«قمة شرم الشيخ 2025: كيف غيّرت مصر معادلة الردع في البحر الأحمر… وما سرّ الصفقة الخفية بين ترامب والسيسي حول سد النهضة؟»
ما بعد قمة شرم الشيخ: مصر بين وعود ترامب وحدود الردع… وهل اقتربت لحظة الحسم في ملف سد النهضة؟
ما بعد القمة... مرحلة جديدة أم إعادة تدوير للأزمة؟
بعد انتهاء قمة شرم الشيخ التي وُصفت بأنها "قمة إعادة الاصطفاف الإقليمي"، عاد السؤال الكبير ليُطرح في القاهرة والعواصم العربية:
هل تغيّر ميزان القوة فعلاً بعد اللقاء الثلاثي الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأمريكي السابق والمرشح الحالي دونالد ترامب؟
وهل يمكن لوعود الدعم الأمريكي أن تترجم إلى خطوات عملية في ملفات شائكة مثل غزة وسد النهضة، أم أننا أمام تكرارٍ جديدٍ لأسلوب “الضوء الأخضر” الذي يعطي واشنطن ما تريد دون أن تفي بما تعهّدت به؟
قمة شرم الشيخ جاءت في لحظة دقيقة للغاية:
- صفقة الأسرى اكتملت تقريبًا بين إسرائيل وحماس.
- الحرب الإعلامية بلغت ذروتها حول “المتحدث الملثّم” لحماس.
- والملف الإثيوبي عاد إلى صدارة المشهد بعد تصريحات السيسي الأخيرة بأن “القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي”.
فهل نحن أمام تحوّل فعلي في موقف مصر الإقليمي؟ أم أن المنطقة كلها تعيد إنتاج مشهد 2020 بأسماء جديدة فقط؟
قمة شرم الشيخ – تعهّد ترامب بدعم مصر وحدود الواقع
في القمة، تعهّد ترامب بدعم مصر في “كل ما يخص أمنها القومي ومياهها وحقها في الاستقرار”.
لكن القاهرة – بخبرتها الطويلة في التعامل مع الإدارات الأمريكية – تدرك أن “التعهد” لا يعني “الالتزام”.
بحسب تقارير رويترز وبلومبرج فإن واشنطن ترى في القاهرة “ركيزة توازن” في الإقليم، لكنها لا تمنحها حرية مطلقة في التحرك، خصوصًا تجاه سد النهضة أو غزة، لأن أي تصعيد مصري مباشر قد يُربك حسابات إسرائيل ويفتح الباب لتدخلات أوسع في البحر الأحمر.
تصريحات ترامب في القمة كانت مشحونة بالرمزية، لكنه استخدم لغة غامضة حين قال:
“المرحلة الثانية ستشهد دعمًا مصريًا كبيرًا منّا، لكن في إطار الشراكة لا الإملاء.”
ترجمة هذا التصريح سياسيًا:
واشنطن تريد مصر قوية بما يكفي لضبط الإقليم، ولكن ليست قوية بما يكفي لتغييره.
مشهد “المصافحة المؤجَّلة” بين اللواء حسن رشاد وعضو الوفد الإسرائيلي
من أكثر لقطات القمة تداولًا كانت مشهد “المصافحة المؤجلة” بين اللواء حسن رشاد، أحد أبرز قيادات جهاز المخابرات العامة المصرية، وعضو من الوفد الإسرائيلي الأمني المرافق لوزير الدفاع.
اللقطة بدت عابرة للوهلة الأولى، لكنها في الدوائر البروتوكولية تحمل دلالات واضحة:
المخابرات المصرية أرادت إيصال رسالة مزدوجة:
- الانفتاح المشروط على الجانب الإسرائيلي.
- عدم نسيان ما فعلته إسرائيل في ملف رفح والمساعدات.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية لمّحت إلى أن المشهد “أُدير بتكتيك مصري مقصود” ليُظهر أن القاهرة ليست رهينة لتفاهمات أمنية، بل لاعب مستقل يملك أوراق ضغط.
الأنباء المتداولة حول “الملثم” في حماس… حرب الروايات
منذ منتصف الأسبوع، انتشرت أنباء متداولة عن “ظهور المتحدث العسكري الملثم لحماس” في تسجيلات جديدة، دون تأكيد رسمي من الحركة.
وبينما امتنعت وكالة شهاب عن نشر تفاصيل، تسابقت وسائل إعلام إسرائيلية وغربية على تفسير الصورة وكأنها “إشارة رمزية” لانقسام داخلي في قيادة حماس.
لكن القاهرة – التي تتعامل مع الملف عبر قنواتها الاستخبارية – تعلم أن حرب الروايات أخطر من المعارك الميدانية.
التشويش الإعلامي حول شخصية “الملثم” يُستخدم اليوم لتبرير أي خرق محتمل في اتفاق صفقة الأسرى، وهو ما يفسّر قرارات إسرائيل الأخيرة في معبر رفح.
قرارات إسرائيل بشأن رفح – انقلاب على روح اتفاق شرم الشيخ؟
بعد أقل من أسبوع على القمة، أعلنت إسرائيل وقف دخول الوقود والمساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر رفح بحجة “مخاوف أمنية”.
القرار جاء صادمًا لأنه خالف نصوص التفاهم التي وُقّعت برعاية مصرية.
وزارة الخارجية المصرية أصدرت بيانًا قويّ اللهجة، أكدت فيه أن “أي إخلال بالاتفاقات يُعد تقويضًا مباشرًا للوساطة المصرية”.
لكنّ مصادر دبلوماسية – نقلت عنها القدس العربي – قالت إن القاهرة تدرس الرد عبر تجميد التنسيق الأمني مؤقتًا في رفح إذا لم تتراجع تل أبيب عن خطواتها.
سياسيًا، يبدو أن إسرائيل أرادت اختبار حدود الغضب المصري.
لكنّ توقيت القرار – تزامنًا مع حملة إعلامية ضد “حماس” – يشير إلى أن تل أبيب تسعى لإعادة ميزان القوة التفاوضي بعد أن شعرت أن صفقة الأسرى منحت القاهرة نفوذًا متزايدًا.
سد النهضة – المواجهة تقترب؟
في المقابل، كان الملف الإثيوبي يتحرّك بهدوء لكن بثقل.
بيان وزارة الخارجية الإثيوبية الأخير اتّهم مصر صراحة بأنها “تسعى لتدويل النزاع المائي وعرقلة حق إثيوبيا في التنمية”.
هذا البيان – الذي نشرته وكالة فانا – أثار غضب القاهرة التي ردت بتصريحات حازمة من الرئيس السيسي:
“لن نقف مكتوفي الأيدي إزاء تهديد حقوقنا التاريخية في مياه النيل.”
تحليل هذه الجملة سياسيًا يعني أن مصر باتت تُلوّح بالخيار الخشن، أي الانتقال من الدبلوماسية إلى الردع.
الدبلوماسيون في الاتحاد الإفريقي – وفق تقرير Africa Intelligence – يصفون الموقف المصري الحالي بأنه “ما قبل الحسم”.
إثيوبيا تراهن على الوقت وعلى “المظلّة الأمريكية” التي تُمسك بخيوط التمويل الدولي للمشروع، بينما تراهن مصر على تحالفاتها الإقليمية المتنامية مع إريتريا والصومال والسودان.
دور واشنطن – دعم محدود أم ضغط مزدوج؟
رغم كل التصريحات الإيجابية في قمة شرم الشيخ، فإن واشنطن تُمسك العصا من المنتصف.
فمن جهة، يريد ترامب (المرشح الأوفر حظًا حاليًا) أن يظهر داعمًا لمصر لاستعادة شعبيته في الشرق الأوسط.
ومن جهة أخرى، لا يريد صدامًا مع اللوبي الإثيوبي والإسرائيلي داخل الكونغرس.
تقرير The Hill الأمريكي أشار إلى أن إدارة ترامب “لن تموّل أي عملية عسكرية مصرية ضد سد النهضة، لكنها لن تعارض إجراءات ردعية غير مباشرة”.
أي أن الدعم الأمريكي لمصر سياسي أكثر منه عسكري أو مالي.
لكن القاهرة تدرك اللعبة:
واشنطن لا تريد خسارة مصر، لكنها أيضًا لا تريد إغضاب أديس أبابا.
القرن الإفريقي – هندسة اصطفافات جديدة
التحركات المصرية في القرن الإفريقي ليست عشوائية.
فمنذ عام 2022، تبني القاهرة شبكة تحالفات تمتد من إريتريا إلى الصومال، هدفها حماية الأمن القومي المصري عند منابع النيل، وتأمين البحر الأحمر من أي تمدد إثيوبي أو تركي.
زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى أسمرة، ولقاؤه بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي، كشفت أن هناك “مشروعًا أمنيًا مشتركًا” يُنسّق بين البلدين لمراقبة التحركات الإثيوبية على الحدود مع السودان.
وهو ما أكدته مصادر لـالمونيتور.
هذه التحالفات الجديدة أربكت أديس أبابا، التي تخشى أن يتحوّل البحر الأحمر إلى “مسرح نفوذ مصري – إريتري” يهدّد مشروعها الاقتصادي العملاق.
السودان – من يسلّح مَن؟
في مفاجأة أثارت ضجة، اعترف محمد حمدان دقلو (حميدتي) في تسجيل صوتي متداول بتخزين مضادات طيران قرب مطار الأبيض قبل اندلاع الحرب.
ورغم أن التسجيل لم يُتحقق منه رسميًا، فإن دلالاته القانونية والعسكرية خطيرة.
الجيش السوداني استخدم الواقعة لتبرير تصعيد عملياته ضد قوات الدعم السريع، فيما دخلت أطراف إقليمية جديدة على الخط.
تقرير BBC عربي أشار إلى أن إيران زوّدت الجيش السوداني بطائرات مسيّرة، بينما حصلت قوات الدعم السريع على أسلحة عبر وسطاء إماراتيين.
المشهد السوداني أصبح ساحة اختبار لتوازنات الإقليم:
إيران تدعم الجيش، والإمارات تدعم حميدتي، وإسرائيل تحاول البقاء على الحياد الظاهري لكنها تتابع الملف عبر جهاز “الموساد”.
لماذا تدعم إيران الجيش السوداني؟
الدافع الإيراني مزدوج:
- أمني – لضمان نفوذها في البحر الأحمر ومنع وجود قواعد إسرائيلية قرب بورتسودان.
- استراتيجي – لاستخدام السودان كورقة تفاوض مع واشنطن في ملف العقوبات.
صحيفة The Guardian أكدت أن “الدعم الإيراني للجيش السوداني ليس مجرد تعاون عسكري، بل عودة مدروسة إلى إفريقيا في مواجهة النفوذ الإسرائيلي”.
من زاوية القاهرة، هذا التطور يحمل خطورة مضاعفة:
كلما زاد النفوذ الإيراني في السودان، اقتربت الصراعات من حدود مصر الجنوبية.
أمن البحر الأحمر وقناة السويس – الخط الأحمر المصري
في كل الملفات السابقة، يظهر خيط واحد يجمعها: أمن البحر الأحمر.
القاهرة تدرك أن حماية قناة السويس لا تقتصر على الجبهة الشمالية فقط، بل تبدأ من القرن الإفريقي وتمتد حتى غزة.
أي اضطراب في السودان أو إثيوبيا أو اليمن ينعكس فورًا على الملاحة الدولية.
لذلك فإن اهتمام الاتحاد الأوروبي المتزايد بالمنطقة ليس بدافع إنساني فقط، بل اقتصادي بحت، كما أشار تقرير DW الألمانية.
من هنا، تتحرك مصر لتثبيت نفوذها في البحر الأحمر عبر قواعد مراقبة واتفاقات أمنية مع إريتريا وجيبوتي.
وفي المقابل، تحاول واشنطن إنشاء “ناتو بحري” تشارك فيه إسرائيل والسعودية والإمارات، وهو ما تتحفّظ عليه القاهرة بشدة.
سيناريوهات الردع المصري – هل يقترب الخيار الخشن؟
الدوائر الأمنية في القاهرة تتحدث اليوم بلغة مختلفة.
الحديث عن “الردع” لم يعد مجرّد تهديد دبلوماسي، بل خيار مطروح ضمن سيناريوهات محددة، وفق ما نقلت مصادر لـالعربية.
الخيارات المصرية المطروحة تشمل:
- ضربات محدودة ضد منشآت الدعم الفني لسد النهضة في حال استمرار التعنت الإثيوبي.
- تجميد التعاون الأمني مع إسرائيل حال استمرار خرق التفاهمات في رفح.
- تعزيز الوجود العسكري في البحر الأحمر لتأمين قناة السويس وخطوط التجارة العالمية.
التحركات الجوية المصرية الأخيرة فوق البحر الأحمر – كما رصدت FlightRadar – ليست تدريبية فقط، بل جزء من “رسائل الردع” الموجهة للأطراف الإقليمية.
هل يمكن لواشنطن كبح مصر؟
الإجابة المختصرة: لا تمامًا، لكنها تستطيع التأجيل.
فالقاهرة تملك أوراقًا ضغط قوية:
- ملف غزة الذي لا يمكن تجاوزه دون مصر.
- ملف اللاجئين الذي يقلق أوروبا.
- وموقع قناة السويس الذي يتحكم في ثلث التجارة البحرية العالمية.
لكن ما تفعله واشنطن هو “إدارة الوقت السياسي”، أي تأجيل الحسم إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.
وهذا ما يدفع مصر إلى تبني سياسة “الصبر الحازم”: الصبر في الشكل، والجهوزية في الجوهر.
هل تغيّر ميزان القوة فعلًا؟
من زاوية استراتيجية، نعم.
مصر خرجت من قمة شرم الشيخ وهي تملك أوراقًا أكثر مما دخلت بها.
إسرائيل تواجه انقسامًا سياسيًا، إثيوبيا تعاني اقتصادًا متدهورًا، والسودان غارق في حرب استنزاف.
لكن ميزان القوة لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بالقدرة على فرض الإيقاع.
ومصر – للمرة الأولى منذ سنوات – هي التي تفرض الإيقاع الإقليمي:
من غزة إلى أديس أبابا إلى الخرطوم، الجميع ينتظر ما ستفعله القاهرة.
أوروبا بين السويس والبحر الأحمر
الأوروبيون يراقبون الوضع بعين القلق.
فأي تصعيد مصري–إثيوبي قد يهدد إمدادات الطاقة والغذاء، وأي اضطراب في السودان قد يفتح موجات هجرة جديدة.
لذلك بدأت دول مثل إيطاليا وفرنسا تقديم عروض دعم لمصر مقابل ضمان استقرار الممرات البحرية، كما كشفت رويترز.
الاتحاد الأوروبي بات مقتنعًا أن “أمن مصر = أمن المتوسط”، وهي معادلة تضع القاهرة في موقع تفاوضي متقدّم جدًا.
خلاصة المشهد – ما بين “السد” و”الردع”
في النهاية، يمكن تلخيص المشهد في ثلاث دوائر متشابكة:
- الدائرة الفلسطينية – ضغط تفاوضي إسرائيلي، ووساطة مصرية حاسمة، وانقسام داخلي في حماس.
- الدائرة الإفريقية – تصعيد إثيوبي، واستنفار مصري، وتحركات استخبارية في القرن الإفريقي.
- الدائرة الدولية – إدارة أمريكية مترددة، وأوروبا تبحث عن شريك استقرار.
ومع كل ذلك، يبدو أن مصر تسير نحو “المرحلة التالية” من سياستها:
سياسة الردع المحسوب، التي توازن بين القوة الدبلوماسية والخشنة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
إلى أين تتجه القاهرة؟
في مشهد معقد تتداخل فيه السياسة بالمياه وبالأمن، تظهر مصر اليوم بثقة مختلفة.
قمة شرم الشيخ لم تكن مجرد لقاء سياسي، بل إعلانًا غير مباشر عن بداية “عصر مصري جديد” في معادلات القوة الإقليمية.
هل يفي ترامب بوعوده؟
هل تنجح القاهرة في فرض اتفاق قانوني على إثيوبيا؟
وهل تستوعب تل أبيب أن زمن “الضغط الأحادي” قد انتهى؟
كلها أسئلة مفتوحة... لكن المؤكد أن القاهرة لم تعد تنتظر أحدًا لتتحرك.
✳️ المصادر المستخدمة:
رويترز – بلومبرج – هآرتس – القدس العربي – BBC عربي – Africa Intelligence – DW – المونيتور – The Guardian – The Hill – العربية.
اقرأ أيضا:
ترامب يعلن نهاية الحرب بصوت غاضب: نتنياهو خارج المشهد وقمة شرم الشيخ ترسم ملامح سلام غامض


تعليقات
إرسال تعليق