مصر تشعل سباق التسلح البحري وتواجه عطش النيل: صفقة الغواصات الإسبانية S-80 وسد النهضة بين الردع المائي والسيادة الإقليمية
مصر تستعد لتعزيز قوتها البحرية وتوتر مائي مع إثيوبيا: صفقة الغواصات الإسبانية وسد النهضة.
في ظل تصاعد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا حول ملء وتشغيل سد النهضة، تتحرك مصر بخطى استراتيجية لتعزيز قوتها البحرية عبر صفقة الغواصات الإسبانية S-80 Plus، التي تمثل نقلة نوعية في تكنولوجيا الأعماق وردع التهديدات المائية. المقال يرصد تفاصيل الصفقة مع شركة نافانتيا، وتأثيرها على ميزان القوى في البحرين الأحمر والمتوسط، ودلالاتها السياسية وسط اشتداد الصراع الإقليمي على مياه النيل. تحليل شامل للعلاقة بين الأمن المائي والردع العسكري المصري في مواجهة التحديات الإثيوبية والإقليمية، وتوازنات القوة الجديدة التي تعيد رسم خريطة الشرق الإفريقي والمتوسطي.
في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التوتر الإقليمي حول سد النهضة الإثيوبي، تتخذ القاهرة خطوات عسكرية واستراتيجية متقدمة نحو تعزيز قوتها البحرية، في محاولة لتأمين مصالحها المائية والاقتصادية والجيوسياسية الممتدة من نهر النيل إلى البحرين الأحمر والمتوسط.
أحدث هذه الخطوات تمثلت في صفقة الغواصات الإسبانية S-80 Plus التي تستعد مصر لتوقيعها مع شركة «نافانتيا» الإسبانية، في إطار مشروع طموح لتوطين صناعة السفن والغواصات داخل ترسانة الإسكندرية.
تتقاطع هذه الصفقة مع مسار تصاعد الأزمة المائية بين القاهرة وأديس أبابا، ما يجعلها أكثر من مجرد اتفاق تسليحي — إنها رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد في لحظة إقليمية حرجة.
صفقة الغواصات الإسبانية S-80 Plus — بوابة مصر إلى تكنولوجيا الأعماق
تُعد الغواصات الإسبانية من فئة S-80 Plus من أحدث الغواصات الأوروبية المتقدمة، إذ تتميز بنظام دفع مستقل عن الهواء (AIP) يسمح لها بالعمل تحت الماء لفترات طويلة دون الحاجة إلى الصعود للسطح، وهو ما يمنحها قدرة تخفٍّ عالية في المهام القتالية والاستطلاعية.
وبحسب موقع Defense News، فإن الصفقة بين القاهرة ومدريد تتضمن أربع غواصات، بقيمة تتراوح بين ٢.٥ إلى ٣ مليارات يورو، إلى جانب نقل جزئي للتكنولوجيا وتدريب الطواقم المصرية في قواعد بحرية إسبانية.
خصائص الغواصة S-80 Plus:
- الطول: 81 مترًا
- الإزاحة: أكثر من 3000 طن
- العمق الأقصى: 300 متر
- مدى التشغيل: 8000 ميل بحري
- الطاقم: 32 فردًا
- التسليح: طوربيدات ثقيلة وصواريخ مضادة للسفن والأهداف البرية
ووفق تقارير Navantia الإسبانية، تم تطوير هذه الغواصات لتنافس نظيراتها الألمانية والفرنسية، وهي أول غواصات تصمم بالكامل داخل إسبانيا.
لماذا اختارت مصر مدريد؟
اختيار مصر لإسبانيا لم يأتِ من فراغ. فالقاهرة تسعى منذ سنوات إلى تنويع مصادر التسليح بعد أن كانت تعتمد بشكل رئيسي على الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا.
وجاءت الصفقة الإسبانية بعد تقييم شامل تضمن عروضًا من شركات ألمانية وإيطالية وكورية، لكن الميزة الكبرى في العرض الإسباني كانت المرونة السياسية ونقل التكنولوجيا، إضافة إلى رغبة مدريد في فتح أسواق جديدة في الشرق الأوسط بعد توتر علاقاتها مع إسرائيل بسبب مواقفها من الحرب على غزة، وفق تقرير El País.
البعد الصناعي:
تنص الاتفاقية على إنتاج وتجميع بعض المكونات داخل مصر في ترسانة الإسكندرية البحرية، بما يتيح لمصر اكتساب خبرة مباشرة في تصنيع الهياكل البحرية وأنظمة الدفع، وهو ما يتكامل مع مشروعها القومي لتوطين الصناعات الدفاعية.
البعد الجيوسياسي:
تأتي الصفقة أيضًا في إطار توازن القوى الإقليمي؛ فبينما تمتلك تركيا أسطولًا قويًا في شرق المتوسط، وتُطور إسرائيل غواصات «دولفين» الألمانية، فإن القاهرة تسعى إلى سد الفجوة التكنولوجية وبناء قوة ردع بحرية مستقلة.
البحر الأحمر والمتوسط.. ساحة النفوذ المصري
تعتمد مصر في استراتيجيتها البحرية على مبدأ «تأمين المصالح الممتدة»، والذي يشمل:
- حماية قناة السويس وخطوط الملاحة العالمية.
- تأمين حقول الغاز في البحر المتوسط مثل ظهر وشمال الإسكندرية.
- ضمان السيطرة على المضايق الاستراتيجية (باب المندب – رأس بناس).
ومن هنا، تمثل الغواصات الإسبانية ركيزة مهمة في تحقيق الردع البحري بعيد المدى، خصوصًا مع تطور التهديدات في البحر الأحمر نتيجة الوجود الإيراني والحوثي في اليمن، والاضطرابات في القرن الإفريقي.
تقارير Global Firepower تضع البحرية المصرية ضمن أقوى 10 أساطيل في العالم من حيث عدد الوحدات القتالية، متقدمة على دول مثل تركيا وإيطاليا في بعض المؤشرات النوعية.
سد النهضة.. صراع الوجود المائي
بموازاة هذا التطور العسكري، تشهد الساحة الإقليمية احتدامًا متجددًا حول سد النهضة الإثيوبي (GERD)، حيث أعلنت أديس أبابا مؤخرًا الانتهاء الكامل من بناء السد وبدء تشغيل توربيناته بشكل منفرد، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم مع القاهرة والخرطوم.
الموقف المصري:
الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد أن «أمن مصر المائي وجودي ولا يمكن المساس به»، مشددًا على أن أي إجراءات أحادية من إثيوبيا تمثل «تجاوزًا لكل الأعراف الدولية».
وفي تصريحات نقلتها الأهرام قال السيسي:
"كل الخيارات مفتوحة عندما يتعلق الأمر بحماية حقوق مصر التاريخية في مياه النيل".
الأثر البيئي والمائي:
شهدت محافظات مصرية مثل المنوفية والبحيرة موجات فيضانية مفاجئة جراء إطلاق المياه من السد خلال الموسم الماضي، ما تسبب في تضرر الأراضي الزراعية وتراجع منسوب المياه في فروع النيل لفترات غير متوقعة.
خبراء المياه في DW عربية أكدوا أن السلوك الإثيوبي يفتقر إلى الشفافية في إدارة المياه، ما يزيد من احتمالية وقوع أزمات موسمية تهدد الأمن الغذائي المصري.
بين البحر والنهر — معادلة الأمن القومي المصري
من منظور الأمن القومي، يُنظر إلى ملف سد النهضة وملف القوة البحرية على أنهما وجهان لعملة واحدة.
فكما تحتاج مصر إلى ردع سياسي ودبلوماسي لإثيوبيا، تحتاج أيضًا إلى ردع عسكري غير مباشر يضمن حماية مصالحها المائية عبر التفوق التكنولوجي والعسكري.
تطوير الأسطول المصري، وفق رؤية مراكز بحث مثل المعهد المصري للدراسات، لا يستهدف المواجهة بل يخلق توازن ردع يمنع الأطراف الأخرى من فرض سياسة الأمر الواقع.
الغواصات الإسبانية، في هذا السياق، تمنح القاهرة قدرة مراقبة بحرية عميقة تشمل البحر الأحمر والقرن الإفريقي — المنطقة التي تتحرك فيها إثيوبيا بحرية منذ دخولها في اتفاقات ملاحية مع الصومال وإريتريا.
العلاقات المصرية–الإسبانية في ظل التحولات الأوروبية
تأتي هذه الصفقة أيضًا على خلفية تحول الموقف الإسباني من الحرب في غزة. فقد صوت البرلمان الإسباني مؤخرًا على تجميد تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، ما جعل مدريد تبحث عن شركاء جدد في المنطقة.
وبحسب صحيفة El Mundo، فإن القاهرة استثمرت هذا المناخ لتقوية العلاقات الثنائية وفتح باب التعاون الدفاعي.
زيارة الملك فيليب السادس إلى القاهرة مطلع الشهر الماضي، كانت بمثابة تتويج لهذه المرحلة الجديدة، إذ ناقش مع الرئيس السيسي ملفات الدفاع، والهجرة، والطاقة، والبحر المتوسط.
المواجهة المائية – بين القانون والسياسة
منذ فشل مفاوضات واشنطن عام 2020، تراوح أزمة السد مكانها، رغم الوساطات المتعددة من الاتحاد الإفريقي.
إثيوبيا ترفض الاعتراف باتفاقية 1959 التي تحدد حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وتصر على مبدأ «الاستخدام العادل» الذي يمنحها حرية أوسع في إدارة الموارد المائية.
بينما ترى مصر، وفق وثائق وزارة الموارد المائية والري، أن أي اتفاق يجب أن يكون ملزمًا قانونيًا ويشمل آلية لتبادل البيانات وضمانات لعدم الإضرار بالأمن المائي للدول المشاطئة.
التحركات الدبلوماسية المصرية في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي تهدف حاليًا إلى تدويل الملف مجددًا، خصوصًا بعد فشل اللجان الفنية الثلاثية في التوصل لتفاهمات جديدة.
مناورات «تحية النيل» والتدريبات المشتركة
في إطار الردع الاستراتيجي، كثّفت مصر تدريباتها البحرية خلال العامين الأخيرين، وشملت مناورات مع إسبانيا وفرنسا واليونان والسعودية، إلى جانب مناورات «تحية النيل» المشتركة مع السودان.
هذه المناورات — وفق بيان المتحدث العسكري المصري — تستهدف تعزيز الجاهزية العملياتية وتبادل الخبرات في مكافحة التهديدات غير التقليدية، مثل تهريب السلاح والإرهاب البحري.
وتعتبر القاهرة أن امتلاكها لغواصات حديثة سيكون عاملًا حاسمًا في مراقبة الممرات الاستراتيجية والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن الإقليمي.
مستقبل الأمن البحري والمائي المصري
تشير معظم التحليلات إلى أن مصر تسعى لتطبيق مبدأ الأمن المائي عبر الردع البحري — أي استخدام القوة البحرية كضمانة لحماية المصالح المائية، دون اللجوء للمواجهة المباشرة.
فبينما يتحول السد إلى ورقة ضغط سياسية في يد أديس أبابا، تتحول الغواصات إلى ورقة توازن استراتيجي في يد القاهرة.
ويؤكد تقرير Carnegie Endowment أن مصر تعتمد على سياسة الردع المركّب:
“القوة العسكرية، والدبلوماسية، والتحالفات، تعمل مجتمعة لضمان بقاء نهر النيل مصدر حياة لا مصدر صراع.”
دبلوماسية الغواصات.. القوة الناعمة في ثوب صلب
ليست الغواصات مجرد أسلحة هجومية، بل أدوات قوة ناعمة صلبة تمنح القاهرة موقعًا تفاوضيًا أقوى في كل الملفات الإقليمية.
فعندما تمتلك مصر القدرة على مراقبة البحار من المتوسط حتى باب المندب، تصبح أكثر تأثيرًا في ملفات الطاقة والهجرة والتجارة والأمن الإقليمي.
كما أن امتلاك التكنولوجيا الإسبانية يفتح الباب أمام تحالفات أوروبية–مصرية جديدة في الصناعات الدفاعية، خاصة مع تزايد توجه أوروبا نحو تنويع شراكاتها بعد الحرب الأوكرانية.
البحر والنهر.. معركة مصر القادمة
تواجه مصر اليوم تحديًا مزدوجًا: تهديد مائي من الجنوب، وتوازن بحري من الشمال.
لكن تحركاتها الأخيرة — من تحديث أسطولها البحري إلى الدفاع عن حصتها المائية — تشير إلى استراتيجية شاملة للدفاع عن الوجود المصري في بعديه الجغرافي والتاريخي.
صفقة الغواصات الإسبانية ليست حدثًا عابرًا؛ إنها رسالة للعالم بأن القاهرة تُعيد رسم خريطتها الدفاعية والسياسية، مستندة إلى إرثها التاريخي في القيادة الإقليمية، وماضية نحو توازن جديد بين الردع العسكري والدبلوماسية المائية.
في النهاية، يتوقف مستقبل هذه المعادلة على ما إذا كانت إثيوبيا ستتعامل بمسؤولية تجاه النيل، وما إذا كانت القوى الكبرى ستمنح مصر ما تستحقه من دعم في صراع البقاء على المياه.
أما البحر، فسيظل شاهدًا على أن القاهرة — كما كانت دائمًا — تعرف كيف تحمي شواطئها وحدودها وحقها في الحياة.
المصادر الزرقاء المدمجة:
Defense News
Navantia
El País
Global Firepower
DW عربية
الأهرام
Carnegie Endowment
المعهد المصري للدراسات
وزارة الموارد المائية والري
المتحدث العسكري المصري
اقرأ أيضا:
قمة شرم الشيخ للسلام 2025: حادث الوفد القطري يكشف صراع الكواليس وترامب يعود من بوابة الشرق الأوسط
شرم الشيخ: المخابرات المصرية ترسم خريطة جديدة للتفاوض بين حماس وإسرائيل"

تعليقات
إرسال تعليق