروط، وتعتبرها "إذلالاً" لا يمكن قبوله تحت أي ظرف.

لقراءة التحليل الكامل على مجلة فورين أفيرز، اضغط على هذا الرابط

هناك عامل آخر لا يجب إغفاله: الضغط الإسرائيلي. بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، يعتبر هذه الحرب "فرصة تاريخية" لا تتكرر لتوجيه ضربة قاصمة للبرنامج النووي الإيراني. في لقاءات مغلقة مع مسؤولين أمريكيين، كما كشفت القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية، يضغط نتنياهو بقوة على ترمب لعدم قبول أي اتفاق لا يتضمن تفكيك كامل للمنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض. هذا الضغط الإسرائيلي يضع ترمب بين خيارين: إما إرضاء الحليف الاستراتيجي وتشديد الشروط على إيران، مما يقلص فرص التوصل إلى اتفاق، أو تقديم تنازلات لإيران على حساب العلاقة مع إسرائيل.


إيران بين المطرقة والسندان – كيف تقرأ طهران المشهد؟

على الجانب الآخر من الطاولة، تقف إيران التي لا تقل تعقيداً عن نظيرتها الأمريكية، بل ربما أكثر. فصناعة القرار في طهران ليست بيد شخص واحد، بل هي حصيلة صراع دائم بين مراكز قوى متعددة: المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يملك الكلمة العليا في المسائل الاستراتيجية، الحرس الثوري الذي يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد والقرار العسكري، والجناح الدبلوماسي الذي يتولى ملف المفاوضات.

كل واحد من هؤلاء اللاعبين له حساباته المختلفة.

الانقسام العلني بين الحرس الثوري والدبلوماسيين الإيرانيين .

أحد أكثر التطورات إثارة للانتباه خلال الأيام الأخيرة هو ظهور انقسام علني بين قادة الحرس الثوري الإيراني والدبلوماسيين العاملين في ملف المفاوضات مع أمريكا. فبينما يدفع فريق الدبلوماسيين بقيادة وزير الخارجية باتجاه التوصل إلى أي اتفاق يخفف ولو قليلاً من وطأة العقوبات، يصر قادة الحرس الثوري على أن أي تنازل لأمريكا سيكون بداية النهاية للنظام الإيراني.

المتحدث باسم الحرس الثوري قال في تصريح نادر للتلفزيون الإيراني الرسمي قبل ثلاثة أيام إن "من يظن أن التفاوض مع أمريكا تحت الضغط سيحقق مصلحة إيران فهو واهم. أمريكا تريد استسلامنا، وليس اتفاقاً معنا". هذا التصريح القاسي لم يصدر عن أي مسؤول في الحرس الثوري منذ سنوات، مما يشير إلى أن التوتر بين الجناحين وصل إلى مستويات غير مسبوقة. بعض المصادر المقربة من المرشد الأعلى تقول إن علي خامنئي نفسه بدأ يغضب من هذا الانقسام العلني، وأصدر تعليمات صارمة بعدم الإدلاء بتصريحات متضاربة للإعلام، لكن يبدو أن التعليمات لم تؤت ثمارها بعد.

موقع المونيتور المتخصص في شؤون الشرق الأوسط نشر تحليلاً مفصلاً للانقسام الإيراني، يمكن قراءته من هنا

لماذا هذا الانقسام الحاد؟ الإجابة تكمن في الاقتصاد أكثر منها في السياسة. فالحرس الثوري يسيطر على شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي ازدهرت في ظل نظام العقوبات. تهريب الوقود، الاتجار عبر الحدود، مشاريع البناء والخدمات الأمنية – كلها قطاعات يسيطر عليها الحرس بشكل شبه كامل. أي انفتاح على الغرب ورفع للعقوبات قد يفتح الباب أمام منافسين جدد، وقد يكشف حجم الفساد والفوضى التي يدير بها الحرس هذه الإمبراطورية الاقتصادية. باختصار، الحرس الثوري يخاف من السلام أكثر مما يخاف من الحرب، لأن السلام قد يكون بداية نهاية هيمنته الاقتصادية.

أما الدبلوماسيون فلديهم قصة مختلفة. الريال الإيراني انهار الأسبوع الماضي إلى مستوى قياسي جديد، حيث تجاوز سعر الدولار الواحد 700 ألف ريال في السوق السوداء. التضخم السنوي يقترب من 55%، والبطالة بين الشباب تجاوزت 25%. الناس في الشوارع بدأوا يخرجون من جديد في احتجاجات خافتة لكنها متكررة، وقد شهدت مدن مثل أصفهان وتبريز ومشهد حركات احتجاجية محدودة خلال الأيام العشرة الماضية. الدبلوماسيون يعرفون أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلاً، وأن أي اتفاق، حتى لو كان غير كامل، قد يعطي النظام الإيراني متنفساً يحتاجه بشدة للبقاء.

