إيدي كوهين بين الحرب النفسية والواقع العسكري: تفنيد الادعاءات الإسرائيلية عن الجيش المصري
تصريحات إيدي كوهين عن الجيش المصري: بين الدعاية الإسرائيلية والحقائق العسكرية.
في حوار مثير للجدل مع قناة i24NEWS الإسرائيلية، أطلق الباحث الإسرائيلي إيدي كوهين تصريحات تستهدف القدرات العسكرية والاقتصادية المصرية، مدعيًا أن جميع الطائرات المقاتلة المصرية أمريكية ويمكن تعطيلها بـ"كبسة زر". لكن الحقائق الموثقة من تقارير دولية ومنصات عسكرية تؤكد امتلاك الجيش المصري لمزيج متنوع من مقاتلات أمريكية وروسية وفرنسية، إضافة إلى أنماط تسليح استراتيجية تجعل من هذه الادعاءات جزءًا من حملة دعائية نفسية أكثر منها حقيقة عسكرية. المقال يقدم تحليلًا معمقًا لتفنيد مزاعم كوهين، مع ربطها بالسياق الإقليمي والدعاية الإسرائيلية الممنهجة، مستعرضًا في الوقت نفسه مكانة الجيش المصري في التوازنات الشرق أوسطية.
أثار الباحث الإسرائيلي إيدي كوهين، المحاضر في جامعة بار-إيلان والباحث في مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، جدلاً واسعًا بعد مقابلة أجراها مع قناة i24NEWS الإسرائيلية تحدث فيها عن القدرات العسكرية المصرية، مدعيًا أن "جميع الطائرات المقاتلة المصرية أمريكية الصنع، ويمكن للولايات المتحدة تعطيلها بكبسة زر". كما تطرق كوهين إلى الوضع الغذائي والصحي في مصر، مشيرًا إلى "هشاشة داخلية" تؤثر على استقرار الدولة.
هذه التصريحات، التي تبدو للوهلة الأولى مثيرة للجدل، تأتي في توقيت حساس إقليميًا، حيث تتزايد التوترات في الشرق الأوسط مع استمرار الحرب في غزة، واشتداد المواجهة بين إسرائيل ومحور المقاومة، فضلًا عن التعقيدات في ملف سد النهضة الإثيوبي، والعلاقة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة. لكن السؤال الأهم: هل تمثل تصريحات كوهين قراءة واقعية، أم أنها جزء من حرب دعائية إسرائيلية تهدف إلى ضرب صورة القوة المصرية؟
من هو إيدي كوهين ولماذا يُستمع إليه؟
يُعرف إيدي كوهين بصفته شخصية مثيرة للجدل داخل إسرائيل وخارجها. فهو يظهر بانتظام في القنوات الإسرائيلية والدولية للتعليق على ملفات الشرق الأوسط، ويطرح آراءً حادة حول مصر ولبنان والدول العربية الأخرى.
بحسب تقارير إعلامية، يتم توظيفه أحيانًا كأداة لـ"توجيه رسائل غير رسمية" من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إذ يُستخدم الأكاديميون والإعلاميون في إسرائيل كجزء من أدوات الحرب النفسية لتشكيل الرأي العام العربي.
إذن، لا يمكن التعامل مع كوهين كمجرّد باحث أكاديمي، بل كجزء من ماكينة دعاية إسرائيلية تسعى لتضخيم الضعف العربي مقابل إبراز "التفوق الإسرائيلي".
ادعاء "كل الطائرات مصرية أمريكية"
من أبرز النقاط التي أثارها كوهين هي قوله إن "القوات الجوية المصرية تعتمد فقط على الطائرات الأمريكية"، وإن واشنطن قادرة على تعطيلها.
لكن هذا الادعاء غير صحيح وفقًا للحقائق المعلنة:
- مقاتلات أمريكية: مصر تمتلك نحو 200 طائرة F-16 حصلت عليها عبر برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية منذ الثمانينيات.
- مقاتلات روسية: في 2018، تسلّمت مصر MiG-29M/M2 الحديثة من روسيا، لتعزيز التنوع في مصادر التسليح.
- مقاتلات فرنسية: مصر وقّعت صفقة لشراء طائرات رافال الفرنسية عام 2015، وأصبحت من الدول القليلة التي تملك هذا الطراز المتطور.
- توجه نحو تنويع إضافي: تقارير صحفية أكدت أن القاهرة أبدت اهتمامًا بطائرات Su-35 الروسية قبل أن تعرقلها الضغوط الأمريكية، كما تفاوضت للحصول على طائرات يوروفايتر تايفون.
بالتالي، من الواضح أن الطرح القائل إن "كل الطائرات أمريكية" مضلل ويخالف الواقع، ويهدف إلى إظهار مصر كـ"تابع استراتيجي" لواشنطن.
إمكانية "تعطيل الطائرات الأمريكية"
فكرة أن واشنطن قادرة على تعطيل الطائرات المصرية "بكبسة زر" أثارت الكثير من الجدل.
عمليًا، لا يوجد ما يثبت أن الولايات المتحدة تمتلك أنظمة تحكم عن بُعد لتعطيل أساطيل الطائرات المصدرة. صحيح أن واشنطن تفرض قيودًا تقنية عبر برمجيات التحديث والصيانة، وتستطيع إبطاء الإمدادات بقطع الغيار أو الدعم الفني، لكن تعطيلًا لحظيًا بكبسة زر يبدو أقرب إلى رواية دعائية.
تجارب مشابهة
- في السعودية والإمارات، أثارت نقاشات مشابهة حول اعتماد أساطيل F-15 وF-16 على الدعم الأمريكي، لكن لم يثبت امتلاك واشنطن "زر تحكم سحري".
