ترامب يربط مصير الحرب مع إيران بتوسيع "الاتفاقيات الإبراهيمية": قراءة في فشل استراتيجي ومستقبل التحالفات الإقليمية .
اللحظة التي أفلت فيها الخيط من يد الرئيس .
لم يكن المشهد الذي اعتاد عليه العالم طوال عقود، ذلك الرئيس الأمريكي الذي يقف خلف منصة الرئاسة ليعلن عن انتصارات دبلوماسية أو عسكرية مدوية. هذه المرة، بدت الأمور مختلفة تماماً. دونالد ترامب، الرجل الذي راهن على لغة القوة والتهديد، يجد نفسه اليوم مضطراً لابتزاز حلفائه العرب من أجل إنقاذ ما تبقى من حلمه بإعادة ترتيب الشرق الأوسط.
القصة بدأت تتكشف على مراحل، لكن الجوهر واحد: رئيس دخل حرباً بأهداف كبرى، فخرج منها خالي الوفاض، ثم أضاف أهدافاً جديدة أكثر تعقيداً ليواري فشله. والآن، يريد جر الدول العربية والإسلامية إلى فخ "الاتفاقيات الإبراهيمية" كشرط للتوقيع على أي اتفاق مع إيران. لكن السؤال الذي يطرحه المحللون، وعلى رأسهم الكاتب الإسرائيلي المخضرم زافي بورد في صحيفة "هآرتس"، هو: هل ينجح ترامب في هذا الابتزاز أم أنه يقود المنطقة إلى مزيد من التصعيد؟
هذا المقال هو محاولة لتفكيك هذه المعادلة المعقدة، وتحليل موقف كل دولة على حدة، وفهم الخلفيات الحقيقية للضغوط الأمريكية، وتوقع ملامح الشرق الأوسط بعد هذه الحرب التي غيرت كل شيء.
في البداية، يجب أن نعود إلى جذور الأزمة. لم يكن اقتحام ترامب لملف الحرب مع إيران مجرد رد فعل عسكري على استفزاز ما، بل كان يحمل في طياته خطة كاملة لإعادة تشكيل المنطقة. خطة كانت أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع، وهذا ما جعلها تصطدم بعنف الواقع الإيراني المعقد.

الأهداف الحقيقية التي دخل بها ترامب الحرب ضد إيران،
يمكنكم متابعة التطورات اللحظية للحرب عبر وكالة رويترز:
تغطية رويترز الشاملة للحرب في الشرق الأوسط
زافي بورد يحلل - من أهداف الحرب الخمسة إلى الفشل الذريع .
أهداف ترامب الخمسة التي تحولت إلى كوابيس .
في مقال موسع نشره الكاتب والمحلل الاستراتيجي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، زافي بورد (Zvi Bar'el)، كشف النقاب عن الأهداف الحقيقية التي دخل بها ترامب الحرب ضد إيران، وهي أهداف لم يسبق لرئيس أمريكي أن أعلن عنها بهذه الجرأة:
القضاء على النظام الإيراني بالكامل: لم يكن ترامب يريد مجرد ردع إيران أو إضعافها، بل كان يطمح إلى قلب النظام في طهران وإقامة حكومة بديلة موالية للغرب. هذا الهدف، لو تحقق، لكان أعظم انتصار أمريكي في الشرق الأوسط منذ سقوط جدار برلين.
إشعال ثورة شعبية داخلية: اعتمدت استراتيجية ترامب على فرضية أن الشعب الإيراني سينتفض ضد نظامه بمجرد توجيه الضربات العسكرية وتطبيق أقصى درجات الضغط الاقتصادي.
تصفية الحرس الثوري الإيراني: أصر ترامب على إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، واستهدف قادته بشكل مباشر، معتقداً أن ذلك سيحسم المعركة لصالحه.
القضاء على البرنامجين النووي والصاروخي: كانت هذه هي الذريعة الأساسية للحرب، تدمير قدرات إيران العسكرية كلياً.
