الحرب لم تنتهى منذ السادس من أكتوبر ١٩٧٣...

حرب أكتوبر: عبقرية العقول المصرية من عبور القناة إلى معركة المنصورة وصراع غزة 2025ج

مقدمة: حرب بدأت ولم تنتهِ

"الحرب لم تنتهِ في السادس من أكتوبر… في ذلك اليوم بدأت ملحمة الوعي المصري من جديد."

في السادس من أكتوبر عام 1973، حين علت صيحات "الله أكبر" فوق رمال سيناء، لم يكن المصريون يحتفلون بنهاية حرب، بل ببدايتها. فاليوم الذي حُطِّمت فيه أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، لم يكن ختامًا، بل فصلاً أول في سلسلة معارك امتدت على مدى أسابيع، كتبت فيها مصر بدماء أبنائها واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري الحديث.

لقد كان السادس من أكتوبر هو الشرارة، بينما استمرت النيران مشتعلة حتى الثامن والعشرين من الشهر ذاته، حاملةً معها دروسًا في القيادة، والتخطيط، والإرادة، والعقيدة. وما بين عبور القناة ومعركة المنصورة الجوية، تبلورت ملامح أمة قررت أن تستعيد كرامتها المفقودة منذ نكسة 1967.

السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣


عبور القناة وتحطيم خط بارليف

عندما أطلقت المدفعية المصرية نيرانها في الثانية ظهر السادس من أكتوبر، كانت السماء تشتعل فوق رؤوس القوات الإسرائيلية في سيناء. أكثر من ألفي مدفع مصري فتحت النيران في وقت واحد، لتبدأ عملية العبور الأعظم في التاريخ العسكري الحديث.
في تلك اللحظة، تحطمت الأسطورة التي روجت لها إسرائيل طوال ست سنوات: أن خط بارليف الحصين لا يُقهر.

"لم يكن العبور مجرد عمل عسكري... بل كان ثورة وعي أمة كاملة."

باستخدام مضخات المياه البسيطة التي حولت الرمال إلى طين، فتحت القوات المصرية أكثر من 60 ثغرة في الساتر الترابي الذي قيل إنه لا يمكن اختراقه. خلال ست ساعات فقط، كانت خمس فرق مصرية قد عبرت القناة، ورفعت العلم المصري على الضفة الشرقية لأول مرة منذ 1967.

تقول التقارير الإسرائيلية إن اللحظة التي رفع فيها أول جندي مصري العلم على الضفة الشرقية كانت "اللحظة التي انهار فيها توازن إسرائيل النفسي". المصدر: هيئة الاستعلامات المصرية.


معارك ما بعد العبور: الدبابات والنار

معركة الدبابات الكبرى – 7 أكتوبر

لم يتوقف القتال عند العبور، بل اشتعلت معركة جديدة في اليوم التالي.
في 7 أكتوبر، وقعت معركة من أعنف معارك الدبابات في الشرق الأوسط، حيث دفعت إسرائيل بـ1000 دبابة بقيادة أبراهام آدان وشارون ومندلر، في مواجهة نحو 950 دبابة مصرية تحت قيادة اللواء حسن أبو سعدة.

استمرت المعركة حتى مساء اليوم التالي، وانتهت بانسحاب القوات الإسرائيلية بعدما تلقت ضربة موجعة، كان أبرزها مقتل الجنرال الإسرائيلي "مندلر"، القائد الذي اعتبرته تل أبيب أحد رموز النصر في 1967.

عبور القناة وتحطيم خط بارليف

في اليوم التالي، 8 أكتوبر، خاضت القوات المصرية معركة الفردان التي أسرت فيها واحدًا من أشهر ضباط إسرائيل: "عساف ياجوري".
كانت تلك لحظة رمزية بامتياز، إذ تحولت صورته الأسير إلى رمز لانكسار الغطرسة الإسرائيلية، وتداولها الإعلام العالمي على نطاق واسع.


معركة الفردان: حين تحوّل الكمين إلى أسطورة

قاد البطل عبد رب النبي حافظ أحد أعظم الكمائن في تاريخ الحرب الحديثة.
فعندما حاولت الدبابات الإسرائيلية التوغل داخل خطوط القوات المصرية، قادهم "عبد رب النبي" إلى فخ محكم بالتنسيق مع اللواء "أبو سعدة".
وما أن تقدمت الدبابات الإسرائيلية حتى انهالت عليها صواريخ "ساجر" و"آر بي جي" المصرية.

"كانت السماء تمطر نارًا، والدبابات تشتعل كعلب من الورق."

