ترامب يطلب من نتنياهو عدم الرد بعد ضرب إيران شمال إسرائيل بـ5 موجات صاروخية . لماذا يخشى الرئيس الأمريكي العودة إلى الحرب؟

 الردع الإيراني الجديد: لماذا طلب ترامب من نتنياهو عدم الرد على صواريخ الشمال؟

إيران تضرب شمال إسرائيل بأكثر من 5 موجات من الصواريخ الباليستية رداً على استهداف الضاحية الجنوبية في بيروت، وترامب يفاجئ العالم بطلب التهدئة من نتنياهو. لماذا يخشى الرئيس الأمريكي العودة إلى الحرب؟ تحليل جيوسياسي عميق يكشف تفاصيل الصور الفضائية لـ80 طائرة تانكر أمريكية محاصرة في مطار بن غوريون، وخطط إيران لفرض رسوم مرور على مضيق هرمز تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، والخسائر الاقتصادية الكارثية التي تهدد دول الخليج بـ200 مليار دولار، وخطة ترامب السرية لمصادرة الأموال الإيرانية المجمدة وتوزيعها على السعودية والإمارات وقطر. تفاصيل حصرية عن معادلات الردع الجديدة في الشرق الأوسط، ولماذا أصبح ترامب عاجزاً عن اتخاذ أي إجراء عسكري ضد إيران؟ وكيف تحول مضيق باب المندب إلى كابوس أمريكي جديد؟ قراءة استخباراتية شاملة لأكبر أزمة جيوسياسية في المنطقة منذ عقود. إيران تفرض قواعد اشتباك جديدة وإسرائيل بين مطرقة الرد وسندان ترامب. تطورات اللحظة من بيروت إلى تل أبيب إلى واشنطن.

حملة صاروخية منظمة شملت أربع إلى خمس موجات متتالية من الصواريخ الباليستية.
حملة صاروخية منظمة شملت أربع إلى خمس موجات متتالية من الصواريخ الباليستية.


في مشهد عسير وغير مسبوق، نفذت إيران وعدها الذي طالما أعلنته على لسان مسؤوليها العسكريين، حيث وجهت أربع إلى خمس موجات متتالية من الصادرات الباليستية نحو شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، في رد مباشر وسريع على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية في بيروت. هذا التطور الحاد لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة معادلة واضحة سبق أن أعلنتها طهران: "إذا مدت إسرائيل يدها إلى بيروت، فسنضرب المستوطنات في شمال إسرائيل وحيفا بالصواريخ بشكل مباشر". وما زاد المشهد تعقيداً هو الموقف الأميركي المتردد، حيث خرج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ليطلب من بنيامين نتنياهو عدم الرد، في خطوة فسرها المراقبون على أنها علامة ضعف وهزيمة في معادلات الردع التي باتت تفرضها إيران بقوة على الأرض.

لفهم أبعاد هذه الأزمة، لا بد من العودة إلى جذورها. فالمسرحية التي خرجت إلى العلن، والتي تضمنت اتصالات وشتائم متبادلة بين ترامب ونتنياهو، كشفت عن عمق الخلاف بين الحليفين. فقبل تنفيذ الغارة على الضاحية الجنوبية، كان هناك حديث عن أن ترامب قال لنتنياهو حرفياً: "أوعى وما تضربش بيروت... أنا وقفت الدنيا". لكن الإسرائيليين مضوا قدماً في اختبارهم للإيرانيين، ليروا هل سترد طهران على استهداف حلفائها في لبنان أم لا؟ وجاء الرد إيرانياً قاسياً ومباشراً، ليضع الجميع أمام واقع جديد.

موجات الصواريخ المتتالية: تفاصيل الهجوم الإيراني على الشمال

بحسب المعلومات المتداولة، لم تكن الضربة الإيرانية مجرد عرض عسكري رمزي، بل كانت حملة صاروخية منظمة شملت أربع إلى خمس موجات متتالية من الصواريخ الباليستية. هذا التتابع في الهجوم لم يكن عشوائياً، بل جاء ليؤكد أن إيران لديها القدرة على شن هجمات مستدامة ومتصلة، وليس مجرد وابل صاروخي واحد يمكن اعتراضه بسهولة.

