لماذا تُرعب القاهرة تل أبيب؟
قراءة في مخاوف إسرائيل من تعاظم القوة العسكرية المصرية وردّ الدولة المصرية على محاولات الوصاية الاستراتيجية.
قلق إسرائيلي متصاعد من تعاظم القوة العسكرية المصرية، تصريحات نتنياهو المثيرة، وسيناء في قلب الحسابات الأمنية. تحليل سياسي عميق يكشف لماذا ترى تل أبيب في الجيش المصري تهديدًا كامنًا، وكيف ترد القاهرة بهدوء القوة وكسر الوصاية الاستراتيجية، ودور الولايات المتحدة في إدارة هذا القلق الإقليمي.
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي، لم تكن مصر يومًا مجرد دولة جوار في العقل الأمني لتل أبيب، بل كانت دائمًا “الدولة المركز” التي يُقاس بها ميزان القوى في الإقليم. تغيرت الأنظمة، ووقّعت اتفاقيات، وتبدلت الخرائط، لكن حقيقة واحدة ظلّت ثابتة في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي: أي جيش مصري قوي، منظم، متطور، هو تهديد كامن، حتى في زمن السلام. ومن هنا، لا يمكن قراءة القلق الإسرائيلي المتصاعد من تعاظم القدرات العسكرية المصرية باعتباره رد فعل عابرًا أو دعاية داخلية، بل يجب فهمه في سياقه التاريخي، والعسكري، والسياسي، والإقليمي الأوسع.
في هذا الإطار يأتي النقاش الذي تناولته نشرة “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية، والتي استضافت اللواء الدكتور سمير فرج من القاهرة، والدكتور مشيه العاد من حيفا، ليكشف – دون أن يقصد – عمق الفجوة بين الرؤية المصرية لجيشها باعتباره أداة سيادة وردع وحماية، وبين الرؤية الإسرائيلية التي ترى في أي قوة عربية متماسكة خطرًا وجوديًا محتملًا، حتى لو لم يكن مطروحًا في لحظة سياسية راهنة.
الجيش المصري في العقيدة الإسرائيلية: هاجس تاريخي لا يشيخ
لفهم سبب تحوّل أي تطور في قدرات الجيش المصري إلى مصدر قلق إسرائيلي دائم، يجب العودة إلى جذور العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها، والتي تأسست على فرضية أساسية مفادها أن إسرائيل كيان صغير المساحة، محدود العمق الاستراتيجي، لا يحتمل حرب استنزاف طويلة ولا مواجهة تقليدية واسعة مع دولة بحجم مصر من حيث السكان والقدرات والبنية العسكرية. هذه العقيدة، التي صاغ ملامحها بن غوريون وموشيه ديان، جعلت من “التفوق النوعي” شرطًا وجوديًا، وليس مجرد ميزة عسكرية.
من هذا المنظور، لم يكن السلام مع مصر عام 1979 نهاية للخوف الإسرائيلي من الجيش المصري، بل إعادة تنظيم لهذا الخوف في قالب جديد. فالاتفاقية قيدت انتشار القوات المصرية في سيناء، لكنها لم تُلغِ قدرة مصر على بناء جيش حديث، متنوع التسليح، قادر على التحرك السريع إذا تغيّرت المعادلات. ولهذا ظلّ الجيش المصري حاضرًا في تقارير مراكز الأبحاث الإسرائيلية بوصفه “الجيش العربي الوحيد القادر نظريًا على خوض حرب تقليدية واسعة”.
لماذا يتصاعد القلق الآن؟
القلق الإسرائيلي الحالي لا ينبع من خطوة واحدة بعينها، بل من مسار متكامل انتهجته الدولة المصرية خلال العقد الأخير، يقوم على إعادة بناء شاملة للقوة العسكرية، ليس فقط عبر تحديث السلاح، بل عبر تنويع مصادره، وتطوير العقيدة القتالية، ورفع الكفاءة البشرية، وتعظيم القدرة على العمل المشترك بين الأفرع الرئيسية.
إسرائيل تراقب بقلق صفقات التسليح المصرية المتنوعة مع فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، والتي كسرت عمليًا احتكار السلاح الأمريكي، وقلّصت هامش الضغط السياسي الخارجي. كما تتابع المناورات العسكرية المصرية الكبرى، مثل “قادر” و”حسم” و”درع العرب”، والتي لا تُقرأ في تل أبيب باعتبارها تدريبات روتينية، بل باعتبارها رسائل ردع إقليمية مدروسة.
تقرير لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أشار بوضوح إلى أن تنوع التسليح المصري يمنح القاهرة هامش استقلال استراتيجي مقلق لإسرائيل، لأنه يقلل من قدرة أي طرف خارجي على تعطيل جاهزية الجيش المصري وقت الأزمات .
الرد المصري: جيش وطني لا يعتذر عن قوته
في مقابل هذا القلق الإسرائيلي، يأتي الرد المصري هادئًا، محسوبًا، لكنه حاسم. فالقاهرة لا تتعامل مع تطوير جيشها باعتباره رسالة تهديد لأحد، بل باعتباره حقًا سياديًا أصيلًا، تفرضه طبيعة التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها الدولة المصرية، من الإرهاب العابر للحدود، إلى حماية الممرات الملاحية، إلى تأمين الحدود الغربية والجنوبية، وصولًا إلى الحفاظ على توازن ردع إقليمي يحمي القرار السياسي المصري من الابتزاز.
اللواء سمير فرج، في مداخلاته المتكررة، يؤكد أن الجيش المصري جيش دفاعي، عقيدته لم تتغير، لكنه في الوقت نفسه جيش لا يقبل أن يكون ضعيفًا أو تابعًا أو مكشوف الظهر. هذا المنطق يتسق مع رؤية الدولة المصرية التي ترى أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الضعف، بل على توازن القوة، وأن التاريخ القريب والبعيد في المنطقة يثبت أن الدول الضعيفة وحدها هي التي تُفرض عليها الإملاءات.
قراءة في مخاوف إسرائيل من تعاظم القوة العسكرية المصرية |
سيناء: قلب القلق الإسرائيلي المستتر
أحد أكثر الملفات حساسية في هذا النقاش هو ملف سيناء. فإسرائيل تراقب عن كثب أي تعزيزات عسكرية مصرية هناك، رغم أنها تأتي – في معظمها – في إطار الحرب على الإرهاب وبالتنسيق المنصوص عليه في اتفاقية السلام. غير أن العقل الإسرائيلي لا يفصل بين المؤقت والدائم بسهولة، ويخشى من أن تتحول الاستثناءات الأمنية إلى واقع استراتيجي جديد يغيّر ميزان القوة شرق قناة السويس.
تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن “قلق من تآكل القيود العسكرية المفروضة على مصر في سيناء”، رغم أن هذه القيود عُدّلت أكثر من مرة بموافقة إسرائيل نفسها في إطار مواجهة التنظيمات المسلحة، وهو تناقض يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست في النصوص، بل في فكرة وجود جيش مصري قوي على تخوم فلسطين المحتلة .
الولايات المتحدة: الحليف المربك بين الطرفين
لا يمكن فصل القلق الإسرائيلي عن الدور الأمريكي. فواشنطن، التي ترى في مصر شريكًا استراتيجيًا محوريًا، تجد نفسها أحيانًا في موقع الوسيط غير المعلن بين القاهرة وتل أبيب. ورغم عدم وجود دلائل رسمية على طلب أمريكي بتقليص القدرات العسكرية المصرية، فإن النقاشات داخل مراكز التفكير الأمريكية تعكس قلقًا إسرائيليًا يتم تمريره أحيانًا عبر قنوات غير مباشرة.
ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أن استقرار مصر وقوة جيشها عنصران أساسيان في استقرار الإقليم، وهو ما يجعل أي محاولة للضغط الصريح على القاهرة في هذا الملف مخاطرة استراتيجية لا ترغب واشنطن في خوضها، خاصة في ظل اضطرابات إقليمية متصاعدة.
إسرائيل ومعضلة التفوق النوعي
إسرائيل التي اعتادت لعقود أن تكون القوة العسكرية المتفوقة بلا منازع في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا. فمصر لا تسعى إلى سباق تسلح عبثي، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تقبل بمعادلة التفوق الإسرائيلي غير القابل للنقاش. هذا التحول يربك صانع القرار الإسرائيلي، لأنه يفرض عليه إعادة حسابات الردع، ويقيد هامش الحركة العسكرية، ويجعل أي مغامرة إقليمية أكثر كلفة.
دراسات صادرة عن مراكز أبحاث إسرائيلية، مثل معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، تشير إلى أن تعاظم القدرات المصرية يفرض على إسرائيل التركيز بشكل أكبر على الجبهة الشمالية، وتجنب فتح جبهات توتر غير ضرورية مع القاهرة .
خاتمة: القوة المصرية كشرط للسلام لا نقيض له
في النهاية، فإن القلق الإسرائيلي من تعاظم القوة العسكرية المصرية ليس دليلًا على عدوانية مصر، بل شهادة غير مباشرة على نجاح الدولة المصرية في استعادة جزء معتبر من قدرتها الشاملة. فالدول لا تُحترم بنواياها المعلنة وحدها، بل بما تملكه من أدوات قوة تحمي هذه النوايا من العبث.
مصر التي تبني جيشًا قويًا لا تسعى إلى الحرب، لكنها ترفض أن يكون السلام غطاءً للضعف أو مدخلًا للوصاية. ومن هنا، فإن كل صرخة قلق في تل أبيب، وكل مقال تحذيري في الصحافة الإسرائيلية، هو في جوهره اعتراف بأن القاهرة عادت لاعبًا مركزيًا لا يمكن تجاهله، وأن الجيش المصري، كما كان دائمًا، يظل حجر الزاوية في معادلة الأمن القومي العربي.
عندما تقلق إسرائيل… فاعلم أن ميزان القوة يتحرك
القلق الإسرائيلي من تعاظم القوة العسكرية المصرية لا يمكن فصله عن تحولات أعمق في البيئة الإقليمية. فإسرائيل، التي اعتادت أن تكون الطرف الوحيد القادر على فرض معادلات الردع بالقوة الصلبة، تجد نفسها اليوم أمام دولة مركزية كبرى، أعادت بناء مؤسساتها العسكرية، ووسّعت خياراتها الاستراتيجية، ولم تعد رهينة لإرادة طرف واحد في تسليحها أو تدريب قواتها. هذا التحول لا يُقرأ في تل أبيب بوصفه تطورًا طبيعيًا لدولة ذات سيادة، بل يُقرأ كخلل في معادلة التفوق التي تأسست عليها الدولة العبرية منذ نشأتها.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية تناولت هذا القلق صراحة في أكثر من تقرير، معتبرة أن مصر لم تعد تكتفي بدور “الحارس الجنوبي الهادئ”، بل أصبحت تمتلك قدرة ردع حقيقية قد تقيّد حرية الحركة الإسرائيلية مستقبلًا، حتى دون إطلاق رصاصة واحدة
https://www.haaretz.com/israel-news/security-aviation/2024-12-18/ty-article/.premium/israel-worried-about-egypts-military-build-up/0000018c-xxxx
نتنياهو والقلق المعلن… من الرسائل الداخلية إلى الحسابات الاستراتيجية
تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي عبّر فيها عن “الانزعاج” من تطور الجيش المصري، لم تكن موجهة إلى القاهرة بقدر ما كانت موجهة إلى الداخل الإسرائيلي. فنتنياهو، المحاصر سياسيًا وقضائيًا، يدرك أن الحديث عن “تهديدات خارجية” هو أحد أدواته التقليدية لإعادة إنتاج نفسه كـ«رجل أمن». غير أن اللافت هذه المرة أن التهديد لم يأتِ من إيران أو حزب الله، بل من دولة وقّعت مع إسرائيل اتفاق سلام منذ أكثر من أربعة عقود.
الجزيرة نت رصدت هذا التحول في الخطاب الإسرائيلي، وأشارت إلى أن تل أبيب باتت تتحدث عن الجيش المصري بلهجة مختلفة، تتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى القلق الصريح
https://www.aljazeera.net/politics/2025/12/30/لماذا-يقلق-إسرائيل-تعاظم-الجيش-المصري
لماذا الجيش المصري تحديدًا؟
إسرائيل لا تشعر بالقلق من أي جيش عربي بنفس الدرجة التي تشعر بها تجاه الجيش المصري، والسبب بسيط ومركّب في آن واحد. فمصر تمتلك:
عمقًا بشريًا هائلًا.
موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يتحكم في قناة السويس وبوابة إفريقيا.
خبرة قتالية تاريخية في الحروب النظامية.
مؤسسة عسكرية متماسكة لم تتفكك رغم العواصف السياسية.
هذه العوامل مجتمعة تجعل أي تطور نوعي في قدرات الجيش المصري حدثًا استراتيجيًا لا يمكن لإسرائيل تجاهله. تقرير لموقع Times of Israel أشار إلى أن مصر، بخلاف باقي الجيوش العربية، تحتفظ بقدرة تعبئة وتنظيم تجعلها خطرًا “كامنًا” لا “مباشرًا”، وهو النوع الأخطر في الحسابات العسكرية
https://www.timesofisrael.com/israel-concerned-over-egypts-growing-military-capabilities/
تنويع مصادر السلاح: كسر التبعية قبل كسر التوازن
أحد أهم أسباب الانزعاج الإسرائيلي هو نجاح مصر في تنويع مصادر تسليحها. فالقاهرة لم تعد تعتمد على واشنطن كمصدر وحيد للسلاح، بل فتحت خطوطًا مع باريس، وبرلين، وروما، وموسكو، وبكين. هذا التنويع لا يعني فقط امتلاك أسلحة مختلفة، بل يعني امتلاك قرار مستقل في استخدامها وتطويرها.
صحيفة الشرق الأوسط تناولت هذا التحول بوصفه “أكبر تغيير استراتيجي في عقيدة التسليح المصرية منذ حرب أكتوبر”، مشيرة إلى أن هذا التنويع يحد من قدرة أي طرف خارجي على ممارسة الضغط السياسي عبر ورقة السلاح
https://aawsat.com/home/article/5139369/تسليح-الجيش-المصري-والقلق-الإسرائيلي
سيناء مجددًا: الجغرافيا التي لا تنام
سيناء تظل العقدة النفسية في العقل الإسرائيلي. فكل جندي مصري إضافي هناك، حتى لو كان في إطار مكافحة الإرهاب، يُنظر إليه في تل أبيب بعين الشك. هذا القلق يتجاهل حقيقة أن إسرائيل نفسها وافقت مرارًا على تعديل الترتيبات الأمنية في سيناء، إدراكًا منها لخطورة التنظيمات المسلحة التي كانت تهدد الطرفين.
وكالة الأناضول نقلت عن محللين إسرائيليين اعترافهم بأن الاعتراض على الوجود العسكري المصري في سيناء أصبح سياسيًا أكثر منه أمنيًا، ويهدف إلى إبقاء مصر تحت سقف قيود تاريخية لم تعد واقعية
https://www.aa.com.tr/ar/إسرائيل/قلق-إسرائيلي-من-تعزيز-الوجود-العسكري-المصري-في-سيناء/xxxxxxx
الرد المصري: قوة بلا ضجيج
اللافت في الموقف المصري هو غياب الانفعال. فالقاهرة لم ترد ببيانات نارية، ولم تدخل في سجال إعلامي، بل تركت الأفعال تتحدث. المناورات العسكرية، تطوير الصناعات الدفاعية، تحديث العقيدة القتالية، كلها رسائل صامتة لكنها شديدة الوضوح.
موقع مصراوي نقل عن مصادر رسمية أن مصر لا ترى في تطوير جيشها موضوعًا للنقاش أو التبرير، لأنه جزء لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي، وليس موجهًا ضد دولة بعينها
https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2025/11/6/وزير-إسرائيلي-يحذر-من-تعاظم-قدرة-مصر-العسكرية
الولايات المتحدة بين الحليفين: إدارة القلق لا منعه
واشنطن، رغم تحالفها الوثيق مع إسرائيل، تدرك أن إضعاف الجيش المصري ليس خيارًا ذكيًا. فمصر تمثل حجر ارتكاز في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأي خلل في توازنها العسكري قد يفتح الباب لفوضى أوسع. لهذا تتعامل الولايات المتحدة مع القلق الإسرائيلي بسياسة “الاحتواء الناعم”، دون تبني مطالبه بالكامل.
تقارير لمركز Brookings Institution تشير إلى أن واشنطن ترى في قوة الجيش المصري عنصر استقرار لا عنصر تهديد، طالما بقيت العقيدة دفاعية
https://www.brookings.edu/articles/egypt-military-role-regional-stability/
الخلاصة : عندما تخاف القوة من القوة
الخوف الإسرائيلي من الجيش المصري ليس خوفًا من حرب وشيكة، بل خوف من فقدان الاحتكار. احتكار الردع، واحتكار التفوق، واحتكار القدرة على فرض الشروط. ومتى ما فقدت إسرائيل هذا الاحتكار، حتى جزئيًا، فإنها تشعر بأن عالمها الاستراتيجي يضيق.
مصر، في المقابل، لا تسعى إلى كسر أحد، بل إلى ألا تُكسر. تبني قوتها لا لتهاجم، بل لتمنع الهجوم، ولا لتفرض إرادتها، بل لتحمي قرارها. وفي عالم تحكمه القوة بقدر ما تحكمه القوانين، يصبح الجيش القوي ليس خيارًا، بل ضرورة أخلاقية قبل أن يكون ضرورة سياسية.
إقرأ أيضا :