ترامب بين وهم الحسم وكابوس الهزيمة: كيف تحولت حرب إيران إلى أخطر اختبار للهيمنة الأمريكية منذ غزو العراق؟
واشنطن دخلت المواجهة وهي تتحدث بلغة القوة المطلقة.. ثم انتهت إلى البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه.
حين بدأت الولايات المتحدة تصعيدها الأخير ضد Iran، بدا المشهد وكأن واشنطن تستعد لإعادة إنتاج لحظة الهيمنة الأمريكية القديمة في الشرق الأوسط. حاملات الطائرات تتحرك في الخليج، القواعد العسكرية الأمريكية تدخل حالة استنفار، الإعلام الغربي يتحدث عن “اللحظة الحاسمة”، بينما كانت التصريحات القادمة من البيت الأبيض ترسم صورة أقرب إلى معركة إعادة تشكيل المنطقة بالكامل، لا مجرد جولة تصعيد عابرة. في تلك اللحظة، كان واضحًا أن الإدارة الأمريكية تريد إقناع العالم بأن ما يجري ليس مجرد رد عسكري محدود، بل محاولة لإعادة فرض الردع الأمريكي بعد سنوات طويلة من التآكل التدريجي للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
الحديث لم يكن يدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ الباليستية أو حتى النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ما كانت واشنطن تحاول فعله أعمق من ذلك بكثير. كانت تريد إعادة تثبيت صورة الولايات المتحدة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على فرض القواعد النهائية في المنطقة، خصوصًا بعد سنوات من الصعود الصيني والتوسع الروسي والانكفاء الأمريكي التدريجي عن حروب الشرق الأوسط الكبرى. ولهذا جاءت لغة التصعيد حادة ومتعالية بصورة لافتة، وكأن الإدارة الأمريكية تريد القول إن زمن التحدي الإيراني قد انتهى، وإن طهران أصبحت أمام خيارين فقط: الاستسلام السياسي أو المواجهة العسكرية الشاملة.
![]() |
ترامب بين وهم الحسم وكابوس الهزيمة |
لكن مع مرور الوقت، بدأت الصورة تتغير بصورة أربكت حتى أكثر الدوائر الأمريكية تشددًا. فبدلًا من ظهور مؤشرات على انهيار الموقف الإيراني، بدأت التسريبات القادمة من الصحافة الأمريكية والغربية تتحدث عن نقاشات داخل البيت الأبيض حول “كيفية احتواء الأزمة” لا “كيفية حسمها”. فجأة اختفى الحديث عن إسقاط النظام الإيراني، ثم تراجع الكلام عن تفكيك كامل للبرنامج النووي، ثم بدأت تظهر تسريبات عن هدنة طويلة، ورفع تدريجي للعقوبات، وإفراج محتمل عن أموال إيرانية مجمدة، واتفاقات مؤقتة حول الملاحة والطاقة، بينما اختفت تدريجيًا الأهداف الكبرى التي دخلت واشنطن الحرب وهي ترفعها كشعارات أساسية.
صحف كبرى مثل The New York Times وFinancial Times وAxios بدأت تتحدث عن انقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وعن مخاوف متزايدة من اتساع الحرب بصورة تتجاوز قدرة واشنطن على التحكم في نتائجها. ومع كل تسريب جديد، كان السؤال الذي يطارد المؤسسة الأمريكية يصبح أكثر وضوحًا: ماذا لو انتهت هذه الحرب دون أن تحقق الولايات المتحدة أيًا من أهدافها الكبرى؟
وهنا تحديدًا بدأت الأزمة السياسية الحقيقية داخل واشنطن. لأن المشكلة لم تعد فقط في إيران، بل في صورة الولايات المتحدة نفسها. فالقوة العظمى التي دخلت الحرب وهي تتحدث عن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” بدأت فجأة تبدو وكأنها تبحث عن طريقة للخروج من المواجهة بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية والاستراتيجية.
صقور الحرب الأمريكيون يتحدثون عن “استسلام مقنع” لا عن اتفاق.
أكثر ما كشف حجم الأزمة داخل واشنطن لم يكن الموقف الإيراني، بل الغضب المتصاعد داخل المعسكر الأمريكي المؤيد للحرب نفسه. فشخصيات جمهورية بارزة، وعلى رأسها السيناتور Lindsey Graham، بدأت تتحدث بلغة أقرب إلى الصدمة السياسية. جراهام، المعروف بكونه من أكثر السياسيين الأمريكيين دعمًا للتصعيد العسكري ضد إيران، لم يخفِ انزعاجه من طبيعة الاتفاقات التي يجري الحديث عنها، بل اعتبر أن ما يحدث قد يتحول إلى “كابوس استراتيجي لإسرائيل”.
هذه التصريحات لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر داخل الحزب الجمهوري، بل تعكس خوفًا حقيقيًا داخل دوائر واسعة من المؤسسة الأمريكية من أن تنتهي الحرب باعتراف ضمني بفشل مشروع الردع الأمريكي نفسه. فبالنسبة لتيار المحافظين وصقور الحرب، كان الهدف الأساسي من التصعيد واضحًا منذ البداية: إجبار إيران على التراجع الكامل، وتحويلها إلى دولة عاجزة عن تهديد الخليج أو تحدي النفوذ الأمريكي أو الاستمرار في مشروعها النووي والعسكري.
لكن التسريبات الحالية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فلا توجد مؤشرات على تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ولا حديث عن تسليم اليورانيوم المخصب، ولا اتفاقات حول إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، ولا حتى مؤشرات حقيقية على تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة. بل على العكس، فإن أغلب ما يجري الحديث عنه يتعلق بإدارة الأزمة لا بحسمها: هدنة، تخفيف عقوبات، تفاهمات مؤقتة، ووعود باستمرار التفاوض لاحقًا.
وهنا بدأ السؤال الذي يطارد صقور الحرب داخل واشنطن: إذا كانت الولايات المتحدة ستعود في النهاية إلى التفاوض دون تحقيق أهدافها الأساسية، فلماذا دخلت هذه المواجهة أصلًا؟ ولماذا جرى تقديم الحرب للرأي العام الأمريكي والعالمي باعتبارها “معركة حاسمة” إذا كانت النتيجة النهائية مجرد تفاهمات مؤقتة لا تغير شيئًا جذريًا في موازين القوى؟
المشكلة بالنسبة لهؤلاء لا تتعلق فقط بإيران، بل بما يعنيه هذا المشهد على مستوى صورة القوة الأمريكية عالميًا. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لقوة عظمى ليس خسارة معركة مباشرة، بل اكتشاف خصومها أن تهديداتها لم تعد كافية لفرض الاستسلام السياسي الكامل.
ترامب دخل الحرب باعتبارها فرصة لاستعراض القوة.. ثم اكتشف أن الشرق الأوسط لم يعد كما كان.
الرئيس Donald Trump لم يدخل التصعيد ضد إيران باعتباره مجرد أزمة خارجية تقليدية. بالنسبة له، كانت المواجهة تحمل أبعادًا سياسية وشخصية وانتخابية في الوقت نفسه. ترامب أراد أن يظهر كرئيس قادر على استخدام القوة بصورة حاسمة دون أن يقع في فخ الحروب الطويلة التي استنزفت الإدارات الأمريكية السابقة. كان يريد معركة سريعة، حاسمة، تنتهي بإجبار إيران على التراجع، ثم يعود بعدها ليقدم نفسه للرأي العام الأمريكي باعتباره الرجل الذي أعاد الهيبة الأمريكية المفقودة.
لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا بصورة معقدة. فإيران لم تتصرف كدولة تخشى الانهيار السريع، بل كقوة إقليمية تعرف جيدًا حدود القوة الأمريكية وحدود قدرة واشنطن على الذهاب إلى حرب شاملة. ومع كل يوم يمر دون حسم، كانت الأزمة تتحول تدريجيًا من اختبار لقدرة إيران على الصمود إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة نفسها على فرض إرادتها السياسية والعسكرية.
وهنا بدأت معضلة ترامب الحقيقية. لأنه اكتشف أن الخيارات أمامه أضيق بكثير مما كان يتصور. فالحرب الشاملة تحمل مخاطر كارثية على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والقواعد الأمريكية في الخليج، بينما التراجع دون تحقيق إنجاز واضح سيبدو وكأنه اعتراف ضمني بالفشل. ولهذا بدأت الإدارة الأمريكية تتأرجح بين التصعيد الكلامي ومحاولات فتح قنوات تفاوض غير مباشرة، في مشهد يعكس حجم الارتباك داخل البيت الأبيض نفسه.
تقارير Politico وNBC News تحدثت بالفعل عن مخاوف داخل الإدارة الأمريكية من أن تتحول أي حرب طويلة ضد إيران إلى عبء سياسي وانتخابي ضخم على ترامب، خصوصًا في ظل تراجع الحماس الشعبي الأمريكي للحروب الخارجية بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان.
المفارقة هنا أن ترامب دخل الأزمة وهو يعتقد أن استخدام القوة سيعيد ترميم صورة الردع الأمريكي، لكنه بدأ يكتشف تدريجيًا أن الشرق الأوسط نفسه تغيّر، وأن الحروب التي كانت تُحسم سابقًا عبر التفوق الجوي والقصف المكثف لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
أخطر ما اكتشفته واشنطن: إيران لا تحتاج إلى “الانتصار” حتى تربح الحرب.
واحدة من أهم الحقائق التي بدأت تتكشف خلال الأزمة الحالية أن مفهوم “الانتصار” نفسه تغيّر في الحروب الحديثة. ففي السابق، كانت القوى العظمى تعتبر أن النصر يعني إسقاط الخصم أو تدمير قدراته أو إجباره على الاستسلام السياسي الكامل. لكن إيران لا تتعامل مع الحرب بهذه الطريقة أصلًا. فبالنسبة لطهران، مجرد الصمود ومنع الولايات المتحدة من فرض شروطها القصوى يمكن اعتباره إنجازًا استراتيجيًا ضخمًا.
هذه النقطة هي التي بدأت تربك واشنطن بصورة حقيقية. لأن الولايات المتحدة دخلت الحرب وهي تتوقع أن الضغط العسكري والاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى تراجع إيراني واضح، لكنها وجدت نفسها أمام خصم مستعد لتحمل التصعيد، وقادر على تهديد مصالح حيوية مرتبطة بالطاقة والملاحة والأمن الإقليمي، دون أن يضطر أصلًا إلى الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة مع الجيش الأمريكي.
ولهذا بدأت بعض الدوائر الأمريكية تتحدث عن أن الحرب تحولت تدريجيًا من مشروع لإخضاع إيران إلى اختبار لحدود الهيمنة الأمريكية نفسها. فكل يوم يمر دون حسم، وكل تراجع في سقف المطالب الأمريكية، وكل حديث عن اتفاقات مؤقتة بدلًا من الحلول النهائية، يرسخ انطباعًا خطيرًا داخل المنطقة: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالطريقة القديمة.
وهذه تحديدًا هي النقطة التي يخشاها صقور الحرب أكثر من أي شيء آخر. لأنهم يدركون أن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من هذه الأزمة ليس رفع العقوبات أو استمرار برنامجها النووي، بل اكتساب شرعية استراتيجية جديدة باعتبارها الدولة التي نجحت في الصمود أمام الضغط الأمريكي والإسرائيلي دون أن تُجبر على الانهيار أو الاستسلام.