إعادة إيران إلى حلف مع إسرائيل: ربما كان هذا الهدف هو الأكثر جرأة وتحدياً، استعادة إيران كحليف لإسرائيل كما كانت قبل الثورة الإسلامية عام 1979.
اقتباس حاسم من تحليل زافي بورد:
"ترامب لم يكتف بالفشل في تحقيق أي هدف من هذه الأهداف الخمسة، بل خرجت إيران من الحرب أكثر تشدداً وتطرفاً، والآن يريد تعويض هذا الفشل بإضافة شروط جديدة على العرب"
كيف تحول الانتصار الموعود إلى هزيمة معلنة؟
بحسب بورد، لم يفشل ترامب في تحقيق أهدافه فقط، بل جاءت النتائج عكسية تماماً:
بدلاً من أن يضعف النظام الإيراني، خرج أكثر تشدداً وتطرفاً، وتمكن من حشد الشعب حوله تحت شعار مواجهة "العدوان الأمريكي".
بدلاً من أن تنهار الثورة الشعبية، ازدادت شعبية المرشد الأعلى بين القواعد الشعبية الموالية له.
بدلاً من أن يتم تدمير البرنامج الصاروخي، أطلقت إيران صواريخها في عمق الأراضي المحتلة وأثبتت قدرتها على اختراق الدفاعات الجوية.
بدلاً من أن تعود إيران حليفة لإسرائيل، أصبحت العداوة بين الطرفين في ذروتها، وتوسعت جبهات المقاومة من لبنان واليمن إلى سوريا والعراق.
هذا الفشل المركب هو ما دفع ترامب إلى تغيير استراتيجيته فجأة، من لغة القوة العسكرية إلى لغة الابتزاز السياسي.
للاطلاع على المقال الأصلي لزافي بورد في هآرتس (لينك نشط):
مقال زافي بورد الكامل في هآرتس حول فشل ترامب الاستراتيجي
بين الضربات العسكرية والتصريحات المتفائلة - ثنائية أمريكية متناقضة .
عملية "الغضب العارم" Epic Fury وخسائر القوات الخاصة .
في واحدة من أكثر الحلقات إيلاماً للجيش الأمريكي، أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية (CENTCOM) عن تنفيذ ضربات نوعية في جنوب إيران يوم الاثنين الماضي، فيما عُرف باسم عملية "Epic Fury" أو "الغضب العارم". العملية، التي وصفتها واشنطن بأنها "دفاعية بحتة"، استهدفت مواقع لإطلاق الصواريخ وزوارق إيرانية كانت تحاول زرع ألغام بحرية في ممرات الملاحة الدولية في مياه الخليج.
لكن الثمن كان باهظاً جداً، إذ أعلن البنتاغون فقدان 13 جندياً أمريكياً من القوات الخاصة، وصفهم ترامب في تغريدة لاحقة بأنهم "أرواح رائعة، رجال مميزون ورائعون" (13 wonderful souls, wonderful special people). هذا الرقم ليس مجرد خسارة عسكرية، بل هو كارثة سياسية داخل أمريكا، خاصة مع اقتراب الانتخابات وارتفاع الأصوات المطالبة بسحب القوات من المنطقة.
البيان الرسمي للقيادة الوسطى أكد على أن هذه الهجمات جاءت "دفاعاً عن النفس"، وأن القوات الأمريكية "ستواصل الدفاع عن نفسها مع الالتزام الكامل بضبط النفس خلال وقف إطلاق النار الجاري". هذا البيان يحمل تناقضاً داخلياً عميقاً، فهو من جهة يتحدث عن "ضبط النفس"، ومن جهة أخرى يعترف بتنفيذ هجمات عسكرية مباشرة على الأراضي الإيرانية.
قراءة البيان الكامل للقيادة الوسطى الأمريكية (لينك نشط):
بيان CENTCOM الرسمي حول الضربات الدفاعية في جنوب إيران
تصريحات إيرانية متفائلة في خضم القصف .
في تطور عجيب ومفاجئ، خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ليعلن عن "بدء مناقشات جادة" مع الجانب الأمريكي، وعن "تقارب ملحوظ في وجهات النظر" يمكن البناء عليه للوصول إلى اتفاق. هذه التصريحات، التي جاءت بعد ساعات فقط من الإعلان عن الضربات الأمريكية في بندر عباس، أثارت حيرة المحللين، وزادت من الغموض المحيط بالمفاوضات الجارية.
ترامب نفسه، في خطاب متلفز، قال إن "إيران هي الدولة الراعية الأولى للإرهاب في العالم، ولا يمكنها ولا يحق لها أبداً امتلاك سلاح نووي". لكنه في نفس الوقت لم يغلق الباب أمام المفاوضات، بل ترك نافذة صغيرة مفتوحة للوسطاء لمواصلة عملهم.
هذا التناقض بين التصريحات العسكرية والدبلوماسية يجعل المراقب يشعر بأن الإدارة الأمريكية نفسها مشوشة، أو أن هناك انقساماً داخلياً عميقاً بين جناح يريد التصعيد العسكري وجناح يريد حلحلة الأزمة دبلوماسياً.
لمتابعة التصريحات الإيرانية الأخيرة (لينك نشط):
وكالة تسنيم الإيرانية: تصريحات المتحدث باسم الخارجية حول المفاوضات
تغريدة اليورانيوم: الإنذار الذي كشف حجم العجز .
ربما كانت اللحظة الأكثر دلالة على حالة الإحباط داخل البيت الأبيض هي تلك التغريدة التي نشرها ترامب على منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، والتي طالب فيها إيران بالتخلص الفوري من مخزونها من اليورانيوم المخصب. التغريدة كانت مفصلة ومحددة: 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إما أن يتم "تدميره داخل إيران" أو "نقله فوراً إلى الولايات المتحدة".
هذه التغريدة، بحسب محللين، تعكس ثلاثة أمور خطيرة:
اعتراف ضمني بالفشل: الولايات المتحدة عاجزة عن فرض إرادتها على إيران عسكرياً، فتلجأ إلى الإنذارات العلنية على وسائل التواصل الاجتماعي.
قلق حقيقي من القنبلة الإيرانية: وصول إيران إلى 60% تخصيب يعني أنها باتت على بعد خطوة واحدة فقط من صنع سلاح نووي (90% تخصيب).
تكتيك انتخابي: ترامب يحاول إظهار نفسه كالرئيس القوي الذي يواجه الخطر النووي الإيراني، حتى لو كان ذلك عبر التغريدات.
التغريدة لم تمر دون رد إيراني، حيث سخر مسؤولون إيرانيون من الطلب، واعتبروه "دليلاً على عجز أمريكا وهزيمتها النفسية".
للاطلاع على نص التغريدة والتفاعل الإيراني معها (لينك نشط):
تقرير أسوشييتد برس حول تغريدة ترامب واليورانيوم الإيراني
تركيا - من اعتراف 1949 إلى وصف نتنياهو بـ"هتلر".
تاريخ طويل من العلاقات المتقلبة .
تركيا كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل، وذلك في مارس 1949، بعد أقل من عام على إعلان قيام الدولة العبرية. هذه الحقيقة التاريخية تجعل البعض يعتقد أن أنقرة مرشحة طبيعية للانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية". لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً.
العلاقات التركية الإسرائيلية شهدت تقلبات دراماتيكية على مدار العقود الماضية، وصلت إلى ذروة التوتر في السنوات الأخيرة. فبعد مجزرة أسطول الحرية عام 2010، ثم حرب غزة 2014، ثم حرب الإبادة الحالية في قطاع غزة، أصبحت العلاقات بين البلدين في أدنى مستوياتها على الإطلاق.
أردوغان ونتنياهو: عداوة تجاوزت كل الحدود .
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي عُرف بخطابه السياسي الحاد، لم يتوانَ عن وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأقسى العبارات. في خطابه أمام البرلمان التركي، وصف أردوغان نتنياهو بأنه "هتلر العصر الحديث"، واتهمه بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة.
هذا الخطاب لم يكن مجرد شعارات انتخابية أو ردود فعل عاطفية، بل ترجم إلى إجراءات عملية: قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل شبه كامل، سحب السفراء، وقف التعاون التجاري والعسكري، وتقديم دعوى قضائية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
في ظل هذه الأجواء المشحونة، كيف يمكن لترامب أو لأي وسيط أن يقنع أردوغان بالجلوس على طاولة واحدة مع نتنياهو لتوقيع "اتفاقيات إبراهيم" جديدة؟ هذا الطلب يبدو غير واقعي لدرجة السذاجة السياسية.
هل يمكن أن يتغير الموقف التركي؟
بعض المحللين يرى أنه لا يمكن استبعاد أي شيء في السياسة، وأن المصالح الاقتصادية قد تدفع تركيا في النهاية إلى إعادة النظر في موقفها. تركيا تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، والعلاقات مع إسرائيل قد تفتح لها أبواب الاستثمارات والتكنولوجيا والغاز.
لكن هذا السيناريو يبدو مستبعداً جداً في الوقت الحالي، فالشارع التركي، والذي يمثل قاعدة أردوغان الانتخابية الأساسية، هو الأكثر عداءً لإسرائيل بين جميع الشعوب الإسلامية. وأي تقارب مع إسرائيل الآن سيكلف أردوغان الكثير من الأصوات، وقد يهدد بقاءه في الحكم.
لقراءة المزيد عن الموقف التركي من التطبيع مع إسرائيل (لينك نشط):
تقرير الجزيرة نت حول العلاقات التركية الإسرائيلية المتوترة
باكستان - الدولة النووية التي قالت "لا" بكل حزم .
موقع استراتيجي فريد ورفض قاطع .
باكستان هي الحالة الأكثر إثارة للجدل في قائمة ترامب. فهي دولة نووية، ذات جيش قوي وتأثير كبير في العالم الإسلامي، وعلاقات متشابكة ومعقدة مع كل من إيران (جارة مشتركة) والسعودية (حليف استراتيجي) وأمريكا (حليف سابق في حرب أفغانستان).
لهذا السبب تحديداً، اعتقد ترامب أنه قد ينجح في إقناع باكستان بالانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية" مقابل حوافز اقتصادية وعسكرية كبيرة. لكن الرد الباكستاني كان صادماً وقاطعاً: "لا، ولن نغير موقفنا".
الأسباب العميقة للرفض الباكستاني .
بحسب مصادر باكستانية مطلعة، نقل مسؤولون كبار في الجيش والمخابرات الباكستانية رسالة واضحة إلى البيت الأبيض: القضية الفلسطينية خط أحمر، والمشكلة مع إيران منفصلة تماماً عن ملف التطبيع مع إسرائيل. يمكنكم تلخيص الأسباب على النحو التالي:
باكستان تعتبر نفسها "حارسة" للمقدسات الإسلامية في العالم، وأي تطبيع مع إسرائيل سيكون بمثابة خيانة لهذا الدور.
الشارع الباكستاني هو الأكثر حماسة للقضية الفلسطينية، وأي حكومة تفكر في تطبيع العلاقات مع إسرائيل ستواجه ثورة شعبية عارمة.
باكستان لديها قنوات اتصال مفتوحة مع حماس والجهاد الإسلامي، ولا تريد التخلي عن دورها كداعم للمقاومة الفلسطينية.
باكستان هي جارة لإيران، وأي تصعيد في العلاقة مع طهران سيكون له تبعات أمنية خطيرة على حدودها الطويلة والمضطربة أصلاً.
المصادر الباكستانية أكدت أن الرد كان "حاداً ومباشراً"، وأن المسؤولين الباكستانيين لم يتركوا أي مجال للبس أو التأويل. هذا الرفض القاطع أجبر إدارة ترامب على إعادة حساباتها، والتخلي مؤقتاً عن فكرة إشراك باكستان في الصفقة.
للاطلاع على التغطية الباكستانية الكاملة للرفض (لينك نشط):
صحيفة داون الباكستانية: إسلام آباد ترفض الربط بين صفقة إيران والتطبيع
السعودية وقطر - دروس قاسية في الثقة المفقودة .
القواعد العسكرية الأمريكية: للدفاع عن أمريكا لا عن الخليج .
ربما كان الدرس الأكثر قسوة الذي خرجت به السعودية وقطر من هذه الحرب هو إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع واشنطن. لطالما آمن القادة الخليجيون بالمعادلة البسيطة: نستضيف القواعد العسكرية الأمريكية، وندفع مليارات الدولارات لشراء الأسلحة الأمريكية، وفي المقابل، تحمينا أمريكا من أي تهديد خارجي.
لكن ما حدث خلال الحرب الأخيرة كشف أن هذه المعادلة لم تعد صحيحة. القواعد الأمريكية في قطر (العديد)، وفي البحرين (الأسطول الخامس)، وفي الكويت والإمارات، لم تستخدم للدفاع عن هذه الدول عندما هاجم الحوثيون منشآت أرامكو أو عندما هددت إيران الملاحة في الخليج.
بالعكس، تم استخدام هذه القواعد من قبل القوات الأمريكية كمنصات انطلاق لشن هجمات على أهداف إيرانية، مما جعل الدول المضيفة في مرمى النيران الإيرانية بشكل مباشر. الخليجيون شعروا بالخيانة، أو على الأقل بالاستغلال الواضح.
السعودية: من حماسة التطبيع إلى التجميد الكامل .
قبل حرب غزة، كانت السعودية على بعد خطوات قليلة من توقيع اتفاقية تطبيع مع إسرائيل بوساطة أمريكية. الرياض كانت تأمل في الحصول على ضمانات أمنية أمريكية غير مسبوقة، ومساعدات نووية مدنية، وفتح آفاق اقتصادية واسعة. كل ذلك في مقابل الاعتراف بإسرائيل.
لكن حرب الإبادة في غزة غيرت كل شيء. القيادة السعودية أدارت ظهرها للمفاوضات، وأعلنت أن أي تطبيع مستقبلي مع إسرائيل سيأتي فقط بعد إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعادلة. هذا الشرط، الذي كانت إسرائيل ترفضه دائماً، أصبح اليوم خطاً أحمر سعودياً لا يمكن التراجع عنه.
في ظل هذه المعطيات، كيف يمكن لترامب أن يطلب من السعودية توقيع "الاتفاقيات الإبراهيمية" الآن؟ إنه يطلب منها أن تتنازل عن ثوابتها الوطنية والدينية، وأن تتخلى عن القضية الفلسطينية، وأن تظهر بمظهر الخائن للأمة العربية في الوقت الذي تقتل فيه إسرائيل الفلسطينيين يومياً.
السعوديون، بحسب مصادر دبلوماسية، استقبلوا المكالمة الهاتفية لترامب بصمت مطبق، قبل أن يمزح الرئيس قائلاً: "هل ما زلتم على الخط؟". هذا الصمت كان رداً بليغاً بحد ذاته.
تقرير وول ستريت جورنال حول الموقف السعودي من التطبيع (لينك نشط):
وول ستريت جورنال: الرياض تؤكد أن التطبيع مرهون بالدولة الفلسطينية
قطر: بين الوساطة والضغوط .
أما قطر، فوضعها أكثر حساسية وتعقيداً. الدوحة كانت دائماً اللاعب الخلفي في الملفات الساخنة، حيث تستضيف قاعدة "العديد" الجوية الأمريكية الضخمة، وفي نفس الوقت تحتفظ بقنوات اتصال مع حماس وإيران وطالبان.
قطر لعبت دور الوسيط الرئيسي بين أمريكا وإيران، واستضافت محادثات سرية ساعدت في منع انفجار الوضع تماماً. هذا الدور يمنح الدوحة قدراً من الحصانة والنفوذ، لكنه في نفس الوقت يجعلها هدفاً للضغوط الأمريكية.
طلب ترامب من قطر توقيع "الاتفاقيات الإبراهيمية" يعني عملياً أن تتخلى عن دورها كوسيط محايد، وتنحاز بالكامل إلى المحور الأمريكي-الإسرائيلي. هذا أمر لا يمكن للدوحة قبوله، لأن جوهر قوتها الإقليمية هو قدرتها على التحدث مع الجميع، وليس الانحياز لأحد.
الموقف القطري، بحسب مصادر قريبة من صنع القرار، هو "تجميد" أي نقاش حول الاتفاقيات الإبراهيمية لحين انتهاء الحرب وتوضيح الرؤية. هذا يعني أن قطر لن توقع الآن، وقد لا توقع مستقبلاً إذا استمرت الحرب.
لقراءة المزيد عن دور قطر الوسيط بين أمريكا وإيران (لينك نشط):
تقرير المونيتور: قطر تستضيف محادثات سرية بين واشنطن وطهران
مصر والأردن - سلام بارد أم حرب دافئة؟
كامب ديفيد: أقوى اتفاقية سلام في المنطقة .
في عام 1979، وقع الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن على اتفاقية كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. كانت تلك الاتفاقية هي الأولى من نوعها بين دولة عربية وإسرائيل، ومهدت الطريق لكل اتفاقيات السلام اللاحقة.
ما يميز اتفاقية كامب ديفيد أنها ليست مجرد وعد بالسلام، بل هي اتفاقية مفصلة ومحددة، تضمنت نزع السلاح من سيناء، وإنشاء مناطق عازلة، ونقاط تفتيش مشتركة، وآليات لحل النزاعات. بفضل هذه التفاصيل الدقيقة، نجحت الاتفاقية في منع نشوب أي حرب بين الجيشين المصري والإسرائيلي لأكثر من 45 عاماً، حتى في أحلك الظروف وأكثرها توتراً.
لماذا يريد ترامب تحويل السلام البارد إلى دافئ؟
بالنسبة لترامب، اتفاقية كامب ديفيد جيدة لكنها غير كافية. هي ما يسميها "سلام بارد" (Cold Peace)، أي سلام بدون مشاعر دافئة، بدون زيارات رئاسية متبادلة، بدون تعاون اقتصادي وثقافي كبير، وبدون سفارات تعمل بكامل طاقتها.
السفارة المصرية في تل أبيب مفتوحة لكنها لا تقوم بدور نشط. السفارة الإسرائيلية في القاهرة تعمل بأقل طاقم ممكن. الرئيس السيسي لم يلتقِ نتنياهو منذ سنوات، والمكالمات الهاتفية بينهما نادرة ومحدودة.
ترامب يريد تحويل هذا "السلام البارد" إلى "سلام دافئ" (Warm Peace) مثل السلام الذي تجمعه بالأردن أو بالإمارات بعد "الاتفاقيات الإبراهيمية". يريد رحلات طيران مباشرة بين القاهرة وتل أبيب، واستثمارات مشتركة، وتعاون أمني واسع، وعلاقات طبيعية كما بين أي دولتين صديقتين.
هل مصر قادرة على تلبية المطالب الأمريكية؟
الإجابة القصيرة: لا، في الوقت الحالي. والأسباب كثيرة ومتشعبة:
الانتهاكات الإسرائيلية اليومية: بينما تتحدث أمريكا عن السلام الدافئ، فإن الجيش الإسرائيلي يقتل الفلسطينيين في غزة والضفة يومياً، ويدمر المنازل على رؤوس أصحابها، ويقتحم المسجد الأقصى. كيف يمكن لمصر أن توقع على علاقات دافئة مع دولة تمارس الإبادة الجماعية؟
الضغوط الشعبية الهائلة: الشارع المصري هو الأكثر عداءً لإسرائيل في العالم العربي، بسبب طول تاريخ الصراع والقرب الجغرافي والتأثر المباشر بالأحداث في فلسطين. أي حكومة تفكر في تحسين العلاقات مع إسرائيل ستواجه موجة غضب شعبي عارمة.
دور مصر كوسيط إقليمي: مصر تلعب دوراً محورياً في الوساطة بين فصائل المقاومة وإسرائيل، ولديها خط اتصال مباشر مع الحرس الثوري الإيراني. هذه القنوات الاتصالية جعلت أمريكا نفسها تعتمد على القاهرة في تمرير تفاهماتها مع طهران. فكيف لمصر أن تحتفظ بهذا الدور الحيادي وهي تنحاز بالكامل إلى إسرائيل؟
في هذا السياق، تقارير استخباراتية نشرتها بعض المواقع الإسرائيلية تشير إلى أن المخابرات العامة المصرية اقترحت مؤخراً مهلة لخمسة أيام لبناء الثقة مع الجانب الإيراني، تمهيداً لمحادثات جادة لوقف إطلاق النار. هذا الاقتراح، الذي لقي قبولاً من الطرفين، دفع ترامب إلى تأجيل الضربات التي كان يخطط لها.
فهل يمكن لدولة تمتلك قناة اتصال مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني وتلعب دور الوسيط الرئيسي في المنطقة أن تذهب لتوقيع "اتفاقيات إبراهيم" وتقوية العلاقات مع إسرائيل؟ الإجابة واضحة.
تفاصيل الدور المصري في الوساطة (لينك نشط):
تقرير موقع ديبكا الاستخباراتي حول دور المخابرات المصرية
الأردن: خوف حقيقي من التهجير القسري .
أما الأردن، فمعاناته مختلفة. عمان لديها حدود طويلة مع إسرائيل، وتعاني من أزمة اقتصادية خانقة تجعلها بحاجة ماسة إلى أي دعم أو استثمار. لكن في نفس الوقت، الأردن هو أكثر الدول العربية تأثراً بالقضية الفلسطينية، حيث يشكل الفلسطينيون وأحفادهم نسبة كبيرة من سكان المملكة.
الخوف الأردني الأكبر هو من "مخطط التهجير القسري" للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية. في كل مرة تتصاعد فيها حدة الصراع، تطل التصريحات الإسرائيلية المتطرفة التي تدعو إلى جعل الأردن "الوطن البديل" للفلسطينيين. هذا الأمر يُعتبر خطاً أحمر بالنسبة للعاهل الأردني، وأي تهديد به سيدفع عمان إلى اتخاذ إجراءات قاسية.
في ظل هذه المخاوف، كيف يمكن للأردن أن يوقع على "اتفاقيات إبراهيم" تعزز علاقاته مع دولة تهدد وجوده؟ الأمر مستحيل في الظروف الحالية.
لمتابعة الموقف الأردني من التهجير القسري (لينك نشط):
بي بي سي عربي: الأردن يحذر من مخططات التهجير الإسرائيلية
مستقبل التحالفات - شرق أوسط بدون أمريكا؟
تآكل الثقة الخليجية-الأمريكية .
ربما كان الخطر الأكبر الذي تفرزه هذه الحرب على المصالح الأمريكية في المنطقة هو تآكل الثقة بين دول الخليج والولايات المتحدة. لقد شعر الخليجيون أن الوجود العسكري الأمريكي في أراضيهم لا يحميهم، بل يجعلهم هدفاً أسهل للانتقام الإيراني.
هذا الإحساس بالخذلان دفع العديد من العواصم الخليجية إلى البحث عن بدائل. التقارير تتحدث عن تنسيق خليجي مع الصين وروسيا لبناء "مظلة أمنية" جديدة، وعن نية سعودية للانضمام إلى تحالفات عسكرية في الشرق وآسيا.
الحديث عن تحالف مصري-سعودي-تركي-باكستاني لم يعد مجرد تخمينات صحفية، بل أصبح ضرورة ملحة في ظل غياب البديل. هذا التحالف، إن تم، سيكون قادراً على تحقيق الأمن الإقليمي دون الحاجة إلى قواعد عسكرية أمريكية، وسيعيد تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بالكامل.
ماذا بعد؟ سيناريوهات المستقبل القريب .
بناءً على كل ما سبق، يمكننا استشراف عدة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: استمرار الغموض والجمود
هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر حالة اللاحرب واللاسلم، وتستمر المفاوضات غير المباشرة بين أمريكا وإيران دون الوصول إلى اتفاق حاسم، وتستمر الدول العربية في موقف الانتظار والترقب.
السيناريو الثاني: تحالفات إقليمية بديلة
تتجه دول المنطقة إلى بناء تحالفات أمنية واقتصادية لا تعتمد على الولايات المتحدة، مع تقارب مصري-تركي-سعودي، وربما حتى فتح قنوات اتصال مع إيران بشكل أكثر شفافية.
السيناريو الثالث: انهيار تدريجي للاتفاقيات القائمة
إذا استمرت الخروقات الإسرائيلية في سيناء، وإذا تم تنفيذ مخططات التهجير القسري في الضفة، قد نصل إلى نقطة اللاعودة حيث تضطر دولة عربية واحدة على الأقل إلى تجميد أو قطع علاقاتها مع إسرائيل.
السيناريو الرابع: انفراج أمريكي-إيراني مفاجئ
لا يمكن استبعاد هذا السيناريو تماماً، خاصة مع وجود وسطاء أقوياء مثل مصر وقطر وتركيا. إذا شعر الطرفان أن استمرار التصعيد سيضر بمصالحهما أكثر مما ينفع، قد نسمع عن اتفاق مفاجئ في أي لحظة.
خاتمة: الشرق الأوسط يكتب سيناريوه بنفسه .
في النهاية، ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط هو أكثر من مجرد حرب عابرة أو أزمة دبلوماسية. إنها لحظة تحول كبرى، يشبه ما حدث بعد حرب أكتوبر 1973 أو بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
الرئيس ترامب دخل هذه المعركة بكبرياء القوة العظمى، لكنه يخرج منها مدركاً أن الزمن تغير. القادة العرب الذين كانوا يهرولون إلى واشنطن طلباً للدعم والحماية، بدأوا ينظرون إلى خيارات أخرى. الشعوب العربية التي كانت منشغلة بمشاكلها الداخلية، أيقظتها حرب غزة وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة أولوياتها.
في هذا المشهد المعقد، تبقى "الاتفاقيات الإبراهيمية" ورقة ضغط أمريكية باهتة، فقد بريقها بعد أن أظهرت حرب غزة حقيقتها. فهي اتفاقيات اقتصادية فوق جثث الفلسطينيين، لا يمكن البناء عليها، ولا يمكن الوثوق بها.
ربما تكون الرسالة الأهم التي يوجهها ترامب اليوم للعرب هي نفس الرسالة التي كانت تصلهم منذ عقود: "تخلوا عن فلسطين من أجل السلام". لكن الرد هذه المرة يبدو مختلفاً، فالعرب لم يعودوا كما كانوا، والمنطقة لم تعد تحتمل المزيد من التنازلات.
يبقى الأمل الوحيد أن يخرج الجميع من هذه الحرب، بكل تداعياتها المؤلمة، إلى استنتاج بسيط وواضح: لا سلام في المنطقة دون سلام عادل للفلسطينيين. كل الاتفاقيات الإبراهيمية، وكل التطبيع الاقتصادي، وكل الوعود الأمريكية، لن تصمد طويلاً إذا ظلت القدس محتلة، وإذا ظل الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال والتهجير والقتل.
هذه هي المعادلة التي يتجاهلها ترامب، ويتجاهلها نتنياهو، لكنهم سيكتشفون عاجلاً أم آجلاً أن تجاوزها مستحيل، وأن الشرق الأوسط الجديد الذي يحلمون به، لن يقوم على حساب دماء الفلسطينيين وأحلامهم المشروعة.