الصواريخ التي استخدمتها طهران استهدفت بشكل رئيسي المستوطنات الإسرائيلية في الشمال ومنطقة حيفا، وهو ما يتوافق مع التهديدات السابقة التي أطلقتها طهران. هذا الاختيار للمنطقة كان متعمداً، إذ أنها تعتبر من أكثر المناطق الإسرائيلية حساسية من حيث الكثافة السكانية والبنية التحتية، والهدف كان إيصال رسالة مفادها أن أي اعتداء على حلفاء إيران في لبنان سيقابل باستهداف مباشر للأراضي الإسرائيلية، وليس فقط بضرب قواعد عسكرية أو مواقع استخباراتية.

ولم تقتصر الرسالة على هذا الحد، بل أضافت إيران تهديداً واضحاً في أعقاب الهجوم: "لو إسرائيل ردت، هرد عليها برد أقوى من الرد الحالي". هذا التصعيد في لغة التهديد وضع إسرائيل أمام معضلة حقيقية، فإذا ردت، فستكون أمام مواجهة أوسع وأكثر تدميراً، وإذا لم ترد، فستكون قد خسرت حرب الردع النفسية والمعنوية قبل العسكرية.

معلومة للمتابع: ما يميز الرد الإيراني هذه المرة هو أنه لم يأت بعد ساعات أو أيام، بل كان فورياً وسريعاً، مما يؤكد أن طهران لديها خطط جاهزة للرد من اللحظة صفر، وأن شبكة استخباراتها قادرة على متابعة التحركات الإسرائيلية لحظة بلحظة.

ترامب يتراجع: من "عندي كل الوقت" إلى "كفاية كده"

قبل الهجوم الإيراني، كان المشهد مختلفاً تماماً. ففي لقاء متلفز مع شبكة "إن بي سي" الأميركية، كان ترامب يتحدث بثقة زائدة، مؤكداً أنه يمتلك كل الوقت، وأن الجيش الأميركي موجود في المنطقة ولن ينسحب، وأنه إما سيدخل بقواته ليضعف الجيش الإيراني، أو سيأخذ اليورانيوم المخصص إما بالاتفاق أو بالقوة. هذا الكلام المتعجرف، الذي صدر عن رجل يعتقد أنه يمسك بخيوط اللعبة، تحول فجأة إلى تراجع مذل بعد تنفيذ الضربة الإيرانية.

بعد الهجوم الإيراني مباشرة، خرج ترامب ليطل عبر قناة "فوكس نيوز"، ولكن ليس ليهدد أو يتوعد، بل ليطلب التهدئة. في مشهد وصفه المحللون بأنه غير مسبوق، قال ترامب حرفياً: "خلاص ضربت بقى الصواريخ بتاعتك، كفاية كده، خلاص نرجع بقى إلى طاولة المفاوضات". هذا التحول المفاجئ لم يكن مجرد تغيير في النبرة، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن الردع الإيراني قد نجح في فرض معادلة جديدة لا تستطيع واشنطن مواجهتها.

ما أضفى المزيد من الغموض على المشهد، هو حديث ترامب عن مفاوضات كانت وشيكة، قائلاً: "احنا كنا هنعمل الاتفاق ده يوم الاثنين أو الثلاثاء أو الأربعاء أو الخميس، بس اللي حصل النهارده ده صعب جداً". هذا الإشارة إلى أن اتفاقاً ما كان على وشك التوقيع، يوضح أن ترامب راهن على المفاوضات كوسيلة للخروج من الأزمة، لكن الصواريخ الإيرانية فجرت هذه الخطة.

لمزيد من التفاصيل حول تصريحات ترامب، يمكنك متابعة تغطية قناة "فوكس نيوز" للحظة بلحظة، وكذلك قراءة التحليل السياسي الذي نشرته شبكة "سي إن إن" العربية حول هذا التراجع التاريخي.

معادلات ردع جديدة: إيران تفرض قواعد اشتباك مختلفة

ما حدث في الأيام القليلة الماضية، يمثل نقلة نوعية في مفهوم الردع في الشرق الأوسط. فإيران لم تعد تكتفي بالتهديد أو بالرد غير المباشر عبر وكلائها، بل أصبحت قادرة على تنفيذ ردود مباشرة ومؤثرة. الثلاثية الجديدة التي تفرضها طهران واضحة: إذا ضربت إسرائيل الضاحية في لبنان، ستضرب إيران شمال إسرائيل؛ إذا ردت إسرائيل، سيكون الرد الإيراني أقوى؛ وأي تصعيد آخر سيقابل بتصعيد مماثل أو أكبر.

هذه المعادلة وضعت إسرائيل وأميركا في موقف دفاعي لأول مرة منذ عقود. فبدلاً من أن تكون واشنطن هي من تحدد متى وأين وكيف ترد، أصبحت الآن في موقع المتلقي الذي ينتظر الإشارات القادمة من طهران. هذا الانقلاب في الأدوار أثار ارتباكاً كبيراً في المؤسسة العسكرية والسياسية الأميركية، التي لم تعتد على هذا النوع من المواجهة.

طهران من جانبها لم تكتفِ بالبيانات الرسمية، بل عبرت عن موقفها بلغة واضحة: إيران ما عندها مشكلة في أنها تعود إلى القتال مرة أخرى، أنا أضرب أي حد في أي وقت وأعود للقتال، ومستعدة للعواقب. اما السؤال الذي يطرح نفسه: هل أنتم مستعدون لذلك؟

ولقراءة المزيد حول استراتيجية الردع الإيرانية الجديدة، يمكنك الرجوع إلى تقرير "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، وكذلك تحليل مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط حول تطور العقيدة العسكرية الإيرانية.

صفقة الأموال المجمدة: إهانة أم خطة أميركية يائسة؟

في خضم المواجهة العسكرية، كان هناك صراع موازٍ على الجبهة الاقتصادية، يتمثل في قضية الأموال الإيرانية المجمدة. وفقاً لتقرير نشرته منصة "سكوبسنت" المعروفة بتسريباتها، فإن وزير الخزانة الأميركي كان يدرس جدياً فكرة مصادرة الأموال الإيرانية المجمدة وتوزيعها على دول الخليج كتعويضات عن الضربات الإيرانية السابقة التي طالت هذه الدول.

هذه الفكرة، التي وصفتها أوساط دبلوماسية بأنها "نوع من أنواع الإهانة"، تعكس حالة اليأس والإحباط داخل الإدارة الأميركية. فبدلاً من الجلوس للتفاوض مع الطرف الآخر الذي يتمسك بحقوقه في الإفراج عن أمواله المجمدة، تأتي واشنطن لتقول: "لا، أنا سأصادر هذه الأموال وأعطيها لدول الخليج".

لكن الحقيقة أن هذا الطريق لا يمكن تنفيذه على الصعيد الفني، لأن أميركا لا تملك من هذه الأموال سوى حوالي 2 مليار دولار فقط، بينما الباقي موجود في حسابات في قطر وكوريا الجنوبية والصين وأوروبا. هذه الدول، وخصوصاً قطر التي لديها حوالي 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية، لن تسلم هذه الأموال لواشنطن بسهولة، لأن ذلك سيعني تورطها في حرب مالية مع طهران وتعقيد علاقاتها مع الصين وروسيا.

مجرد طرح هذه الفكرة، كما يقول محللون، هو "محاولة استفزاز" تهدف إلى إهانة إيران وإظهارها بمظهر الضعيف، لكنها في الحقيقة تعكس عجزاً أميركياً عن الرد بوسائل تقليدية، فيلجأ ترامب إلى "الحرب النفسية". وكما توقع المحللون، فإن هذا الطرح لن يمر، خاصة أن قطر لن تخرج الـ12 مليار دولار التي بحوزتها لتعطيها للإمارات أو السعودية، لأن هذا سيُولع المنطقة بأكملها، وهو هدف إسرائيلي في المقام الأول.

للاستزادة، يمكنك قراءة التقرير الكامل الذي نشرته منصة "سكوبسنت"، وكذلك تحليل "بلومبيرغ" حول تعقيدات قضية الأصول الإيرانية المجمدة.

العامل اللوجستي: صور الأقمار تكشف الثغرة القاتلة

بعيداً عن التصريحات السياسية، هناك حقائق ملموسة على الأرض تفسر لماذا يرفض ترامب العودة إلى القتال. إحدى أهم هذه الحقائق هي الصور الفضائية الجديدة لمطار بن غوريون، والتي نشرها مراكز أبحاث متخصصة، وأظهرت تجمعاً غير مسبوق لأكثر من 80 طائرة تانكر (ناقلة وقود) داخل هذا المطار المدني.

هذه الطائرات، والتي يتراوح عددها بين 75 و80 طائرة، هي بمثابة العمود الفقري لأي عملية تزويد بالوقود جوياً في المنطقة. الإسرائيليون طبعاً قالوا لترامب إن هذا مطار مدني ويجب إزالة هذه الطائرات من هنا، لكن ترامب زعق لهم وأبقاها موجودة. النتيجة الآن أن المطار مكدس بهذه التانكرات التي ستدعم أي عملية جديدة ضد الإيرانيين، لكنها أصبحت هدفاً مكشوفاً وسهلاً.

فكل هذه الطائرات موجودة في مكان واحد، وهذا المكان تم استهدافه من قبل أكثر من مرة. وإيران لديها صواريخ متشظية متطورة، يمكنها تطبيق الرأس المتشظي على مستوى منخفض، لتغطية مساحة أقل وتجنب التشتت. هذا يعني أن إيران قادرة، في ضربة واحدة، على تدمير هذا الأسطول بأكمله في غضون 60 دقيقة فقط.

وبعيداً عن مطار بن غوريون، هناك مشكلة لوجستية أخرى تتعلق بناقلات الوقود نفسها. فتقارير تحدثت عن سقوط إحدى طائرات التانكر في العراق، ويُقال إنها أُسقطت بأسلحة مضادة للطائرات من الجانب الإيراني. هذا يزيد من تعقيد الموقف، ويؤكد أن أي عملية جوية أميركية أو إسرائيلية في المنطقة ستكون محفوفة بمخاطر كبيرة.

للاطلاع على الصور الفضائية وتحليل الخبراء، يمكنك زيارة موقع "ديفنس ون" المتخصص في الشؤون العسكرية، وكذلك قراءة تقرير "مركز الأبحاث الأميركي" حول الثغرات اللوجستية للقوات الأميركية في المنطقة.

معضلة نتنياهو: الرد أم عدم الرد بين النار الإيرانية والضغط الأميركي

في قلب هذه الأزمة يقف بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الذي يمر بواحدة من أصعب اللحظات في مسيرته السياسية. من جهة، هناك ترامب يطلب منه عدم الرد ويمنعه من الذهاب بعيداً، ومن جهة أخرى، هناك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي الذي يتعرض للصواريخ من الشمال والجنوب في وقت واحد، ويطالب برد قوي يعيد الردع المفقود.

التقارير تشير إلى أن الرد الإسرائيلي على إيران، إذا حدث، سيكون موجعاً وقوياً هذه المرة. ففي نهاية الجولة القتالية السابقة بين الولايات المتحدة وإيران، كانت إيران تشد حيلها في استهداف المقاتلات الأميركية، بل تمكنت من إسقاط طائرة أميركية بدون طيار. هذه المرة، يمكن لإسرائيل أن تستخدم صواريخ باليستية محملة على طائرات F-15، لتقلص من وقت العمل داخل المجال الجوي الإيراني وتفادي الدفاعات الجوية الإيرانية المتطورة.

لكن حتى هذا الخيار ليس آمناً. فالدفاع الجوي الإيراني المتنامي أثبت أنه قادر على صيد الطائرات، حتى الطائرات المتطورة مثل F-35. وهذا يعني أن أي عملية إسرائيلية في العمق الإيراني ستكون مغامرة كبيرة قد تكبد إسرائيل خسائر فادحة. لذا، فكل الأوراق الآن في يد إيران.

جولة الخليج الأولى: خسائر 58 مليار ومخاوف من 200 مليار

لفهم حجم الكارثة الاقتصادية التي يخشاها ترامب، يجب العودة إلى الجولة الأولى من القتال بين الولايات المتحدة وإيران. في تلك الجولة، قدرت خسائر دول الخليج بحوالي 58 مليار دولار، معظمها تركز في منشأة "راسفان" القطرية لإسالة الغاز الطبيعي. هذه المنشأة، التي تعتبر من أهم منشآت الطاقة في العالم، تعرضت لأضرار بالغة كلفت قطر وعملاءها مليارات الدولارات.

والأدهى من ذلك، أن ترامب وخلفاءه في المنطقة كانوا قد جمعوا حوالي 58 مليار دولار من دول الخليج (قطر، الإمارات، السعودية، البحرين، الكويت، سلطنة عمان) لدعم مشاريع إعادة الإعمار وتعزيز الأمن. لكن 20 مليار دولار فقط منهم ذهبت إلى منشأة "راسفان" لإصلاح الأضرار. والباقي قد يتبخر إذا تجدد القتال.

إذا عادت الحرب مرة أخرى، يحذر الاقتصاديون من أن الخسائر قد تقفز من 58 ملياراً إلى 200 مليار دولار. هذا الرقم الضخم سيهز اقتصادات المنطقة بأكملها، وسيؤدي إلى انهيار أسواق الأسهم، وارتفاع التضخم، وزيادة البطالة. ترامب يعرف ذلك جيداً، وهو لا يريد أن يكون مسؤولاً عن تدمير اقتصادات حلفائه، خاصة مع اقتراب موسم الانتخابات الأميركية.

للاطلاع على تفاصيل الخسائر الاقتصادية، يمكنك قراءة تقرير "بلومبيرغ" حول تكلفة الصراع في الشرق الأوسط، وكذلك تحليل "فايننشال تايمز" لتداعيات الحرب على أسواق الطاقة.

مضيق هرمز ورسم العبور: تحويل المضيق إلى مورد دخل

من أذكى الخطوات التي قامت بها إيران في هذه الأزمة، هو تحويل مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى سلاح اقتصادي ومالي في آن واحد. فطهران لم تغلق المضيق بشكل كامل، لأن ذلك سيعني إعلان حرب شاملة، لكنها بدأت في فرض "رسوم مرور" على السفن التي تعبر المضيق.

الرسوم تتراوح بين مليون ونصف إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، وهو مبلغ كبير جداً. وبحسب المعلومات، فإن إيران تقبل الدفع بعملات مشفرة أو بضائع بديلة، وهو ما يعقد عملية تتبع هذه الأموال. هذا الاجراء يعني أن إيران أصبحت تحصل على "غنيمة حرب" يومية من السفن التي تمر عبر مضيقها، وهو أمر غير قابل للتفاوض.

طهران واضحة في هذا الملف: "كل سفينة تدفع، وإذا لم يكن معك فلوس أو عملات مشفرة، فحل نفسك بنفسك، اطلع اللي في جيبك، أو اعطينا بضاعة بدلاً من المال". هذه الآلية، التي وصفها مراقبون بأنها "ابتزاز منظم"، تجعل من الصعب على أي قوة بحرية أن تتدخل، لأن الاشتباك مع السفن الإيرانية الصغيرة التي تقوم بجمع الرسوم سيكون معقداً وقانونياً وإنسانياً.

جبهة باب المندب: الكارثة القادمة

إذا كانت إيران تتحكم في مضيق هرمز في الشرق، فإن الحوثيين في اليمن، المدعومين من طهران، يتحكمون في مضيق باب المندب في الغرب. وهذا هو الكابوس الحقيقي لترامب. فالحوثيون الآن، وهم يرون ترامب ضعيفاً ومتردداً، قد يشعرون بالجرأة ليفعلوا نفس الشيء: فرض نظام تعريفات خاص بهم على السفن المارة.

هذا السيناريو مطروح بقوة. فإذا عاد ترامب إلى القتال بوتيرة كبيرة، فقد يقرر الحوثيون إعلان هيئة خاصة بهم لتنظيم المرور عبر باب المندب، ويقولون للملاحة العالمية: "ادفعوا لتعبروا". هذا سيضع الولايات المتحدة أمام أزمة ملاحة عالمية مزدوجة: هرمز في الشرق وباب المندب في الغرب.

النتيجة ستكون كارثية على أسعار النفط، التي قد تقفز فوق 120 أو 130 دولاراً للبرميل، وقد تصل إلى أرقام قياسية جديدة. التعامل الفوري مع هذه الأزمة سيكون كارثة، والذهاب إلى أرقام ضخمة يعني تصعيداً غير محسوب. ولهذا، فإن ترامب لا يريد العودة إلى القتال، لأنه يعلم أنه سيحصد عواقب اقتصادية وعسكرية وخيمة دون تحقيق أي من أهدافه المعلنة.

لمزيد من التحليل حول تهديدات باب المندب، يمكنك قراءة تقرير "بوليتيكو" حول الخطط الحوثية، وكذلك تحليل "معهد دول الخليج العربية" في واشنطن.

كبرياء ترامب مقابل وقائع الأرض

في جميع تصريحاته السابقة، كان ترامب يتحدث عن "القادة الإيرانيين الأقوياء ولكن المتكبرين" وعن "الدولة الحقيرة في آسيا" التي لا تملك خط تجارة ولا مضيقاً ولا شيئاً. كان يعتقد أن معه كل الوقت، ومعاه كل التحالفات، وأنه قادر على إجبار إيران على الرضوخ.

لكن ما حدث في الأيام القليلة الماضية أظهر فجوة هائلة بين كلام ترامب وواقع الأرض. إيران ليست دولة حقيرة، بل هي قوة إقليمية مؤثرة تمتلك أوراق ضغط متعددة. ترامب وجد نفسه في موقف "وحش جداً"، حيث أنه كان المفروض يضرب بما يتلائم مع تصريحاته التصعيدية، لكن بعد كل هذه العجرفة، خرج ليطلب التهدئة.

الضعف هو الذي يخيم على ترامب الآن. هو يحاول أن يكبح جماح نتنياهو ويقول له "لا ترد"، لكن نتنياهو قد يرد رغم ذلك، لأن الإسرائيليين عايزين يردوا. السؤال: هل سيستطيع ترامب منعهم؟ الإجابة: لا أعتقد. لأن ترامب ليس لديه النفوذ الكافي ليمنع الجانب الإسرائيلي. وإذا ضرب نتنياهو وراح في "داهية"، فسيظهر أيضاً في الداخل الإسرائيلي بمظهر الضعيف أمام الإيرانيين، الذين يفرضون عليه خطوطاً حمراء ومعادلات ردع واضحة: "إذا عملت كذا، سنعمل لك كذا، إذا ضربت هنا، سنضرب هناك".

الخلاصة: حرب استنزاف مفتوحة بلا نهاية؟

الخلاصة التي يخرج بها المحللون اليوم، هي أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، حيث لا أحد يريد حرباً شاملة، لكن الجميع مستعد لسيناريو التصعيد التدريجي. إيران أثبتت أنها قادرة على تنفيذ وعيدها، وأميركا أثبتت أنها غير راغبة في العودة إلى القتال، وإسرائيل أثبتت أنها محاصرة بين جبهتين.

ترامب الذي راهن على سياسة "الضغط الأقصى"، وجد نفسه تحت ضغط أقصى من الداخل. فالمخزونات الصاروخية الأميركية متضائلة جداً، ومستوى صواريخ توماهوك عنده حرج، والتجهيزات اللوجستية متداعية. العودة إلى القتال مرة أخرى على إيران لن تؤدي إلى تحقيق النتائج ولا الأهداف التي أعلنها، وستتكبد أميركا خسائر بدون طائل.

المدار الذي لحقته دول الخليج (قطر، الإمارات، السعودية، البحرين، الكويت، سلطنة عمان) بـ 58 مليار دولار، بعضها ذهب لمنشأة راسفان، وهذا كله معرض للتدمير إذا تجدد القتال. ترامب لا يريد هذا، ولا يريد أن يتسع رقعة القتال. هو دماغه "حد يحارب له" عشان يخلص منها، لكن ليس بهذه الصورة. الإسرائيليون يريدون الدخول والضرب والتعرض للضرب والموت، وهذا سيخلق ضغطاً من اللوبيات، وسيضطر ترامب للتدخل.

الموقف اللوجستي أيضاً ضعيف. تجميع طائرات التزود بالوقود في مطار بن غوريون هو "عبط" كما وصفه المحللون، لأن هذا المطار يمكن استهدافه بسهولة. وإذا فعلت إيران ذلك، فسينتهي الأسطول في 60 دقيقة.

وضع ترامب "وحش جداً". لو عاد إلى القتال سيخسر حلفاءه، ولو لم يعد سيظهر بمظهر الضعيف. إيران من جهتها تمتلك كل أوراق اللعبة، وهي تنتظر. السؤال الأصعب لم يأتِ بعد: ماذا لو قرر نتنياهو العصيان والرد، رغم رغبة ترامب في التهدئة؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة.

للاستزادة، تابعوا التحليل المستمر للأزمة على شبكة "سي إن إن" العربية، واقرأوا التقرير الخاص لمجلة "ذي إيكونوميست" حول تراجع النفوذ الأميركي، وراجعوا التفاصيل العسكرية على موقع "ديفنس ون"، واطلعوا على آخر تطورات أسواق النفط عبر "بلومبيرغ"، وتابعوا الموقف الإسرائيلي من خلال "تايمز أوف إسرائيل".


إقرأ أيضا :





إرسال تعليق

أحدث أقدم