خسرت إسرائيل في تلك المعركة أكثر من ثلثي دباباتها، قبل أن ينسحب آدان بالبقية. وهكذا دخل اسم الفردان سجلات التاريخ كواحدة من المعارك التي أثبتت أن الإرادة تفوق المعدّات.


من الفردان إلى المضايق: صراع الإرادة

بين 11 و13 أكتوبر، شهدت مضايق سيناء معركة أخرى شرسة، حاولت فيها القوات الإسرائيلية استعادة توازنها. لكن القوات المصرية ثبتت مواقعها، ونجحت في إحباط كل محاولات الاختراق.
كانت تلك الأيام، كما وصفها المشير الجمسي لاحقًا، “أيامًا من نار، وعرق، وإيمان بأننا لا نملك خيارًا إلا النصر.”


الدفرسوار: معركة العقول

في قلب المعركة ظهرت ثغرة الدفرسوار، التي حاول من خلالها "شارون" و"آدان" العبور إلى الضفة الغربية للقناة.
لكن أبطال الجيش المصري تصدوا لهم بقيادة "عبد رب النبي حافظ" و"عبد المنعم خليل"، وسطروا معارك بطولية خالدة.

رغم الخسائر، تمكنت مصر من إفشال هدف إسرائيل في تطويق الجيش الثالث، وأثبتت أن "الثغرة" لم تكن نهاية الحرب، بل بداية فصل جديد من المقاومة الذكية.

"لقد قاتل المصريون في الدفرسوار ليس بأسلحتهم فقط، بل بعقولهم أيضًا."


معركة المنصورة الجوية: السماء التي اشتعلت

السادس عشر من أكتوبر 1973

في ذلك اليوم، تحولت سماء دلتا النيل إلى ساحة من الجحيم.
حاولت إسرائيل تكرار سيناريو 1967، عبر توجيه ضربة جوية لتدمير القواعد الجوية المصرية في المنصورة وطنطا والصالحية، لانتزاع التفوق الجوي من مصر.

لكن سلاح الجو المصري، بقيادة اللواء محمد حسني مبارك، كان قد أعد العدة جيدًا.
انطلقت طائرات "الميج" المصرية لتواجه نحو 170 طائرة فانتوم أمريكية الصنع تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.

استمرت المعركة أكثر من ٥٣ دقيقة متواصلة، لتُسجَّل كواحدة من أطول وأعنف المعارك الجوية في التاريخ الحديث، بل والسادسة عالميًا من حيث الحجم والشراسة منذ الحرب العالمية الثانية.

"تحولت السماء إلى جحيم... لكن المصريين حولوها إلى ميدان نصر."

أسقط المصريون نحو ٥٠ طائرة إسرائيلية مقابل ٧ طائرات فقط من الجانب المصري، لتعلن إسرائيل انسحابها الكامل من سماء الدلتا.

ذكر الرئيس الراحل أنور السادات في مذكراته أن تلك المعركة كانت لحظة فاصلة:

"رفعت معنوياتي إلى السماء حين علمت أن سلاحنا الجوي صمد، وأن إسرائيل لم تعد تملك السيادة في الهواء."

أما الطيار الإسرائيلي الذي أُسر في تلك المعركة، فقال لضابط مصري كبير بعد استجوابه:

"نحن لم نتغير... أنتم الذين تغيرتم."
وكان هذا الضابط هو اللواء محمد حسني مبارك، قائد سلاح الجو وقتها.

للمزيد حول معركة المنصورة الجوية

عبقرية القيادة المصرية: قراءة في مدرسة التخطيط والتمويه

لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت درسًا في فن الخداع الإستراتيجي وإدارة الحرب النفسية، وهي مدرسة صاغها العقل المصري على نحوٍ أدهش العالم. فقد نجح القادة المصريون في إخفاء نواياهم الحقيقية حتى عن أقرب المراقبين، في وقت كانت فيه السماء مكشوفة بالأقمار الصناعية، والمياه مزدحمة بقطع الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط.

السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣

حين ألقى اللواء محمد عبد الغني الجمسي — رئيس هيئة العمليات — مذكرته الشهيرة عن خطة العبور، قال:

"لقد كانت خطتنا بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت معقدة في تفاصيلها، لأنها خُططت بعقلٍ مصري يعرف عدوه أكثر مما يعرف نفسه."

كانت خطة “بدر” التي نفذت في السادس من أكتوبر تقوم على عنصرين متكاملين:

  1. الهجوم المحدود المتدرج على طول قناة السويس لإجبار العدو على القتال في ميدان اختارته مصر.
  2. تأمين القوات شرق القناة في رأس كوبري يصعب كسره قبل الوصول إلى خطوط الدفاع الإسرائيلية العميقة.

