غزة في قلب صفقة الشرق الأوسط: لماذا تضغط واشنطن؟ وما شروط مصر الحقيقية؟

صفقة الشرق الأوسط على نار هادئة

تفكيك منطق الصفقة الأمنية الجديدة ومن يدفع الثمن؟

تحليل سياسي معمّق يكشف كواليس صفقة الشرق الأوسط الجديدة، وضغوط واشنطن لعقد قمة محتملة بين السيسي ونتنياهو، وشروط مصر الأمنية، ومستقبل غزة بعد الحرب، ومحوري فيلادلفيا ونتساريم، وحقيقة قوة الاستقرار الدولية، وصفقة الغاز، ودور السعودية وإيران، ولماذا تفرض إسرائيل وقائع ميدانية رغم الحديث عن التهدئة. مقال يشرح منطق الصفقة: الأمن أولًا… فمن يدفع الثمن؟

الصفقة التي لا تُعلن ولكن تُدار

ما يُسمّى اليوم في الكواليس السياسية بـ«صفقة الشرق الأوسط» لا يُطرح في صورة وثيقة واحدة ولا يُقدَّم عبر مؤتمر دولي جامع، بل يُدار كعملية بطيئة، مركّبة، تتداخل فيها الضغوط السياسية مع الوقائع العسكرية، والتسريبات الإعلامية مع الحروب النفسية، والاتصالات الخلفية مع مشاهد الدم على الأرض. نحن لا أمام سلام، ولا أمام حرب شاملة، بل أمام مرحلة هندسة أمنية تُعاد فيها صياغة التوازنات بالقوة ثم تُغلَّف لاحقًا بالسياسة.

في هذه المرحلة، يصبح السؤال الأهم ليس: متى تُعلن الصفقة؟ بل: كيف تُطبخ؟ ومن يضع مكوناتها؟ ومن يُطلب منه دفع الفاتورة؟

هذا المقال لا يقدّم رواية رسمية، ولا ينقل تسريبًا بعينه، بل يحاول تفكيك منطق الصفقة ذاته: لماذا تضغط واشنطن الآن؟ لماذا ترفض القاهرة الصورة بلا مقابل؟ لماذا يتحول محور فيلادلفيا ونتساريم إلى خطوط حمراء؟ وما حقيقة «قوة الاستقرار الدولية» التي يُراد تسويقها كحل، بينما يخشاها كثيرون كمدخل لأزمة أطول؟


لماذا تضغط واشنطن لعقد قمة ثلاثية الآن؟

الضغط الأمريكي لعقد لقاء – أو حتى صورة – تجمع بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يأتي من فراغ. في حسابات واشنطن، المنطقة تقف على حافة انفجار أوسع: غزة لم تُحسم، الجبهة اللبنانية مفتوحة على التصعيد، سوريا تُستخدم كساحة رسائل، وإيران تراقب دون أن تدخل مباشرة. في هذا السياق، تحتاج الولايات المتحدة إلى إشارة سياسية سريعة توحي بأن مسار السيطرة لا يزال قائمًا.

القمة الثلاثية المحتملة (أمريكا–مصر–إسرائيل) ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة لإرسال عدة رسائل في آن واحد: أولها أن واشنطن لا تزال المايسترو القادر على جمع الأطراف، وثانيها أن القاهرة – بوصفها الطرف العربي الأكثر تماسًا وتأثيرًا – لا تزال داخل المعادلة، وثالثها أن إسرائيل ليست معزولة بالكامل رغم الحرب.

لكن الأهم أن هذه القمة تُستخدم كرافعة ضغط: من يرفضها يُتَّهم بالتعطيل، ومن يقبلها بلا شروط يُستنزف لاحقًا. وهنا تدرك القاهرة أن التوقيت ليس بريئًا، وأن الصورة قد تتحول إلى أداة ابتزاز سياسي طويل الأمد.


لماذا ترى القاهرة أن الصورة أخطر من الاتفاق؟

في الشرق الأوسط، الصورة السياسية ليست تفصيلًا بروتوكوليًا. صورة واحدة قد تُستخدم داخليًا في إسرائيل لتثبيت حكومة مأزومة، أو خارجيًا لإقناع الرأي العام الغربي بأن الحرب أنتجت «شركاء سلام». لذلك، تتعامل مصر مع أي لقاء مصوَّر بحذر شديد.

القاهرة تعرف أن أي قمة بلا مقابل واضح ستُفسَّر على ثلاثة مستويات:

  1. إسرائيليًا: ككسر لحالة العزلة السياسية.
  2. عربيًا: كتنازل أو تطبيع مجاني.
  3. استراتيجيًا: كقبول مصري بدور أمني لاحق في غزة.

لهذا تضع مصر شروطًا واضحة ومحددة، لا تُطرح في الإعلام لكنها تُناقش في الغرف المغلقة، وعلى رأسها: الانسحاب الكامل من محور فيلادلفيا، رفض أي وجود دائم في محور نتساريم، وضمانات مكتوبة بشأن معبر رفح، وعدم تحميل مصر أي دور عسكري أو أمني داخل القطاع.


محور فيلادلفيا… لماذا هو خط أحمر مصري؟

محور فيلادلفيا ليس مجرد شريط حدودي بطول 14 كيلومترًا، بل هو نقطة تماس مباشرة بين غزة وسيناء، وأي وجود إسرائيلي فيه يعيد فتح ملف السيادة والأمن القومي المصري من أوسع أبوابه. تاريخيًا، هذا المحور كان أحد أكثر النقاط حساسية في ترتيبات ما بعد كامب ديفيد.

إسرائيل تحاول تسويق بقائها المؤقت في فيلادلفيا كضرورة أمنية لمنع التهريب، لكن القاهرة ترى في ذلك ذريعة دائمة لفرض وجود طويل الأمد. فالتجربة تقول إن «المؤقت» في العقلية الأمنية الإسرائيلية يتحول غالبًا إلى دائم.

الخطورة لا تكمن فقط في الوجود العسكري، بل في ما يترتب عليه: أي حادث أمني سيُحمَّل لمصر، وأي تصعيد قد يمتد إلى سيناء، وأي فشل سيُستخدم كورقة ضغط سياسية لاحقة. لذلك تقول القاهرة بوضوح: انسحاب كامل وغير قابل للتأويل، أو لا صفقة.

لمزيد من الخلفية التاريخية: اتفاقيات كامب ديفيد – موسوعة بريتانيكا


محور نتساريم… غزة المُقسَّمة أمنيًا

محور نتساريم تحوّل خلال الحرب من إجراء عسكري طارئ إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لغزة. السيطرة عليه تعني عمليًا فصل شمال القطاع عن جنوبه، والتحكم في حركة السكان، والمساعدات، وحتى إعادة الإعمار مستقبلًا.

من وجهة النظر الإسرائيلية، هذا المحور هو «صمام أمان». أما من وجهة النظر المصرية والفلسطينية، فهو وصفة لانفجار دائم. غزة المقسّمة أمنيًا لا يمكن أن تكون مستقرة، ولا يمكن إدارتها مدنيًا، ولا يمكن إعادة إعمارها دون صدامات متكررة.

لهذا تصر القاهرة على أن أي ترتيبات ما بعد الحرب يجب أن تُنهي هذه السيطرة، لا أن تعيد إنتاجها بصيغ جديدة.


هل تُستخدم صفقة الغاز كحافز سياسي؟

يتردد في الكواليس حديث عن إدخال ملف غاز شرق المتوسط ضمن «سلة الحوافز» المقدمة لمصر. الحديث يشمل تسهيلات، واستثمارات، وربما ترتيبات تصدير. لكن هذا الطرح يواجه تحفظًا مصريًا واضحًا.

مصر بالفعل لاعب محوري في معادلة الغاز الإقليمي، وتمتلك بنية تحتية وموقعًا يؤهلها لذلك. لكنها ترفض من حيث المبدأ تحويل الطاقة إلى ثمن سياسي لقضايا تمس أمنها القومي. الغاز يمكن أن يكون مجال تعاون اقتصادي، لكنه لا يصلح ليكون مقابل سيادة أو أمن حدود.

مرجع: وكالة الطاقة الدولية – الشرق الأوسط


ما هي «قوة الاستقرار الدولية» في غزة؟

مصطلح «قوة الاستقرار الدولية» يبدو للوهلة الأولى محايدًا ومطمئنًا، لكنه يحمل في طياته أسئلة خطيرة. الحديث يدور عن قوة متعددة الجنسيات، لا تُقدَّم كقوة قتالية، بل كقوة تثبيت ومراقبة، مع قيادة أو تنسيق أمريكي.

المعضلة أن هذه القوة قد تتحول عمليًا إلى أداة لإدارة غزة أمنيًا دون معالجة الجذر السياسي للصراع. تجارب البوسنة وكوسوفو تُظهر أن القوات الدولية قد تُجمِّد النزاع لكنها لا تحله.

مرجع: الناتو وتجارب إدارة ما بعد النزاعات


لماذا القيادة أمريكية؟ ولماذا مقرها داخل إسرائيل؟

إصرار واشنطن على قيادة هذا الترتيب يعود إلى رغبتها في ضمان أمن إسرائيل ومنع أي مسار يخرج عن سيطرتها. لكن الأخطر هو ما يتردد عن أن يكون مقر القيادة داخل إسرائيل. هذا يعني عمليًا أن غزة ستُدار أمنيًا من خارجها، وبمنظور طرف واحد.

من وجهة نظر مصر، هذا الترتيب غير مقبول، لأنه يُحوّل القوة الدولية إلى امتداد غير مباشر للاحتلال، ويجعل القاهرة في موقع المتلقي للنتائج لا الشريك في القرار.


عقدة نزع السلاح… بين التثبيت والتفكيك

السؤال المركزي الذي لم يُحسم بعد: هل مهمة القوة الدولية تثبيت وقف إطلاق النار، أم نزع سلاح الفصائل؟ إسرائيل تدفع بقوة نحو التفكيك الكامل، بينما ترى أطراف أخرى أن نزع السلاح بالقوة دون أفق سياسي سيُنتج مقاومة أكثر عنفًا.

التجارب الدولية تؤكد أن الحلول الأمنية الصرفة تفشل عندما تُفصل عن مسار سياسي واضح يعالج جذور الصراع.


ليندسي غراهام و«الغطاء الفلسطيني» للتطبيع

تصريحات السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام حول ضرورة وجود «غطاء فلسطيني» لأي تطبيع سعودي–إسرائيلي تعكس إدراكًا متزايدًا في واشنطن بأن تجاوز القضية الفلسطينية بالكامل لم يعد ممكنًا. السعودية، بخلاف بعض الدول الأخرى، لا تريد تطبيعًا بلا ثمن سياسي واضح.

غزة هنا تتحول من ملف إنساني إلى ورقة تفاوض إقليمية.

مصدر: رويترز – شؤون الشرق الأوسط


الشائعات وحرب الوعي قبل القمم

انتشار مقاطع فيديو غير مؤكدة عن تحركات عسكرية أو طيران فوق سيناء ليس تفصيلًا عابرًا. هذه أدوات في حرب الوعي، تُستخدم لرفع منسوب القلق، وتهيئة الرأي العام، ودفع الأطراف إلى مواقف تفاوضية أضعف.

تحليل: RAND – حروب المعلومات


لماذا تفرض إسرائيل وقائع ميدانية رغم الحديث عن تهدئة؟

في الجنوب اللبناني، وفي سوريا، وحتى في محيط غزة، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية. الرسالة واضحة: السياسة تُناقَش، لكن الأرض تُحسم بالفعل العسكري. هذا المنطق يجعل أي تهدئة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.


منطق الصفقة ومن يدفع الثمن؟

ما يجري ليس صفقة سلام شاملة، بل إدارة أزمة طويلة الأمد تُقدَّم فيها الترتيبات الأمنية على الحلول السياسية. السؤال المفتوح: هل يمكن فرض استقرار دائم دون عدالة سياسية؟ أم أن المنطقة تُدفَع مرة أخرى نحو دورة جديدة من العنف المؤجل؟


سيناء ومعادلة الردع الصامت

سيناء هي الحاضر الغائب في كل النقاشات المتعلقة بغزة. أي حديث عن ترتيبات أمنية لا يضع في اعتباره حساسية هذا الإقليم وحدوده وتركيبته الاجتماعية والأمنية هو حديث ناقص. مصر خاضت معركة طويلة ومكلفة لتثبيت الاستقرار في سيناء، ولن تقبل – تحت أي ظرف – أن تتحول غزة إلى مصدر تهديد متجدد يعيد فتح هذا الملف.

من منظور القاهرة، الخطر لا يكمن فقط في السلاح، بل في الفوضى. غزة غير المستقرة تعني حدودًا رخوة، وضغوطًا أمنية مستمرة، ومحاولات تدويل غير مباشرة للملف الحدودي. لهذا تصر مصر على أن أي صيغة لإدارة غزة يجب أن تضمن سيادة فلسطينية واضحة، لا إدارة أمنية عائمة.


السعودية… الحلقة التي لا تُرى ولكنها حاضرة

لا يمكن فهم الضغوط الأمريكية دون إدراك موقع السعودية في المعادلة. واشنطن تريد تطبيعًا سعوديًا–إسرائيليًا بوصفه الجائزة الكبرى، لكن الرياض تدرك أن القفز فوق غزة سيكلّفها سياسيًا وإقليميًا. من هنا يأتي الحديث عن «غطاء فلسطيني» يسمح للسعودية بالمناورة دون خسارة مكانتها العربية والإسلامية.

غزة، في هذا السياق، ليست فقط قضية إنسانية، بل مفتاحًا سياسيًا لإعادة ترتيب الإقليم. وأي فشل في تقديم مسار مقنع فيها سيعقّد حسابات التطبيع بدل أن يسهلها.


إيران… الحاضر من دون توقيع

رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا على طاولة التفاوض، إلا أن إيران حاضرة في كل الحسابات. واشنطن وإسرائيل تنظران إلى غزة ولبنان وسوريا كجبهات مترابطة، والهدف النهائي هو تحجيم قدرة طهران على استخدام الوكلاء كورقة ضغط.

لكن المفارقة أن الضغط الزائد قد يدفع هذه الوكلاء إلى مزيد من التصعيد بدل التفكيك. وهذا ما يجعل المقاربة الأمنية البحتة محفوفة بالمخاطر.


ما بعد 2025… سيناريوهات مفتوحة

كثير من التقديرات الغربية تتحدث عن نافذة زمنية حتى نهاية 2025 لإعادة ضبط الإقليم. بعد ذلك، قد تتغير الحسابات. السيناريوهات المحتملة تشمل:

  • تثبيت ترتيبات أمنية هشة في غزة.
  • تصعيد محدود في الجنوب اللبناني.
  • استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي على الفاعلين غير الدوليين.

لكن العامل الحاسم سيبقى قدرة هذه الترتيبات على الصمود أمام الواقع الاجتماعي والسياسي المعقد للمنطقة.


لماذا قد تفشل الصفقة؟

تفشل الصفقات حين تُبنى على القوة وحدها. تجاهل البعد السياسي والإنساني في غزة، وتحويل القطاع إلى ملف أمني فقط، سيؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال مختلفة. الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى عبر شرعية داخلية ومسار سياسي واضح.


الصفقة بين الوهم والواقع

ما يُطبخ اليوم في الكواليس ليس سلامًا، بل محاولة لإدارة التوتر بأقل كلفة ممكنة للقوى الكبرى. السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: هل يمكن لمعادلة «الأمن أولًا» أن تنتج سلامًا دائمًا؟ أم أنها تؤجل الانفجار فقط؟

في النهاية، ستبقى غزة مرآة لاختبار صدقية أي مشروع إقليمي جديد. ومن دون معالجة حقيقية لجذور الصراع، ستظل كل الصفقات مؤقتة، وكل التهدئات هشة، وكل الصور السياسية بلا مضمون.


شاركنا رأيك: هل تثق في ترتيبات انتقالية تقودها واشنطن في غزة؟ وهل تقبل مصر قمة بلا مقابل واضح ومكتوب؟

اقرأ أيضا:

تصعيد إثيوبيا وإسرائيل يربك المنطقة: هل يواجه الشرق الأوسط ترتيبًا إقليميًا جديدًا أم حربًا كبرى في الشمال؟

"القنبلة الانزلاقية المصرية MK-84: كيف غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط وأثارت قلق إسرائيل وإثيوبيا؟"

تسليح مصري غير مسبوق: ماذا وراء اندفاع القاهرة نحو المقاتلات الصينية الشبحية ومنظومات الردع الجديدة في 2025؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار