الورقة المقلوبة: كيف أصبح الحليف الإسرائيلي يشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي؟
خرائط التجسس الإسرائيلي: قواعد عسكرية سرية في أذربيجان والعراق وأرض الصومال تحاصر إيران وتخترق البنتاجون.
عندما يتحول الصديق إلى مصدر قلق.
في عالم العلاقات الدولية، غالباً ما تكون العلاقات بين الحلفاء أكثر تعقيداً مما تظهر عليه للعلن. فالتجسس المتبادل ليس استثناءً، بل هو قاعدة غير مكتوبة، لكنه يظل خاضعاً لخطوط حمراء وأعراف راسخة. ولكن يبدو أن إسرائيل، في الآونة الأخيرة، قد قررت تجاوز كل هذه الخطوط، مما دفع وكالة استخبارات البنتاغون إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة .
![]() |
| ستخبارات البنتاجون ترفع مستوى التهديد الإسرائيلي إلى أعلى درجة حرج لأول مرة في التاريخ، |
ففي تطور لافت يكشف عن عمق الأزمة الجيوسياسية الحالية، كشفت تقارير أمريكية حديثة عن قيام وكالة استخبارات الدفاع (DIA) التابعة للبنتاغون برفع مستوى التهديد المضاد للتجسس الموجه ضد إسرائيل إلى أعلى درجة، وهي "حرج" (Critical) . هذا القرار، الذي وُصف بأنه تحذير داخلي خطير، لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة مخاوف متصاعدة من أن النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي، الذي ينفذه الموساد ووحدات استخباراتية أخرى، أصبح أكثر عدوانية من المعتاد، بل وأكثر جرأة مما تفعله حتى روسيا والصين في بعض الأحيان .
تقرير البنتاغون الصادم.
رفع مستوى التهديد إلى "حرج".
وفقاً لمسؤولين أمريكيين تحدثوا لشبكة NBC News [https://www.nbcnews.com/politics/national-security/pentagon-raised-threat-israeli-spying-us-highest-level-sources-say-rcna348565]، فإن وكالة استخبارات الدفاع أصدرت في الأسابيع الأخيرة تقييماً جديداً لخطر مكافحة التجسس، وسط تصاعد التوتر بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن مسار الحرب مع إيران. وأوضح المسؤولون أن الوكالة نشرت رسالة داخلية رفعت مستوى التهديد لإسرائيل إلى مستوى "حرج" .
التقرير، الذي يتألف من سبع صفحات ويتضمن رسوماً بيانية، صنف قدرات إسرائيل في التجسس البشري وجمع المعلومات التقنية بأنها وصلت إلى مستوى "حرج" - وهو أعلى تصنيف للخطر في لغة الاستخبارات الأمريكية. كما يحدد التقرير سلسلة من الحوادث المحددة التي زادت من المخاوف الأمريكية .
ما يجعل هذا التطور مذهلاً حقاً هو أن هذا التصنيف يضع إسرائيل - الحليف الأقرب لواشنطن - في مرتبة خطيرة لم تصل إليها حتى بعض الدول الخصمة للولايات المتحدة. وهذا يعكس حجم الغضب والقلق داخل أروقة البنتاجون.
لماذا كل هذه الدراما؟
الإجابة تكمن في طبيعة الأهداف. فوفقاً للمسؤولين الأمريكيين، فإن المخابرات الإسرائيلية لم تعد تكتفي بجمع معلومات عن القدرات العسكرية الإيرانية، بل حولت بوصلة تركيزها نحو صانعي القرار الأمريكي أنفسهم. الهدف من وراء ذلك هو محاولة اختراق المداولات الداخلية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، ومعرفة الاتجاه الذي ستسير فيه المفاوضات مع إيران: هل تتجه واشنطن نحو اتفاق دبلوماسي ينهي الحرب، أم أنها تستعد لجولة جديدة من التصعيد العسكري ؟
هذا التحول في الأهداف يعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بكونها حليفاً، بل أصبحت تسعى إلى أن تكون شريكاً في صنع القرار الأمريكي، حتى لو كان ذلك عن طريق اختراق أسراره قبل اتخاذه.
ردود الفعل الرسمية.
بالطبع، لم تمر هذه التقارير دون ردود فعل رسمية. فقد قال المتحدث باسم السفارة الإسرائيلية في واشنطن، في بيان، إن ما يقال عن تجسس إسرائيل على الولايات المتحدة هو "ادعاء باطل تماماً". وأضاف: "إسرائيل لا تجمع استخبارات عن كيانات أمريكية، ناهيك عن مسؤولين حكوميين أمريكيين. جهود الاستخبارات الإسرائيلية موجهة ضد أعدائها، وليس ضد حلفائها" .
من جانبه، قال مسؤول في البيت الأبيض في بيان مقتضب: "هذا الخبر برمته كاذب، ويستند إلى مصدر لا يملك أي معرفة بما يجري" .
ورغم هذا النفي القاطع، فإن الإجراءات الاحترازية التي بدأ المسؤولون الأمريكيون في اتخاذها تحكي قصة مختلفة تماماً.
إجراءات احترازية غير مسبوقة.
هواتف تٌحرق واجتماعات في الهواء الطلق.
وفقاً لتقارير نيويورك تايمز [https://www.nytimes.com]، فإن المخاوف الأمريكية من التجسس الإسرائيلي دفعَت الإدارة إلى اتخاذ إجراءات احترازية غير مسبوقة. فالمسؤولون الأمريكيون بدأوا في استخدام هواتف "تُحرق" (Disposable Phones) - وهي هواتف تستخدم لفترة زمنية محدودة ثم تُتلف بعد ذلك - لمنع اختراق اتصالاتهم .
والأكثر دلالة على عمق الأزمة هو أن المسؤولين الأمريكيين باتوا يتجنبون مناقشة أي مواضيع حساسة داخل غرف الفنادق أثناء زياراتهم لإسرائيل. فبدلاً من ذلك، يفضلون الخروج للنزهة في الأماكن المفتوحة لمناقشة المعلومات السرية، خوفاً من وجود أجهزة تنصت مزروعة في الغرف .
هذه الإجراءات، التي قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها مشاهد من فيلم تجسس، تعكس حقيقة مؤلمة: الثقة بين الحليفين التاريخيين قد وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.
تأثر التنسيق الاستخباراتي.
ورغم أن المسؤولين يؤكدون أن مستوى التنسيق الاستخباراتي اليومي بين الجانبين لا يزال مرتفعاً، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني، إلا أن الإجراءات الاحترازية الجديدة قلصت بشكل كبير كمية المعلومات الحساسة التي يتم تبادلها. فقد أصبح المسؤولون الأمريكيون أكثر تحفظاً في مشاركة المعلومات، حفاظاً على أسرارهم من عيون الموساد .
ملاحظة مهمة: هذا التضييق على تداول المعلومات بين الإدارات لا يعطل فقط سير العمل الاستخباراتي، بل يهدد أيضاً القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة في أوقات الأزمات.
قضية بولارد تعود من جديد.
جاسوس يصبح سياسياً.
في تطور يبدو وكأنه مستوحى من أفلام هوليوود، أعلن جوناثان بولارد، الجاسوس الأمريكي السابق الذي أدين بتسريب آلاف الوثائق السرية لإسرائيل، في مايو 2026 عن ترشحه للكنيست (البرلمان الإسرائيلي) .
بولارد، البالغ من العمر 71 عاماً، كان يعمل كمحلل استخباراتي مدني في وكالة استخبارات البحرية الأمريكية عندما تم القبض عليه عام 1985 بتهمة تمرير وثائق سرية للغاية إلى إسرائيل. وقد قضى 30 عاماً في السجن الفيدرالي الأمريكي قبل أن يُفرج عنه بكفالة عام 2015، وهاجر إلى إسرائيل عام 2020 حيث استُقبل استقبال الأبطال من قبل رئيس الوزراء آنذاك بنيامين نتنياهو .
في مقابلة مع شبكة NPR، قال بولارد معتذراً عن أفعاله: "لقد ارتكبت خطأً؛ لم أفكر في العواقب. وبعد 30 عاماً، ها أنا ذا أحاول ترك إرث أفضل" .
"السابع من أكتوبر" غيّر كل شيء.
عندما سُئل بولارد عن سبب تغييره لرأيه وتقريره خوض الانتخابات بعد سنوات من الابتعاد عن الساحة السياسية، كانت إجابته حاسمة: "السابع من أكتوبر".
وأضاف: "حتى تلك اللحظة، كنت أعتقد أن تخلي الحكومة عني وخيانتها لي كان استثناءً من القاعدة. لكن بعد السابع من أكتوبر، أدركت أنني لم أكن استثناءً، وأن الحكومة والجيش قد خانوا وتخلوا عن البلد بأكمله" .
بولارد لم يكتفِ بالانتقاد، بل أعلن عن برنامجه السياسي الذي يتضمن:
الاكتفاء الذاتي العسكري: وهو ما وصفه بأنه المبدأ الأهم في برنامجه .
الخدمة الوطنية الإلزامية: للجميع، عرباً ويهوداً، يميناً ويساراً .
التهجير القسري: حيث أعلن بشكل صريح تأييده لـ "الترحيل القسري لجميع السكان الحاليين من غزة، وضم غزة وإعادة إسكانها من قبلنا".
نقد لاذع لنتنياهو وبينيت.
لم يتردد بولارد في توجيه انتقادات حادة لنتنياهو، واصفاً إياه بأنه "يقرع صدره ويقول إننا لم نكن أكثر نجاحاً من أي وقت مضى في محاربة أعدائنا، وأنا آسف ولكن هذه كذبة باردة".
كما هاجم رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، ووصفه بأنه "كذاب" واتهمه بمضاعفة عدد العمال الغزيين الذين يدخلون إلى المستوطنات المحيطة بغزة قبل السابع من أكتوبر .
ما يجعل عودة بولارد إلى الواجهة السياسية مثيرة للقلق في واشنطن هو التوقيت: فترشحه للكنيست يأتي بالتزامن مع رفع مستوى التهديد الاستخباراتي من قبل البنتاغون. وهذه الرسالة المزدوجة لا تخفى على أحد في واشنطن: إسرائيل لا تكتفي بالنشاط الاستخباراتي غير المعلن، بل تشرعن من يقف وراء أكبر خرق استخباراتي في تاريخ علاقاتهما.
قواعد سرية تحاصر إيران.
أذربيجان: عين على تبريز.
في تطور كشفته شبكة CNN [https://edition.cnn.com] ونقلته وسائل إعلام عالمية، تبين أن إسرائيل لم تكتفِ بالاعتماد على الاستخبارات الأمريكية خلال حربها مع إيران، بل أقامت بنية تحتية استخباراتية متكاملة على حدود إيران الشمالية .
ففي أذربيجان، الدولة المجاورة لإيران من الشمال، قامت إسرائيل بنشر وحدات من القوات الخاصة وعناصر الموساد وطواقم تشغيل الطائرات بدون طيار في عدة مواقع جنوب البلاد. أقرب هذه القواعد كانت على بعد 96 كيلومتراً فقط من مدينة تبريز الإيرانية، وهي واحدة من المدن التي استهدفتها الغارات الإسرائيلية خلال الحرب .
المهمة هناك بدت متواضعة في البداية: إنشاء فريق إنقاذ سريع تحسباً لسقوط طيارين إسرائيليين خلف خطوط العدو. لكن سرعان ما تطورت المهمة بشكل كبير، لتصبح قاعدة متقدمة لجمع المعلومات الاستخباراتية الاستباقية (Preemptive Intelligence). طواقم المسيرات الإسرائيلية انطلقت من هذه القاعدة لرصد تحركات الحرس الثوري الإيراني وجمع البيانات عن المواقع العسكرية الحساسة .
نفي أذربيجاني حاد.