بهذه الفلسفة، حُسمت معركة المفاجأة في الساعات الأولى من الحرب، حين عبر أكثر من ٨٠ ألف جندي مصري القناة في زمنٍ قياسي، محمولين على قوارب مطاطية، تحت تغطية نيران مدفعية هي الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية.


العبور العظيم: حين حطّم المصريون المستحيل

في الساعة الثانية ظهر السادس من أكتوبر، انطلقت صفارات المدفعية، لتعلن عن لحظة ميلاد جديدة للأمة المصرية. كانت الطائرات المصرية — أكثر من ٢٢٠ طائرة — تعبر القناة على ارتفاعات منخفضة لتفادي الرادارات الإسرائيلية.

في غضون ٦ ساعات فقط، تم إنشاء ٦٠ جسراً ومعبراً عبر القناة، وانهارت أسطورة “خط بارليف” الذي أنفقت إسرائيل عليه مئات الملايين من الدولارات.

“إنها لحظة لم يعرفها التاريخ من قبل، حين تحوّل المستحيل إلى واقع بدماء المصريين.” — شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي

اعتمد المهندسون المصريون على فكرة بسيطة ولكن عبقرية: استخدام خراطيم المياه عالية الضغط لشق الساتر الترابي الهائل الذي كان يعلو القناة. في أقل من ثلاث ساعات، تحوّل “الجدار الإسرائيلي المنيع” إلى طينٍ غارق يبتلع دبابات العدو.

كان العبور المصري رسالة للعالم مفادها أن الإرادة قادرة على قلب المعادلات، وأن الأمة التي تصبر تعرف متى تنهض.


معركة المنصورة الجوية: السماء تتكلم مصرياً

بعد أيام من العبور، وقعت واحدة من أكبر المعارك الجوية في التاريخ الحديث — معركة المنصورة يوم 14 أكتوبر 1973.
في تلك المعركة، خاضت القوات الجوية المصرية معركة بطولية استمرت ٥٣ دقيقة متواصلة فوق سماء الدقهلية، شارك فيها أكثر من ١٦٥ طائرة مصرية وإسرائيلية.

أرادت إسرائيل أن تُسقط مطارات الدلتا لتشل الدفاع الجوي المصري، لكنها فوجئت بأن الطيارين المصريين يحلقون بشجاعة غير مسبوقة.

“لم نكن نحارب بطائرات فقط، كنا نحارب بروح النيل والتاريخ.” — الطيار المقاتل محمد زكي

انتهت المعركة بانتصار مصري مدوٍ، إذ تم إسقاط ١٨ طائرة إسرائيلية مقابل خمس طائرات مصرية فقط، ليصبح يوم 14 أكتوبر عيد القوات الجوية المصرية حتى اليوم.

هذه الملحمة لم تكن مجرد تفوق عسكري، بل كانت بياناً رمزياً للعالم: أن مصر التي استعادت أرضها على الأرض، قادرة على حماية سمائها أيضًا.


الإعلام والحرب النفسية: الكلمة كسلاح

في تلك الأيام العصيبة، لم تكن المعارك تدور فقط على الجبهة، بل أيضًا على الموجات الإذاعية وصفحات الصحف.
الإذاعة المصرية بثت رسائل بثقة غير مسبوقة، في حين كانت إذاعة صوت إسرائيل تحاول التشويش وبث الإحباط.

لكن الشعب المصري كان يزداد إيماناً بالنصر.

“من يملك الإعلام يملك نصف المعركة.” — مقولة شهيرة لأحد ضباط هيئة العمليات

نجحت القاهرة في تقديم روايتها للعالم عبر تغطية متقنة تظهر بطولة الجندي المصري لا كصورة دعائية، بل كحقيقة موثقة، فدخلت الكلمات في الوجدان كما دخلت الدبابات في سيناء.


النتائج السياسية للحرب: من الميدان إلى المفاوضات

حين توقفت المدافع، بدأ نوع آخر من الحرب — حرب السياسة.
كانت الولايات المتحدة تدرك أن توازن القوى في الشرق الأوسط قد تغيّر، فدفعت بوزير خارجيتها هنري كيسنجر لبدء “دبلوماسية المكوكي” بين القاهرة وتل أبيب.
لكن الرئيس السادات كان واضحًا:

“لقد استعدنا الأرض بالسلاح، وسنستعيد السلام بالعقل.”

