انتحار موشيه ديان المجهض وأسرار حرب أكتوبر 1973: صدمة إسرائيل وعبقرية المصريين التي قلبت موازين الشرق الأوسط
الكشف عن محاولة انتحار وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان أثناء حرب أكتوبر.
في تقرير ناري نشرته تايمز أوف إسرائيل، تم الكشف عن محاولة انتحار وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان خلال الأيام الأولى من حرب أكتوبر 1973 بعد انهيار خط بارليف وصمود الجيش المصري الأسطوري. المقال يكشف كيف تحولت الهزيمة إلى عقدة أبدية في الوعي الإسرائيلي، ولماذا لا تزال إسرائيل حتى اليوم تخشى تكرار "مفاجأة أكتوبر". تحليل شامل مدعوم بوثائق أرشيفية من تايمز أوف إسرائيل وهآرتس والأرشيف الأمني الأمريكي يوضح كيف هزّت عبقرية المصريين والعقيدة النوبية والمهندس باقي زكي يوسف توازن القوى في الشرق الأوسط، لتبقى حرب أكتوبر معركة الوعي التي لم تنتهِ بعد.
أسرار تُكشف لأول مرة عن الحرب التي غيرت وجه الشرق الأوسط
مقدمة: حين عادت حرب أكتوبر إلى الواجهة من جديد
بعد أكثر من خمسة عقود على اندلاع حرب أكتوبر 1973، ما زال هذا الحدث المفصلي يثير الجدل ويكشف خبايا جديدة كل عام. لكن المفاجأة هذه المرة جاءت من داخل إسرائيل نفسها، عندما نشرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل تقريرًا مثيرًا أعاد فتح جراح الماضي، وتحدث عن محاولة انتحار وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان خلال الأيام الأولى من الحرب، بعد أن شهد الانهيار الكامل في صفوف الجيش الإسرائيلي أمام القوات المصرية على جبهة قناة السويس.
لم يكن التقرير مجرد استعادة تاريخية، بل جاء كصفعة على وجه الذاكرة الإسرائيلية، في وقت يعيش فيه المجتمع الإسرائيلي صدمة جديدة من انقسامات داخلية وتهديدات خارجية، جعلت المقارنة بين الماضي والحاضر أكثر مرارة من أي وقت مضى.
أولاً: حرب أكتوبر بين ذاكرة المصريين وجراح الإسرائيليين
ذاكرة تتآكل في مصر
تشير الصحيفة إلى أن نحو 85% من المصريين اليوم لم يعيشوا تجربة الحرب، مما جعلها تتحول إلى مجرد حدث يُحتفل به سنويًا دون ارتباط وجداني عميق. الأجيال الجديدة تعرف أكتوبر من الصور والاحتفالات، لا من رائحة التراب والدخان على ضفة القناة.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل، رغم مرور الزمن، أن تُخفي وجع تلك الهزيمة، لكنها لا تنجح — لأن أكتوبر لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل انكسار نفسي واستراتيجي حفر في وعيها الجماعي.
حرب لا تُنسى في إسرائيل
بحسب التقرير، لا تزال حرب يوم الغفران (كما يسميها الإسرائيليون) تُدرّس في المدارس والجامعات ومراكز التدريب العسكري باعتبارها أكثر لحظة قريبة من نهاية الدولة العبرية. الجنرالات الإسرائيليون الجدد يدرسون كل خطأ وقع فيه أسلافهم، من سوء تقدير المخابرات، إلى الغرور العسكري الذي جعل إسرائيل تعتقد أنها محصّنة ضد أي مفاجأة عربية.
حتى اليوم، يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن 6 أكتوبر كان اليوم الذي كادت فيه إسرائيل تفقد وجودها الفعلي. فالمفاجأة كانت كاملة، والجيش المصري لم يكتفِ بالعبور بل سيطر على الضفة الشرقية، وحوّل "أسطورة خط بارليف" إلى ركام في غضون ساعات.
ثانيًا: القيادة التي تغيرت… والرمزية التي تلاشت
من السادات إلى السيسي: تبدل الرموز
أحد أبرز ما ركز عليه تقرير تايمز أوف إسرائيل هو غياب القادة العسكريين الذين شاركوا في حرب أكتوبر عن المشهد السياسي الحالي في مصر. فالرئيس الراحل أنور السادات كان بطل الحرب وصانع السلام، والرئيس حسني مبارك كان قائد سلاح الطيران الذي نفذ الضربة الجوية الأولى.
لكن الأجيال اللاحقة لم تشهد الحرب، مما قلل من حضورها الرمزي في الحياة العامة. ومع ذلك، لا يزال الجيش المصري يحتفظ بـ"عقيدة أكتوبر" كركيزة أساسية في تدريباته ومناوراته، بل ويُعيد تجديدها كل عام من خلال مشاريع عسكرية جديدة.
إسرائيل من رابين إلى نتنياهو: عقدة الهزيمة مستمرة
في المقابل، يربط التقرير بين تصاعد النزعة اليمينية في إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، وبين عقدة حرب أكتوبر التي ما زالت تلاحق المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية.
فاليمين الإسرائيلي يرى أن ما حدث عام 1973 لم يكن مجرد فشل استخباراتي، بل "إهانة قومية" يجب الثأر منها إلى الأبد، وهذا ما يفسر السلوك العدواني الحالي تجاه غزة ولبنان وسوريا.
ثالثًا: مفاجآت من الأرشيف الإسرائيلي — ديان على حافة الانتحار
انهيار موشيه ديان
بحسب ما نشرته تايمز أوف إسرائيل نقلاً عن وثائق واعترافات ضباط سابقين في وزارة الدفاع الإسرائيلية، فإن موشيه ديان — بطل حرب 1967 وأسطورة الجيش الإسرائيلي — فقد أعصابه تمامًا في الأيام الأولى من الحرب.
عندما تلقى تقارير تفيد بأن المصريين عبروا القناة بأعداد ضخمة، وأن خط بارليف ينهار بسرعة غير متوقعة، أصيب بصدمة نفسية حادة، وقال بالحرف الواحد أمام قادة الجيش:
"نهاية إسرائيل اقتربت… هذه ليست حربًا، إنها كارثة وجودية!"
أحد الشهود، الجنرال "إسرائيل تال"، ذكر أن ديان حاول الانعزال في غرفة القيادة، وطلب من حراسه تركه بمفرده، قبل أن يتدخل قادة آخرون لإنقاذه من محاولة انتحار بالمسدس.
وثيقة نادرة من مكتب جولدا مائير
تشير وثيقة أخرى، أُفرج عنها ضمن أرشيف رئيسة الوزراء جولدا مائير، إلى أن الأخيرة ترددت في الانتحار هي الأخرى في نفس اليوم الذي انهار فيه خط بارليف. ووفقًا لموقع هآرتس, كانت مائير تبكي بحرقة أمام مجلس الوزراء المصغر وتقول:
"كل ما بنيناه خلال 25 عامًا ينهار أمام أعيننا."
هذا الاعتراف المزدوج من أعلى هرم القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية يعكس حجم الصدمة التي أحدثها العبور المصري التاريخي يوم السادس من أكتوبر.
رابعًا: خط بارليف — الأسطورة التي انهارت في ست ساعات
تكلفة باهظة لهزيمة كبرى
بلغت تكلفة إنشاء خط بارليف أكثر من 300 مليون دولار في حينها (ما يعادل أكثر من 2 مليار دولار حاليًا). كان يتكون من 31 موقعًا حصينًا مزودًا بأحدث أنظمة الرصد والاتصال.
لكن كل ذلك لم يصمد أمام فكرة عبقرية بسيطة — مضخات المياه.
المهندس الذي غير مجرى الحرب
العقل المصري الذي قلب المعادلة كان اللواء المهندس باقي زكي يوسف، الذي اقترح استخدام مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي بضغط الماء، بدلاً من استخدام المتفجرات.
هذه الفكرة، التي سخر منها البعض في البداية، أصبحت بعد التنفيذ أحد أعظم الابتكارات العسكرية في التاريخ الحديث، وفتحت الطريق أمام أكثر من 80 ألف جندي لعبور القناة في أول 24 ساعة فقط.
وللمفارقة، كانت الصحافة الإسرائيلية هي أول من اعترف بعبقرية هذا الحل، بينما لم يحصل صاحبه على التكريم الكافي داخل مصر إلا بعد وفاته.
خامسًا: السلاح السري — اللغة النوبية
من المعلومات التي فاجأت القراء الإسرائيليين أن الجيش المصري استخدم اللغة النوبية كوسيلة اتصال ميداني أثناء الحرب.
كانت الفكرة بسيطة وفعالة: اللغة النوبية غير مكتوبة وصعبة الفهم حتى داخل مصر نفسها، مما جعلها وسيلة تشفير طبيعية ضد محاولات التنصت الإسرائيلية والأمريكية.
هذه الاستراتيجية المدهشة أربكت الاستخبارات الإسرائيلية، التي لم تتمكن من فك أي رسالة تم تداولها بين الوحدات المصرية خلال الأيام الأولى من الحرب.
سادسًا: جحيم القصف المصري على قناة السويس
وفقًا لوثائق الأركان العامة الإسرائيلية، شنّ الجيش المصري في الساعة الواحدة ظهرًا من يوم 6 أكتوبر أعنف قصف مدفعي في تاريخ الشرق الأوسط، حيث تم إطلاق أكثر من 10,500 قذيفة خلال أقل من ساعة، بمعدل 175 قذيفة في الدقيقة.
هذا القصف المكثف دمّر مراكز القيادة والمراقبة في خط بارليف، وأفقد الجيش الإسرائيلي توازنه الكامل قبل أن تبدأ عملية العبور بدقائق معدودة.
المحلل العسكري الأمريكي إدوارد كولنز كتب لاحقًا في مجلة "فورين أفيرز" أن خطة القصف المصري كانت "تحفة تكتيكية لم يسبق تنفيذها بهذه الدقة"، وأثبتت أن الجيش المصري أعاد تعريف مفهوم المفاجأة الاستراتيجية.
سابعًا: الجندي المصري… المعجزة البشرية
بحسب تقارير الأرشيف الإسرائيلي، لاحظ قادة الجيش الإسرائيلي أن الجندي المصري يقاتل بإصرار غير مسبوق.
أحد التقارير الداخلية قال:
"كل جندي مصري يساوي ثلاثة من جنودنا في العزيمة."
معظم هؤلاء الجنود جاءوا من قرى الصعيد، حيث القوة البدنية والعزيمة الفطرية والولاء للوطن كان سلاحهم الأول. لم يستخدم المصريون منشطات أو تقنيات دعم نفسي، بل قاتلوا بإيمان غامر، معتبرين المعركة تحريرًا للكرامة قبل أن تكون استعادة أرض.
ثامنًا: استراتيجية الأسر بدل القتل
من المفارقات الغريبة أن عدد الأسرى الإسرائيليين خلال الحرب (162 جنديًا) فاق عدد القتلى (132 جنديًا) في بعض المواقع.
وهذا يشير إلى استراتيجية مصرية متعمدة لجمع أسرى يمكن استغلالهم في مفاوضات ما بعد الحرب، بدلًا من إهدار الأرواح دون هدف سياسي واضح.
هذه العقلانية العسكرية كانت أحد أسباب احترام الجيش المصري من جانب قادة العالم، حتى من خصومه.
تاسعًا: كيسنجر يعترف — “الجيش المصري لقّننا درسًا لا يُنسى”
كشفت وثائق أمريكية نُشرت في موقع The National Security Archive عن حوار بين هنري كيسنجر ومبعوث سوفيتي خلال أيام الحرب، أقر فيه كيسنجر بأن الجيش المصري "قدّم أداءً مدهشًا، وحقق مفاجأة عسكرية كاملة على كل المستويات".
وقال كيسنجر بالنص:
"لقد اعتقدنا أن العرب لا يستطيعون التخطيط ولا المفاجأة… لكن المصريين أثبتوا العكس تمامًا."
هذه الجملة أصبحت فيما بعد من أبرز اعترافات واشنطن بعبقرية التخطيط المصري.
عاشرًا: الدرس الذي لم يتعلمه الإسرائيليون بعد
رغم مرور نصف قرن، ما زالت إسرائيل تعيش في ظل عقدة أكتوبر. كل حرب تخوضها منذ ذلك اليوم — من لبنان إلى غزة — تُدار بذهنية “عدم تكرار المفاجأة”.
لكن paradoxically، كلما حاولت إسرائيل الإفراط في القوة، ازدادت هشاشتها الداخلية.
اليوم، وهي تواجه عزلة متزايدة على الساحة الدولية بسبب حربها في غزة، تبدو أكثر تشابهًا مع إسرائيل عام 1973 مما تتخيل.
خاتمة: حرب لم تنتهِ بعد
تقرير تايمز أوف إسرائيل لم يكن مجرد إعادة قراءة للماضي، بل تذكير بأن الذاكرة لا تموت، حتى لو حاولت الأنظمة طمسها.
في الوقت الذي تقل فيه احتفالات المصريين بانتصار أكتوبر، تتجدد مخاوف الإسرائيليين من تكراره في أي مواجهة قادمة.
لقد كانت حرب أكتوبر درسًا عسكريًا، ونفسيًا، واستراتيجيًا لا مثيل له — حربًا غيّرت الشرق الأوسط للأبد، وأثبتت أن الإيمان والعقل المصري قادران على قلب موازين التاريخ، حتى أمام أكثر الجيوش تجهيزًا وغرورًا في العالم.
المصادر:
- Times of Israel – “Forgotten in Egypt, still haunting Israel”
- Haaretz – “Golda Meir’s secret notes from Yom Kippur War”
- The National Security Archive – Kissinger’s Yom Kippur War conversations
- Wikipedia – Bar Lev Line
- Foreign Affairs – Edward Collins on the Yom Kippur War
أقرأ أيضًا:
انور السادات من البيجامة الكستور الى معاهدة السلام
سعد الدين الشاذلي.. الجنرال الذي انتصر فعوقب: تحليل سياسي–عسكري في الصراع بين النصر والعقاب


تعليقات
إرسال تعليق