- الهند، التي اشترت مقاتلات أمريكية وبحرية، رفضت أي أنظمة قد تسمح بتعطيلها خارجيًا.
بالتالي، هذه التصريحات تعكس خطابًا دعائيًا يهدف إلى زرع الشك في قدرة مصر على اتخاذ قرارات مستقلة عسكريًا.
الهدف من تضخيم الأزمة الغذائية والصحية
إلى جانب الحديث العسكري، ركز كوهين على الوضع الغذائي والصحي في مصر. هذا النوع من الخطاب يندرج في إطار الحرب النفسية، حيث يتم التركيز على الأزمات الداخلية لإظهار الدولة على أنها "هشة من الداخل".
لكن وفقًا لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي, تواجه مصر بالفعل تحديات غذائية وصحية مرتبطة بتضخم الأسعار وتداعيات الحرب في أوكرانيا، لكنها ليست حالة "انهيار شامل" كما يروج الإعلام الإسرائيلي.
الحرب النفسية الإسرائيلية وأهدافها
تصريحات كوهين ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي ضمن استراتيجية إعلامية إسرائيلية تستهدف مصر منذ عقود.
- بعد اتفاقية كامب ديفيد، سعت إسرائيل إلى تصوير نفسها كـ"الضامن للأمن"، مقابل إظهار مصر كدولة تعتمد على الدعم الخارجي.
- خلال أزمة غزة، زادت الحملة الإعلامية الإسرائيلية التي تربط بين مصر و"ضعف قدرتها على لعب دور الوسيط القوي".
- في ملف سد النهضة، حاولت بعض الأصوات الإسرائيلية تضخيم فكرة "عجز مصر" عن حماية أمنها المائي.
هذه الحملات تسعى بالأساس إلى تقليص النفوذ المصري في المنطقة.
كيف يرى الغرب القدرات المصرية؟
على عكس خطاب كوهين، تقارير غربية عديدة تؤكد أن مصر تحتفظ بقوة عسكرية معتبرة:
- تقرير Global Firepower 2025 صنّف الجيش المصري في المرتبة 13 عالميًا.
- تقرير Congressional Research Service أشار إلى أن المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر تهدف للحفاظ على "التفوق النوعي"، لكنها لم تمنع القاهرة من تنويع مصادر تسليحها.
- مجلة The National Interest وصفت القوات الجوية المصرية بأنها "أكبر قوة جوية في إفريقيا والشرق الأوسط بعد إسرائيل وتركيا".
العلاقة المصرية–الأمريكية وتعقيدات التسليح
من المهم فهم أن العلاقة العسكرية بين القاهرة وواشنطن هي علاقة معقدة قائمة على "اعتماد متبادل".
- تحصل مصر على 1.3 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية أمريكية.
- لكن القاهرة تنظر إلى واشنطن باعتبارها شريكًا غير مضمون، وهو ما دفعها للتوجه نحو موسكو وباريس.
- واشنطن من جانبها تريد الحفاظ على مصر ضمن دائرة النفوذ، لكنها تتحفظ على صفقات "قد تكسر التوازن" مع إسرائيل.
البعد السياسي للتصريحات
إيدي كوهين، عبر تضخيمه لضعف مصر، يخدم عدة أهداف:
- تعزيز الرواية الإسرائيلية عن التفوق العسكري.
- الضغط النفسي على الداخل المصري عبر الحديث عن الغذاء والصحة.
- توصيل رسالة غير مباشرة لواشنطن بأن مصر "تظل رهينة الدعم الأمريكي".
الرأي العام المصري والعربي
ردود الفعل المصرية والعربية على تصريحات كوهين تنوعت بين السخرية والغضب. كثير من التعليقات على مواقع التواصل وصفتها بأنها "جزء من مسلسل الأكاذيب الإسرائيلية".
كما نشر باحثون مصريون ردودًا توثّق تنوع مصادر التسليح المصري، وتبرز صفقات رافال وميغ-29 كمؤشرات على استقلالية القرار العسكري.
الإعلام كسلاح استراتيجي
في النهاية، يتضح أن تصريحات إيدي كوهين ليست مجرد رأي أكاديمي، بل جزء من حرب إعلامية ونفسية تُستخدم كسلاح استراتيجي موازٍ للمدفعية والدبابات.
وفي منطقة مشتعلة كشرق المتوسط، يصبح للإعلام والدعاية دور لا يقل خطورة عن الصواريخ والطائرات.
خاتمة
تصريحات إيدي كوهين حول الجيش المصري تفتقر إلى الدقة وتعكس خطابًا دعائيًا إسرائيليًا يهدف إلى النيل من صورة مصر الإقليمية.
الحقائق الموثقة تؤكد أن مصر تمتلك قوة جوية متنوعة، وعلاقات عسكرية متعددة الأطراف، وأن أي حديث عن "كبسة زر أمريكية" هو جزء من أسلوب التهويل النفسي.
لكن الأهم أن هذه التصريحات تكشف كيف تُدار الحروب الحديثة عبر الإعلام بقدر ما تُدار عبر السلاح.
🔗 مصادر إضافية عربية وإنجليزية:
- i24NEWS – المقابلة الكاملة
- Global Firepower – Egypt 2025
- France24 – صفقة الرافال مع مصر
- RT – تسليم مقاتلات ميغ-29 لمصر
- CRS Report – U.S. Foreign Aid to Egypt
- Brookings – Psychological Warfare
- البنك الدولي – الاقتصاد المصري
- الفاو – الأمن الغذائي في مصر
"تصريحات السيسي التاريخية: إسرائيل عدو منذ كامب ديفيد حتى قمة الدوحة – صدى عالمي وتحولات إقليمية"

تعليقات
إرسال تعليق