أدت نتائج الحرب إلى توقيع اتفاقية فك الاشتباك الأولى عام 1974، ثم الثانية عام 1975، التي مهدت لاتفاقية كامب ديفيد في 1978.
ورغم الجدل حول المسار السياسي، فإن الحقائق لا تنكر أن نصر أكتوبر أعاد لمصر مكانتها وهيبتها، وفرض على إسرائيل معادلة لم تعرفها منذ قيامها عام 1948.


من أكتوبر إلى غزة: ذاكرة الحرب الحاضرة

يبدو أن ذاكرة أكتوبر لا تزال حاضرة اليوم في كل مشهد من مشاهد الصراع في المنطقة.
فما يجري في غزة 2025 يعيد إلى الأذهان سؤال الهوية والكرامة ذاته، وإن اختلفت الجبهات.
اليوم، حين تتحدث إسرائيل عن “الأمن” وتبرر القصف، تتذكر مصر أن أمنها القومي يبدأ من حدود فلسطين، وأن أي زعزعة هناك تعني ارتداد الخطر نحو سيناء.

من هنا، يأتي الموقف المصري المتوازن: رفض التهجير القسري للفلسطينيين، مع التمسك بمبدأ الدولة الفلسطينية المستقلة.

“مصر لا تتاجر بالقضية، بل تحمي جذورها.” — تحليل لمجلة Foreign Affairs

وهكذا يتجدد صدى أكتوبر في السياسة الحديثة، إذ تظل الحرب درسًا في أن القوة ليست في السلاح فحسب، بل في القرار الوطني الحر.

انعكاسات النصر على الوعي الإسرائيلي: سقوط الأسطورة

قبل السادس من أكتوبر 1973، كان المجتمع الإسرائيلي يعيش على أسطورةٍ ترسخت منذ حرب 1967، مفادها أن جيش الدفاع لا يُقهر.
لكن هذه الأسطورة انهارت في ساعات قليلة، حين شاهد العالم جنود إسرائيل يفرون تحت وقع نيران المصريين، وحين ارتفعت الأعلام المصرية فوق خط بارليف.

الصحف الإسرائيلية في تلك الأيام وصفت المشهد بأنه "زلزال نفسي"، حتى أن الصحفي الشهير “عاموس إيلون” كتب في هآرتس:

“لقد اكتشفنا فجأة أن المصريين ليسوا كما صورناهم، وأن الحرب لا تُدار بالغرور.”

لقد كان نصر أكتوبر نقطة التحول الأعمق في تاريخ المنطقة. فبعد أن كانت إسرائيل ترى نفسها القوة المطلقة في الشرق الأوسط، أصبحت فجأة تواجه واقعًا جديدًا: توازن الردع العربي.

ولذلك، حين ننظر اليوم إلى سياسات إسرائيل في غزة والضفة، نرى بوضوح كيف تحكمها عقدة أكتوبر:
كل عملية عسكرية، وكل خطاب سياسي، وكل حملة إعلامية تحمل في طياتها محاولة لإثبات أن “الأمن الإسرائيلي لم يهتز”، بينما الحقيقة أن الخوف من المفاجأة المصرية لم يغادر ذاكرتهم أبدًا.


الجيش المصري بعد أكتوبر: تحديث وتطور لا يتوقف

انتصار أكتوبر لم يكن نهاية المسيرة العسكرية المصرية، بل كان بدايتها الحقيقية في عصر التحديث.
أدركت القيادة أن النصر لا يُصان إلا بالعلم، وأن بناء جيش المستقبل يتطلب تكنولوجيا، تدريبًا، وصناعةً عسكرية وطنية.

٦ أكتوبر ١٩٧٣

منذ ذلك الحين، دخلت مصر مرحلة متقدمة من التطوير، عبر تحديث قواتها الجوية والبحرية والدفاع الجوي.
المناورات العسكرية مثل “قادر” و**“حسم”** أصبحت عروضًا واقعية لقوة الردع الحديثة.

“جيش أكتوبر هو ذاته جيش اليوم، فقط تطورت وسائله وبقيت روحه.” — تصريح سابق لرئيس الأركان المصري

ويؤكد مراقبون غربيون — مثل تقرير Jane’s Defence Weekly — أن مصر اليوم تمتلك أقوى جيوش الشرق الأوسط من حيث الكفاءة التنظيمية والانضباط، وهو ما يجعلها ركيزة الاستقرار الإقليمي.


البعد الاقتصادي والسياسي لانتصار أكتوبر

الانتصار العسكري فتح أمام مصر أبوابًا جديدة على الصعيد الاقتصادي والسياسي.
استعادت الدولة ثقتها بنفسها، وبدأت مرحلة إعادة الإعمار والتنمية التي ظهرت ملامحها في مشروعات كبرى مثل استصلاح الأراضي وتعمير سيناء.

كانت القيادة المصرية تدرك أن استعادة الأرض لا تكتمل إلا بتنمية الإنسان، وأن الأمن الحقيقي ينبع من العدالة الاجتماعية والاقتصاد المنتج.
ومن هنا بدأ التحول نحو سياسات الإصلاح والانفتاح، التي وإن كانت مثار جدل، فإنها شكلت نقطة تحول في بناء الدولة الحديثة.

“من لا يملك قوته لا يملك قراره، ومن لا يملك قراره لا يملك أرضه.” — من خطاب الرئيس أنور السادات

هكذا امتزجت معاني النصر العسكري بالتحرر الاقتصادي والسياسي، في معادلة لا تزال تلهم الأجيال الجديدة.


حرب الذاكرة: كيف يعيش المصريون أكتوبر اليوم؟

بعد مرور أكثر من نصف قرن على الحرب، ما زالت ذاكرة أكتوبر حاضرة بقوة في وجدان المصريين.
كل بيت في مصر تقريبًا يعرف شهيدًا أو بطلاً، وكل مدرسة تردد أسماء المنصورة، السويس، الإسماعيلية، رأس العش.

في الإعلام والثقافة والفن، ظل أكتوبر رمزًا للبطولة والوحدة.
الأغاني التي صدحت في 1973 — من بسم الله الله أكبر إلى رايحين شايلين في إيدينا سلاح — تحولت إلى أناشيد وطنية خالدة.

وفي السنوات الأخيرة، أعادت الدولة إحياء الذاكرة عبر الأفلام الوثائقية والاحتفالات الرسمية، مثل فيلم “الممر” الذي قدم رؤية جديدة لمعنى التضحية والوطنية.

“نحن لا نحكي الماضي لنتباهى، بل لنُذكّر أنفسنا أن مصر لا تُهزم حين تتحد.”


من المنصورة إلى غزة: التاريخ يعيد نفسه

المفارقة التاريخية أن مدينة المنصورة التي شهدت أعنف معركة جوية ضد إسرائيل عام 1973، أصبحت اليوم رمزًا للثبات في الوعي المصري والعربي، في وقتٍ تتجدد فيه المعارك على حدود غزة.

حين يتحدث المحللون عن “معركة الوعي” الدائرة في غزة الآن، فهم في الواقع يتحدثون عن امتدادٍ طبيعي لمدرسة أكتوبر، حيث الإصرار على الصمود رغم التفوق التكنولوجي للعدو.

إن المقارنة بين معركة المنصورة وغزة ليست مقارنة عسكرية فحسب، بل رمزية أيضًا؛ فكلاهما يمثل لحظة مواجهة بين الإيمان والإرادة من جهة، والغطرسة والقوة العمياء من جهة أخرى.

“قد تُحتل الأرض مؤقتًا، لكن لا يمكن أن تُحتل الإرادة.” — من افتتاحية جريدة الأهرام

 


الدروس المستفادة: إرادة لا تموت

تُعلّمنا حرب أكتوبر أن الشعوب لا تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بقدرتها على النهوض بعد كل هزيمة.
لقد كانت نكسة 1967 جرحًا عميقًا، لكن المصريين حوّلوه إلى دافع للنصر، وأعادوا كتابة التاريخ بإرادتهم.

اليوم، في عالم يموج بالاضطرابات والحروب الإعلامية، تبقى قصة أكتوبر تذكيرًا بأن الحقائق الكبرى لا يصنعها الإعلام ولا التكنولوجيا، بل الإنسان المؤمن بقضيته.
ومن هنا، فإن أعظم ما أنجبته الحرب ليس النصر العسكري فقط، بل الجيل الذي تعلم أن الكرامة تُنتزع ولا تُمنح.


الخاتمة: عبور لا ينتهي

بعد خمسين عامًا من العبور، لا تزال مصر تعبر — لكن هذه المرة نحو المستقبل.
العبور اليوم ليس فوق القناة، بل نحو التحول الرقمي، والاقتصاد الجديد، وبناء الإنسان.
ومثلما كان العبور في 1973 انتصارًا على الخوف، فإن عبور الحاضر هو انتصار على التحديات.

“العبور الحقيقي هو أن تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على عدوك.”

إن عبقرية العقول المصرية التي صنعت أكتوبر، لا تزال حية في عقول شبابها وعلمائها وجنودها.
ومهما تغيّرت الجبهات، ستظل روح أكتوبر هي النور الذي يهدي مصر في كل معركة من معاركها المقبلة — سواء كانت في ميدان الحرب أو ميادين التنمية.

اقرأ أيضا:





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار