"خلف كواليس الوساطة الأميركية: هل تضحي واشنطن بنتنياهو لإرضاء القاهرة؟" 🔥


وساطة أميركية لعقد لقاء بين السيسي ونتنياهو.. ما شروط القاهرة؟

قمة محتملة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.

تكشف الوساطة الأميركية لعقد لقاء محتمل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن لحظة سياسية فارقة في مسار الحرب على غزة. في هذا التحليل الحصري، نرصد شروط القاهرة الصارمة قبل أي قمة مرتقبة، وعلى رأسها إنهاء أي مخطط لتهجير الفلسطينيين، وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، وإعادة تشغيل معبر رفح في الاتجاهين دون وجود إسرائيلي، وإحياء المسار السياسي لحل الدولتين. كما يتناول المقال أبعاد ملف الغاز وصفقة ليفياثان ودور الضغوط الأميركية على تل أبيب، وحسابات نتنياهو الداخلية، وموقع مصر الإقليمي في معادلة التهدئة وإعادة الإعمار. قراءة معمّقة تكشف ما وراء الكواليس، ولماذا ترفض القاهرة تقديم شرعية سياسية مجانية دون مقابل حقيقي يحمي الأمن القومي المصري والقضية الفلسطينية.


في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب على غزة مع تصاعد الضغوط الدولية، وتبدّل أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، تبرز أنباء عن وساطة أميركية تستهدف عقد لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لقاءٌ لا يمكن فصله عن السياق العام للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ولا عن حسابات القاهرة الاستراتيجية التي راكمتها خلال الأشهر الماضية، ولا عن محاولات الإدارة الأميركية احتواء تداعيات الحرب ومنع انفجار إقليمي أوسع.

لكن القاهرة، وفق ما يؤكده خبراء ومحللون تحدثوا إلى «الشرق»، لا تتعامل مع هذه الوساطة بمنطق المجاملات الدبلوماسية أو البروتوكولات السياسية، بل تضع حزمة شروط وملفات حاسمة ترى أن حسمها مقدمة ضرورية لأي قمة محتملة. فمصر، التي دفعت كلفة سياسية وأمنية وإنسانية باهظة منذ اندلاع الحرب على غزة، ترى أن أي لقاء رفيع المستوى لا بد أن يُترجم إلى مكاسب سياسية ملموسة، وفي مقدمتها وقف مشاريع التهجير، وضمان الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وإعادة الاعتبار لمسار حل الدولتين، إلى جانب ملفات اقتصادية وأمنية لا تقل أهمية.

هذا المقال يحاول تفكيك المشهد بالكامل: لماذا تتحرك واشنطن الآن؟ ما الذي تريده القاهرة تحديداً؟ وكيف تقرأ مصر حسابات نتنياهو الداخلية؟ وما حدود الضغط الأميركي؟ والأهم: هل تمثل هذه الوساطة فرصة سياسية حقيقية أم مجرد محاولة لشراء الوقت؟

لماذا الوساطة الأميركية الآن؟ حسابات واشنطن بين غزة والانتخابات


أولاً: لماذا الوساطة الأميركية الآن؟ حسابات واشنطن بين غزة والانتخابات

التحرك الأميركي باتجاه القاهرة وتل أبيب لا يأتي من فراغ. فالولايات المتحدة تواجه اليوم مجموعة من التحديات المتزامنة:

  1. استمرار الحرب في غزة دون أفق سياسي واضح، وما يترتب عليها من كلفة إنسانية متزايدة تضع واشنطن في مواجهة انتقادات دولية غير مسبوقة.
  2. تآكل الردع الإقليمي، مع اتساع دائرة التوتر من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، وتهديد الملاحة الدولية.
  3. الضغط الداخلي الأميركي، حيث باتت الحرب على غزة ملفاً حاضراً بقوة في النقاشات السياسية والإعلامية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

في هذا السياق، ترى واشنطن أن القاهرة تظل اللاعب الإقليمي الأكثر قدرة على التأثير في مسارات التهدئة، سواء بحكم موقعها الجغرافي، أو دورها التاريخي في الملف الفلسطيني، أو قنوات الاتصال المفتوحة التي تحتفظ بها مع مختلف الأطراف.

لكن مصر، بخلاف مراحل سابقة، لم تعد تقبل بدور «وسيط مجاني»، بل باتت تشدد على أن أي تحرك سياسي يجب أن يحترم ثوابتها الأمنية والسيادية، وألا يتحول إلى غطاء لسياسات إسرائيلية أحادية.


ثانياً: القاهرة لا تذهب إلى القمم بلا ثمن سياسي

يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة طارق فهمي أن مصر تتعامل مع أي لقاء محتمل بين السيسي ونتنياهو باعتباره أداة سياسية لا هدفاً في حد ذاته. فالقاهرة، بحسب فهمي، تريد ضمانات واضحة ومكتوبة، لا وعوداً شفوية أو تفاهمات فضفاضة.

