فخ هرمز: كيف انتصرت إيران في حرب الـ 39 يوماً قبل توقيع الاتفاق؟
تحليل حصري لكواليس الصفقة التي أعلن عنها ترامب من البيت الأبيض.
في مشهد دراماتيكي لم تشهده المنطقة منذ عقود، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن خبراً أصاب العالم بالذهول. فبعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي كاد أن يشعل حرباً إقليمية شاملة، خرج ترامب ليقول للعالم إن "الاتفاق مع إيران بات على الطاولة"، مؤكداً لشبكة أكسيوس أن التوقيع الإلكتروني سيتم يوم الإثنين القادم عبر وساطة سويسرية، بحضور ابنه جي دي فانس.
![]() |
| تسريبات وكالة مهر تكشف الـ 14 بنداً والـ 24 مليار دولار المجمدة. |
هذا الإعلان المفاجئ لم يكن مجرد خبر عابر في نشرة أخبار مسائية. بل كان الإقرار الرسمي الأول من واشنطن بأن كل الخيارات المطروحة سابقاً -العقوبات القصوى، الضغط العسكري، استراتيجية الاغتيالات- قد فشلت في تحقيق أهدافها. وفي هذا التحليل، نكشف لكم كواليس ما حدث خلف الأبواب المغلقة، مستندين إلى تسريبات حصرية وتقارير استخباراتية وتحليلات أكاديمية من أعرق المعاهد الغربية.
كيف بدأ الصدام؟ من التحذير إلى إسقاط الأباتشي.
تغطية أكسيوس الحصرية لتصريحات ترامب (Axios).
لفهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة، يجب العودة إلى الوراء قليلاً. القصة لم تبدأ في البيت الأبيض، بل بدأت في الضاحية الجنوبية لبيروت. فبعد أن شنت إسرائيل سلسلة غارات استهدفت ما قالت إنها "مواقع لحزب الله" في المنطقة، خرجت طهران بتحذيرات شديدة اللهجة لإسرائيل بعدم تجاوز الخطوط الحمراء. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي راهن على أن إيران لن تجرؤ على الرد المباشر، واصل عملياته.
وهنا وقع ما لم يتوقعه المحللون الغربيون. فإيران، خلافاً لسنوات من "الصبر الاستراتيجي"، قررت كسر قواعد اللعبة. قامت طهران بقصف مباشر على أهداف في إسرائيل، ليس عبر وكلائها في لبنان أو سوريا، بل بصواريخ أطلقت من أراضيها. هذا الرد كان رسالة واضحة: "الوقت الذي كنا نضرب فيه بالوكالة قد انتهى".
تدخل ترامب بعد ذلك مباشرة، وأجبر الطرفين على وقف إطلاق النار المؤقت. وهدأت الأجواء نسبياً، وتراجعت أسعار النفط، وعادت الأمور إلى مجاريها. لكن الهدنة لم تدم طويلاً.
عملية تهريب الليل ومروحية الأباتشي.
في واحدة من أكثر العمليات تعقيداً خلال هذه الفترة، كان الجيش الأمريكي ينفذ مهمة حساسة في مضيق هرمز. المهمة كانت "تهريب سفن" - وهو مصطلح عسكري يعني مرافقة ناقلات نفط وسفن تجارية عبر الممر المائي الأكثر خطورة في العالم تحت جنح الظلام. لحماية هذه السفن، حلقت مروحية أباتشي أمريكية فوق المياه.
وفجأة، ودون سابق إنذار، ظهرت مسيّرة إيرانية من طراز "شاهد 136" في الأفق. العين الإيرانية لم تكن تراقب فقط، بل كانت تستهدف بدقة. في ثوانٍ، اصطدمت المسيّرة بالمروحية الأمريكية، مما أدى إلى سقوطها في مياه الخليج. نجح طاقم الإنقاذ الأمريكي في انتشال الطيارين الاثنين، لكن الرسالة كانت قد وصلت: طهران لم تعد تكتفي بالتحذيرات.
تحقيق الواشنطن بوست حول استنزاف القواعد الأمريكية (Washington Post).
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد. فبعد ساعات من الحادث، شنت القوات الأمريكية غارات انتقامية على مواقع إيرانية في جزيرة أبو موسى المتنازع عليها. لكن الرد الإيراني كان سريعاً وقاسياً. فخلال 48 ساعة فقط، استهدفت طهران 18 قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، موزعة بين الكويت وقطر والإمارات والبحرين.
ما قرأه المحللون العسكريون في الواشنطن بوست لاحقاً كان أكثر إثارة للقلق: هذه الضربات لم تكن عشوائية. إيران كانت تختبر نظرية "الإغراق" - إطلاق وابل من المسيرات والصواريخ المجنحة والبالستية في آن واحد، مما يجعل قدرة الدفاعات الجوية الأمريكية (بتركيبتها الحالية غير قادرة على اعتراض أكثر من 50% من الأهداف.
جزيرة "خرق" ونقطة التحول.
بحلول اليوم الثالث من التصعيد، كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة. مصادر مطلعة كشفت أن ترامب وافق في البداية على خطة عسكرية لتوسيع رقعة الضربات لتشمل جزيرة "خرق" الإيرانية. هذه الجزيرة، التي تقع في أقصى شمال الخليج، ليست مجرد أرض يابسة؛ بل هي نقطة انطلاق مثالية للسيطرة على الممرات المائية الشمالية.
لكن خطة اقتحام "خرق" كانت تعني شيئاً واحداً فقط: حرب برية. فلكي تحتل جزيرة، يجب إنزال قوات برية، وتأمين رأس جسر، وتجهيز خطوط إمداد. وهذه هي بالضبط نقطة التحول التي كانت تنتظرها إيران. فالحرس الثوري، الذي أعد العدة لعقود لحرب غير متماثلة، يعرف أن الدخول في مستنقع بري في الخليج يعني استنزافاً لا نهاية له للقوات الأمريكية.
تحليل معهد الخليج الدولي لعقيدة طهران الجديدة (Gulf International Forum).
وفقاً لتحليل البروفيسور راب جلست بينفولد، المحاضر في جامعة كينجز كوليدج لندن والزميل في منتدى الخليج الدولي، فإن فكرة "اجتياح جزيرة" هي بالضبط ما يريده الجيل الجديد من قادة الحرس الثوري. يقول بينفولد في دراسته الحديثة: "إيران لم تعد تخاف من المواجهة المباشرة. بل تسعى إليها بشروطها. قادة الحرس الثوري الجدد، الذين نشأوا في ظل العقوبات والاغتيالات، يعتقدون أن أي تقدم أمريكي على الأرض سيكون كابوساً لوجستياً لواشنطن، وليس لطهران".
وهنا تدخلت الوساطة. فجأة، وفي غضون ساعات، تحرك الهاتف الدبلوماسي بشكل مكثف.
الوساطة العربية الباكستانية: الدقائق الأخيرة قبل الهاوية.
كشفت التسريبات أن ثلاثة قادة إقليميين كانوا وراء إقناع ترامب بالتراجع:
الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر، الذي تربطه علاقات وثيقة بطهران والبيت الأبيض معاً.
الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الإمارات، الذي كان يخشى من تداعيات توسع الحرب على موانئ دبي وأبوظبي.
الجنرال عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، الذي عرض وساطة إسلامية لحل الأزمة.
هؤلاء القادة الثلاثة أرسلوا رسالة موحدة إلى ترامب: "الاتفاق في متناول اليد. لا تضيع الفرصة". وبالفعل، أصدر ترامب أمراً بوقف جميع العمليات الهجومية، وأعلن أنه تم إبلاغه بأن "الإيرانيين يترجون من أجل عقد الصفقة". لكن السؤال الذي بقي عالقاً في أذهان المحللين: هل كان الإيرانيون "يترجون" حقاً، أم أن ترامب كان يقرأ المشهد بشكل خاطئ مرة أخرى؟
وكالة "مهر" تفجر القنبلة - بنود الاتفاق الـ 14.
التسريبات الكاملة لوكالة مهر الإيرانية (Mehr News Agency).
لم تمضِ ساعات قليلة على تصريحات ترامب حتى فاجأت وكالة "مهر" الإيرانية العالم بتسريب ما قالت إنه "النص الكامل للاتفاق". وبينما وصف البيت الأبيض التسريبات بأنها "غير دقيقة"، إلا أن المحللين استطوا أن يستخرجوا منها خريطة كاملة للتنازلات الأمريكية.
إليكم أبرز البنود كما وردت في التسريب:
البند الأول - الأموال المجمدة:
نص البند على أن تفرج الولايات المتحدة عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في بنوك كوريا الجنوبية والعراق وبعض الدول الأوروبية. يتم تحويل 12 ملياراً فور التوقيع، والـ 12 ملياراً المتبقية خلال فترة الـ 60 يوماً المخصصة للمفاوضات النهائية. في المقابل، تلتزم إيران فقط بـ "مناقشة" مستقبل برنامجها النووي.
البند الثالث - العقوبات النفطية:
تلتزم واشنطن برفع جميع العقوبات الثانوية عن النفط الخام الإيراني، مما يسمح لطهران بالعودة إلى التصدير الكامل. كما تلتزم بعدم ملاحقة الشركات الأجنبية التي تتعامل مع النفط الإيراني.
البند السابع - الانتشار العسكري:
تلتزم الولايات المتحدة بعدم زيادة عدد قواتها في منطقة الخليج العربي طوال فترة سريان الاتفاق. هذا البند كان مطلباً إيرانياً أساسياً، حيث ترى طهران أن كل جندي أمريكي إضافي في قواعد قطر والإمارات والكويت هو "صاروخ موجه نحو طهران".
البند التاسع - اليورانيوم المخصب:
يتعهد الجانبان بـ "مناقشة" مستقبل برنامج التخصيب الإيراني. إيران لا تطلب الاعتراف بـ "حقها في التخصيب"، بل تطلب فقط تأجيل النقاش. وكما يقول المثل الدبلوماسي: "تأجيل الخلاف يعني كسب الوقت".
البند الثاني عشر - مدة الاتفاق:
الاتفاق هو في الأساس "مذكرة تفاهم" لمدة 60 يوماً قابلة للتجديد تلقائياً إذا لم ينسحب أي طرف. هذا يعني أن إيران تحصل على 24 مليار دولار مقابل 60 يوماً فقط من الهدوء النسبي. وبعد ذلك، يعود الجميع إلى نقطة الصفر.
صدمة ترامب و"تغريدة عراقجي".
لم يتوقع الرئيس الأمريكي أن تخرج التسريبات الإيرانية بهذه السرعة والوضوح. فبينما كان يصور نفسه على أنه "صانع السلام" الذي أجبر الإيرانيين على الركوع، كانت طهران ترسل رسالة مختلفة تماماً للعالم: "نحن من انتصرنا في هذه الجولة".
اللحظة الأكثر إحراجاً لترامب كانت عندما اضطر إلى إعادة تغريد (Retweet) تصريح لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، محاولاً استخدامه كدليل على أن التسريبات غير صحيحة. نعم، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى رجل في العالم، استعار تغريدة لوزير خارجية دولة يصفها بـ "العدو اللدود" ليخرج من مأزقه الدبلوماسي.
تصريحات عباس عراقجي حول النظام الحقوقي في هرمز (تحليل).
لكن عراقجي لم يكتفِ بنفي التسريبات. بل صعد من خطابه بشكل لم يسبق له مثيل، حيث ظهر في مقابلة تلفزيونية ليتحدث عن "مستقبل مضيق هرمز". قال عراقجي، باللغة الفارسية ثم ترجمتها وسائل الإعلام العالمية:
*"مضيق هرمز لا يمكن أن يظل مفتوحاً بالمجان كما كان في السابق. إذا أردنا تنظيم حركة المرور وإدارة المضيق بشكل مختلف، فمن الطبيعي أن نحتاج إلى إقامة نظام حقوقي هناك. نحن درسنا هذا الموضوع بدقة من منظور القانون الدولي. مسألة فرض الرسوم غير مقبولة، لكن أخذ تكاليف الخدمات -بما في ذلك الإرشاد والتأمين والمراقبة- أمر مشروع تماماً. هذه السياسة سيتم تطبيقها خلال الـ 60 يوماً القادمة وبعدها"*.
هذا التصريح يعتبر تحولاً جذرياً في الدبلوماسية الإيرانية. فطهران لم تكن تتحدث بهذه اللهجة منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ما كان يُطرح سابقاً في الخفاء أصبح الآن يُعلن على live television.
"النظام الحقوقي" الجديد - ماذا يعني لدول الخليج؟
لفهم خطورة تصريح عراقجي، يجب أن ننظر إلى الخريطة. مضيق هرمز هو ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 33 كيلومتراً (21 ميلاً). يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي و 30% من الغاز الطبيعي المسال.
حالياً، تعتبر مياه المضيق "مياهاً دولية" بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، مما يعني حرية الملاحة للسفن من جميع الدول. لكن تصريح عراقجي يشير إلى أن إيران تنوي إعادة تعريف هذه المياه كـ "منطقة اقتصادية خالصة" تابعة لها، حيث يحق للدولة الساحلية فرض رسوم على الخدمات.
السيناريوهات المتوقعة:
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً): إيران تبدأ بفرض "رسوم خدمة" بمقدار 5,000 إلى 10,000 دولار لكل ناقلة نفط تمر عبر المضيق. هذا المبلغ قد يبدو صغيراً مقارنة بقيمة الحمولة (التي تصل إلى 100 مليون دولار أحياناً)، لكنه يخلق سابقة خطيرة.
السيناريو الثاني (محتمل): طهران تطلب من شركات التأمين البحرية التعامل حصرياً مع شركات تأمين إيرانية معينة، مما يعني ضخ المزيد من العملة الصعبة للاقتصاد الإيراني المنهار.
السيناريو الثالث (متطرف): إيران تطالب بإعادة رسم الحدود البحرية في الخليج، مما قد يؤدي إلى نزاعات مع قطر والكويت والسعودية حول حقوق الحقول النفطية المشتركة.
التحليل الاستراتيجي لانتهاء سياسة الصبر الإيراني (Gulf International Forum).
يقول البروفيسور بينفولد في تحليله: "ما تفعله إيران هو تحويل مضيق هرمز من ممر ملاحي إلى سلاح جيوسياسي دائم. لم تعد طهران تحتاج إلى قنبلة نووية لابتزاز العالم. كل ما تحتاجه هو الإرادة السياسية لإغلاق المضيق أو فرض ضرائب عليه. وهذه هي العقيدة الجديدة: استبدال الردع النووي بالردع الاقتصادي".
نهاية "الصبر الاستراتيجي" - الجيل الجديد من قادة الحرس الثوري.
لكن لماذا تغيرت إيران بهذا الشكل؟ لماذا تخلى المرشد علي خامنئي وقادة الحرس الثوري عن عقود من "الصبر الاستراتيجي"؟
للإجابة، يجب أن نعود إلى تحليل البروفيسور بينفولد بالتفصيل. سياسة "الصبر الاستراتيجي" (Strategic Patience) هي عقيدة إيرانية قديمة وضعها المرشد السابق علي خامنئي، ونفذها بقوة الجنرال قاسم سليماني قبل اغتياله. هذه السياسة كانت تقوم على:
بناء شبكة من الميليشيات بالوكالة (حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، الميليشيات الشيعية في العراق، نظام بشار الأسد في سوريا).
تجنب أي مواجهة مباشرة مع أمريكا مهما كان حجم الاستفزاز.
تركيز الجهود على بناء القدرات الداخلية وتطوير الصواريخ والمسيرات.
انتظار "زوال" النفوذ الأمريكي من المنطقة تلقائياً مع الوقت.
ماذا حدث لهذه السياسة؟
حدثت ثلاثة تغييرات جوهرية:
أولاً: اغتيال الجيل القديم
مع اغتيال قاسم سليماني، ثم اغتيال عدد من قادة الحرس الثوري في غارات إسرائيلية على دمشق وبيروت، اختفى تدريجياً كل من كان يؤمن بالعمل من وراء الستار. صعد جيل جديد من القادة العسكريين، بعضهم فقد أفراداً من عائلته في القصف الأمريكي أو الإسرائيلي.
ثانياً: اليأس من المفاوضات
بعد انسحاب ترامب من اتفاق 2015، ثم فشل محادثات فيينا، أدركت طهران أن الولايات المتحدة لن تلتزم بأي اتفاق طويل الأمد. لذلك، قررت طهران تغيير الاستراتيجية من "بناء الثقة" إلى "فرض الأمر الواقع".
ثالثاً: اكتشاف نقطة ضعف أمريكا
أثبتت الهجمات على القواعد الأمريكية في الخليج أن واشنطن ليست مستعدة لخسائر بشرية كبيرة في المنطقة. كل جندي أمريكي يموت في الخليج يتحول إلى أزمة سياسية داخلية للبيت الأبيض. إيران ربحت الرهان على أن أمريكا "جمهورية خائفة من المقابر".
تفاصيل الغارات العشرين ألف والاستنزاف الأمريكي (Washington Post).
في تحقيق مطول، كشفت الواشنطن بوست أن القوات الأمريكية شنت أكثر من 20 ألف غارة جوية وقصف مدفعي على مواقع إيرانية وحلفاء إيران خلال الـ 39 يوماً الماضية. هذا الرقم يفوق عدد الغارات التي شنتها أمريكا على أفغانستان في بعض السنوات الكاملة. ورغم هذه الضربات، لم تنهار إيران، ولم يتراجع الحرس الثوري، بل زادت وتيرة هجماته.
خطأ ترامب ونتنياهو الفادح - قراءة خاطئة للمشهد.
السؤال الآن: كيف أخطأ اثنان من أكثر القادة خبرة في العالم -ترامب ونتنياهو- في قراءة إيران بهذا الشكل؟
الجواب يأتي من ثلاث قراءات خاطئة:
القراءة الخاطئة الأولى: "إيران على وشك الانهيار".
كانت الفرضية الأساسية لترامب أن "الضغط الاقتصادي الأقصى" سيدفع الشعب الإيراني للثورة على النظام. نعم، الشعب الإيراني يعاني. التضخم يتجاوز 40%، والبطالة مرتفعة، والعملة فقدت أكثر من 80% من قيمتها. لكن ما أغفله ترامب هو أن الشعب الإيراني يفرق بين "النظام" و"الوطن". عندما تشعر أي دولة بأنها تحت حصار خارجي، حتى المعارضون يلتفون حول العلم.
القراءة الخاطئة الثانية: "أسابيع قليلة وننتهي".
نتنياهو وعد ترامب بأن الحرب ستستمر "6 أسابيع كحد أقصى". قالها بوضوح: "أسبوع وسننهي الأمر يا رئيس". لكن بعد مرور 39 يوماً، كانت القوات الإيرانية لا تزال تقاتل، بل وتوسع هجماتها. تكمن المشكلة في أن التكنولوجيا العسكرية الأمريكية مصممة لحروب "السحق" ضد جيوش نظامية، وليس ضد شبكات لا مركزية من المسيرات والصواريخ غير المكلفة.
القراءة الخاطئة الثالثة: "دول الخليج ستدعمنا".
أسوأ خطأ ارتكبته واشنطن كان الاعتقاد بأن دول الخليج سترحب بالحرب على إيران. لكن الواقع كان عكس ذلك. دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، أدركت فور اندلاع الحرب أنها ستكون ساحة المواجهة الأولى. أي صاروخ إيراني موجه إلى قاعدة أمريكية في قطر قد "يخطئ الهدف" ويصيب أحد أحياء الدوحة. هذا الخوف دفع العواصم الخليجية إلى الضغط على واشنطن لوقف الحرب، وليس الاستمرار فيها.
تحليل الواشنطن بوست لحسابات ترامب الخاطئة (Washington Post).
ماذا يريد القادة الجدد في إيران حقاً؟
لفهم المرحلة القادمة، يجب أن نعرف من هم "القادة الجدد" الذين يديرون الحرب من الجانب الإيراني:
اللواء حسين سلامي - القائد العام للحرس الثوري. رجل عسكري صرف لا يؤمن بالسياسة، بل بـ "القوة تنتج الأمن".
العميد أمير علي حاجي زاده - قائد القوة الجوفضائية. الرجل الذي يقف خلف برنامج الصواريخ والمسيرات. كان وراء هجوم "الوكالة 21" على قاعدة عين الأسد في العراق عام 2020.
العميد إسماعيل قاآني - خليفة قاسم سليماني. رجل أكثر تطرفاً من سلفه، وأقل ميلاً للتفاوض.
هؤلاء الرجال لديهم قناعة واحدة: "أمريكا لا تحب الحروب الطويلة". وبناءً على هذه القناعة، وضعوا استراتيجية تقوم على:
الإيلام المتصاعد: كل مرة تضرب فيها أمريكا، يزيد عدد الأهداف الإيرانية في المرة التالية.
توسيع الجبهات: بدلاً من التركيز على إسرائيل، تحول الضربات إلى الخليج، حيث المصالح الأمريكية أكثر حساسية.
الرهان على الوقت: كل يوم تمر الحرب دون نصر أمريكي حاسم، هو يوم يزيد من ضغوط الرأي العام الأمريكي على البيت الأبيض لإنهاء الحرب.
السيناريو القادم - هل يصمد اتفاق موقع تحت القنابل؟
الآن، وقد اقتربنا من نهاية هذا التحليل، نصل إلى السؤال الأصعب: هل سيصمد هذا الاتلاف الهش؟
سيناريو الانهيار المبكر (احتمال 60%):
خلال الأيام العشرة الأولى من التوقيع، قد يحصل حادث "غير مقصود". سفينة تجارية تتعرض لعطل في مضيق هرمز، أو مسيرة إيرانية تسقط بالخطأ بالقرب من قاعدة أمريكية. في هذه الحالة، سينهار الاتفاق فوراً، وسنعود إلى مربع الصفر.
سيناريو الصمود المؤقت (احتمال 30%):
يستمر الاتفاق 60 يوماً كاملة. تفرج أمريكا عن الأموال، وتصدر إيران نفطها بحرية، وتُرفع العقوبات. ثم، في اليوم 61، تبدأ المفاوضات من الصفر بشأن "النظام الحقوقي" لمضيق هرمز. وهنا، إما أن تقبل واشنطن بشروط طهران، أو تنهار المفاوضات وتعلن إيران "الإغلاق التدريجي" للمضيق.
سيناريو التحول الدائم (احتمال 10%):
يوافق العالم بأسره، بضغط من الدول المستوردة للنفط، على دفع "رسوم الخدمات" لإيران مقابل عبور السفن. هذا السيناريو سيغير قواعد اللعبة في الاقتصاد العالمي، وسيجعل إيران لاعباً لا يمكن تجاوزه في أمن الطاقة العالمي.
المصادر الأساسية المستخدمة في هذا التحليل:
وكالة مهر: التسريبات الكاملة لبنود الاتفاق الـ 14 والـ 24 مليار دولار
منتدى الخليج الدولي: عقيدة طهران الجديدة ونهاية الصبر الاستراتيجي
الخلاصة: من ربح هذه الجولة؟
في التحليل النهائي، وبغض النظر عن النص الدقيق للاتفاق، يمكن القول بثقة إن إيران هي الرابح الأكبر في هذه الجولة حتى الآن.
لم تحقق إيران أي انتصار عسكري ساحق على الأرض، ولم تدمر القواعد الأمريكية، ولم تسقط طائرات إف-35. لكنها حققت ما هو أهم: لقد أثبتت لأمريكا وللعالم أنها قوة إقليمية لا يمكن تدميرها بالقصف ولا تجويعها بالعقوبات.
أما ترامب، فيخرج من هذه الحرب مثقلاً بأثقل الأخطاء الاستراتيجية في تاريخه الرئاسي. لقد دخل الحرب واثقاً من النصر في "6 أسابيع"، ليخرج بعد 39 يوماً مقبولاً على اتفاق "هدنة" يدفع فيه ثمن الفشل العسكري بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
والسؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء: إذا كان هذا هو حال إيران بعد "هزيمتها"، فكيف سيكون حالها بعد "نصرها"؟
الأيام الـ 60 القادمة ستحمل الإجابة.
