ترامب يبتز الخليج بعد السقوط أمام إيران.. كيف تحولت حرب “إخضاع طهران” إلى أكبر هزيمة استراتيجية لواشنطن وإسرائيل؟

 ترامب بين فخ إيران وابتزاز الخليج.. كيف تحولت حرب “إخضاع طهران” إلى معركة لإنقاذ الهيبة الأمريكية؟

تحليل جيوسياسي استراتيجي يكشف كواليس الحرب الأمريكية الإيرانية وأسباب فشل إدارة ترامب في إخضاع إيران، وكيف تحولت المواجهة العسكرية إلى مفاوضات تهدئة تركز على مضيق هرمز وأسواق النفط بدلًا من تدمير البرنامج النووي الإيراني. المقال يكشف تفاصيل مذكرة التفاهم السرية بين الولايات المتحدة وإيران، وأبعاد الضغوط الأمريكية على السعودية وقطر وباكستان للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل، مع تحليل شامل لموقف نتنياهو وإسرائيل من الاتفاق المحتمل، وتأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي وأسعار النفط وحركة الملاحة الدولية. يتضمن التحقيق قراءة معمقة لملف اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ومنشآت فوردو ونطنز وأجهزة الطرد المركزي، ولماذا لم تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية في إنهاء البرنامج النووي الإيراني. كما يناقش المقال مستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وأزمة الردع الإسرائيلي، واستنزاف الجيش الإسرائيلي، والانقسام داخل الحزب الجمهوري حول الحرب، وسيناريوهات عودة التصعيد العسكري في الخليج، واحتمالات انفجار المنطقة من جديد. مقال تحليلي ثقيل لمحبي السياسة الدولية والتحليل الجيوسياسي والملفات الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط.

فشل إدارة ترامب في إخضاع إيران، وكيف تحولت المواجهة العسكرية إلى مفاوضات تهدئة
فشل إدارة ترامب في إخضاع إيران، وكيف تحولت المواجهة العسكرية إلى مفاوضات تهدئة 


الشرق الأوسط أمام لحظة انكسار أمريكي غير مسبوقة .

خلال ساعات قليلة فقط، بدا المشهد السياسي الأمريكي وكأنه يتحرك في دوائر متناقضة بصورة أربكت حتى أكثر المتابعين قربًا من دوائر القرار في واشنطن. الرئيس الأمريكي Donald Trump خرج بتصريحات تؤكد قرب التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران ينهي الحرب ويفتح مضيق هرمز ويعيد الاستقرار إلى المنطقة، ثم عاد سريعًا لينفي استعداده لتوقيع “اتفاقيات سيئة” تشبه الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما عام 2015، قبل أن يعود مجددًا ويتحدث عن “تقدم ممتاز” في المفاوضات وأن الخلافات أصبحت تقنية وتتعلق ببعض الصياغات النهائية.

هذه التناقضات لم تكن مجرد ارتباك إعلامي عابر أو مناورة سياسية تقليدية، بل كشفت عن مأزق استراتيجي حقيقي تعيشه الإدارة الأمريكية بعد شهور من التصعيد العسكري والاقتصادي ضد إيران دون تحقيق الأهداف التي جرى تسويق الحرب على أساسها. فالحرب التي بدأت تحت شعارات “تدمير البرنامج النووي الإيراني” و”كسر النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط” انتهت مؤقتًا إلى مفاوضات هدفها الأساسي ضمان فتح مضيق هرمز واستمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.

الأخطر من ذلك أن كثيرًا من الصحف الأمريكية والغربية بدأت تتعامل مع ما يجري باعتباره تحولًا كبيرًا في موازين الصراع، خصوصًا مع تزايد الحديث داخل الإعلام الأمريكي عن فشل سياسة “الضغط الأقصى” التي تبنتها إدارة ترامب منذ سنوات. وقد ناقشت تقارير منشورة في The New York Times وThe Washington Post حجم التناقض بين الأهداف الأمريكية المعلنة ونتائج الحرب الفعلية على الأرض، بينما ركزت تحليلات في The Wall Street Journal على القلق داخل الدوائر المحافظة الأمريكية من أن يتحول الاتفاق المقترح إلى “هدية استراتيجية” لطهران.

من “الحرب الكبرى” إلى مذكرة تفاهم مؤقتة .

عندما بدأت المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران، كان الخطاب الأمريكي يتحدث بصورة مباشرة عن ضرورة إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإنهاء التهديد الإيراني بالكامل. الإعلام المقرب من الإدارة الأمريكية تحدث عن تدمير البنية النووية الإيرانية، وإسقاط النفوذ الإقليمي لطهران، ووقف دعم الجماعات المسلحة المتحالفة معها في المنطقة، بل وصل الأمر في بعض التصريحات إلى التلميح بإمكانية تغيير النظام الإيراني نفسه.

لكن مع مرور الوقت، بدأت لغة الحرب تتغير تدريجيًا. فبدلًا من الحديث عن “إسقاط المشروع الإيراني”، بدأت الإدارة الأمريكية تتحدث عن “خفض التصعيد”، ثم ظهرت فكرة “مذكرة التفاهم المؤقتة” التي تمتد لستين يومًا قابلة للتجديد، قبل الدخول في مفاوضات أوسع حول الملف النووي والقضايا الإقليمية.

هذا التحول السريع في الخطاب السياسي لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بحقائق ميدانية واقتصادية فرضت نفسها على واشنطن. فالحرب لم تسر بالشكل الذي كانت تتوقعه الإدارة الأمريكية، والضغط العسكري لم ينجح في دفع إيران إلى الانهيار أو تقديم تنازلات كبرى، بينما بدأت التكاليف الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحرب تتصاعد بصورة مقلقة.

وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تحاول تقديم نفسها باعتبارها الطرف الأقوى القادر على فرض شروطه، كانت إيران تتمسك بموقفها الأساسي: لا تنازلات جوهرية تحت الضغط العسكري، ولا تفكيك للبرنامج النووي أو الصاروخي مقابل وعود مؤقتة.

البنود المسربة.. ماذا تريد واشنطن فعليًا؟

وفق المعلومات المتداولة في الصحافة الغربية، فإن البنود الأساسية لمذكرة التفاهم المقترحة بين الولايات المتحدة وإيران تتمحور حول عدة نقاط رئيسية: تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا قابلة للتجديد، إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، إزالة الألغام البحرية، ضمان أمن السفن التجارية، والسماح لإيران باستئناف بيع النفط بصورة طبيعية، مع استمرار المفاوضات حول البرنامج النووي خلال فترة التهدئة.

ظاهريًا، تبدو هذه البنود وكأنها جزء من تسوية سياسية مؤقتة تهدف إلى منع انفجار إقليمي أوسع، لكن القراءة الجيوسياسية الأعمق تكشف أن جوهر الاتفاق يتمحور بالكامل تقريبًا حول أزمة الطاقة العالمية وليس حول “تفكيك المشروع الإيراني” كما كانت واشنطن تروج منذ بداية الحرب.

فلا توجد بنود واضحة تتحدث عن إنهاء البرنامج الصاروخي الإيراني، ولا عن تفكيك شبكات النفوذ الإقليمي لطهران، ولا عن تغيير النظام السياسي الإيراني، ولا حتى عن تقييد شامل لقدرات التخصيب النووي الإيرانية. كل ما يظهر بوضوح هو محاولة أمريكية لإعادة الاستقرار إلى حركة النفط والتجارة البحرية ومنع استمرار الاضطراب في أسواق الطاقة.

هذا ما دفع كثيرًا من المحللين الأمريكيين إلى وصف الاتفاق المقترح بأنه “تنازل اضطراري” أكثر منه انتصارًا سياسيًا أو عسكريًا. وقد ناقشت تقارير متعددة في Reuters وForeign Affairs كيف تحولت الأولوية الأمريكية من “كسر إيران” إلى “احتواء آثار الحرب”.

لماذا أصبح مضيق هرمز مركز المعركة الحقيقي؟

لفهم طبيعة ما يحدث حاليًا، يجب أولًا فهم القيمة الاستراتيجية الهائلة لـ Strait of Hormuz. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي عادي، بل يعتبر أخطر شريان طاقة في العالم، حيث تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج نحو آسيا وأوروبا والأسواق العالمية.

منذ سنوات طويلة، بنت إيران جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها الدفاعية على فكرة امتلاك القدرة على تهديد الملاحة داخل المضيق إذا تعرضت لضغط وجودي أو لمحاولة خنق اقتصادي شامل. ولذلك، عندما بدأت الحرب الأخيرة، لم يكن الهدف الإيراني فقط الرد العسكري المباشر، بل أيضًا إثبات أن أي محاولة لعزل طهران ستؤدي إلى اضطراب عالمي واسع في أسواق الطاقة والنقل البحري.

ومع تصاعد التوتر، ارتفعت تكاليف التأمين البحري بصورة كبيرة، وتعرضت خطوط الشحن الدولية لضغوط غير مسبوقة، بينما بدأت أسعار النفط في التذبذب بشكل أثار قلق الأسواق العالمية. هنا تحديدًا بدأت واشنطن تدرك أن استمرار الأزمة قد يتحول إلى عبء اقتصادي عالمي يصعب السيطرة عليه.

ولهذا السبب، تحولت قضية “فتح مضيق هرمز” من ملف جانبي إلى الهدف الأكثر إلحاحًا بالنسبة للإدارة الأمريكية. فبدلًا من التركيز على إسقاط النظام الإيراني أو تدمير البرنامج النووي، أصبحت الأولوية منع انهيار حركة التجارة والطاقة العالمية.

هل فشل الحصار البحري الأمريكي؟

واحدة من أهم النقاط التي أثارت جدلًا واسعًا داخل الإعلام الأمريكي تتعلق بفشل الحصار البحري في تحقيق أهدافه الأساسية. فواشنطن حاولت استخدام القوة البحرية والضغوط الاقتصادية لمنع إيران من تصدير النفط وخنق اقتصادها، لكن النتائج جاءت أقل بكثير من التوقعات.

إيران تمكنت من الحفاظ على جزء كبير من قدرتها على تصدير النفط عبر ترتيبات معقدة وشبكات تجارية متعددة، كما استمرت في فرض حضورها العسكري داخل الخليج ومحيط مضيق هرمز. والأهم أن التهديد الإيراني للملاحة الدولية ظل قائمًا رغم كل التحركات العسكرية الأمريكية.

صحيفة The Guardian ناقشت في عدة تقارير كيف أن الحصار البحري لم ينجح في تحقيق “الردع الكامل”، بينما أشارت تحليلات في BBC Arabic إلى أن الحرب الاقتصادية الطويلة دفعت إيران إلى تطوير أدوات التفاف جديدة على العقوبات.

وفي الداخل الأمريكي، بدأت تظهر أسئلة أكثر حساسية: هل استنزفت واشنطن جزءًا ضخمًا من قدراتها العسكرية والاقتصادية دون تحقيق نتائج حقيقية؟ وهل تحولت الحرب إلى عبء سياسي على ترامب بدلًا من أن تكون ورقة قوة انتخابية واستراتيجية؟

الإعلام الأمريكي يبدأ الحديث عن “الهزيمة الاستراتيجية” .

الأكثر لفتًا للانتباه خلال الأيام الأخيرة لم يكن فقط تغير الخطاب السياسي الرسمي، بل أيضًا التحول الواضح داخل بعض وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى. فعدد من المقالات والتحليلات بدأ يناقش بصورة صريحة احتمال أن تكون الولايات المتحدة قد فشلت في فرض أهدافها الأساسية على إيران.

في تقارير منشورة داخل The Wall Street Journal، ظهرت مخاوف من أن يؤدي رفع بعض القيود الاقتصادية عن إيران إلى منحها فرصة لإعادة بناء اقتصادها وتعزيز نفوذها الإقليمي دون تقديم تنازلات استراتيجية حقيقية.

أما The New York Times فقد ناقشت تأثير الحرب على الداخل الأمريكي، خصوصًا مع تصاعد القلق داخل الحزب الجمهوري من التورط في صراع طويل ومكلف اقتصاديًا وعسكريًا.

اللافت أن كثيرًا من هذه التحليلات بدأت تطرح سؤالًا شديد الحساسية: ماذا لو انتهت الحرب بعودة إيران إلى تصدير النفط واستمرار برنامجها النووي والصاروخي دون تغيير جذري؟ ماذا ستقول واشنطن حينها للرأي العام الأمريكي؟ وكيف يمكن تقديم ذلك باعتباره “انتصارًا”؟

ملاحظة استراتيجية مهمة .

الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار العسكري، بل بقدرة كل طرف على تحقيق أهدافه السياسية النهائية. ولهذا، فإن امتلاك القوة العسكرية الأكبر لا يعني دائمًا القدرة على فرض النتائج المطلوبة، خصوصًا في صراعات طويلة ومعقدة مثل الصراع مع إيران.

كما أن الشرق الأوسط لم يعد يتحرك وفق المعادلات التقليدية القديمة، بل أصبح ساحة شديدة التشابك تتداخل فيها ملفات الطاقة والاقتصاد والتحالفات الإقليمية والممرات البحرية بصورة تجعل أي حرب مفتوحة مشروعًا عالي التكلفة على الجميع.

لماذا يبدو ترامب بحاجة إلى “انتصار بديل”؟

مع تزايد الانتقادات داخل الإعلام الأمريكي، بدأت الإدارة الأمريكية تبحث عن أي إنجاز سياسي يمكن تقديمه باعتباره نجاحًا استراتيجيًا يعوض التراجع في الملف الإيراني. وهنا تحديدًا عاد ملف “اتفاقيات أبراهام” إلى الواجهة بصورة مفاجئة ومكثفة.

فجأة بدأ الحديث الأمريكي يتصاعد حول ضرورة انضمام السعودية وقطر وباكستان إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، وكأن واشنطن تحاول نقل مركز الاهتمام من مأزق الحرب مع إيران إلى “إعادة تشكيل الشرق الأوسط دبلوماسيًا”.

هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل يعكس حاجة سياسية واضحة لدى إدارة ترامب. فإذا كانت الحرب لم تحقق الأهداف العسكرية الكبرى، فإن توسيع دائرة التطبيع قد يُستخدم باعتباره “إنجازًا تاريخيًا” يمكن تسويقه داخليًا وخارجيًا.

لكن المشكلة أن هذه المقاربة اصطدمت بحسابات إقليمية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع الموقف السعودي الذي ربط أي تطبيع مع إسرائيل بوجود مسار واضح وملزم لإقامة دولة فلسطينية.

كيف تحولت الحرب إلى استنزاف أمريكي مفتوح؟

مع مرور الوقت، بدأت الصورة الحقيقية للحرب تظهر بصورة أوضح داخل المؤسسات الأمريكية نفسها. فالحملة العسكرية التي كان يُفترض أن تكون “عملية ردع سريعة” تحولت تدريجيًا إلى حالة استنزاف مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وهو ما دفع كثيرًا من دوائر التفكير الأمريكية إلى إعادة تقييم المشهد بالكامل.

التقارير الغربية لم تعد تتحدث فقط عن “صمود إيراني”، بل بدأت تناقش حجم التكاليف التي دفعتها واشنطن خلال فترة التصعيد. فقد استُهلكت كميات ضخمة من الذخائر والصواريخ الهجومية والدفاعية، كما ارتفعت تكاليف تشغيل القوات البحرية والجوية الأمريكية في الخليج بصورة غير مسبوقة، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية داخلية تعاني منها الولايات المتحدة أصلًا بسبب التضخم وأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد.

صحيفة Reuters ناقشت تأثير التوتر في الخليج على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، بينما تناولت تحليلات في Bloomberg حجم المخاوف داخل الأسواق المالية من تحول الأزمة إلى حرب طويلة تستنزف الاقتصاد الأمريكي وحلفاء واشنطن في المنطقة.

هذا الوضع خلق معضلة حقيقية للإدارة الأمريكية. فاستمرار الحرب يعني مزيدًا من التكاليف والخسائر وعدم الاستقرار، بينما التراجع دون مكاسب واضحة يهدد صورة الولايات المتحدة وهيبتها الدولية، خصوصًا بعد سنوات من الخطاب السياسي الذي تحدث عن “إخضاع إيران بالكامل”.

الانقسام داخل الحزب الجمهوري .

الأزمة لم تعد مقتصرة على الساحة الدولية فقط، بل امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه. فداخل الحزب الجمهوري بدأت تظهر أصوات ترى أن التصعيد مع إيران تجاوز حدود “الردع” وتحول إلى مشروع استنزاف مفتوح لا يملك أهدافًا واضحة قابلة للتحقيق.

بعض التيارات المحافظة دعمت استمرار الضغط العسكري باعتباره ضرورة لمنع إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي، بينما حذر تيار آخر من أن التورط في مواجهة طويلة قد يتحول إلى نسخة جديدة من الحروب الأمريكية المكلفة في الشرق الأوسط.

وقد أشارت تقارير في Politico وCNN Politics إلى وجود حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة الجمهورية من انعكاسات الحرب على الانتخابات الأمريكية المقبلة، خاصة مع ارتفاع الإنفاق العسكري واستمرار الغموض حول النتائج النهائية للصراع.

المشكلة الأكبر بالنسبة لترامب أن خطابه السياسي بُني لسنوات على فكرة “القوة الحاسمة” و”الانتصارات السريعة”، ولذلك فإن أي اتفاق يُنظر إليه باعتباره تراجعًا أو تسوية اضطرارية قد يتحول إلى مادة قاسية للهجوم السياسي والإعلامي ضده.

لماذا أصبحت إسرائيل قلقة من الاتفاق المحتمل؟

في الداخل الإسرائيلي، لا يبدو المشهد أقل توترًا. فالحكومة الإسرائيلية دخلت الحرب وهي تراهن على تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الكبرى: تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني، إنهاء البنية النووية الإيرانية، إضعاف الحلفاء الإقليميين لطهران، وفرض واقع إقليمي جديد يعزز الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

لكن مع مرور الأشهر، بدأت قطاعات واسعة داخل إسرائيل تدرك أن هذه الأهداف لم تتحقق بالشكل الذي جرى الترويج له. فالبرنامج النووي الإيراني ما يزال قائمًا، والقدرات الصاروخية الإيرانية لم تُفكك، كما أن النفوذ الإقليمي لطهران لم ينهَر.

بل إن بعض التحليلات الإسرائيلية بدأت تحذر من أن أي اتفاق تهدئة يمنح إيران فرصة لإعادة بناء اقتصادها وتثبيت نفوذها الإقليمي قد يتحول إلى “هزيمة استراتيجية مؤجلة” بالنسبة لإسرائيل.

وقد ناقشت تقارير في Haaretz وThe Jerusalem Post المخاوف المتزايدة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن تؤدي التفاهمات الحالية إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا خلال السنوات القادمة.

استنزاف الجيش الإسرائيلي وتآكل الردع .

من النقاط التي نادرًا ما يتم الحديث عنها في الإعلام العربي بصورة معمقة، أن إسرائيل نفسها تعرضت خلال السنوات الأخيرة لحالة استنزاف غير مسبوقة نتيجة تعدد الجبهات المفتوحة. فالحرب الممتدة مع غزة، والتوتر على الحدود اللبنانية، والمواجهة مع إيران، كلها ساهمت في إنهاك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بصورة تدريجية.

الجيش الإسرائيلي اضطر إلى توزيع قواته وموارده على عدة جبهات في وقت واحد، كما ارتفعت تكاليف الدفاع الجوي بشكل ضخم نتيجة الحاجة المستمرة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة.

وفي الوقت نفسه، بدأت صورة “الردع الإسرائيلي المطلق” تتعرض لهزات واضحة، خصوصًا مع استمرار الهجمات المتفرقة وعدم قدرة إسرائيل على فرض نهاية حاسمة للصراع.

صحيفة The Times of Israel نشرت عدة تحليلات تناولت القلق داخل الدوائر العسكرية من تراجع قدرة إسرائيل على خوض حروب طويلة متعددة الجبهات دون خسائر استراتيجية متراكمة.

البرنامج النووي الإيراني.. لماذا فشلت الحرب في تدميره؟

واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد كله تتعلق بفكرة “تدمير البرنامج النووي الإيراني”. فمنذ بداية الحرب، جرى تسويق العمليات العسكرية باعتبارها خطوة ضرورية لمنع إيران من الوصول إلى قدرات نووية متقدمة، لكن الواقع التقني والاستراتيجي للبرنامج الإيراني أكثر تعقيدًا بكثير مما ظهر في الخطاب السياسي والإعلامي.

لفهم هذه النقطة، يجب إدراك أن البرنامج النووي الإيراني لا يعتمد فقط على كمية اليورانيوم المخصب الموجودة داخل البلاد، بل يقوم على منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، ومنشآت التخصيب، وأجهزة الطرد المركزي، والخبرات العلمية والتقنية المتراكمة منذ سنوات طويلة.

حتى لو جرى نقل جزء من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، فإن استمرار وجود أجهزة الطرد المركزي ومنشآت التخصيب يعني أن إيران تستطيع إعادة بناء مخزونها خلال فترة زمنية محدودة نسبيًا.

اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.. ما أهمية هذه النقطة؟

أحد الملفات التي أثير حولها جدل واسع هو مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60%. الإعلام الغربي قدم هذا الملف باعتباره أخطر عناصر البرنامج النووي الإيراني، لكن الصورة الفعلية أكثر تعقيدًا من ذلك.

إيران بدأت رفع نسب التخصيب بصورة كبيرة بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015، وهو ما أكدته تقارير صادرة عن International Atomic Energy Agency (IAEA).

لكن امتلاك يورانيوم مخصب بنسبة مرتفعة لا يعني وحده امتلاك قدرة نووية عسكرية كاملة، لأن العنصر الأهم يتمثل في البنية الصناعية والتقنية القادرة على مواصلة التخصيب وإنتاج المواد الانشطارية بكميات أكبر.

ولهذا، فإن الحديث عن “تسليم 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم” باعتباره نهاية البرنامج النووي يبدو تبسيطًا شديدًا لواقع أكثر تعقيدًا بكثير.

منشآت فوردو ونطنز.. لماذا يصعب تدميرها؟

تمتلك إيران عددًا من المنشآت النووية شديدة التحصين، أبرزها Fordow Fuel Enrichment Plant وNatanz Nuclear Facility. هذه المنشآت لم تُبنَ بصورة تقليدية، بل جرى تصميم أجزاء كبيرة منها داخل مناطق جبلية وتحت طبقات عميقة من الصخور والإسمنت المسلح.

هذا النوع من التحصين يجعل تدمير المنشآت بالكامل عبر الضربات الجوية أمرًا بالغ الصعوبة، حتى باستخدام القنابل الخارقة للتحصينات. ولهذا السبب، ظلت النقاشات داخل الدوائر العسكرية الأمريكية تدور حول حدود القدرة الفعلية على إنهاء البرنامج النووي الإيراني عسكريًا.

تقارير منشورة في The Atlantic وCSIS – Center for Strategic and International Studies ناقشت لسنوات فكرة أن الضربات الجوية قد تؤخر البرنامج النووي الإيراني، لكنها لا تضمن القضاء عليه نهائيًا.

أجهزة الطرد المركزي.. القلب الحقيقي للبرنامج النووي

العنصر الأخطر في البرنامج النووي الإيراني ليس فقط اليورانيوم المخصب، بل أجهزة الطرد المركزي نفسها. فهذه الأجهزة هي التي تسمح بتحويل اليورانيوم منخفض التخصيب إلى نسب أعلى.

طالما بقيت البنية الصناعية الخاصة بالطرد المركزي موجودة، فإن أي مخزون جديد من اليورانيوم يمكن إعادة تخصيبه خلال فترات زمنية أقصر مما يتخيله كثيرون.

ولهذا يرى عدد من الخبراء الغربيين أن أي اتفاق لا يشمل قيودًا صارمة على أجهزة الطرد المركزي ومنشآت التخصيب سيبقى اتفاقًا مؤقتًا أكثر منه حلًا نهائيًا للأزمة النووية.

هل كانت واشنطن تعرف صعوبة الحسم؟

السؤال الأهم هنا: هل كانت الإدارة الأمريكية تدرك منذ البداية أن تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل مهمة شبه مستحيلة دون حرب شاملة واحتلال مباشر؟

كثير من المحللين يعتقدون أن واشنطن كانت تعرف حدود القوة العسكرية منذ البداية، لكنها راهنت على أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية والنفسية قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات سياسية كبرى دون الحاجة إلى اجتياح شامل.

لكن ما حدث فعليًا أن إيران تمكنت من امتصاص جزء كبير من الضغوط، بينما بدأت تكاليف الحرب تتصاعد على الطرف الأمريكي والإسرائيلي أيضًا.

ولهذا السبب، بدأت واشنطن تدريجيًا في الانتقال من خطاب “الحسم الكامل” إلى خطاب “خفض التصعيد” و”التهدئة المرحلية” و”المفاوضات الممتدة”.

اقتباس مهم .

“المشكلة في الحروب الكبرى ليست فقط كيف تبدأ، بل كيف يمكن إنهاؤها دون الاعتراف بحجم الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الحقيقية.”

ملاحظة للقارئ .

أخطر ما في المشهد الحالي أن جميع الأطراف تحاول تقديم نفسها باعتبارها الطرف المنتصر إعلاميًا، بينما الواقع على الأرض يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة استنزاف طويلة ومعقدة لا تبدو فيها أي جهة قادرة على تحقيق حسم كامل.

وهذا ما يجعل أي اتفاق مؤقت هشًا وقابلًا للانفجار مجددًا في أي لحظة، خصوصًا مع استمرار الملفات الجوهرية دون حل حقيقي.

لماذا عاد ملف التطبيع إلى الواجهة فجأة؟

في ذروة الحديث عن التهدئة مع إيران، ظهر تحول سياسي لافت داخل الخطاب الأمريكي. فبدلًا من التركيز فقط على الملف النووي أو مستقبل الحرب، بدأت إدارة Donald Trump تتحدث بصورة مكثفة عن ضرورة توسيع “اتفاقيات أبراهام” وضم دول جديدة إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، وعلى رأسها السعودية وقطر وباكستان.

هذا التحول لم يكن منفصلًا عن الأزمة الإيرانية، بل ارتبط بها بصورة مباشرة. فالإدارة الأمريكية تدرك أن الحرب لم تحقق الأهداف الاستراتيجية التي جرى الترويج لها منذ البداية، ولذلك أصبحت بحاجة إلى “إنجاز سياسي بديل” يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي والإسرائيلي باعتباره نجاحًا تاريخيًا يعوض التعثر العسكري.

بمعنى آخر، إذا تعذر فرض استسلام إيراني كامل أو تفكيك البرنامج النووي والصاروخي، فإن واشنطن تحاول على الأقل إعادة صياغة المشهد باعتباره “إعادة ترتيب للشرق الأوسط” عبر توسيع مسار التطبيع والتحالفات الإقليمية الجديدة.

وقد ناقشت تقارير منشورة في Foreign Policy وThe Washington Institute كيف تنظر دوائر أمريكية مؤثرة إلى اتفاقيات أبراهام باعتبارها أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في مواجهة إيران والصين وروسيا.

لماذا تبدو السعودية حجر الزاوية في المشروع الأمريكي؟

بالنسبة لواشنطن، لا يمثل انضمام السعودية إلى اتفاقيات التطبيع مجرد خطوة دبلوماسية عادية، بل تحولًا استراتيجيًا ضخمًا يمكن استخدامه لإعادة رسم شكل التحالفات في المنطقة بالكامل.

السعودية تمتلك ثقلًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا يجعل أي خطوة تتخذها ذات تأثير واسع على العالمين العربي والإسلامي. ولذلك، فإن الإدارة الأمريكية تدرك أن نجاحها في دفع الرياض نحو التطبيع سيُقدَّم باعتباره “الإنجاز الأكبر” في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

لكن المشكلة أن الموقف السعودي ظل واضحًا نسبيًا طوال الفترة الماضية. الرياض أكدت مرارًا أن أي تطبيع مع إسرائيل يرتبط بوجود مسار حقيقي وملزم لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما ظهر في تصريحات رسمية متعددة نقلتها وسائل إعلام دولية مثل Al Jazeera وBBC Arabic.

هذا الموقف لا يرتبط فقط بالقضية الفلسطينية، بل أيضًا بحسابات استراتيجية أوسع. فالسعودية تدرك أن الانخراط في ترتيبات إقليمية كبرى وسط صراع مفتوح مع إيران قد يضع الخليج في قلب مواجهة طويلة ومكلفة.

قطر وباكستان.. لماذا يبدو الضغط الأمريكي معقدًا؟

إذا كانت السعودية تمثل الثقل السياسي والاقتصادي الأكبر في الخليج، فإن قطر وباكستان تمثلان حالتين أكثر حساسية وتعقيدًا بالنسبة للمشروع الأمريكي.

قطر تتحرك ضمن شبكة علاقات إقليمية ودولية معقدة، وتحاول الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وطهران والقوى الإقليمية المختلفة. ولذلك فإن أي ضغوط مباشرة لدفعها نحو تطبيع سريع مع إسرائيل قد تخلق ارتدادات سياسية وإقليمية لا ترغب الدوحة في تحملها حاليًا.

أما باكستان، فالوضع أكثر تعقيدًا بكثير. فإسلام آباد تواجه اعتبارات داخلية شديدة الحساسية تتعلق بالرأي العام والتيارات السياسية والدينية، كما أنها لا ترغب في الظهور وكأنها تدخل في ترتيبات إقليمية مفروضة تحت الضغط الأمريكي.

ولهذا، فإن فكرة استخدام ملف التطبيع كأداة لتغطية التعثر الأمريكي في الحرب مع إيران تبدو بالنسبة لكثير من العواصم الإقليمية محاولة لنقل الأزمة من واشنطن إلى الآخرين.

هل تحاول واشنطن “تجميل” نتائج الحرب؟

السؤال الذي بدأ يتردد بكثافة داخل الإعلام الغربي هو: هل تسعى الإدارة الأمريكية إلى صناعة “رواية انتصار بديلة” بعد تعثر الحرب مع إيران؟

العديد من المحللين يرون أن واشنطن تحاول بالفعل إعادة تقديم المشهد بطريقة مختلفة. فبدلًا من الحديث عن عدم تحقيق الأهداف العسكرية الكبرى، يجري التركيز على “منع الحرب الإقليمية الشاملة”، و”حماية الملاحة الدولية”، و”تعزيز التحالفات الإقليمية”، و”توسيع دائرة السلام في الشرق الأوسط”.

لكن المشكلة أن هذا الخطاب يصطدم بواقع معقد على الأرض. فإيران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها الاستراتيجية، وإسرائيل تواجه استنزافًا متعدد الجبهات، بينما تبدو الولايات المتحدة نفسها حريصة على الخروج من الأزمة بأقل خسائر ممكنة.

صحيفة Financial Times ناقشت في تحليلات مطولة كيف تحاول واشنطن إدارة التراجع التدريجي دون الظهور بمظهر المنسحب أو المهزوم، وهو ما يفسر حالة التناقض الواضحة في تصريحات ترامب خلال الفترة الأخيرة.

هل انتهت فكرة “الشرق الأوسط الجديد”؟

لسنوات طويلة، تحدثت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، القائم على إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية ودمج إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا داخل المنطقة.

لكن الحرب الأخيرة كشفت حجم التعقيدات التي تواجه هذا المشروع. فبدلًا من شرق أوسط أكثر استقرارًا، أصبحت المنطقة أمام حالة سيولة استراتيجية شديدة الخطورة، حيث تتداخل أزمات الطاقة والممرات البحرية والملفات النووية والصراعات الإقليمية بصورة تجعل أي محاولة لإعادة رسم الخرائط السياسية أكثر صعوبة مما كان متوقعًا.

إيران أثبتت أنها قادرة على تعطيل جزء مهم من حركة التجارة والطاقة العالمية إذا تعرضت لخطر وجودي، بينما اكتشفت واشنطن أن استخدام القوة العسكرية وحدها لا يكفي دائمًا لإعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية التقليدية.

وفي الوقت نفسه، بدأت قوى إقليمية عديدة تنظر بقلق إلى فكرة الدخول في مواجهات مفتوحة أو تحالفات حادة قد تجعل المنطقة بأكملها ساحة صراع دائم.

السيناريو الأول.. توقيع الاتفاق واستمرار التهدئة .

السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا يتمثل في استمرار المسار التفاوضي وتوقيع مذكرة التفاهم المؤقتة، مع تمديد فترات التهدئة وترك الملفات الكبرى للمفاوضات طويلة المدى.

هذا السيناريو يمنح جميع الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس. الولايات المتحدة تستطيع الادعاء بأنها منعت حربًا إقليمية كبرى وأعادت فتح مضيق هرمز، بينما تحصل إيران على تخفيف اقتصادي نسبي واستمرار الاعتراف الضمني بقدرتها على الصمود.

لكن المشكلة أن هذا السيناريو لا يحل جذور الأزمة. فالملف النووي سيبقى قائمًا، وكذلك النفوذ الإقليمي الإيراني، كما أن إسرائيل ستواصل الضغط من أجل تشديد القيود على طهران.

ولهذا، فإن أي تهدئة ستكون أقرب إلى “إدارة مؤقتة للأزمة” منها إلى تسوية نهائية.

السيناريو الثاني.. عودة الحرب من جديد .

السيناريو الأخطر يتمثل في انهيار المفاوضات وعودة التصعيد العسكري. وهذا الاحتمال يظل قائمًا بقوة، خاصة إذا تعرضت الإدارة الأمريكية لضغوط داخلية أو إسرائيلية تدفعها نحو استئناف المواجهة.

لكن العودة إلى الحرب لن تكون سهلة أو مضمونة النتائج. فإيران قد تتجه حينها إلى خطوات أكثر حدة في مضيق هرمز، كما قد تتوسع ساحات الاشتباك الإقليمي بصورة تجعل السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة.

الأخطر أن أي مواجهة جديدة قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى اضطرابات أعمق، خصوصًا إذا تعطلت حركة النفط والطاقة لفترات طويلة.

وقد حذرت تحليلات منشورة في Carnegie Endowment for International Peace وBrookings Institution من أن الشرق الأوسط يقف حاليًا على حافة مرحلة أكثر خطورة من مجرد حرب تقليدية قصيرة.

هل تغيرت معادلات القوة في المنطقة؟

واحدة من أهم النتائج التي كشفتها الحرب أن معادلات القوة التقليدية في الشرق الأوسط لم تعد كما كانت قبل سنوات. فالقوة العسكرية الضخمة لم تعد وحدها كافية لفرض النتائج السياسية، كما أن أدوات الردع أصبحت أكثر تعقيدًا مع تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والحروب الاقتصادية.

إيران لم تتحول إلى قوة قادرة على هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا بصورة مباشرة، لكن قدرتها على الصمود وتعطيل المصالح الاقتصادية والطاقة العالمية جعلت تكلفة المواجهة معها أعلى بكثير مما توقعته واشنطن.

وفي المقابل، اكتشفت الولايات المتحدة أن إدارة الحروب الحديثة في الشرق الأوسط أصبحت أكثر تعقيدًا بسبب تشابك الاقتصاد العالمي والطاقة والتحالفات الإقليمية.

اقتباس استراتيجي .

“المشكلة الكبرى في الشرق الأوسط ليست فقط تعدد الصراعات، بل تداخلها بصورة تجعل أي حرب محدودة قابلة للتحول إلى أزمة عالمية خلال أيام.”

ماذا بعد؟

المنطقة الآن لا تعيش نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة بالكامل. مرحلة تتراجع فيها فكرة “الحسم السريع”، وتتصاعد فيها حسابات الاستنزاف والردع المتبادل وإدارة الأزمات الطويلة.

واشنطن تحاول الخروج من المأزق بأقل خسائر سياسية ممكنة، وإيران تحاول تثبيت صورة الصمود وعدم التراجع، بينما تبحث إسرائيل عن ضمانات تمنع تحول الاتفاق المؤقت إلى مكسب استراتيجي لطهران.

أما دول الخليج، فتدرك أن المرحلة القادمة ستكون مليئة بالضغوط ومحاولات إعادة تشكيل التحالفات، لكنها تدرك أيضًا أن الدخول في مواجهات كبرى دون حسابات دقيقة قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس: “من انتصر في هذه الجولة؟”، بل: “هل دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراع المفتوح طويل المدى؟”


إقرأ أيضا :



إرسال تعليق

أحدث أقدم