أشرف مروان: اللغز الذي حيّر إسرائيل وكشف أسرار حرب أكتوبر وخداع الموساد
أشرف مروان: اللغز الذي حيّر إسرائيل.. قصة الرجل الذي خدع الموساد في حرب أكتوبر.
رجل بين البطولة والخيانة
قليلون في التاريخ من تركوا وراءهم جدلًا بحجم ما تركه أشرف مروان، صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأحد أقرب رجال الرئيس أنور السادات. فقد عاش هذا الرجل داخل دوائر السلطة في مصر، وفي الوقت ذاته كان على اتصال مباشر مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد. وبينما تعتبره إسرائيل "أغلى جاسوس" في تاريخها، يصرّ قادة المخابرات المصرية على أنه كان بطلًا قوميًا نجح في تضليل العدو قبل حرب أكتوبر 1973.
فهل كان مروان خائنًا باع أسرار وطنه؟ أم بطلًا خاض حربًا خفية وخدع إسرائيل في واحدة من أعقد عمليات التضليل الاستخباراتي في القرن العشرين؟
من هو أشرف مروان؟
ولد أشرف مروان عام 1944 في القاهرة، ونشأ في عائلة ميسورة. تخرج في كلية الهندسة، ثم التحق بالخدمة العسكرية قبل أن يتزوج من منى عبد الناصر، ابنة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، عام 1966.
بزواجه من ابنة الزعيم المصري دخل مروان مباشرة في قلب السلطة، إذ أصبح ضمن الدائرة المقربة للعائلة الحاكمة. وبعد وفاة عبد الناصر عام 1970، حافظ على موقعه في الدولة بفضل قربه من الرئيس الجديد أنور السادات، حيث شغل منصبًا رفيعًا في مؤسسة الرئاسة، ثم أصبح مسؤولًا عن ملف التسليح والعلاقات مع الخارج.
قرب مروان من قمة السلطة جعله شخصية مغرية لأجهزة المخابرات العالمية. ومنذ أواخر الستينات، بدأت إسرائيل تضعه تحت المجهر.
الاتصالات الأولى مع الموساد
تؤكد وثائق إسرائيلية أن أشرف مروان بادر في أواخر الستينات بالتواصل مع السفارة الإسرائيلية في لندن، عارضًا خدماته. وقد اعتبره الموساد منذ البداية كنزًا استخباراتيًا، إذ كان قادرًا على الوصول إلى أخطر أسرار القيادة المصرية.
وفقًا للرواية الإسرائيلية، زوّد مروان تل أبيب بمعلومات حساسة عن قدرات الجيش المصري، وصفقات السلاح، وتحركات الرئيس السادات. ولأعوام عديدة، اعتمدت إسرائيل على تقاريره في تقدير نوايا مصر العسكرية.
لكن الرواية المصرية تختلف كليًا، حيث تؤكد القاهرة أن مروان لم يكن سوى عميل مزدوج، جرى تشغيله من قبل المخابرات العامة المصرية بهدف تضليل العدو وإعطائه انطباعًا زائفًا عن الاستعدادات المصرية.
إسرائيل بين الثقة والشك
رغم المعلومات الغزيرة التي نقلها مروان، ظل بعض قادة إسرائيل يشكّون في نواياه. فقد بدا غريبًا أن شخصية بهذا القرب من القيادة المصرية تضع نفسها بتلك السهولة في خدمة العدو. لكن أغلب السياسيين والعسكريين في تل أبيب تعاملوا معه باعتباره "المصدر الذهبي".
المؤرخ الإسرائيلي أهارون بريغمان، في كتابه الجاسوس الذي سقط من السماء، اعتبر مروان "أعظم جاسوس في تاريخ إسرائيل". لكن قادة آخرين، مثل رئيس المخابرات العسكرية إيهود باراك في حينها، ظلوا يرون أن الاعتماد المفرط على مروان خطأ استراتيجي.
حرب أكتوبر: لحظة الخديعة الكبرى
جاءت اللحظة الحاسمة في السادس من أكتوبر 1973. قبل ساعات من اندلاع الحرب، تواصل مروان مع مشغليه الإسرائيليين وأبلغهم بأن مصر وسوريا قد تبدأان الهجوم، لكنه حدّد ساعة الصفر بشكل خاطئ.
فقد طمأن قادة إسرائيل إلى أن الهجوم لن يتم قبل غروب يوم السادس من أكتوبر، بينما بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس في الثانية ظهرًا.
هذا الخطأ في التوقيت أربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأفقدها عنصر المبادرة. وهو ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن مروان لعب دورًا محوريًا في نجاح خطة الخداع الاستراتيجي المصرية.
مصر: بطل قومي لا خائن
المخابرات المصرية لم تعلن بشكل رسمي عن تفاصيل علاقة مروان بالموساد، لكنها ألمحت في أكثر من مناسبة إلى أنه كان يعمل بتوجيه من القاهرة.
في عام 2010، صرّح عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية الأسبق، بأن مروان "كان وطنيًا مخلصًا قدّم خدمات عظيمة لمصر". كما وصفه الرئيس السادات في مذكراته بـ"الوطني الأمين".
بالنسبة للمصريين، إذن، لم يكن أشرف مروان سوى بطل قومي استطاع أن يخدع إسرائيل، ويمنح القيادة المصرية أفضلية في واحدة من أعقد المواجهات العسكرية.
إسرائيل: ضحية أم متواطئة؟
من جانب آخر، لا تزال إسرائيل منقسمة حول تقييم تجربة مروان. بعض قادتها يصرّون على أنه كان عميلًا مخلصًا زوّدهم بكنوز استخباراتية حقيقية. بينما يرى آخرون أنه مارس "الخداع المزدوج"، وأنهم وقعوا في فخ نصبه المصريون بمهارة.
لجنة "أغرانات" التي شكلتها إسرائيل للتحقيق في أسباب مفاجأة حرب أكتوبر، أشارت إلى أن الاعتماد الكبير على تقارير مروان ساهم في وقوع التقدير الخاطئ الذي كلف تل أبيب خسائر فادحة في الأيام الأولى للحرب.
النهاية الغامضة في لندن
في 27 يونيو 2007، عُثر على جثة أشرف مروان في لندن أسفل شرفة شقته. أعلنت الشرطة البريطانية حينها أن الوفاة "غامضة"، بينما تحدّثت تقارير عن احتمال اغتياله.
الموساد، بطبيعة الحال، كان المتهم الأول، خاصة أن مروان كان يعرف أسرارًا كفيلة بكشف الكثير عن تاريخ إسرائيل الاستخباراتي. لكن إسرائيل نفت تورطها.
حتى اليوم، تبقى وفاته لغزًا. هل انتحر؟ أم قُتل لتصفية الحسابات؟ أم أسقطته أيادٍ خفية خشيت أن يكشف المزيد من الأسرار؟
إرث أشرف مروان: بين البطولة والخيانة
بعد أكثر من أربعة عقود على حرب أكتوبر، يظل اسم أشرف مروان حاضرًا في النقاشات التاريخية والسياسية.
- بالنسبة لمصر، هو رجل وطني ضحّى بسمعته الشخصية ليخدم بلده.
- بالنسبة لإسرائيل، هو خائن مزدوج خدعها في أخطر لحظات وجودها.
- أما للرأي العام العالمي، فهو واحد من أعقد ألغاز عالم الجاسوسية.
الدروس المستفادة من القصة
- الحرب ليست عسكرية فقط: قصة مروان تبرز أن الاستخبارات والخداع والمعلومات قد تغيّر مسار المعارك.
- العميل المزدوج سلاح استراتيجي: فمروان مثال على كيف يمكن لشخص واحد أن يربك أجهزة دولة كاملة.
- الغموض ضرورة أمنية: بقاء تفاصيل القصة طي الكتمان حتى اليوم دليل على أن هناك أسرارًا لا تزال تؤثر على الأمن القومي.
- التاريخ يكتبه الأقوياء: كل طرف يصر على روايته، ما يجعل الحقيقة النهائية حبيسة الأرشيفات السرية.
روابط ومصادر ذات صلة
- BBC: وفاة أشرف مروان
- الجزيرة: أشرف مروان.. البطل أم الخائن؟
- المصري اليوم: حكاية الرجل الذي خدع إسرائيل
- معهد واشنطن: قراءة في قضية أشرف مروان
خاتمة: رجل سيبقى لغزًا
سواء كان جاسوسًا لإسرائيل أو بطلًا لمصر، فإن المؤكد أن أشرف مروان غيّر مجرى التاريخ. لقد جسّد كيف يمكن لشخص واحد أن يهزّ موازين القوى بين دولتين، ويترك بصمته على حرب غيّرت وجه المنطقة.
اقرأ أيضا :
من انقلاب ترامب إلى إنذار الناتو: أوروبا على حافة حرب عالمية ثالثة تلوح في الأفق
"الكنز النووي الإيراني ومشروع بلير لغزة: صراع الأسرار والحكم في قلب الشرق الأوسط"
إيران تقتحم قلب ديمونة: كنز نووي مسرّب يربك إسرائيل ويشعل سباقًا استراتيجيًا جديدًا
روسيا تدرب الصين على غزو تايوان: خطة "نورماندي آسيوية" تهدد بإشعال حرب عالمية ثالثة
مقتطفات مترجمة للعبري (תרגום לעברית)
> אשרף מרואן: התעלומה שבלבלה את ישראל... סיפורו של האיש שרימה את המוסד במלחמת אוקטובר.
גלה את סיפורו המלא של אשרף מרואן, חתנו של גמאל עבד אל נאצר ואיש סודו של אנואר סאדאת. הוא היה האיש שבלבל את ישראל והדהים את המוסד במודיעין שלו, עד כדי כך שתל אביב ראתה בו "המרגל היקר ביותר" בתולדותיה, בעוד שקהיר תיארה אותו כ"גיבור לאומי" שסייע להונות את האויב לפני מלחמת אוקטובר 1973. המאמר מספר את פרטי ילדותו ועלייתו בחוגי הכוח המצריים, את סודות קשריו עם המודיעין הישראלי, וכיצד מילא תפקיד מרכזי בתוכנית ההונאה האסטרטגית ששינתה את מאזן הכוחות במלחמה, עד למותו המסתורי בלונדון בשנת 2007, שנותר אפוף חשד להתנקשות. קריאה מעמיקה חושפת את הרקע לסכסוך, את הנרטיבים הסותרים בין מצרים לישראל, ואת הלקחים שנלמדו מאחד מפרקי הריגול המורכבים ביותר של המאה העשרים.



تعليقات
إرسال تعليق