ويضيف أن الخبرة المصرية الطويلة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخاصة حكومة نتنياهو الحالية، جعلت صانع القرار في القاهرة أكثر حذراً، وأقل ميلاً لمنح شرعية سياسية مجانية في توقيت يخدم تل أبيب أكثر مما يخدم مسار السلام.

من هنا، تتحدد الشروط المصرية ضمن عدة ملفات مترابطة، يأتي في مقدمتها ملف التهجير الفلسطيني، ثم الوضع الميداني في غزة، فمعبر رفح، وصولاً إلى ملفات الطاقة والاقتصاد.


ثالثاً: لا للتهجير.. خط أحمر مصري لا يقبل التأويل

يُجمع الخبراء على أن إنهاء أي طرح يتعلق بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية يمثل المطلب الأول والأكثر حساسية بالنسبة للقاهرة.

طارق فهمي يؤكد أن مصر تعتبر أي سيناريو تهجير، سواء كان قسرياً أو «طوعياً» تحت ضغط القصف والحصار، تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.

ورغم محاولات إسرائيل تصوير المسألة باعتبارها «شأناً إنسانياً» أو «إجراءً مؤقتاً»، فإن القاهرة ترى فيها مشروعاً سياسياً كاملاً يهدف إلى:


  • تفريغ غزة من سكانها.
  • فرض وقائع ديموغرافية جديدة.
  • إسقاط حق العودة عملياً.
  • نقل عبء القضية الفلسطينية إلى مصر.

ولهذا، تصر القاهرة على أن أي قمة محتملة يجب أن تتضمن التزاماً إسرائيلياً واضحاً، وبدعم أميركي، بإسقاط أي حديث عن التهجير من الأساس.


رابعاً: معبر رفح.. السيادة أولاً

يأتي معبر رفح كأحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات المصرية. فالمعبر ليس مجرد نقطة عبور إنساني، بل رمز سيادي وأمني بالغ الأهمية.

يشير فهمي إلى أن مصر تشترط:

  • إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين.
  • عودة بعثة المراقبة الأوروبية.
  • تمكين الموظفين الفلسطينيين من إدارة الجانب الفلسطيني.
  • إنهاء أي وجود إسرائيلي داخل المعبر أو في محيطه.

وخلال الأيام الماضية، أثارت التصريحات الإسرائيلية حول فتح المعبر باتجاه واحد فقط، لخروج الفلسطينيين دون عودتهم، غضباً واسعاً في القاهرة. وسارعت مصر إلى نفي وجود أي تنسيق بهذا الشأن، مؤكدة أن هذه الطروحات مرفوضة جملةً وتفصيلاً.

كما جاء البيان المشترك الصادر عن مصر والسعودية وتركيا وعدد من الدول الإسلامية ليؤكد هذا الموقف، محذراً من خطورة تحويل المعبر إلى أداة للتهجير الجماعي.


خامساً: الانسحاب الإسرائيلي من غزة.. شرط لأي مسار سياسي

ترى القاهرة أن الحديث عن قمة أو مسار سياسي لا يمكن أن يتم بينما تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل غزة.

فالانسحاب الإسرائيلي، أو على الأقل وضع جدول زمني واضح له، يمثل شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة، وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، سواء فيما يتعلق بإدارة القطاع أو إعادة الإعمار.

كما أن بقاء القوات الإسرائيلية داخل غزة ينسف أي حديث جدي عن حل الدولتين، ويكرّس واقع الاحتلال المباشر أو غير المباشر، وهو ما ترفضه القاهرة بشكل قاطع.


سادساً: حل الدولتين.. العودة إلى المسار المنسي

من بين الملفات التي تضعها مصر بقوة على الطاولة، إعادة تفعيل المسار السياسي لحل الدولتين.

فالقاهرة ترى أن إدارة الأزمة من خلال التهدئات المؤقتة لم تعد كافية، وأن تجاهل الجذر السياسي للصراع هو ما قاد إلى الانفجار الحالي.

وتؤكد مصر أن أي قمة محتملة يجب أن تعيد التأكيد على:

  • إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967.
  • القدس الشرقية عاصمة لها.
  • ضمانات دولية لتنفيذ هذا المسار، لا مجرد بيانات إنشائية.

سابعاً: ملف الغاز.. السياسة بوجهها الاقتصادي

إلى جانب الملفات السياسية والأمنية، يبرز ملف الغاز كعنصر مهم في الحسابات المصرية.

طارق فهمي يشير إلى أن القاهرة أولت أهمية خاصة لتعديل اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي، خاصة بعد تحفظات وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين على المصادقة على التعديلات الأخيرة.

وكانت مصر قد وقّعت اتفاقاً مع إسرائيل عام 2020 لاستيراد الغاز الطبيعي، قبل أن يتم تعزيز الصفقة في أغسطس الماضي، بإضافة نحو 4.6 تريليون قدم مكعب، في اتفاق يمتد حتى عام 2040، وقد تصل عائداته إلى 35 مليار دولار.

ويمثل هذا الغاز مورداً مهماً لمصر، سواء للاستهلاك المحلي أو لإعادة التسييل والتصدير، خاصة في ظل امتلاك القاهرة بنية تحتية متقدمة في هذا المجال.

ويشير فهمي إلى حدوث انفراجة نسبية في هذا الملف خلال الساعات الأخيرة، نتيجة ضغوط أميركية مباشرة على الحكومة الإسرائيلية، خاصة أن شركة «شيفرون» الأميركية تمتلك حصة تشغيلية كبيرة في حقل «ليفياثان».


ثامناً: الغاز كصفقة رابحة للقاهرة

من جانبه، يرى الخبير في شؤون الأمن القومي اللواء محمد عبد الواحد أن صفقة الغاز تمثل مكسباً اقتصادياً واضحاً لمصر، نظراً لانخفاض كلفة الغاز الإسرائيلي مقارنة بالغاز الطبيعي المُسال المستورد من الأسواق العالمية.

ويضيف أن القاهرة تنظر إلى هذا الملف من زاوية براغماتية، دون أن تفصله عن السياق السياسي العام، مؤكداً أن الاقتصاد بات جزءاً لا يتجزأ من أدوات السياسة الخارجية.


تاسعاً: ما ليس مطروحاً على الطاولة

في المقابل، يقلل خالد عكاشة، رئيس المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية السابق، من الحديث عن صفقات عسكرية أو تسهيلات تسليحية أميركية مقابل عقد القمة.

ويؤكد أن القاهرة لا تتعامل بمنطق المقايضة، وأن الجوانب الاقتصادية أو العسكرية ليست هي المحرك الأساسي للموقف المصري في هذه المرحلة، بل الاعتبارات السياسية والأمنية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.


عاشراً: حسابات نتنياهو.. مأزق داخلي وضغط خارجي

لا يمكن فصل الوساطة الأميركية عن مأزق نتنياهو الداخلي، الذي يواجه ضغوطاً سياسية وقضائية متزايدة، وانقسامات داخل حكومته.

ويرى مراقبون أن نتنياهو قد يسعى إلى استغلال أي لقاء مع السيسي لكسر عزلته الدولية، وتقديم نفسه كزعيم قادر على التواصل مع القوى الإقليمية الكبرى.

لكن القاهرة تدرك هذه الحسابات جيداً، ولذلك تحرص على ألا يتحول اللقاء – إن تم – إلى طوق نجاة سياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي دون مقابل حقيقي.


حادي عشر: سيناريوهات القمة.. بين الانعقاد والتعثر

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. انعقاد القمة بشروط مصرية، وهو السيناريو الأفضل للقاهرة، ويعني تحقيق اختراق سياسي حقيقي.
  2. تأجيل القمة بسبب عدم التوافق على الشروط، وهو سيناريو مرجح في ظل تعنت الحكومة الإسرائيلية.
  3. فشل الوساطة، ما قد يدفع مصر إلى تشديد مواقفها الدبلوماسية، والبحث عن مسارات بديلة.

خاتمة: القاهرة تمسك بالأوراق وتعرف وزنها

في المحصلة، تؤكد المعطيات أن مصر لا تتحرك تحت ضغط، ولا تقبل بلعب دور شاهد الزور في لحظة تاريخية فارقة.

فالوساطة الأميركية، مهما بدت مهمة، تظل وسيلة لا غاية في الحسابات المصرية. والقاهرة، التي دفعت ثمناً باهظاً للحفاظ على استقرار المنطقة، ترى أن الوقت قد حان لترجمة هذا الدور إلى مكاسب سياسية حقيقية تحفظ الأمن القومي المصري، وتعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية.

وحتى تتوفر هذه الشروط، ستظل القمة المحتملة رهينة حسابات دقيقة، تعرف القاهرة كيف تديرها بهدوء، ولكن بحزم لا يقبل المساومة.

إقرأ أيضا :

اختراق المجال الجوي فوق سيناء.  حرب الوعى والإشاعات المنظمة

غزة في قلب صفقة الشرق الأوسط: لماذا تضغط واشنطن؟ وما شروط مصر الحقيقية؟

تصعيد إثيوبيا وإسرائيل يربك المنطقة: هل يواجه الشرق الأوسط ترتيبًا إقليميًا جديدًا أم حربًا كبرى في الشمال؟

"القنبلة الانزلاقية المصرية MK-84: كيف غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط وأثارت قلق إسرائيل وإثيوبيا؟"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار