هجوم موسكو الليلي: بين صواريخ “أوريشنيك” الفائقة السرعة وحرب الأعصاب على أوكرانيا.
![]() |
| روسيا استخدمت صاروخاً باليستياً فرط صوتي متوسط المدى من طراز "أوريشنيك" (Oreshnik) في استهداف منطقة كييف |
لم تكن ليلة أمس هادئة في العاصمة الأوكرانية كييف. فبينما كان السكان يحاولون النوم، كانت السماء تضاء بانفجارات متتالية، لتعلن عن واحدة من أثقل الهجمات التي شهدتها أوكرانيا منذ أشهر. وفقاً لمسؤولين محليين، شنّ الجيش الروسي هجوماً واسع النطاق باستخدام مزيج غير مسبوق من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، مما أدى إلى سقوط أربعة قتلى على الأقل في العاصمة والمناطق المجاورة لها .
ما يميز هذه الضربة لم يكن فقط حجمها، بل الأدوات المستخدمة فيها. فقد أشارت وسائل إعلام أوكرانية، نقلاً عن المتحدث باسم سلاح الجو، إلى أن روسيا استخدمت صاروخاً باليستياً فرط صوتي متوسط المدى من طراز "أوريشنيك" (Oreshnik) في استهداف منطقة كييف . هذا الصاروخ، الذي كان الرئيس بوتين قد كشف عنه سابقاً باعتباره سلاحاً "لا يمكن إيقافه"، يعمل بسرعة تصل إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، وهو مجهز بنظام توجيه دقيق يسمح له بحساب التوقيت بدقة متناهية، مما يجعله قادراً على اختراق أي منظومات دفاع جوي موجودة حالياً .
هل بدأ سباق التصعيد من جديد؟
هذه الضربة لم تأتِ من فراغ، بل هي جزء من سلسلة تصعيد متبادلة تشهدها الساحة منذ أسابيع. تأتي العملية كرد فعل مباشر على الضربات الأوكرانية المتكررة التي استهدفت منشآت حيوية داخل العمق الروسي، وخاصة محطات تكرير النفط ومرافق الطاقة التي تعتبر "شريان الحياة" للآلة الحربية الروسية .
في الفترة الأخيرة، كثفت أوكرانيا من هجماتها بطائرات بعيدة المدى، مستهدفة نحو 64 موقعاً لقطاع الطاقة داخل روسيا، مما تسبب في أضرار جسيمة بقدرات التكرير وأجبر موسكو على إعادة توزيع قواتها الدفاعية . الرد الروسي الليلي الماضي، الذي جمع بين صواريخ "إسكندر" و"كينجال" و"تسيركون"، يؤكد استراتيجية جديدة تقوم على تدمير البنية التحتية التي تدعم المجهود الحربي الأوكراني من جهة، واختبار أحدث أسلحتها في بيئة قتال حقيقية من جهة أخرى.
تفاصيل العاصفة: أرقام تكشف عن وحشية الهجوم.
في بيان نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، كشف سلاح الجو الأوكراني عن حجم الكارثة الذي تجنبت قوات الدفاع الجوي وقوعه. قالوا إن روسيا أطلقت ما مجموعه 600 طائرة مسيرة و 90 صاروخاً متنوعاً خلال الهجوم . هذا الرقم الضخم يهدف بوضوح إلى إرباك الدفاعات الجوية الأوكرانية، وإجبارها على استخدام ذخائر باهظة الثمن لاعتراض أهداف قد تكون وهمية أو أقل قيمة.
ملاحظة هامة: على الرغم من أن أوكرانيا أعلنت أن صاروخاً باليستياً متوسط المدى كان ضمن قائمة الصواريخ، إلا أن نوعه لم يُحدد بشكل رسمي بعد. لكن التكهنات تشير بقوة إلى أنه “أوريشنيك”، خاصة بعد تصريحات سابقة للرئيس زيلينسكي حذر فيها من استخدام هذا السلاح .
من جانبها، أكدت وزارة الدفاع الروسية، عبر بيان لها، أن الضربة حققت أهدافها بنجاح، مدعية أنها أصابت جميع المواقع المحددة بدقة عالية. وأشارت الوزارة إلى أن الاستهداف طال منشآت تكرير النفط ومرافق الطاقة والنقل التي تستخدمها القوات المسلحة الأوكرانية. كما أعلنت الدفاع الروسية عن إسقاطها لسبع قنابل جوية موجهة وستة صواريخ من طراز "فامبير" التشيكية الصنع، بالإضافة إلى 320 طائرة مسيرة أوكرانية، في محاولة لتقليص الفارق العددي الهائل في الهجمات .
ماذا يعني استخدام صاروخ “أوريشنيك” الآن؟
استخدام صاروخ باليستي بهذه المواصفات ليس مجرد خيار تكتيكي عسكري، بل هو رسالة سياسية واضحة المعالم. صاروخ "أوريشنيك"، الذي جرى اختباره لأول مرة في نوفمبر 2024 على مدينة دنيبرو ، يُظهر قدرة روسيا على ضرب أي هدف في العمق الأوروبي بسرعة قياسية.
الرسالة هنا مزدوجة:
لأوكرانيا: لا مكان آمناً لكم، حتى لو كنتم تمتلكون أنظمة باتريوت أو غيرها من الدفاعات الغربية، فهذا السلاح مصمم لاختراقها.
للحلفاء الغربيين: التصعيد له ثمن، وأي ضربات على الأراضي الروسية، وخاصة باستخدام صواريخ بعيدة المدى مثل ATACMS الأميركية أو ستورم شادو البريطانية، ستقابل بردود غير تقليدية ومدمرة.
ذكرت وكالة رويترز أن موسكو كانت قد هددت مراراً باستخدام هذا الصاروخ ردا على استخدام كييف لصواريخ غربية بعيدة المدى ضد أهداف داخل روسيا . والليلة الماضية، يبدو أن هذا التهديد تحول إلى واقع مرير.
التوازن الميداني: من يملك اليد العليا؟
على الأرض، الواقع معقد. فبينما تتفوق روسيا في عدد الصواريخ والقنابل التي تنتجها (تقدر بنحو ثلاثة أضعاف ما تنتجه الولايات المتحدة سنوياً)، فإن أوكرانيا تُظهر مرونة تكتيكية لافتة. الاعتماد على الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة نسبياً يتيح لأوكرانيا توجيه ضربات مؤلمة في العمق، مثلما حدث في ديسمبر 2024 عندما استهدفت حقلاً نفطياً في كاسبيسك أو عندما ضربت مستودعات في عمق الأراضي الروسية .
لكن الهجوم الليلي يظهر تحولاً في الاستراتيجية الروسية: الاعتماد على الكم لتدمير نظام الدفاع الجوي الأوكراني. إطلاق 600 مسيرة و90 صاروخاً يعني أن الدفاعات الجوية الأوكرانية ستضطر للتصدي لموجات متتالية، مما يستنزف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، التي تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الغربية التي تزداد صعوبة في الحصول عليها.
جدول مقارنة سريع لترسانة الهجوم
السلاح | النوع | السرعة/الخصائص | الهدف الأساسي |
|---|---|---|---|
| أوريشنيك | باليستي فرط صوتي | ماخ 10+، قادر على حمل رؤوس نووية | أهداف محصنة واستراتيجية عميقة |
| كينجال | باليستي جوي | ماخ 10-12، يصعب اعتراضه | البنية التحتية الحيوية والقيادات |
| تسيركون | صاروخ كروز فرط صوتي | ماخ 8-9، منخفض الارتفاع | أهداف بحرية وأرضية عالية القيمة |
| شاهد 136 | طائرة مسيرة انتحارية | بطيئة ولكنها رخيصة جداً | إشباع الدفاعات الجوية وأهداف مدنية |
الخسائر البشرية والدمار.
على الجانب الأوكراني، لا تقتصر الخسائر على الجانب العسكري. فقد تسببت الهجمات المتتالية في مقتل 4 مدنيين على الأقل في ضواحي كييف . كما أشارت السلطات إلى تضرر البنية التحتية للطاقة في عدة مناطق، وهو ما يعني معاناة الملايين من انقطاع التيار الكهربائي في فصل الشتاء القارص.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي اعتاد أن يخاطب العالم يومياً، وصف الهجوم بأنه "متعمد ووحشي"، خاصة في توقيته الذي قد يتزامن مع أعياد نهاية العام، متّهماً روسيا باستخدام صاروخ "أوريشنيك" بشكل "إرهابي" لترويع المدنيين .
السيناريوهات القادمة: نحو شتاء دامٍ.
مع دخول فصل الشتاء، المعارك تأخذ منحى أكثر وحشية. التاريخ يعيد نفسه؛ فموسكو تعتمد على تكتيك تجميد البنية التحتية الأوكرانية، معتقدة أن انقطاع الكهرباء والماء والتدفئة سيكسر الروح المعنوية للأوكرانيين.
من المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة:
مزيد من صواريخ "أوريشنيك": قد تستخدم روسيا هذا السلاح بشكل متكرر، ليس فقط لتحقيق مكاسب عسكرية، بل لاختباره في ظروف مختلفة وجمع بيانات حيوية عنه.
ردود فعل غربية متصاعدة: حلف الناتو والولايات المتحدة تحت ضغط للرد على هذا التصعيد، لكن الخوف من الانزلاق إلى حرب مباشرة مع روسيا لا يزال أكبر عامل رادع.
هجمات متبادلة على الطاقة: ستستمر أوكرانيا في ضرب منشآت الطاقة الروسية، بينما ستحاول روسيا تدمير الشبكة الأوكرانية بالكامل، مما يحول البنية التحتية إلى خط المواجهة الرئيسي.
لقراءة المزيد حول التفاصيل التقنية لصاروخ "أوريشنيك" يمكنكم مراجعة تقرير وكالة أسوشيتد برس (AP) من هذا الرابط.
كما يمكن متابعة التحديثات المباشرة للحرب عبر تغطية شبكة بي بي سي (BBC) المستمرة.
خلاصة تحليلية.
الحرب في أوكرانيا تجاوزت مرحلة "العمليات العسكرية الخاصة" لتصبح حرب استنزاف تكنولوجي وصناعي. ليلة القصف هذه لم تقدم جديداً على مستوى سير المعارك بقدر ما أوضحت أن كلا الطرفين عالق في حلقة مفرغة من التصعيد. روسيا تريد ردع الغرب ومنع تسليح أوكرانيا، وأوكرانيا تريد إثبات أن العمق الروسي لم يعد آمناً.
لكن الثمن دائماً ما يدفعه المدنيون. وفي حين تتباهى موسكو بدقة صواريخها، تظل أنقاض المباني السكنية في كييف خير دليل على أن هذه "الدقة" لا ترحم أحداً. الحرب دخلت مرحلة جديدة، وأسلحة جديدة، ولكن بنفس المأساة القديمة.
مصادر موثوقة لمزيد من المعرفة والتحقق.
فيما يلي قائمة بأهم المصادر الإخبارية والوكالات العالمية التي وثّقت الهجوم الروسي الأخير على كييف، مرتبة حسب الجهة الناشرة لسهولة الرجوع إليها. تعتمد هذه القائمة على تقارير حقيقية ونشطة صادرة عن وسائل إعلام دولية كبرى.
أولاً: المصادر الغربية الكبرى.
شبكة CNN الأميركية.
نشرت تغطية موسعة للهجوم بعنوان “Massive Russian missile barrage hits Kyiv after Putin orders retaliation” ، وأشارت إلى مقتل شخصين وإصابة العشرات، مع تفاصيل حول أمر بوتين بالانتقام بعد الهجوم على كلية ستاروبيلسك.
رابط التقرير
صحيفة The Guardian البريطانية.
قدمت الموجز اليومي للحرب في يومها الـ1551، مع تركيز خاص على تحذير زيلينسكي من أن استخدام صاروخ أوريشنيك “يشكل سابقة عالمية لدول معتدية محتملة”، وأشارت إلى مقتل شخص وإصابة 20 آخرين.
رابط التقرير
قناة Euronews الأوروبية.
غطت الهجوم تحت عنوان “At least one killed after wave of Russian strikes hits Kyiv” ، مع تأكيد على أن الهجوم استهدف تسعة أحياء في كييف وتسبب بأضرار في مبانٍ سكنية ومدارس ومراكز تجارية.
رابط التقرير
صحيفة The Irish News.
نشرت تحقيقاً موسعاً بعنوان “Russia uses hypersonic Oreshnik ballistic missile in overnight assault on Kyiv” ، وأكدت أن زيلينسكي قال إن الصاروخ استهدف مدينة بيلا تسيركفا في منطقة كييف، في ثالث استخدام معروف له.
رابط التقرير
ثانياً: المصادر الأوكرانية الرسمية.
وكالة أوكراينسكا برافدا (العدالة الأوكرانية).
الوكالة المحلية الأكثر موثوقية في كييف، نشرت تفصيلاً دقيقاً لأعداد الصواريخ والمسيرات حسب النوع، مؤكدة أن سلاح الجو الأوكراني أسقط أو شوّش 604 هدفاً، وأن صاروخ أوريشنيك استهدف منطقة بيلا تسيركفا تحديداً.
رابط التقرير
ثالثاً: المصادر الآسيوية والشرق أوسطية.
شبكة CGTN الصينية.
نقلت تصريحات زيلينسكي مباشرة، مؤكدة أن الهجوم شمل 36 صاروخاً باليستياً وأن كييف كانت الهدف الرئيسي، كما أشارت إلى أن 90 صاروخاً من أنواع مختلفة و600 مسيرة شاركت في الهجوم.
رابط التقرير
صحيفة دون (Dawn) الباكستانية.
نشرت تقريراً بعنوان “Zelensky fears Russia could launch hypersonic missile strikes” ، وركزت على تحذير زيلينسكي المسبق للغرب من استخدام صاروخ أوريشنيك الذي لا يمكن اعتراضه بسرعته التي تتجاوز 10 أضعاف سرعة الصوت.
رابط التقرير
رابعاً: مواقع متخصصة بالشؤون الأمنية.
هاشت صبح (Hasht-e Subh).
موقع أفغاني متخصص في الشؤون الجيوسياسية، نشر تقريراً أوضح أن هذه هي المرة الثالثة التي تستخدم فيها روسيا صاروخ أوريشنيك، بعد قصف دنيبرو في نوفمبر 2024 ولفيف في يناير 2026.
رابط التقرير
خامساً: معلومات إضافية عن الصارواح الفرط صوتي.
للراغبين في التعمق أكثر في قدرات صاروخ أوريشنيك ومواصفاته التقنية، تنصح الوكالات الغربية بالعودة إلى تقارير سابقة، منها:
تقرير تي في بي ورلد (TVP World) – يناير 2026.
يشرح بالتفصيل قدرة الصاروخ على حمل رؤوس نووية ووصف بوتين له بأن “قوته التدميرية تعادل سلاحاً نووياً حتى عندما يكون مزوداً برأس حربي تقليدي”.
رابط التقرير