بطبيعة الحال، نفت أذربيجان هذه التقارير بشدة. فقد قال المتحدث باسم السفارة الأذربيجانية في واشنطن في بيان: "نرفض بشدة الادعاءات التي لا أساس لها حول استخدام أراضي أذربيجان لعمليات ضد دول ثالثة" .
لكن العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بين باكو وتل أبيب - حيث تزود أذربيجان إسرائيل بالنفط، وتزودها إسرائيل بالأسلحة المتطورة، بما في ذلك أنظمة القبة الحديدية - تجعل هذه النفي مجرد بروتوكول دبلوماسي.
المثلث الكامل: العراق وأرض الصومال والإمارات.
لم تقتصر الشبكة السرية على أذربيجان فقط. فبحسب تقارير نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال، تمكنت إسرائيل من تأمين موطئ قدم لها في مناطق أخرى لا تقل حساسية :
العراق: أقامت إسرائيل قاعدتين سريتين داخل الأراضي العراقية، استخدمتا كمراكز دعم لوجستي للعمليات الإسرائيلية في العمق الإيراني. وبطبيعة الحال، نفت القيادة العسكرية العراقية وجود أي "قواعد أو قوات غير مرخص لها" في البلاد .
أرض الصومال (Somaliland) : في خطوة جيوسياسية مثيرة، كانت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بأرض الصومال الانفصالية في ديسمبر 2025. وفي المقابل، حصلت إسرائيل على موقع عسكري متقدم يطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما يمنحها قدرة هائلة على مراقبة تحركات الحوثيين المدعومين من إيران .
الإمارات العربية المتحدة: نشرت إسرائيل بطارية من نظام "القبة الحديدية" للدفاع الجوي في دولة الإمارات، مع القوات اللازمة لتشغيلها، لحماية المجال الجوي الإماراتي من الهجمات الإيرانية .
ما يجمع كل هذه القواعد هو أنها تعمل بشكل مستقل تماماً عن القيادة المركزية الأمريكية. لم يكن هناك تنسيق أمريكي في إنشائها، بل تمت دون علم واشنطن في بعض الأحيان. وهذا يعني أن إسرائيل كانت تخطط لمعركتها مع إيران بشكل مستقل، وكانت تبني قدراتها الخاصة لضرب طهران حتى لو رفضت واشنطن المشاركة.
معهد FDD - الذراع الفكري للوبي الإسرائيلي.
منظمة ذات نفوذ هائل.
خلف الكواليس، وبعيداً عن الأضواء التي تسلطها تقارير وكالة استخبارات الدفاع، هناك معركة أخرى أكثر دقة وأعمق تأثيراً تُدار في واشنطن. إنها معركة الأفكار والتأثير، حيث تقوم مؤسسات البحث والتوجيه بلعب دور المحرك الرئيسي للسياسات. وعلى رأس هذه المؤسسات يقف معهد الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) .
وفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فإن معهد FDD لم يعد مجرد مركز أبحاث، بل أصبح يوفر ما وصفته بـ "القوة الفكرية" وراء جهود اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. بينما يركز اللوبي التقليدي (AIPAC) على الضغط المالي والسياسي، يقدم معهد FDD "نقاط نقاش جاهزة" تُقدّم من خلال "خبراء ذوي مصداقية" في جلسات الاستماع بالكونغرس، على صفحات الرأي بالصحف، وعلى شاشات التلفزيون .
ضباط إسرائيليون سابقون في قيادة المعهد.
المفاجأة الأكبر تكمن في التشكيل البشري لمعهد FDD. فبين جدرانه، يعمل شبكة كثيفة من كبار المسؤولين السابقين في الجيش والموساد الإسرائيلي، الذين يتولون الآن مناصب "باحثين كبار" و"زملاء" :
يعقوب ناجل: كان رئيساً سابقاً لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي ومستشاراً لنتنياهو، وقاد الفريق الإسرائيلي في المفاوضات حول الاتفاق النووي الإيراني. كما خدم سابقاً في وحدة 8200 الإسرائيلية (مسؤولة عن التجسس الإلكتروني).
إيال حولاتا: رئيس سابق آخر لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أمضى عقوداً في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، وكان منسقاً للاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران .
جوناثان كونريكوس: المتحدث الدولي السابق باسم الجيش الإسرائيلي، وهو ضابط سابق شارك في حرب لبنان وغزة .
إتش. آر. ماكماستر: مستشار الأمن القومي السابق للرئيس ترامب، وهو الآن رئيس مركز القوة العسكرية والسياسية في المعهد .
هذا التواجد المكثف لضباط استخبارات وأمن قومي إسرائيليين سابقين داخل مؤسسة تقدم نفسها في الإعلام الأمريكي على أنها "مركز أبحاث أمريكي مستقل"، يثير تساؤلات عميقة حول مدى استقلالية القرار الأمريكي.
تعيين مثير للجدل.
في تطور كشفته الجزيرة [https://www.aljazeera.com/news/2026/5/6/what-is-the-fdd-the-pro-israel-think-tank-shaping-trumps-iran-policy]، عيّنت إدارة ترامب نيك ستيوارت، المدير السابق لمناصرة السياسات في معهد FDD، ضمن الفريق الأمريكي المفاوض مع إيران. ستيوارت، الذي ليس دبلوماسياً محترفاً، سبق أن صرح علناً بأنه لا يمكن الوثوق بأي مسؤول إرادي، حتى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، واصفاً إياه بأنه "جزء من الحكومة الثيوقراطية المستبدة والاستبدادية في إيران".
الرئيس التنفيذي للمعهد، مارك دوبويتز، كان أكثر وضوحاً عندما قال في مقابلة: "إذا كنت تعرفني، فاعلم أنني أعيش وأتنفس مهمة واحدة: وقف إيران النووية وإنهاء الجمهورية الإسلامية." وعندما اتهمه مسؤولون إيرانيون بأن المعهد هو "الذراع المنفذة للسياسة الأمريكية تجاه إيران"، رد دوبويتز قائلاً: "مذنب حسب التهمة الموجهة لي" .
هذا الاعتراف يكشف الحقيقة: الولايات المتحدة لم تعد الطرف الذي يقرر سياسته تجاه إيران بناءً على مصلحته الوطنية فقط، بل أصبح هناك "شركاء" في صنع القرار يمثلون أجندة دولة أجنبية.
الانقسام الاستراتيجي بين ترامب ونتنياهو.
رؤيتان مختلفتان للحرب.
بعيداً عن تفاصيل التجسس، يكمن الجوهر الحقيقي للأزمة في التناقض الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب تقارير غربية، فإن الرئيس ترامب، الذي يرغب في تسجيل إنجاز دبلوماسي، يسعى إلى إبرام صفقة مع إيران لإنهاء الحرب، حتى لو كانت حلاً وسطاً. في المقابل، يرى نتنياهو في الحرب مع إيران فرصة لا تعوض لتوجيه ضربة قاضية للنظام الإيراني .
صحيفة أكسيوس وABC News نقلتا عن مسؤولين أن ترامب أطلق نوبة غضب مليئة بالشتائم خلال مكالمة هاتفية مع نتنياهو، بسبب التهديدات الإسرائيلية بقصف العاصمة اللبنانية بيروت، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تقويض المفاوضات مع طهران .
لماذا تتجسس إسرائيل على أمريكا؟
هذا الاختلاف في "نظرية النصر" هو ما دفع نتنياهو إلى الشعور بأنه يتم تهميشه. وعندما شعر نتنياهو أن ترامب بدأ "يركنه على الرف" ولا يشاركه كل كبيرة وصغيرة، تحولت استخباراته إلى أداة ضغط لفك شيفرة النوايا الأمريكية .
فإسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي، تشعر بالقلق من أن تتخذ واشنطن قراراً بالانسحاب من الحرب أو بتقليص الدعم. لذلك، تحاول تل أبيب معرفة نوايا الإدارة الأمريكية مسبقاً، لتتمكن من التكيف معها أو حتى محاولة تغييرها.
الفارق الزمني.
