الحرب القادمة: ترامب يستعد لضرب إيران خلال أيام.. و"شمشون" يهدد بهدم المنطقة .
المشهد الافتتاحي: 60 يوماً من الجمود لم تكسر إرادة أحد .
لم تكن الستون يوماً التي أعقبت بداية الحرب مجرد فترة هدوء عابر في تاريخ المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران. على العكس تماماً، كانت هذه الفترة بمثابة غرفة عمليات صامتة، أعاد فيها كل طرف حساباته بدقة الموت، وأعد العدة لجولة جديدة تتسم بعنف لم تشهده المنطقة منذ حرب الخليج الأولى. فالعمليات العسكرية التي امتدت على مدار 39 يوماً في الموجة الأولى من الصراع أثبتت فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من الأهداف الخمسة الكبرى التي أعلنتها واشنطن صراحة.
هذه الأهداف التي بدت سهلة المنال على الورق، تحطمت على صخور الواقع الإيراني المعقد. كان الهدف الأول هو تدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، وهو ما لم يتحقق لأن قلب المفاعلات كان محمياً بطبقات من الخرسانة والجبال. أما الهدف الثاني فكان تدمير البرنامج الصاروخي، لكن إيران استطاعت الحفاظ على آلاف الصواريخ المنتشرة في مدن تحت الأرض. والهدف الثالث كان إسقاط النظام الإيراني نفسه، وهو ما أثبت أنه أوهام أكثر منه خطة حقيقية، فالنظام صمد بل وازداد قوة. الهدف الرابع تمثل في وقف دعم الوكلاء في المنطقة، لكن الحوثيين وحزب الله والميليشيات العراقية لم تتوقف عن عملياتها يوماً واحداً. وأخيراً الهدف الخامس بفتح مضيق هرمز بالقوة، بقي حلماً بعيد المنال. هذا الفشل المتعدد لم يدفع إدارة ترامب للتراجع، بل دفعها بالاتجاه المعاكس نحو إعداد استراتيجية أكثر عنفاً وخطورة.
استعدادات ترامب الأخيرة: لماذا العودة للحرب الآن؟
مع اقتراب نهاية فترة الستين يوماً التي منحها القادة العسكريون لأنفسهم لإعادة التجميع، بدأت تقارير استخباراتية تحذيرية تتحدث عن نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف الحرب خلال أيام قليلة جداً. ليست هذه المرة حرباً طويلة بالمعنى التقليدي، ولا حملة قصف عشوائي كما حدث قبل شهرين. الاستراتيجية الجديدة تقوم على ما وصفه مستشارو البيت الأبيض بـ "الضربات الجوية المحددة والقوية"، وهو تعبير دبلوماسي يخفي وراءه نية تدمير البنية التحتية الحيوية لإيران بشكل منهجي.
الفرق الجوهري هذه المرة أن الهدف الأساسي تحول من المنشآت النووية المحصنة إلى منشآت الطاقة ومصافي التكرير ومحطات توليد الكهرباء. بمعنى آخر، لم تعد أمريكا تحاول قتل البرنامج النووي فقط، بل تسعى لخنق الحياة اليومية للمواطن الإيراني، وإطفاء الأنوار في المدن الكبرى، وتجميد محطات الوقود، وشل حركة الاقتصاد من جذوره. هذا التحول في الاستراتيجية يحمل رسالة واضحة: لم نعد نهتم بتدمير قدراتكم العسكرية فقط، بل نريد أن نجعل الحياة في إيران مستحيلة.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الضربات قد تنطلق مع بداية الأسبوع المقبل، تحديداً يوم السبت أو الأحد، بعد أن تسلم ترامب قائمة الأهداف العسكرية المحدثة من القيادة المركزية الأمريكية. هذه القائمة تضم أكثر من 2000 هدف داخل العمق الإيراني، موزعة بين مصافي النفط ومحطات الغاز ومستودعات الوقود ومحطات الكهرباء الرئيسية. لم يعد هناك حديث عن ضربات جراحية دقيقة، بل عن تدمير هيكلي شامل.
الحصار البحري بين النظرية والتطبيق: إيران ترد بأربع أوراق .
على الجانب الآخر من المعادلة، يواصل الأسطول الخامس الأمريكي فرض حصار بحري مشدد على إيران، هدفه المعلن هو منع صادرات النفط ومنع وصول أي سفينة تجارية إلى الموانئ الإيرانية. في النظرية العسكرية الكلاسيكية، الحصار البحري هو أداة فعالة لخنق اقتصاد العدو وإجباره على الركوع. ترامب نفسه وصف هذا الحصار بأنه أكثر فاعلية من القصف المباشر. لكن إيران، كما أثبتت مراراً، لا تلتزم بقواعد اللعبة التقليدية.
فبدلاً من الاستسلام للضغوط، امتلك الحرس الثوري الإيراني أربع أوراق ضغط هائلة، حوّلت الحصار من سلاح أمريكي إلى قنبلة موقوتة تحت الاقتصاد العالمي بأسره. هذه الأوراق لم تظهر من فراغ، بل هي ثمرة سنوات طويلة من التخطيط للتعامل مع سيناريو الحصار بالضبط.
الورقة الأولى تكمن في قدرة إيران على إغلاق مضيق باب المندب كلياً. هذا المضيق الذي يفصل اليمن عن جيبوتي وأفريقيا، يمر عبره جزء ضخم من تجارة أوروبا وآسيا. لكن إيران لا تحتاج لتحريك أسطولها نحو هناك، فهي تمتلك حليفاً مثالياً يقوم بالمهمة نيابة عنها: الحوثيون في اليمن. هؤلاء الحوثيون، الذين زودتهم إيران بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة متطورة، يستطيعون إغراق المضيق بالصواريخ والزوارق المفخخة خلال ساعات. بمجرد إغلاق باب المندب، ستضطر السفن المتجهة إلى قناة السويس للإبحار حول رأس الرجاء الصالح، مما سيرفع تكاليف الشحن بنسب خيالية ويدفع أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ150 دولاراً للبرميل الواحد، وقد تصل إلى مستويات أسوأ في حال تزامن ذلك مع إجراءات أخرى.
الورقة الثانية هي الأخطر بيئياً ولكنها الأكثر فعالية كسلاح ردع: التسريب النفطي المتعمد. تخيل معي سيناريو مرعباً: أن تقوم إيران بإغراق مياه الخليج وبحر العرب بملايين البراميل النفطية عمداً. ليس عن طريق حادث، بل عن طريق تفريغ خزانات ناقلاتها الضخمة في المياه المفتوحة. المعدل قد يصل إلى حوالي 3 ملايين برميل يومياً يتم إلقاؤها عمداً في البحر. النتيجة ستكون كارثة بيئية لا مثيل لها، تقضي على الثروة السمكية والشعاب المرجانية في الخليج لمدة قد تمتد لسنوات طويلة. البقع النفطية ستنتشر بسرعة، وتغلق الموانئ، وتجعل الملاحة مستحيلة، وتحول الخليج إلى بحيرة مسمومة. حتى لو انتهت الحرب، فإن التنظيف سيستغرق شهوراً وربما سنوات بتكاليف تقدر بعشرات المليارات.
الورقة الثالثة هي تلغيم مضيق هرمز، وهي ربما الأكثر خطورة والأصعب في المعالجة. تمتلك إيران ترسانة بحرية تحتوي على ما يقرب من 6000 لغم بحري من مختلف الأنواع والأحجام. بعضها ألغام تقليدية، وبعضها ألغام ذكية يمكنها التمييز بين السفن الحربية والتجارية. الآن، تخيل لو قررت إيران زرع مئات أو آلاف الألغام في مياه مضيق هرمز الضيقة. مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق كان قد صرح سابقاً أن إزالة ما بين 20 إلى 60 لغماً فقط من المضيق قد تستغرق حوالي 6 أشهر من العمل المتواصل. فكيف الحال مع آلاف الألغام؟ النتيجة الحتمية هي إغلاق المضيق لسنوات، وليس لأشهر. حركة الملاحة ستتوقف بالكامل، وسيصبح عبور الناقلات محفوفاً بالموت المحقق.
الورقة الرابعة، والأكثر مباشرة، هي الاستعداد لاستهداف البحرية الأمريكية بشكل استباقي. إيران لم تعد تهدد فقط، بل هددت صراحة باستهداف السفن الحربية الأمريكية في خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي. وكيف ستفعل ذلك؟ باستخدام الصواريخ الساحلية الثابتة والمتحركة التي تنتشر على طول ساحلها الجنوبي، وباستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية التي أثبتت كفاءتها في هجمات سابقة. لكن الجديد والمقلق حقاً، حسب المعلومات المتاحة، هو أن إيران بدأت فعلياً في تسليح ناقلات النفط التابعة لها بطائرات مسيرة ومدافع مضادة للطائرات ومقذوفات جوية. هذه الناقلات لم تعد مجرد سفن شحن، بل أصبحت أسلحة عائمة.
فخ المروحيات: كارثة في انتظار البحرية الأمريكية .
لفهم عمق المأزق الذي قد تجد البحرية الأمريكية نفسها فيه، يجب أن نتخيل السيناريو الميداني بدقة. تقوم القوات الأمريكية بعمليات تفتيش روتينية للسفن المشتبه بانتهاكها الحصار البحري. المروحيات العسكرية، التي تحمل على متنها قوات المارينز المدربة على عمليات الإنزال السريع، تقترب من الناقلة بعد إطلاق إنذارات تحذيرية. في الظروف العادية، كان هذا يعني إنزال الجنود وتفتيش السفينة خلال دقائق. لكن ماذا سيحدث عندما تكون هذه الناقلة مسلحة بطائرات مسيرة ومدافع مضادة للطائرات؟
عندها، ستجد قائد المروحية العسكرية نفسه أمام ثلاثة خيارات، وكلها مؤلمة. الخيار الأول هو التراجع والانسحاب فوراً لتجنب تعرض المروحية لإطلاق نار مباشر، لكن هذا يعني عملياً فشل التفتيش ومرور السفينة دون عواقب، أي انهيار الحصار نفسه. الخيار الثاني هو الاشتباك وتدمير الناقلة قبل أن تطلق النار، لكن تدمير ناقلة نفط ضخمة تعني كارثة بيئية فورية، حيث ستتسرب ملايين البراميل إلى البحر، مما يقتل كل أشكال الحياة البحرية في المنطقة ويغلق الممر الملاحي لشهور قادمة.
الخيار الثالث، وهو الأسوأ على الإطلاق، أن تبادل المروحية والسفينة إطلاق النار فتسقط المروحية ويُقتل الجنود الأمريكيون الذين على متنها، ومعهم يموت كل من في مكان الحادث، ثم تنفجر الناقلة وتغرق محدثة الكارثة البيئية ذاتها. في جميع الأحوال، البحرية الأمريكية هي الخاسر الأكبر. إما أن تنهار هيبتها بانسحابها، أو أن تتحمل خسائر بشرية ومادية وإعلامية فادحة. هذا هو فخ ناقلات النفط المسلحة الذي أعدته إيران بعناية فائقة.
الغزو البري: السيناريو الأكثر جنوناً والأكثر جدية .
ربما كان أكثر ما أثار الدهشة في التحليلات العسكرية الأخيرة هو الحديث الجاد عن إمكانية قيام الولايات المتحدة بعملية إنزال بري داخل الأراضي الإيرانية. في البداية، بدا هذا السيناريو كحلقة من فيلم أكشن هندي، بعيداً عن الواقع السياسي والعسكري. لكن مع تتابع التقارير والتصريحات، بدأت ملامح الخطة تتشكل بشكل مقلق.
ما الهدف من عملية الإنزال البري هذه؟ وفقاً للمعلومات المتاحة، الهدف هو السيطرة على مواقع تخزين اليورانيوم المخصب في إيران، وتحديداً في مناطق جبلية وعرة مثل جبل أصفهان وجبل الفاس. هذه المناطق تحتوي على مخزون إيران الاستراتيجي من اليورانيوم المخصب، الذي تقدر كميته بحوالي 11 طناً إجمالاً. هذا الرقم الضخم يتوزع بين حوالي 450 كيلوغراماً بنسبة تخصيب 60%، وهو ما يعتبر قريباً خطيراً من نسبة 90% اللازمة لصنع سلاح نووي، وما تبقى وهو حوالي 10 أطنان ونصف بنسب تخصيب تتراوح بين 7% و30%.
الخطة، كما تصورها المحللون الاستراتيجيون، تقوم على فكرة أن القوات الخاصة الأمريكية من نوع المارينز والسيل تيم والدلتا فورس، ستنفذ إنزالاً جويياً أو بحرياً في قلب الأراضي الإيرانية. الهدف ليس احتلال المدن أو قتال الجيش الإيراني النظامي، بل عملية سريعة ومحددة للسيطرة على هذه المواقع الجبلية، ثم تفكيك مخزونات اليورانيوم المخصب واستخراجها وتهريبها إلى خارج إيران خلال ساعات قليلة.
أما الجزء الأكثر غرابة في هذه الخطة فهو استخدام صفائح الألمنيوم لإنشاء مطارات مؤقتة على الأراضي الإيرانية. كيف سيعمل هذا؟ بعد السيطرة على المنطقة، سيقوم المهندسون العسكريون بنشر صفائح ألمنيوم سميكة ومتينة على الأرض لتشكيل مدرج مؤقت وقابل للتحمل. هذا المدرج سيسمح لطائرات النقل العسكري الضخمة مثل طائرات الهركليز C-130 بالهبوط على أرض غير مهيأة أصلاً للمطارات. وبمجرد هبوط هذه الطائرات، سيتم تحميل اليورانيوم المخصب والخبراء والمعدات والمواد المستولى عليها، ثم تقلع الطائرات متجهة إلى خارج المنطقة، وتحديداً إلى قواعد أمريكية في مكان ما.
هذا السيناريو، رغم جرأته الشديدة ومشاكله اللوجستية الهائلة، تم التداول به بجدية في أرواق البنتاغون، ويبدو أن الرئيس ترامب نفسه أبدى اهتماماً به كحل سريع لإنهاء الملف النووي الإيراني نهائياً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ماذا سيحدث بعد نجاح هذه العملية؟
حتى لو نجح "الفيلم الهندي".. الحرب لن تنتهي .
لنفترض جدلاً أن القوات الأمريكية تمكنت من تنفيذ هذه العملية المذهلة، ونزلت إلى أعماق إيران، وسيطرت على مخازن اليورانيوم، وتمكنت من تهريب 11 طناً من اليورانيوم إلى خارج البلاد. هل يعني هذا نهاية الحرب ونصراً أمريكياً ساحقاً؟ الإجابة المحزنة هي لا، بل العكس تماماً.
إيران، حتى بعد فقدان هذا الكم الهائل من اليورانيوم، لا تزال تمتلك قدرة تخصيب متقدمة جداً في منشآت أخرى. هي تستطيع، خلال أيام، تسريع عملية تخصيب ما تبقى لديها من مواد نووية بنسب أقل، والوصول بها إلى نسبة 90% المطلوبة للسلاح النووي. علاوة على ذلك، إيران تمتلك القدرة على بناء أجهزة طرد مركزي جديدة بسرعة، وتعويض الخسائر خلال أشهر قليلة. العملية العسكرية، حتى في أنجح سيناريوهاتها، لن تؤدي إلا لكسب الوقت، وليس لإنهاء التهديد بشكل دائم.
بل الأسوأ من ذلك، أن عملية الإنزال البري والاستيلاء على اليورانيوم ستعتبرها إيران إعلان حرب وجودي، وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء. وعندها، لن يكون أمام الحرس الثوري خيار سوى تفعيل ما يسمى بـ "خيار شمشون" فوراً.
خيار شمشون: العقيدة التي تذيب النوم في عيون البنتاغون .
هنا نصل إلى أخطر عنصر في المعادلة برمتها. "خيار شمشون" هو مصطلح استعاره المحللون العسكريون من التوراة، من قصة شمشون الجبار الذي هدم المعبد على رؤوس أعدائه وهو بداخله معهم، مفضلاً الموت معاً على الهزيمة وحيداً. هذا هو بالضبط ما قد تفعله إيران إذا شعرت بأن وجودها مهدد بالزوال.
العقيدة العسكرية الإيرانية، كما يراها المحللون الغربيون، لم تعد تقوم على فكرة الدفاع عن الدولة فقط، بل أصبحت تقوم على فكرة الدفاع عن الثورة والأيديولوجيا والعقيدة الدينية المتطرفة. الحرس الثوري الإيراني لا يرى نفسه كجيش وطني تقليدي يهتم بالاقتصاد أو بمستوى معيشة الشعب. هو يرى نفسه كحراسة ثورة إسلامية عالمية، كمقدسين يقاتلون تحت راية المهدي المنتظر. هذا الفارق الجوهري هو ما يجعله غير قابل للردع بالطرق التقليدية.
في حالة تفعيل خيار شمشون، ماذا سيحدث تحديداً؟ الإجابة مرعبة. أولاً، سيفتح الحرس الثوري كل الجبهات في وقت واحد. حزب الله في لبنان سيطلق آلاف الصواريخ على إسرائيل من الشمال. الحوثيون في اليمن سيستهدفون العمق السعودي والإماراتي بمزيد من الصواريخ والمسيرات. الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا ستهاجم القواعد الأمريكية هناك بكل ما تملك. والجميع سيتحرك بتنسيق مركزي من غرفة عمليات واحدة في طهران.
ثانياً، ستقوم إيران باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج بشكل منهجي ومباشر. لن تكون هذه ضربات عشوائية، بل هجمات مركزة على الآبار ومصافي التكرير ومحطات الغاز. الهدف واضح: إخراج حقول النفط الخليجية من الخدمة. ووفقاً للتقديرات، تدمير هذه المنشآت قد يخرجها عن الخدمة لمدة تتراوح بين 4 إلى 7 سنوات كاملة، لأن إصلاح التدمير الهيكلي الذي تسببه الصواريخ الباليستية يستغرق وقتاً طويلاً جداً.
والنتيجة النهائية لتفعيل خيار شمشون هي كارثة طاقة عالمية لا مثيل لها. إيران ودول الخليج معاً يصدّرون حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية. إذا توقفت هذه الإمدادات فجأة، سيقفز سعر البرميل من مستوياته الطبيعية إلى ما يتجاوز 200 دولار بكل سهولة. في تلك اللحظة، سيشهد العالم حالة من الركود التضخمي المدمر، حيث ترتفع الأسعار وتتوقف المصانع وتضرب البطالة كل الدول المستوردة للنفط. هذا هو بالضبط ما تعنيه إيران بـ "هدم المعبد على الجميع".
إسرائيل وبنك الأهداف: شريك في التصعيد .
في هذا السياق المتوتر، لا تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي. على العكس تماماً، هي التي تدفع واشنطن بقوة نحو خيار التصعيد العسكري الشامل. إسرائيل، التي تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً من الدرجة الأولى، أعلنت رسمياً عن "بنك أهدافها" الخاص للحرب مع إيران.
وبحسب ما تم كشفه، فإن أهم هذه الأهداف هي منشآت الطاقة الإيرانية. اختيار منشآت الطاقة ليس عشوائياً، بل مدروس بدقة. هذه المنشآت أقل تحصيناً من المنشآت النووية المحفورة في أعماق الجبال، وتدميرها سيحدث شللاً فورياً وكاملاً للحياة الاقتصادية واليومية في إيران. مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء ومستودعات الوقود هي الأهداف الأكثر إغراءً للطيران الإسرائيلي، لأن ضربها يعني إطفاء الأنوار في المدن الإيرانية الكبرى، وتعطيل حركة المواصلات، وشل المصانع، وخلق حالة من الفوضى العارمة.
لكن إسرائيل تعلم جيداً أن أي ضربة من هذا القبيل ستقابل برد إيراني ساحق، ربما عبر حزب الله أولاً. لذلك، فإن بنك الأهداف الإسرائيلي يتضمن أيضاً استعدادات للرد على أي هجوم إيراني على المنطقة. إسرائيل تراقب عن كثب قدرات الحرس الثوري وتستعد لسيناريو الحرب الشاملة.
المدن تحت الأرض: لماذا لا تستطيع الضربات الجوية تحييد إيران؟
أحد الدروس القاسية التي تعلمتها أمريكا من حربها مع إيران هو أن الضربات الجوية، مهما كانت كثيفة وقوية، لا تستطيع تدمير القدرات العسكرية للحرس الثوري بشكل كامل. والسبب في ذلك هو شبكة "المدن تحت الأرض" التي بناها الحرس الثوري بعناية فائقة على مدى سنوات طويلة.
هذه المدن ليست مجرد أنفاق بسيطة أو مخابئ صغيرة. هي مدن عسكرية كاملة محفورة في قلوب الجبال، يصل عمق بعضها إلى مئات الأمتار تحت سطح الأرض. تحتوي هذه المدن على مراكز قيادة وتنسيق متطورة، ومنصات إطلاق صواريخ يمكنها الاصطفاف والانطلاق خلال ثوان، ومصانع لتصنيع وتجميع الطائرات المسيرة، ومخازن ضخمة للصواريخ الباليستية والمسيرات والصواريخ البحرية. كل شيء محمي بطبقات من الخرسانة المسلحة والصخور الطبيعية.
بسبب هذه المدن المحصنة، تمكن الحرس الثوري من الحفاظ على الجزء الأكبر من ترسانته الصاروخية سليمة خلال 39 يوماً من القصف المتواصل. صحيح أن بعض المواقع السطحية دُمرت، لكن القدرة النيرانية الأساسية بقيت سليمة وجاهزة للاستخدام. حتى لو استأنفت أمريكا الضربات الجوية الآن، فلن تتمكن من القضاء على هذه المدن المحصنة إلا بقنابل خاصة تخترق التحصينات، وهذه القنابل قليلة العدد ومكلفة جداً، ولن تكفي لتدمير شبكة كاملة من المدن تحت الأرض.
لذا، فإن أي حديث عن تحييد القدرات العسكرية الإيرانية عبر الضربات الجوية هو وهم خطير. ما لم تقم أمريكا بعملية إنزال بري شامل لتفجير مداخل هذه المدن من الداخل، وهو سيناريو مستبعد جداً لكلفته البشرية والسياسية الهائلة.
![]() |
| الحرس الثوري الإيراني ليس مجرد مؤسسة عسكرية تابعة للدولة. هو دولة موازية كاملة داخل الدولة الإيرانية. |
لماذا لا يخاف الحرس الثوري من الفقر والحصار؟
هذا هو السؤال المحوري الذي يفشل صناع القرار في واشنطن في الإجابة عليه باستمرار. لماذا لا تجدي العقوبات والحصار مع إيران كما أجدت مع دول أخرى؟ الجواب يكمن في الطبيعة الفريدة للنظام الإيراني، أو بالأحرى في طبيعة الحرس الثوري الذي يمسك بزمام الأمور الفعلية.
الحرس الثوري الإيراني ليس مجرد مؤسسة عسكرية تابعة للدولة. هو دولة موازية كاملة داخل الدولة الإيرانية. يمتلك الحرس شركات ضخمة في قطاعات المقاولات والطاقة والاتصالات والتجارة الخارجية. هذه الشركات تدر عليه مليارات الدولارات سنوياً، ولا تمر هذه الأموال بخزينة الدولة الرسمية. كما أن للحرس علاقات تجارية ومالية واسعة مع دول الجوار عبر الحدود المفتوحة مع 8 دول، مما يجعله قادراً على تهريب البضائع والنفط والمواد الأولية والمال بسهولة.
أما العامل الأهم فهو العامل العقائدي. الحرس الثوري لا يقاتل من أجل المال أو السلطة. أفراده يؤمنون إيماناً عميقاً بأنهم جند المهدي المنتظر، وأن مهمتهم مقدسة. إنهم يعتقدون أن العقوبات الاقتصادية وانهيار العملة ومعاناة الشعب هي مجرد اختبارات إلهية، أو ضريبة يجب دفعها في طريق النصر. الحرس الثوري لا يهتم بالتقارير الاقتصادية، ولا بتضخم الأسعار، ولا بانخفاض قيمة الريال. هو يهتم فقط بقدرته على إطلاق الصواريخ وتوجيه المسيرات نحو أعدائه.
هذا التجاهل التام للضغوط الاقتصادية هو ما يجعل الحصار البحري عديم الجدوى مع إيران. فأنت تحاصر دولة، لكنك تواجه كياناً عقائدياً لا تعنيه حدود الدولة ولا اقتصادها ولا شعبها بالمعنى التقليدي. أنت تتعامل مع خصم يرى في الموت شهادة وفي الفقر جهاداً وفي النصر وعداً إلهياً. هذا النوع من الخصوم لا يُردع بالعقوبات، بل يزداد صلابة وتطرفاً كلما زاد الضغط عليه.
دور روسيا وبوتين: كشف الخطط أم إحراق الأوراق؟
في خضم هذه الأجواء المشحونة، ظهر فجأة دور روسي لافت وغير متوقع. الرئيس فلاديمير بوتين، الذي تربطه علاقة معقدة مع كل من واشنطن وطهران، قام باستخدام اتصالاته المباشرة مع ترامب للتحذير من المخاطر. في اتصال هاتفي، حذّر بوتين ترامب علناً من خطورة شن أي عملية إنزال بري على الأراضي الإيرانية.
لكن قراءة هذا التحذير لا ينبغي أن تكون سطحية. فكثير من المحللين يرون أن بوتين لم يقدم هذه النصيحة بدافع الصداقة أو الحرص على السلام، بل بدافع ذكي وميكافيللي بحت. بإعلان هذا التحذير للعلن (أو بالتسريب منه لوسائل الإعلام)، يكون بوتين قد حقق هدفين في وقت واحد.
الهدف الأول هو إحراق الخطة الأمريكية إعلامياً. عندما يعلم العالم كله أن أمريكا كانت تخطط لإنزال بري في إيران لسرقة اليورانيوم المخصب، فإن أي محاولة لتنفيذ هذه الخطة لاحقاً ستصبح مكشوفة ومتوقعة، مما يفقدها عنصر المفاجأة الضروري للنجاح. بوتين بهذه الخطوة يكون قد فضح النوايا الأمريكية مسبقاً، وجعل من المستحيل على واشنطن التحرك دون أن تكون طهران مستعدة.
الهدف الثاني هو إيصال رسالة تحذير مباشرة إلى إيران. من خلال هذا الإعلان، يقول بوتين لإيران بطريقة غير مباشرة: "استعدوا، أمريكا تخطط لضربكم بقوة وبطريقة لم تتوقعوها". هذا يعطي إيران فرصة ثمينة لتعزيز دفاعاتها حول مواقع اليورانيوم المخصب، ونشر المزيد من القوات، وتفعيل خطط الطوارئ. بوتين بذلك لا يساعد إيران فقط، بل يضمن بقاء الصراع مشتعلاً لفترة أطول، مما يضعف أمريكا ويُبعد تركيزها عن أوكرانيا ومناطق النفوذ الروسية الأخرى.
دول الخليج بين المطرقة والسندان .
في كل هذه السيناريوهات المرعبة، تبقى دول الخليج العربية هي الضحية الأكبر، حتى لو بقيت على الحياد ولم تشارك في القتال. لماذا؟ لأن الجغرافيا لا ترحم. إيران جارة قريبة، وصواريخها قادرة على الوصول إلى أي نقطة في الخليج خلال دقائق. وإذا تحدثنا عن خيار شمشون، فإن استهداف منشآت الطاقة الخليجية هو أولوية قصوى.
تخيل معي ما يعنيه تدمير حقول النفط في السعودية والإمارات والكويت وقطر. هذه الحقول تنتج ملايين البراميل يومياً. خروجها عن الخدمة ولو لجزء من هذا الوقت يعني انهياراً اقتصادياً لدول الخليج نفسها. الإمارات التي بنت اقتصادها على السياحة والتجارة والخدمات اللوجستية ستجد نفسها أمام إغلاق جوي كامل، حيث ستتوقف الرحلات الجوية بسبب الخوف من إسقاط الطائرات المدنية. السياح سيغادرون، والمقيمين سيهربون، والاستثمارات ستتجمد. الاقتصاد الخليجي بأكمله، الذي يعتمد على حركة النقل والطاقة، سينهار كبناء من ورق.
دول الخليج اليوم تجد نفسها في موقف بالغ الصعوبة. هي لا تريد حرباً مع إيران، ولا تريد أن تكون ساحة لصراع أمريكي إيراني. لكنها في نفس الوقت لا تستطيع منع أمريكا من استخدام قواعدها العسكرية على أراضيها، ولا تستطيع حماية بنيتها التحتية من الصواريخ الإيرانية. دول الخليج أصبحت رهينة للصراع الأكبر، ومعظم سيناريوهات الحرب القادمة تنبئ بكارثة خليجية بامتياز.
السيناريو الأكثر ترجيحاً: ماذا يحدث خلال الأيام القادمة؟
بعد كل هذا التحليل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا سيحدث فعلياً خلال الأيام القليلة القادمة؟ ما هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل كل هذه العوامل المتشابكة؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً، بحسب معظم التحليلات، هو أن يشهد العالم خلال أيام (وربما خلال ساعات) سيناريو "الضربة المحدودة القوية" التي يتحدث عنها ترامب. هذا السيناريو يقوم على توجيه ضربة جوية مركزة وشاملة لمنشآت الطاقة الإيرانية ومصافي النفط ومحطات الغاز. الهدف من هذه الضربة ليس تدمير إيران بالكامل، بل توجيه رسالة بأعلى صوت ممكن: "إما أن تتفاوضوا بشروطنا، أو سنقوم بتكرير هذه الضربات بشكل أسبوعي حتى تنهار اقتصادياً."
بعد هذه الضربة مباشرة، من المتوقع أن تعلن واشنطن عن هدنة قصيرة تمتد لنحو 48 ساعة، تمنح خلالها إيران فرصة للجلوس إلى طاولة المفاوضات. في هذه الهدنة، ستُظهر أمريكا استعدادها لوقف الضربات إذا وافقت إيران على تفكيك برنامجها النووي بشكل كامل وقابل للتفتيش. لكن إيران، بطبيعتها وعقيدتها، من المستبعد جداً أن تقبل بمثل هذه الشروط المهينة.
وعندها، بعد انتهاء الهدنة، سندخل إلى المرحلة الثانية من التصعيد. هنا تكمن المفاجأة. في هذه المرحلة، لن تقوم أمريكا بالضرورة بمواصلة الضربات الجوية فقط، بل قد تفاجئ إيران بفتح جبهة بحرية غير متوقعة، أو بمحاولة تنفيذ عمليات خاصة محدودة على السواحل. لكن الأكثر ترجيحاً هو أن تكون المبادرة هذه المرة من الجانب الإيراني، حيث ستقوم إيران بتفعيل بعض أوراق ضغطها، وخصوصاً تلغيم مضيق هرمز أو إغلاق مضيق باب المندب عبر الحوثيين.
بمجرد أن تقدم إيران على هذه الخطوة، ستتحول الأزمة من مواجهة أمريكية إيرانية إلى أزمة عالمية شاملة. أسعار النفط سترتفع بشكل جنوني، البورصات العالمية ستنهار، والاقتصادات الكبرى ستدخل في حالة طوارئ. هنا، سيكون الضغط هائلاً على واشنطن لوقف التصعيد قبل فوات الأوان. لكن العودة إلى الوراء ستكون مستحيلة، لأن كلاً من أمريكا وإيران ستكونان قد استثمرتا الكثير في المواجهة.
الخلاصة المرعبة هي أن المنطقة والعالم باتوا على حافة الهاوية. خلال أيام قليلة، قد نستيقظ على واقع جديد تماماً، واقع تشتعل فيه نيران الحرب من الخليج إلى المتوسط، ويعاني فيه العالم من أزمة طاقة غير مسبوقة منذ حرب أكتوبر 1973. في هذا السيناريو الكئيب، سيكون الجميع خاسرين، أمريكا وإيران وإسرائيل ودول الخليج والعالم أجمع. الجميع سيدفع فاتورة باهظة، لكن من سيدفع الأكثر سيكون دائماً المواطن البسيط الذي لا ذنب له في صراعات الكبار.
ترقبوا الأيام القادمة،
إقرأ أيضا :
أزمة كهرباء مصر تكشف المستور: لماذا بنى السيسي قطاراً كهربائياً بينما تعاني هولندا من الاستحمام؟