هل إيران مستعدة حقاً للحرب؟

السؤال الذي يطرحه الكثيرون: إذا انهارت المفاوضات يوم الأحد، هل إيران مستعدة فعلاً لخوض حرب شاملة مع أقوى قوة عسكرية في العالم؟ الجواب المختصر: نعم، لكن ليس بالطريقة التي يتصورها الكثيرون.

إيران لا تستطيع ولا تريد مواجهة الأسطول الخامس الأمريكي في معركة بحرية مفتوحة. قدراتها البحرية لا تسمح بذلك، والتاريخ العسكري يؤكد أن التفوق الجوي والبحرية الأمريكي لا يمكن تحديه في المياه المفتوحة. لكن إيران لديها أسلحة أخرى لا تقل فاعلية: الميليشيات.

على مدى عقود، بنت إيران شبكة هائلة من الجماعات المسلحة الموالية لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الميليشيات ليست مجرد جماعات هامشية، بل هي جيوش كاملة بأكثر من 200 ألف مقاتل، تمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وخبرة قتالية كبيرة. الحوثيون في اليمن وحدهم، وفقاً لتقديرات استخباراتية أمريكية، يمتلكون ترسانة من الصواريخ والقذائف يمكنها استهداف العمق السعودي والإماراتي لشهور متواصلة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك النووي. إيران لم تعلن رسمياً امتلاكها سلاحاً نووياً، وكل التقارير الاستخباراتية الغربية تؤكد أن البرنامج النووي الإيراني لا يزال ضمن الحدود "السلمية". لكن العديد من المحللين يعتقدون أن إيران وصلت إلى "عتبة القدرة النووية"، أي أنها قادرة على إنتاج قنبلة نووية في غضون أسابيع أو شهور قليلة إذا اتخذت القرار السياسي بذلك. هذا السلاح غير المعلن هو أكبر نقطة ضغط تمتلكها إيران في أي مفاوضات مع الغرب.


إسرائيل – مستعدة لكل السيناريوهات أم تنتظر اللحظة المناسبة؟

بينما تنشغل واشنطن وطهران بموعد نهائي تلو الآخر، تقف إسرائيل في الزاوية تراقب وتستعد. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يخفِ موقفه أبداً: إسرائيل "مستعدة لكل السيناريوهات على المستويين الدفاعي والهجومي". هذا التصريح، رغم قصر عباراته، يحمل في طياته معانٍ كثيرة تستحق التحليل.

أولاً، لماذا تعلن إسرائيل استعدادها الآن وليس قبل شهر أو شهرين؟ الإجابة قد تكون بسيطة: لأن إسرائيل تشعر أن النافذة تضيق. إذا توصلت أمريكا إلى اتفاق مع إيران، فقد يكون هذا الاتفاق على حساب المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية. إسرائيل لا تريد أي اتفاق لا يتضمن تفكيك كامل للقدرات النووية الإيرانية، بينما أمريكا قد تقبل باتفاق "أقل من الكامل" إذا أنهى الحرب وخفف التوتر في المنطقة.

ثانياً، ماذا تعني عبارة "مستعدة لكل السيناريوهات" عملياً؟ تقارير عسكرية إسرائيلية تشير إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي كثف تدريباته على ضرب أهداف بعيدة المدى. طائرات F-35 الإسرائيلية تدربت خلال الأسبوعين الماضيين على الطيران لمسافات طويلة (أكثر من 2000 كيلومتر) بدون تزود بالوقود، وهي المسافة اللازمة للوصول إلى المواقع النووية الإيرانية في نطنز وفوردو وبوشهر.

تقرير صحيفة هآرتس الإسرائيلية حول الاستعدادات العسكرية متاح من هذا الرابط

لكن هناك جانب آخر أقل شهرة: الجانب الدبلوماسي. إسرائيل تعمل خلف الكابيس مع دول خليجية وعربية لتشكيل موقف موحد يضغط على واشنطن ألا تقدم تنازلات كبيرة لإيران. لقاءات سرية عقدت في أبوظبي والمنامة خلال الأسبوعين الماضيين جمعت مسؤولين إسرائيليين بنظرائهم الإماراتيين والبحرينيين، واتفق الجميع على أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يضع "سقفاً عالياً" من المطالب. هذه اللقاءات، رغم حساسيتها، تسربت لوسائل الإعلام، مما يشير إلى أن هناك من يريد إيصال رسالة إلى واشنطن مفادها أن إسرائيل وحلفاءها الخليجيين لن يقبلوا بأي حل "رخيص" مع إيران.

ماذا لو هاجمت إسرائيل إيران دون تنسيق مع واشنطن؟

هذا هو السيناريو الذي يقلق البيت الأبيض أكثر من أي شيء آخر. التاريخ يعيد نفسه: في الثمانينيات، هاجمت إسرائيل المفاعل النووي العراقي دون إبلاغ أمريكا مسبقاً. في 2007، هاجمت مفاعلاً سورياً كان قيد الإنشاء. ماذا لو قرر نتنياهو تكرار السيناريو هذه مع إيران؟

الفرق هذه المرة أن الرد الإيراني سيكون أكبر بكثير. أي هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية سيُقابل برد إيراني مباشر على إسرائيل، وليس فقط عبر حزب الله في لبنان أو الميليشيات في سوريا. صواريخ إيران الباليستية قادرة على الوصول إلى أي نقطة في إسرائيل، وحجم الترسانة الإيرانية (أكثر من 3000 صاروخ باليستي) قد يطغى على قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلية التي تعتبر الأكثر تقدماً في المنطقة.

لهذا السبب، أمريكا تحاول احتواء إسرائيل ودفعها لعدم اتخاذ أي خطوة أحادية. مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط زار تل أبيب قبل ثلاثة أيام في مهمة عاجلة، هدفها الأساسي هو "تنسيق المواقف" ومنع "أي مباغتات غير محسوبة". لكن نتنياهو، الذي لا يثق بأي اتفاق أمريكي مع إيران، قد لا ينتظر طويلاً. كلما طالت الحرب، زاد الضغط داخل إسرائيل لشن ضربة استباقية قبل أن تهدأ الأوضاع وتضيع الفرصة.


دول الخليج – الخاسر الأكبر مهما كانت نتيجة المفاوضات .

ربما أكثر المتضررين من هذه الحرب هم دول الخليج العربية. ليس لأنها تخسر المعركة – فهي ليست طرفاً مباشراً في القتال بالدرجة الأولى – بل لأن الحرب تدور فوق أراضيها، وبسببها، وضد مصالحها في نفس الوقت. هذه الحقيقة المرة تجعل صناع القرار في الرياض وأبوظبي والكويت والمنامة والدوحة في موقف صعب للغاية: أي اتفاق مع إيران قد يكون سيئاً لهم، وأي استمرار للحرب سيكون أسوأ.

دعونا نفكر في الأمر بهذه الطريقة: إذا انتهت المفاوضات باتفاق، فمن المرجح أن يتضمن هذا الاتفاق بنداً يسمح لإيران بفرض نوع من "الرسوم" أو "الضرائب" على السفن المارة عبر مضيق هرمز. هذه الفكرة، التي كانت حتى أشهر قليلة ماضية تعتبر من قبيل الخيال السياسي، أصبحت الآن على طاولة المفاوضات الجادة. تقارير مسربة من جولات التفاوض السابقة في مسقط وإسلام آباد تشير إلى أن الجانب الإيراني أصر على إدراج هذا البند، بينما الجانب الأمريكي لم يرفضه بشكل قاطع بل طلب "دراسة الآثار الاقتصادية".

تقارير رويترز حول مفاوضات مسقط متاحة من هذا الرابط

لماذا يرفض الخليج هذا البند بشدة؟ الإجابة واضحة: لأن دفعه يعني تمويل العدو. إذا دفعت دول الخليج مليارات الدولارات سنوياً لإيران كرسوم مرور، فهذا يعني أن إيران ستستخدم هذه الأموال لتطوير صواريخها وطائراتها المسيرة ودعم ميليشياتها في المنطقة. كما يعني قبولاً بسابقة خطيرة في القانون الدولي، إذ أن حرية الملاحة في المضائق الدولية مكفولة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وأخيراً وليس آخراً، فإن 90% من قيمة هذه الرسوم سيدفعها الخليجيون أنفسهم، لأن سفنهم هي الأكثر عبوراً للمضيق، وليس الناقلات الآسيوية أو الأوروبية كما قد يتصور البعض.

التداعيات الاقتصادية المباشرة على دول الخليج .

الحديث عن النظريات والأسئلة القانونية قد يكون مملاً، لذلك دعونا ننظر إلى الأرقام القاسية التي تروي قصة الحرب بشكل أفضل من أي كلام. وفقاً لتقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ونُشر في منتصف أبريل الجاري، فإن إجمالي الخسائر المباشرة التي تكبدتها دول الخليج حتى الآن توزع كالتالي:

الدولةالخسائر المباشرة (مليار دولار)تفاصيل الخسائر الرئيسية
السعودية25أضرار في منشآت أرامكو النفطية، تكاليف الدفاع الجوي، تراجع صادرات النفط
الإمارات18أضرار في منطقة خليفة الصناعية وميناء الفجيرة، تراجع السياحة بنسبة 40%
قطر20تراجع صادرات الغاز المسال، إغلاق مؤقت لمجمّع راس لفان
الكويت8أضرار في منشآت تحلية المياه، إغلاق أيام لمطار الكويت الدولي

تقرير معهد واشنطن كاملاً متاح على هذا الرابط

هذه الأرقام محزنة بطبيعة الحال، لكنها قد تكون مجرد البداية. تقارير اقتصادية أكثر تشاؤماً تتحدث عن أن استمرار الحرب لشهر إضافي قد يضاعف هذه الخسائر. الأهم من ذلك، أن الثقة في الاقتصادات الخليجية بدأت تتآكل. صناديق الاستثمار الأجنبي، التي كانت تتدفق على المنطقة قبل الحرب، أصبحت أكثر حذراً. شركات الطيران العالمية بدأت تعيد توجيه رحلاتها بعيداً عن المجال الجوي للخليج. السياحة، التي كانت ركيزة أساسية في خطط التنويع الاقتصادي السعودية والإماراتية، انهارت بشكل شبه كامل.

هناك جانب آخر لا يجب إغفاله: توقف أو تراجع مشاريع البنية التحتية العملاقة التي كانت دول الخليج تخطط لها. مشروع نيوم السعودي، على سبيل المثال، تأخرت مراحله التنفيذية بسبب تحويل الموارد المالية والبشرية لجهود الحرب. المدن الذكية في الإمارات ومراكز التكنولوجيا في قطر – كلها مشاريع وُضعت على الرف مؤقتاً إلى أن تهدأ الأوضاع. هذا التوقف ليس مجرد تأخير مؤقت، بل قد يكون له آثار استراتيجية بعيدة المدى على خطط التحول الاقتصادي في المنطقة.

دول الخليج ليست كتلة واحدة – الانقسامات الداخلية تطفو على السطح .

من أكثر الأمور التي يغفل عنها المراقبون عند الحديث عن "الموقف الخليجي" أن دول الخليج الست ليست كتلة واحدة متماسكة. كل دولة لها مصالحها المختلفة ورؤيتها الخاصة للتعامل مع الخطر الإيراني، وهذه الاختلافات أصبحت الآن أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

لنبدأ بالإمارات العربية المتحدة، التي تتخذ الموقف الأكثر تشدداً تجاه إيران بين جميع دول الخليج. السبب بسيط: الإمارات هي الأكثر تعرضاً للهجمات الإيرانية المباشرة. أكثر من 400 صاروخ باليستي وأكثر من 2000 طائرة مسيرة استهدفت أراضيها منذ بدء الحرب. اقتصادها، الذي يعتمد على السياحة والخدمات اللوجستية ومراكز المال والأعمال، هو الأكثر حساسية للاضطرابات الأمنية. لهذا السبب، تميل أبوظبي لدعم أي إجراء يضعف إيران بشكل دائم، وتفضل استمرار الحرب حتى تحقيق "نصر حاسم" على طهران.

في المقابل، نجد سلطنة عُمان التي تتبنى موقف الحياد والوساطة. عُمان ليست عضواً في التحالف العسكري الذي تقوده أمريكا ضد إيران، ولها علاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة مع طهران. كثير من المفاوضات السرية بين واشنطن وطهران عُقدت في مسقط، التي لعبت دور الوسيط الموثوق بين الطرفين. عُمان لا تريد توسع الحرب، وتخشى من أي تصعيد قد يطال أراضيها أو مياهها الإقليمية.

أما السعودية، فأكبر اقتصاد خليجي وعربي، فموقفها معقد ومتشعب. الرياض تريد إضعاف إيران بلا شك، وتعتبرها الخطر الاستراتيجي الأول على أمنها القومي. لكن المملكة تدرك أيضاً أن الحرب الشاملة مع إيران قد تكون لها تداعيات لا يمكن السيطرة عليها. اليمن لا يزال جبهة مفتوحة، واستهداف منشآت أرامكو النفطية قد يكلف السعودية غالياً. لهذا السبب، تحاول المملكة التوفيق بين موقفين: من ناحية، تحافظ على تحالفها العسكري مع واشنطن وتُبقي قواعدها وأجواءها مفتوحة للطيران الأمريكي، ومن ناحية أخرى، تحاول إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران عبر الوسطاء، ربما لاستكشاف إمكانية تفاهمات مستقبلية.

قطر وموقفها مختلف أيضاً. الدوحة لديها علاقات معقولة مع طهران، وتشترك معها في استغلال حقل غاز الشمال العملاق. قطر لا تريد حرباً إقليمية واسعة، وتخشى من أن أي تصعيد قد يؤثر على صادراتها من الغاز المسال، التي تشكل شريان حياتها الاقتصادي. ولهذا السبب، نجد الإعلام القطري أقل تصعيداً من الإعلام الإماراتي والسعودي في تغطيته للحرب.

هذه الانقسامات الخليجية، رغم أنها ليست جديدة، إلا أن الحرب جعلتها أكثر وضوحاً وأكثر تأثيراً على مجريات الأحداث. وعندما يحين وقت اتخاذ القرارات الحاسمة – هل نقبل باتفاق قد يكون سيئاً أم نواصل الحرب以待 تحسن الأوضاع؟ – قد يفاجئنا الجميع بمواقف غير متوقعة.

ملاحظة للمهتمين بالشأن الخليجي: تابعوا تصريحات وزراء خارجية دول الخليج في الأيام المقبلة. هناك اجتماع طارئ لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يُعقد غداً الخميس في الرياض، ومن المتوقع أن يصدر عن الاجتماع بيان مهم قد يعيد تعريف "الموقف الخليجي الموحد" من الأزمة.


الصين وروسيا – من يكسب من حرب الآخرين؟

بينما تنشغل أمريكا وإيران والدول العربية في خنادق الحرب وطاولات المفاوضات، هناك لاعبون كبار آخرون يراقبون من بعيد ويستخلصون الدروس بل ويستفيدون من الأزمة. الصين وروسيا ليسا طرفين في الصراع، لكنهما بالتأكيد ليسا طرفين محايدين بالمعنى التقليدي للكلمة.

لنبدأ بالصين، القوة العظمى الصاعدة التي تنظر إلى هذه الحرب كفرصة ذهبية لتعلم "فنون الحرب الحديثة" بتكلفة صفر. بكين لا تتدخل عسكرياً في النزاع، لكنها تراقب كل صاروخ وكل طائرة مسيرة وكل مناورة بحرية بدقة متناهية.

الصين: درس عملي مجاني في حرب المستقبل .

ما الذي تبحث عنه الصين بالضبط في هذا الصراع؟ ببساطة، إجابات على أسئلة استراتيجية قد تواجهها في مواجهة محتملة مع أمريكا في تايوان أو بحر الصين الجنوبي. كيف تستخدم أمريكا الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية بدقة؟ كيف تُدار حاملات الطائرات وتناوبها في منطقة عمليات مستمرة؟ ما هي نقاط ضعف أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية وكيف يمكن استغلالها؟

كل هذه الأسئلة تجد إجاباتها العملية في مياه الخليج العربي كل يوم. بكين ترسل مراقبين عسكريين إلى المنطقة (دون إعلان رسمي بالطبع)، وتجمع البيانات من مصادر مفتوحة ومغلقة، وتُعيد تحليلها في مراكز الدراسات العسكرية الصينية. هذا هو نوع "التعليم المجاني" الذي لا يمكن شراؤه بأي ثمن.

موقع بلومبرغ نشر تقريراً حول استفادة الصين من الحرب، يمكن قراءته من هنا

لكن الأمر لا يتوقف عند حد المراقبة والتعلم. تقارير استخباراتية غربية (لم تؤكد رسمياً لكنها تتردد بقوة في أروقة البنتاغون) تشير إلى أن الصين قامت خلال الأسابيع الماضية بتأجير أقمار صناعية للحرس الثوري الإيراني. هذه الأقمار، المُجهزة بكاميرات عالية الدقة وتقنيات استشعار عن بُعد، قدمت لإيران صوراً تفصيلية للتحركات العسكرية الأمريكية والقواعد الخليجية، مما ساعدها على توجيه ضربات دقيقة على مواقع حساسة مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.

إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فهي تمثل تطوراً خطيراً يغير طبيعة الصراع. الصين لم تعد مجرد مراقب محايد، بل أصبحت طرفاً غير مباشر يساعد أحد أطراف القتال بتكنولوجيا متطورة. هذا يجعلها شريكاً في الدماء التي تُراق، ويضعها في مواجهة غير معلنة مع أمريكا في المنطقة. دول الخليج أيضاً لاحظت هذا التطور، والثقة بينها وبين بكين – التي كانت تتعزز خلال السنوات الأخيرة بفضل الاتفاقيات التجارية الضخمة – بدأت تتآكل بشكل خطير.

روسيا: المستفيد الأكبر من ارتفاع أسعار الطاقة .

أما روسيا، فقصتها مختلفة لكن النتيجة واحدة: الاستفادة من الأزمة. موسكو لا تكترث كثيراً لمن يفوز أو يخسر في الخليج، طالما أن أسعار النفط والغاز تبقى مرتفعة. كل دولار زيادة في سعر برميل النفط يضاف إلى الميزانية الروسية التي تستنزفها حرب أوكرانيا، التي دخلت عامها الثالث دون أي بوادر للحل.

الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية الروسية تشير إلى أن الإيرادات النفطية لروسيا ارتفعت بنسبة 35% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع الأخير من عام 2025. هذا الارتفاع يُعزى بشكل مباشر إلى التوترات في الخليج التي رفعت أسعار النفط العالمية بنسبة تزيد عن 40% منذ بدء الحرب في فبراير. بعبارة أخرى، كل قنبلة تنفجر في الخليج تضع أموالاً إضافية في خزينة الكرملين.

هل تتدخل روسيا عسكرياً لدعم إيران؟

السؤال المشروع الذي يطرحه كثيرون: إذا وصلت الأمور إلى حافة الهاوية، هل ستتدخل روسيا بشكل مباشر إلى جانب إيران؟ الإجابة المختصرة: غير مرجح. روسيا لديها ما يكفي من المشاكل في أوكرانيا، وأي انخراط عسكري جديد في الشرق الأوسط سيكون فوق طاقتها الحالية. لكن هذا لا يعني أن روسيا لا تدعم إيران. الدعم الروسي يأتي من خلال الأسلحة والعتاد والتغطية السياسية في الأمم المتحدة.

موسكو زودت طهران بأنظمة دفاع جوي متطورة من طراز S-400 خلال الشهر الماضي، وهي خطوة نوعية تعزز قدرة إيران على حماية منشآتها الحيوية من الضربات الجوية. كما أن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ثلاث مرات خلال الشهرين الماضيين لإفشال قرارات كانت تهدف إلى تشديد العقوبات على إيران أو إدانتها عسكرياً. هذا الدعم السياسي والعسكري، رغم أنه ليس تدخلاً مباشراً، فهو كافٍ لإبقاء إيران في اللعبة ويمنع انهيارها السريع تحت الضغط الأمريكي.


التداعيات الاقتصادية العالمية – عندما يشتعل الخليج يرتجف العالم .

الحرب في الخليج ليست شأناً محلياً أو إقليمياً فقط. إنها حرب تؤثر على كل إنسان على وجه الأرض، لأن مفاصل الاقتصاد العالمي تمر عبر مياه الخليج العربية. التوقف عن هذه الحقيقة يجعلنا نفهم لماذا القوى الكبرى تتابع التطورات بقلق شديد، ولماذا الأضرار تمتد إلى أبعد بكثير من ساحات القتال.

مضيق هرمز: الشريان الذي لا يمكن تعويضه .

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان. إنه الممر البحري الأكثر أهمية في العالم، حيث يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي وحوالي 25% من الغاز الطبيعي المسال. عشرون مليون برميل من النفط تعبر هذا المضيق يومياً، وإذا توقف هذا التدفق ولو لأيام قليلة، فالعالم بأسره سيشعر بالصدمة.

دعونا ننظر إلى الأرقام: حسب إحصاءات وكالة الطاقة الدولية، فإن الدول الآسيوية هي الأكثر اعتماداً على نفط الخليج. اليابان تستورد 85% من احتياجاتها النفطية من المنطقة، وكوريا الجنوبية 80%، والصين حوالي 45% (لكن النسبة في تزايد مستمر). الهند تعتمد بالكامل تقريباً على نفط الخليج لتلبية 90% من احتياجاتها. إذا أُغلق المضيق، فهذه الدول ستدخل في أزمة طاقة حادة خلال أيام، وليس أسابيع أو شهور.

بيانات وكالة الطاقة الدولية حول تدفق النفط متاحة من هذا الرابط

لكن الأزمة لن تقتصر على دول آسيا البعيدة. مصر مثلاً، التي تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة، تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها النفطية والغازية عبر الخليج. الأردن ولبنان والسودان أيضاً في قائمة الدول التي ستتأثر بشدة. باختصار، أي ارتفاع كبير في أسعار النفط سيضرب الدول العربية الفقيرة والمتوسطة الدخل بقسوة، ويهدد استقرارها السياسي الذي أصبح هشاً أصلاً.

شركات الطيران: أول الضحايا .

قطاع الطيران المدني هو من أولى الضحايا في أي أزمة إقليمية، وهذه الحرب ليست استثناء. شركات الطيران العالمية بدأت فعلاً في إعادة توجيه رحلاتها أو إلغائها بالكامل، بسبب المخاوف الأمنية من الطيران فوق منطقة الخليج التي تحولت إلى ساحة حرب.

الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) أصدر بياناً في الثامن عشر من أبريل دعا فيه جميع شركات الطيران إلى "توخي الحذر الشديد" عند التخطيط لمسارات رحلاتها فوق الخليج وبحر العرب. هذا البيان الدبلوماسي يعني في اللغة العملية: تجنبوا المجال الجوي للخليج قدر الإمكان، وإذا اضطررتم لاستخدامه، فتأكدوا من التنسيق مع السلطات العسكرية في المنطقة.

ما هي نتائج هذا البيان؟ شركات الطيران الأوروبية والآسيوية بدأت بالفعل في تغيير مساراتها. طوّرت الخطوط الجوية البريطانية مسار رحلاتها إلى الهند وسريلانكا لتمر عبر إيران بدلاً من الخليج، مما أضاف ساعتين إضافيتين في المتوسط لكل رحلة. الخطوط الجوية القطرية والإماراتية، وهما شركتان خليجيتان، تأثرتا بشكل مباشر حيث أن مجالهما الجوي الرئيسي هو مسرح العمليات العسكرية.

الأرقام تتحدث عن نفسها: شركة الطيران الإسكندنافية (SAS) أعلنت عن إلغاء 1000 رحلة خلال الشهر الجاري، معظمها إلى وجهات في آسيا والشرق الأوسط. شركات طيران ألمانية وفرنسية وإيطالية أعلنت عن تخفيض عدد رحلاتها إلى المنطقة بنسب تراوحت بين 30 و50%. الخسائر المتراكمة على قطاع الطيران العالمي بسبب هذه الحرب تقدر بمليارات الدولارات شهرياً، وهذه الخسائر ستنعكس في النهاية على المسافر العادي عبر تذاكر أغلى وخيارات أقل.

الدول النامية: الجرحى غير المعلنين في هذه الحرب .

في حين تركز وسائل الإعلام العالمية على تأثير الحرب على أسعار النفط وأسواق الأسهم، هناك فئة من الدول تعاني بصمت وكأنه لا أحد يراها: الدول النامية الفقيرة والمتوسطة الدخل التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة.

باكستان، على سبيل المثال، هي واحدة من أكثر الدول تضرراً. باكستان تستورد 80% من احتياجاتها النفطية عبر مضيق هرمز، وأي ارتفاع في الأسعار يعني زيادة في فاتورة الاستيراد وتراجعاً في الاحتياطيات الأجنبية التي تعاني أصلاً من أزمة حادة. الحكومة الباكستانية بدأت بالفعل في تطبيق تقنين الكهرباء في عدة مدن، مما أثار احتجاجات شعبية واسعة في الأسبوع الماضي.

بنغلاديش، الدولة الآسيوية الفقيرة الأخرى، أغلقت جامعاتها لمدة أسبوع وقلصت ساعات العمل في المصانع والشركات لتوفير الطاقة. اقتصاد بنغلاديش، الذي يعتمد بشكل كبير على صناعة النسيج والتصدير، لا يتحمل أي زيادة في تكاليف الطاقة دون أن يهتز.

حتى الهند، القوة الاقتصادية الصاعدة، لم تسلم من التداعيات. الحكومة الهندية خاطبت واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية لتأمين ممرات بديلة لاستيراد النفط، لكن البدائل محدودة ومكلفة. تحلية المياه في دول الخليج نفسها تأثرت بالحرب، مما يهدد الأمن المائي للسكان المحليين.

تقرير الأمم المتحدة حول تأثير الحرب على الدول النامية متاح من هنا


ماذا بعد الأحد – السيناريوهات المتوقعة .

مع اقتراب موعد الأحد، ليلة الحسم كما يسميها البعض، يزداد التوتر في المنطقة. الكل يريد أن يعرف: ماذا سيحدث بعد غروب شمس يوم الأحد؟ هل سنشهد إعلان سلام ينهي الحرب، أم تمديداً جديداً للهدنة، أم انفجاراً عسيراً يغير المنطقة إلى الأبد؟

دعونا نحلل السيناريوهات الثلاثة الرئيسية:

السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً): تمديد جديد للهدنة .

هذا هو السيناريو الذي تكرر أربع مرات خلال الشهرين الماضيين، ولا يوجد سبب قوي لعدم تكراره مرة خامسة. في هذا السيناريو، سيعلن ترمب فجأة، ربما مساء الأحد أو صباح الاثنين، عن "قبول إيران بشروط أمريكا الرئيسية" (دون ذكر التفاصيل بالطبع)، وسيعلن تمديد الهدنة لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع لإتاحة الوقت "لاستكمال التفاصيل الفنية".

لماذا هذا السيناريو مرجح؟ لأن كلا الطرفين لديه أسباب قوية لتجنب الانهيار الكامل للمفاوضات. أمريكا لا تريد حرباً أوسع في عام الانتخابات. إيران لا تريد حرباً شاملة وهي على حافة الانهيار الاقتصادي. إسرائيل تريد الحرب لكنها لا تستطيع خوضها دون غطاء أمريكي. دول الخليج تريد حلاً لكنها تخشى ثمنه.

لكن تمديد الهدنة ليس حلاً. كل تمديد جديد هو مجرد تأجيل للمواجهة الحتمية بين حلم أمريكا باتفاق "يُرضي الجميع" وبين واقع لا يمكن إرضاء أي طرف فيه دون إغضاب الأطراف الأخرى.

السيناريو الثاني (احتمال قائم): ضربة أمريكية محدودة .

إذا شعر ترمب أن إيران "تتسوق لشراء الوقت" وتستخدم الهدنة لتطوير مواقعها العسكرية وإعادة تجميع قواتها، فقد يقرر شن ضربة عسكرية محدودة تستهدف مواقع استراتيجية معينة مثل منصات إطلاق الصواريخ الساحلية أو مراكز القيادة والسيطرة للحرس الثوري.

في هذا السيناريو، الهدف الأمريكي هو إرسال رسالة واضحة: "نحن جادون، والوقت ليس في صالحكم". لكن الخطر في هذا السيناريو أن الرد الإيراني قد يكون أكبر مما تتوقعه واشنطن. إيران قد ترد باستهداف القواعد الأمريكية في قطر والإمارات والبحرين، وقد تفتح جبهات جديدة في اليمن والعراق وسوريا. ما بدأ كضربة "محدودة" قد يتوسع بسرعة إلى حرب إقليمية لا يريدها أحد.

السيناريو الثالث (الأقل احتمالاً لكنه الأخطر): حرب شاملة إقليمية .

هذا هو السيناريو الذي يرعب الجميع. في هذا العالم الكابوسي، تنهار المفاوضات تماماً، وتشن أمريكا (بدعم من بريطانيا وربما فرنسا) حملة جوية وبحرية واسعة ضد إيران. إيران ترد بإغلاق مضيق هرمز وإطلاق صواريخ باليستية على القواعد الأمريكية والقواعد الخليجية وإسرائيل.

سرعة التصعيد ستكون مخيفة. خلال 48 ساعة فقط من بدء القتال الواسع، ستكون المنطقة بأكملها في حالة حرب. أسعار النفط ستصعد إلى 200 أو 250 دولاراً للبرميل. الأسواق المالية العالمية ستنهار. شركات الطيران ستعلق رحلاتها إلى المنطقة إلى أجل غير مسمى. الدول الفقيرة ستواجه مجاعات وانهيارات اقتصادية.

من يرغب في هذا السيناريو؟ إسرائيل فقط، ربما. نتنياهو يعتقد أن هذه هي الفرصة التاريخية لضرب إيران ضربة قاضية قبل أن تصبح دولة نووية. بقية الأطراف – أمريكا وإيران ودول الخليج والعالم أجمع – لا يريدون هذه الحرب. لكن في الشرق الأوسط، الحروب لا تحدث دائماً لأن أحداً يريدها، بل تحدث أحياناً لأن أحداً لا يستطيع منعها.

لقراءة تحليل السيناريوهات بالتفصيل على موقع معهد دول الخليج العربية في واشنطن، اضغط هنا


الخاتمة: هل المنطقة على حافة الهاوية؟

العودة إلى السؤال الذي بدأنا به: هل يوم الأحد هو الموعد الحقيقي للحسم أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل المواعيد النهائية؟

الإجابة، كما هي الحال دائماً في الشرق الأوسط، معقدة ومتشعبة. يوم الأحد لن يكون نهاية القصة، بغض النظر عما سيحدث. إذا تم تمديد الهدنة، فسنعود إلى مربع الصفر، مع تهديدات جديدة ومواعيد نهائية جديدة. إذا انهارت المفاوضات، فسنشهد تصعيداً عسكرياً قد لا يتوقف عند حدود السيطرة.

دول الخليج، كما حاولنا أن نبيّن في هذا التحليل، هي الخاسر الأكبر في كل الأحوال. استمرار الحرب يدمّر بنيتها التحتية ويُبعد الاستثمارات ويُجهد اقتصادها. انتهاء الحرب بهدنة قد يعني فرض رسوم إيرانية على مضيق هرمز، أي تمويل العدو على حسابه الخاص. لا يوجد خيار "غير مؤلم" لدول الخليج.

أمريكا تفاوض من موقع قوة ظاهري، لكنها في الواقع تبحث عن مخرج. ترمب يريد اتفاقاً قبل الانتخابات، أي اتفاق، طالما يسمح له بالإعلان عن "النصر". إيران تتفاوض من موقع ضعف اقتصادي لكنها تعرف أن لديها أوراق قوة لا يمكن تجاهلها: الموقع الجغرافي، الميليشيات، والصبر الاستراتيجي.

والشعب العربي العادي في الخليج وخارجه يدفع الثمن. أسعار السلع ترتفع. فرص العمل تقل. الأمن والأمان يتحولان إلى ذكريات.

نأمل أن تكون الدبلوماسية أقوى من الرصاص، وأن يكون العقلاء في كل الأطراف قادرين على تجنيب المنطقة المزيد من الدمار. لكن تجارب التاريخ تقول لنا: في الشرق الأوسط، الأمل شيء جميل، لكن الاستعداد للأسوأ هو واجب.

كتَب هذا التحليل: وحدة التحليل الجيوسياسي
آخر تحديث: 23 أبريل 2026، الساعة 10:00 صباحاً بتوقيت جرينتش

لمتابعة آخر التطورات لحظة بلحظة، تابعوا البث المباشر لقناة الجزيرة عبر هذا الرابط


قائمة المصادر الرئيسية المستخدمة في هذا التحليل .

  1. البيت الأبيض – الموقع الرسمي

  2. موقع أكسيوس الإخباري

  3. شبكة سي بي إس الأمريكية

  4. وكالة رويترز

  5. وكالة بلومبرغ

  6. مجلة فورين أفيرز

  7. موقع المونيتور

  8. صحيفة هآرتس الإسرائيلية

  9. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

  10. معهد دول الخليج العربية في واشنطن

  11. وكالة الطاقة الدولية

  12. الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)


تنويه: هذا المقال هو عمل تحليلي يعتمد على معلومات متاحة للعموم وموزعة من المصادر المذكورة أعلاه. الآراء والتحليلات الواردة فيه تعبر عن وجهة نظر الكاتب والمحررين، ولا تعكس مواقف أي جهة حكومية أو عسكرية. القارئ مدعو للتحقق من المعلومات عبر المصادر الرسمية قبل اتخاذ أي قرار بناءً عليها.


إقرأ أيضا   :

حصري: مصر تسلح الخليج سراً بأحدث منظومات "سكاي جارد أمون" – هل دخل السيسي خط المواجهة مع إيران؟ الكويت والسعودية والإمارات تواجه طوفان المسيرات والصواريخ الباليستية

"الفخ الإيراني: كيف حول ترامب "الضغط الأقصى" إلى إذلال استراتيجي على أبواب هرمز"

حصار هرمز ( إغلاق المغلق ) : أمريكا تغلق البحر والصين تشعل قنابل البيتكوين وإيران تبتسم من تحت الأنقاض. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم