ترمب يهدد «حماس» بالسماح لإسرائيل باستئناف العمليات العسكرية في غزة.
تحليل شامل لتصريحات الرئيس الأمريكي ودلالاتها السياسية والعسكرية في المشهد الشرق أوسطي.
في تصريح أعاد إشعال النقاش الدولي حول مستقبل الهدنة في غزة، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حركة حماس بأنه قد يسمح لإسرائيل باستئناف العمليات العسكرية إذا لم تلتزم الحركة بشروط اتفاق وقف إطلاق النار، وتسليم رفات الرهائن، ونزع سلاحها طوعًا.
وفي مقابلة هاتفية مع شبكة CNN مساء الأربعاء، قال ترمب إن “القوات الإسرائيلية قد تعود إلى الشوارع بمجرد أن أقول كلمة”، مؤكدًا أن “ما يحدث مع حماس سيتم تصحيحه بسرعة”.
تصريحات ترمب جاءت بعد أيام من اتفاق شرم الشيخ للسلام، الذي رعته مصر وشاركت فيه نحو 59 دولة، في محاولة لإنهاء القتال المستمر منذ شهور بين إسرائيل وحماس.
لكنّ تهديده الأخير فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى التزام واشنطن بالحل الدبلوماسي، وما إذا كان التصعيد العسكري سيعود إلى الواجهة قريبًا.
خلفية الصراع وسياق الاتفاق الأميركي
جذور المواجهة
منذ تصاعد العنف في أكتوبر 2023، أصبح قطاع غزة مسرحًا لعمليات عسكرية متبادلة بين إسرائيل وحماس.
الهجوم الذي شنّته الحركة على الأراضي الإسرائيلية فتح الباب أمام ردٍّ واسع من الجيش الإسرائيلي، أسفر عن آلاف القتلى والجرحى ودمارٍ واسع في البنية التحتية للقطاع.
وفي ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة، دخلت مصر وقطر والأمم المتحدة على خط الوساطة لتثبيت وقف إطلاق النار.
خطة ترامب لغزة
تُعرف خطة ترامب باسم "خطة السلام في غزة"، وتتضمن أكثر من 20 بندًا، أهمها:
- نزع سلاح حماس بالكامل.
- تسليم جميع الرهائن الأحياء والرفات خلال 72 ساعة.
- إنشاء إدارة انتقالية في غزة تحت إشراف دولي.
- ضمانات أمريكية بالعفو عن عناصر حماس الملتزمين بالتسليم والمغادرة الآمنة.
وفقًا لصحيفة The Washington Post، فإن الخطة تمثل أول التزام أميركي واضح بنزع سلاح حماس دون تدخل عسكري مباشر، مع الاحتفاظ بخيار “الرد السريع” حال إخلال الاتفاق.
مضمون تهديد ترامب — كلمة واحدة تُعيد الحرب
في مكالمته مع شبكة CNN، أوضح ترامب أن إسرائيل يمكن أن تعود إلى العمليات العسكرية “بكلمة واحدة منه”، في حال رفضت حماس الالتزام ببنود الاتفاق.
وقال بلهجة حازمة: “لقد ناقشت الأمر مع بيبي (نتنياهو)، وكان عليّ كبح جماح الجيش الإسرائيلي، لكنّهم جاهزون للعودة في أي لحظة”.
كما أشار إلى أن الولايات المتحدة تتابع تقارير تتحدث عن “إعدامات ميدانية” يُشتبه أن حماس نفذتها داخل القطاع، قائلًا إن “المسألة قيد التقييم، لكننا نعمل على تفكيك العصابات العنيفة هناك”.
وأضاف ترامب في تصريح آخر من البيت الأبيض مساء الأربعاء أن “حماس تنقّب عن رفات الرهائن الموتى، وبعضهم مدفون على أعماق كبيرة داخل الأنفاق”، مضيفًا أن “إسرائيل قتلت ما يقرب من 70 ألفًا منهم، وقلت لحماس: حان الوقت الآن، سنرى ما سيحدث”.
تحليل البعد السياسي للتهديد الأميركي
رسالة مزدوجة إلى حماس وإسرائيل
بحسب تحليل Le Monde، فإن تصريحات ترامب تُوجَّه إلى طرفين في آن واحد:
- إلى حماس: التهديد بالتصعيد إذا لم تُسلّم ما تبقّى من الرفات وتبدأ نزع السلاح.
- إلى إسرائيل: التأكيد على أن واشنطن ما زالت تتحكم في وتيرة الحرب، وأن أي عمل عسكري جديد يجب أن يمرّ عبرها.
الهدف: استعادة الدور الأميركي
يبدو أن إدارة ترامب تسعى إلى استعادة الدور الأميركي القيادي في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع النسبي في عهد الإدارة السابقة.
فالتهديد ليس مجرد تصريح عابر، بل أداة سياسية لتأكيد الهيمنة الأميركية على المشهد الإقليمي.
معادلة القوة والدبلوماسية
من الناحية العملية، يمثل التهديد ضغطًا تكتيكيًا على حماس لتنفيذ التزاماتها، لكنه أيضًا ورقة مساومة سياسية مع إسرائيل التي تطالب بحرية التحرك العسكري دون قيود.
هذا التوازن بين “العصا والجزرة” هو ما جعل تصريحات ترامب تُثير اهتمام المحللين في الغرب.
الأبعاد العسكرية والقانونية للتهديد
البعد العسكري
أي عملية إسرائيلية جديدة في غزة ستتطلب إعادة تعبئة واسعة للقوات البرية والجوية، وتنفيذ عمليات اقتحام معقدة داخل المناطق السكنية.
كما ستعتمد على المعلومات الاستخباراتية الأميركية لتحديد مواقع الأنفاق والأسلحة.
إلا أن المخاطر الإنسانية الهائلة تجعل من الصعب تنفيذ هجوم واسع دون انتقادات دولية.
البعد القانوني الدولي
وفقًا للقانون الدولي الإنساني، فإن أي حملة عسكرية يجب أن تراعي:
- مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
- حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة.
- حماية المنشآت المدنية (مستشفيات – مدارس – بنية تحتية).
في حال عادت العمليات، قد تواجه إسرائيل اتهامات جديدة بارتكاب انتهاكات جسيمة، كما حدث في تقارير الأمم المتحدة الأخيرة بشأن حرب غزة.
الموقف الإسرائيلي — دعم مشروط وقلق داخلي
دعم نتنياهو العلني
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبّر عن دعمه لتصريحات ترامب، مؤكدًا أن “إسرائيل لن تتهاون مع أي تهديد”، لكنه تجنّب الإعلان عن موعد محتمل لاستئناف العمليات.
في المقابل، أشارت تقارير The Guardian إلى أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت واشنطن بأن “حماس تحاول إطالة الوقت” في تسليم الرفات، وهو ما يثير غضب تل أبيب.
الانقسام الداخلي في إسرائيل
التهديد الأميركي لم يُرح الجميع داخل إسرائيل؛ فهناك معارضة متزايدة ترى أن ترامب يستخدم الصراع كورقة انتخابية، بينما يعاني نتنياهو من محاكمات فساد وضغوط داخلية، دفعت ترامب للتعليق قائلًا: “أميركا أنقذت إسرائيل، والآن ستنقذ نتنياهو من المحاكمة”.
الموقف العربي والدولي
مصر وقطر والوساطة المستمرة
تواصل مصر جهودها في الوساطة لتثبيت الاتفاق، خاصة أن القاهرة تستضيف لجنة مراقبة تنفيذ البنود.
كما تسعى قطر لتنسيق اتصالات بين واشنطن وحماس عبر وسطاء محليين لتجنب التصعيد.
أوروبا والأمم المتحدة
التحرك الأوروبي ركّز على الجانب الإنساني، إذ دعا الاتحاد الأوروبي إلى الالتزام الصارم بوقف النار، وحذّر من أن أي عملية عسكرية جديدة “ستنسف عملية إعادة الإعمار”.
أما الأمم المتحدة فطالبت بفتح تحقيق دولي في الاتهامات الموجهة إلى الجانبين بشأن الانتهاكات.
السيناريوهات المحتملة
1. التزام جزئي من حماس
قد تسلّم الحركة مزيدًا من الرفات لتخفيف الضغط الدولي دون إعلان صريح بنزع السلاح، ما يُجنّبها التصعيد المباشر.
2. تصعيد محدود
قد تعود إسرائيل إلى ضربات جوية محددة الأهداف، دون حرب شاملة، لإرسال رسالة ردع قوية دون كلفة إنسانية ضخمة.
3. وساطة جديدة برعاية مصرية – أميركية
من المرجّح أن تعود القاهرة لتقود جولة جديدة من المفاوضات، خاصة إذا شعر الطرفان بخطورة الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
4. انهيار الاتفاق وعودة الحرب
السيناريو الأسوأ يتمثل في رفض حماس الكامل للالتزامات، ما يمنح إسرائيل غطاءً أميركيًا لاستئناف الحرب بقرار واحد من ترامب.
الأبعاد الاستراتيجية والانتخابية لترامب
لا يمكن فصل تهديدات ترامب عن المشهد الداخلي الأميركي، إذ يسعى الرئيس العائد إلى البيت الأبيض لإظهار حزمٍ دولي يعزز صورته في الانتخابات المقبلة.
ويحاول أن يقدم نفسه باعتباره الزعيم القادر على “فرض السلام بالقوة”، في مواجهة منافسيه الذين يتهمونه بالفوضوية.
كما يسعى لاستثمار “النجاح النسبي” في وقف إطلاق النار السابق كإنجاز شخصي، مع الإشارة إلى أن “السلام في الشرق الأوسط أصعب من إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية”، على حد قوله.
هل يتجه الشرق الأوسط إلى جولة جديدة من النار؟
تصريحات ترامب تمثل تحولًا خطيرًا في اللهجة الأميركية، وتنذر بعودة التصعيد إذا لم تلتزم الأطراف بخطة السلام.
ورغم أن التهديد يبدو أداة ضغط دبلوماسية في الوقت الراهن، إلا أن تاريخ المنطقة يُظهر أن شرارة صغيرة قد تكفي لإشعال مواجهة جديدة.
المعادلة المعقدة بين حماس، إسرائيل، ومصر، تجعل من أي خطأ تكتيكي احتمالًا كارثيًا.
لكن المؤكد أن التهديد الأميركي يعيد خلط الأوراق ويعيد واشنطن إلى قلب المعادلة الشرق أوسطية بقوة.
الخاتمة
بين كلمة ترامب وصمت حماس، يقف الشرق الأوسط على حافة اختبار جديد.
فإما أن ينجح الاتفاق في تثبيت الهدوء الهش، أو تُعيد واشنطن فتح باب الجحيم من جديد عبر قرار سياسي واحد.
المؤشرات الحالية تُظهر أن الهدنة معلقة بخيطٍ رفيع، وأن مصير غزة لا يزال مرهونًا بتوازن المصالح بين واشنطن وتل أبيب والفاعلين الإقليميين.
🔵 للمزيد من التفاصيل والتحليلات، يمكن متابعة تغطية The Washington Post وThe Guardian.

تعليقات
إرسال تعليق