قبل اشتعال الأزمة بين الحليفين، كان هناك تقرير آخر صادر عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، نُشر في أبريل 2025، أي قبل عام تقريباً من اندلاع الحرب. وجاء في التقرير أن إسرائيل تدرس إمكانية "تحييد التهديد الإيراني" عبر عمليات استخباراتية وعسكرية منسقة مع دول الجوار، وهو ما يفسر لماذا كانت الاستعدادات الإسرائيلية على حدود أذربيجان والعراق جارية قبل أشهر من بدء القتال .
ماذا يعني كل هذا لمصر والعالم العربي؟
إسرائيل تتحكم في خريطة المنطقة.
بعيداً عن الصراع الأمريكي-الإسرائيلي، يمثل هذا التطور خطراً بالغاً على الأمن القومي المصري والعربي. فإسرائيل التي تمتلك هذه القدرات الاختراقية الجارفة ولا تخشى العواقب، والتي يشير تقرير البنتاغون إلى أنها تمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، هي نفس الدولة التي تمتلك وجوداً استخباراتياً وعسكرياً نشطاً في المنطقة برمتها .
الصهاينة، بإمكانياتهم وعلاقاتهم الدولية، نجحوا في تحويل المنطقة إلى ساحة شطرنج يتحكمون في معظم قطعها. الشبكة السرية التي أقامتها إسرائيل في أذربيجان والعراق وأرض الصومال والإمارات تمنحها قدرة على مراقبة تحركات إيران وحلفائها من كل اتجاه، وتجعلها في موقع قوة استراتيجي لا يستهان به.
القواعد المصرية في أرض الصومال.
في سياق متصل، من المثير للاهتمام أن مصر أيضاً لديها وجود عسكري في منطقة القرن الأفريقي. فقد تم اكتشاف قاعدة عسكرية مصرية في أرض الصومال تبعد حوالي 70 كيلومتراً عن سد النهضة. هذه القاعدة تهدف إلى تأمين المصالح المائية المصرية ومراقبة تحركات إثيوبيا. لكن بينما تركز وسائل الإعلام المدعومة من اللوبي الصهيوني على "العداء المصري" المزعوم تجاه جيرانها، فإن التوسع الاستخباراتي الإسرائيلي يمر دون رقابة أو نقد.
الدروس المستفادة.
ما يمكن استخلاصه من هذه الوقائع هو أن المنطقة العربية بحاجة إلى:
تطوير قدرات استخباراتية مستقلة لا تعتمد على الحلفاء غير الموثوقين.
بناء تحالفات إقليمية لمواجهة التحديات المشتركة، بدلاً من الاعتماد على قوى خارجية.
اليقظة الدائمة تجاه الأنشطة الاستخباراتية الإسرائيلية التي تستهدف المنطقة بأكملها، وليس فقط إيران.
هل تشتعل مواجهة أمريكية-إيرانية جديدة؟
سيناريوهات محتملة.
مع استمرار الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران، واستمرار القتال على الجبهة اللبنانية، يبدو أن المنطقة على موعد مع مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فالسيناريوهات المحتملة تشمل:
سيناريو التسوية الدبلوماسية: وهو ما يسعى إليه ترامب لتسجيل إنجاز سياسي، لكنه يواجه بعقبات إسرائيلية وداخلية أمريكية.
سيناريو التصعيد المحدود: مواصلة الضربات الجوية والاغتيالات دون حرب شاملة، وهو ما قد يستمر لفترة طويلة.
سيناريو الحرب الشاملة: اندلاع حرب إقليمية تشمل إيران وحلفاءها من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
دور "حزب الله" المتصاعد.
في تطور خطير، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل اثنين من جنوده في معارك مع حزب الله في جنوب لبنان، ليرتفع العدد الإجمالي للقتلى الإسرائيليين إلى 17 منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في منتصف أبريل الماضي. هذا التطور يشير إلى أن جبهة لبنان لم تنطفئ بعد، وأن حزب الله لا يزال قادراً على توجيه ضربات موجعة للجيش الإسرائيلي .
هذا التصعيد على الجبهة اللبنانية يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي اتفاق أمريكي-إيراني أكثر صعوبة، لأن إيران تعتبر حزب الله ورقة ضغط رئيسية في أي مفاوضات.
توقعات المحللين.
بحسب المحللين الغربيين، فإن ترامب قد يؤجل أي قرار كبير بشأن الحرب مع إيران حتى انتهاء كأس العالم، الذي تستضيفه الولايات المتحدة صيف 2026، لتجنب أي اضطرابات خلال هذا الحدث الرياضي الكبير. لكن هذا التأجيل لا يناسب نتنياهو، الذي يشعر أن الفرصة قد تضيع إذا انتظر أكثر. وهذا الانقسام في التوقيت قد يدفع إسرائيل إلى القيام بحركة مستقلة تشعل الحرب وتجبر أمريكا على التدخل .
الخلاصة: حليف أم خصم؟
ما نعيشه ليس مجرد خلاف عابر بين حليفين. إنه أزمة ثقة كبرى تعيد تعريف مفهوم التحالف نفسه في القرن الحادي والعشرين. إسرائيل أثبتت أنها قوة عظمى صغرى، قادرة على التجسس على حلفائها، وتشكيل سياساتهم، وبناء قواعد عسكرية حول أعدائها، كل ذلك دون خوف من العقاب .
التقرير الاستخباراتي الصادر عن البنتاغون، والذي رفع مستوى التهديد الإسرائيلي إلى "حرج"، هو أول تقرير من نوعه في تاريخ العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية. فهو يعترف بشكل علني أن الحليف الأقرب أصبح يشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي .
لكن الأهم من ذلك كله هو ما يعنيه هذا التطور للمنطقة العربية. فالمنطقة لم تعد ساحة صراع بين أمريكا وإيران فقط، بل أصبحت مسرحاً لصراع أكثر تعقيداً بين البيت الأبيض وإسرائيل حول من يملك القرار النهائي. وفي خضم هذا الصراع، تظل المصالح العربية الأكثر عرضة للخطر، ما لم تتحرك الدول العربية بسرعة لتأمين مواقعها وتطوير قدراتها لمواجهة هذا التحدي الجديد.
المصادر:
NBC News: Pentagon raised threat of Israeli spying on U.S. to highest level [https://www.nbcnews.com/politics/national-security/pentagon-raised-threat-israeli-spying-us-highest-level-sources-say-rcna348565]
Al Jazeera: What is the FDD, the pro-Israel think tank shaping Trump’s Iran policy? [https://www.aljazeera.com/news/2026/5/6/what-is-the-fdd-the-pro-israel-think-tank-shaping-trumps-iran-policy]
The Times of Israel: Ex-spy Jonathan Pollard says he’s entering politics [https://www.timesofisrael.com/ex-spy-jonathan-pollard-says-hes-entering-politics-slams-netanyahu-and-bennett]
The Times of India: Israel built secret network at Azerbaijan border to closely monitor Iran during war [https://timesofindia.indiatimes.com/world/middle-east/israel-built-secret-network-at-azerbaijan-border-to-closely-monitor-iran-during-war/articleshow/131545962.cms]
Vietnam.vn: Is Israel secretly deploying troops around Iran, ready for battle? [https://www.vietnam.vn/en/israel-bi-mat-em-quan-xung-quanh-iran-san-sang-xung-tran]
i24NEWS: Israël aurait déployé discrètement des forces spéciales en Azerbaïdjan [https://www.i24news.tv/fr/actu/israel-en-guerre/artc-israel-aurait-deploye-discretement-des-forces-speciales-en-azerbaidjan-pendant-la-guerre-contre-l-iran]
ARY News: Pentagon raises threat of Israeli spying to 'critical': US media [https://arynews.tv/pentagon-raises-threat-israeli-spying-critical-us-media]
NDTV: Ex-US Spy Jonathan Pollard To Run For Israeli Parliament [https://www.ndtv.com/world-news/ex-us-spy-jonathan-pollard-to-run-for-israeli-parliament-says-i-made-a-mistake-11465455]
