"القنبلة الانزلاقية المصرية MK-84: كيف غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط وأثارت قلق إسرائيل وإثيوبيا؟"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"القنبلة التي غيّرت المعادلة: تحليل عسكري واستراتيجي لتصنيع مصر لقنبلة MK-84 الانزلاقية وتداعياته الإقليمية على إسرائيل وإثيوبيا"
تقرير شامل: الكشف عن قنبلة MK-84 الانزلاقية المصرية في معرض إيديكس 2025 وتداعياته الإستراتيجية. تحليل عسكري للقدرات الجديدة، قراءة في ردود الفعل الإسرائيلية والإثيوبية، واستشراف لمستقبل التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط بعد هذا التطور النوعي.
صباح التحديات الجديدة.. وصناعة الردع المحلي.
في مشهد صباحي يختزل تحولات عميقة، يطل علينا تصعيد مفاجئ ومتزامن من إثيوبيا وإسرائيل تجاه مصر، ليس بمعزل عن سياقه، بل يأتي مباشرة في أعقاب إعلانات تاريخية خرجت من أرض معرض الدفاع الدولي "إيديكس 2025" في القاهرة. لم تكن تلك الإعلانات مجرد عروض تقليدية، بل كانت إعلانًا صريحًا عن ولادة مرحلة جديدة في القدرات الاستراتيجية المصرية، تجسدت في الكشف عن قنبلة "MK-84" محلية الصنع والتحكم، والمطورة بقدرات انزلاقية تمدد ظلها لمسافة 50-80 كيلومترًا. هذه القنبعة، التي تمثل واحدة من أثقل الذخائر التقليدية الأمريكية وأعتى أسلوبًا، تحولت من سلاح مستورد إلى منتج مصري خالص، يحمل في داخله رسالة واضحة: أن زمن الاعتماد شبه الكلي على الخارج في العمق الاستراتيجي قد أوشك على الأفول.
هذا المقال، يهدف إلى تشريح هذا التحول الجيوسياسي والعسكري من جذوره. سنتتبع خيوط اللعبة من ورش التصنيع الحربي المصري إلى دوائر القرار المضطربة في أديس أبابا وتل أبيب، مرورًا بساحات القوة الناعمة الصلبة التي تمارسها القاهرة. سنعتمد على تحليل عسكري دقيق، واستقراء استراتيجي مدعم بمصادر إخبارية موثقة وروابط فعالة، لفهم لماذا شعرت إثيوبيا وإسرائيل، رغم تباعد أولوياتهما، بضرورة التصعيد في هذه اللحظة بالذات؟ وما هي حدود القوة الجديدة التي تمتلكها مصر، وهل هي كافية لردع التحديات المتزامنة على جبهتي النيل والسلام؟
إيديكس 2025.. أكثر من معرض، إنه إعلان مرحلة.
1.1. السياق الاستراتيجي للمعرض: البحث عن الاكتفاء والعودة لدور الإقليم.
لم يأتِ معرض "إيديكس 2025" من فراغ. فهو حلقة في مسيرة طويلة بدأت مع الإدراك المصري، بعد حروب القرن العشرين، لأهمية التصنيع العسكري المحلي كضامن للقرار السياسي المستقل. فبعد عقود من الاعتماد على المعدات السوفييتية ثم الأمريكية، شهد العقد الماضي تحولًا جذريًا في الرؤية. فبحسب تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، احتلت مصر المرتبة الثالثة عالميًا في استيراد الأسلحة للفترة 2019-2023، وهو مؤشر على الحاجة الماسة، ولكنه أيضًا كان الدافع الأقوى لتطوير قاعدة صناعية محلية لتخفيض هذه الفاتورة وتحقيق الأمن القومي.
1.2. نجوم العرض: قنبلة MK-84 الانزلاقية.. فك الارتباط عن بعد.
كان النجم الأبرز الذي سرق الأضواء وأثار ضجة تحليلية وعسكرية هو قنبلة "MK-84" المطورة محليًا. ولكن ما هي هذه القنبلة تحديدًا؟
· المواصفات التقنية: قنبلة "مارك 84" الأمريكية الأصل هي قنبلة جاذبية (غير موجهة) عيار 2000 رطل (907 كجم)، تحتوي على 429 كجم من المادة شديدة الانفجار (ترايتونال). قوتها التدميرية هائلة، قادرة على إبادة دبابات، وتدمير منشآت محصنة، وحفر فوهات بعمق 15 مترًا وقطر 50 مترًا.
· التطوير المصري (الطفرات الحقيقية): التطوير المصري لم يقتصر على التصنيع فقط، بل أضاف لها:
1. مجموعة التوجيه الانزلاقية (Guidance Kit): تحويلها من قنبلة "غبية" إلى سلاح ذكي موجه (JDAM Equivalent). هذه المجموعة تضم أجنحة صغيرة ولوحات توجيه تمنحها القدرة على الانزلاق والتحكم في مسارها بعد الإطلاق.
2. امتداد المدى (50-80 كم): هذه هي النقطة الثورية. طائرة مقاتلة مصرية (كـ F-16 أو رافال) يمكنها إطلاق القنبلة من خارج نطاق العديد من أنظمة الدفاع الجوي التكتيكية للعدو، مع الاحتفاظ بدقة إصابة عالية. هذا يحمي الطائرة ويغير حسابات الاشتباك.
3. التحكم والتوجيه الذاتي: القدرة على برمجتها لتضرب إحداثيات محددة (نظام GPS/INS) أو توجيهها ليزريًا في المراحل النهائية.
الرسالة: مصر لم تعد مجرد مشترٍ، بل أصبحت قادرة على "هندسة عكسية" وتطوير أحد أكثر الذخائر الأمريكية فتكًا، مما يمنحها حريّة عمل استراتيجية أكبر، خاصة في ظل الشروط السياسية الأمريكية المتقلبة أحيانًا بشأن استخدام الذخائر المتطورة.
1.3. تعزيز الأسطول الجوي: ظهور عائلة مسيّرات "جبار" (150/200/250).
لم تكن القنبلة وحدها. فقد كشفت مصر عن عائلة جديدة من الطائرات المسيّرة القتالية (UCAVs) تحمل اسم "جبار" بأوزان إقلاع مختلفة (150، 200، 250 كجم)، مما يشير إلى تخصصات متعددة: استطلاع، هجوم خفيف، وحتى إجراء عمليات "صيد" للإلكترونيات. هذه المسيّرات المحلية تعزز من قدرات المراقبة المستمرة والضربات الدقيقة، خاصة في المسارح الصعبة مثل الصحاري أو عبر الحدود المائية، وتقلل من المخاطر على الطيارين.
1.4. الصفقات الكبرى: شراكات إستراتيجية وليس مبيعات فقط.
شهد المعرض توقيع صفقات بمليارات الدولارات، أبرزها مع شركات من دول مثل التشيك والإمارات والصين. هذه الصفقات تتجاوز مفهوم "البيع والشراء" إلى "نقل التكنولوجيا والمشاركة في التصنيع". على سبيل المثال، الاتفاق مع شركة "إيرو فودوخودي" التشيكية يشمل خطوط إنتاج لأنظمة تدريب وطائرات خفيفة في مصر. هذا يعمق قاعدة الصناعة ويدمج مصر في سلاسل التوريد الدفاعية العالمية كشريك صناعي، وليس سوقًا استهلاكية فقط.
دوائر القلق: قراءة في ردود الفعل الإثيوبية والإسرائيلية
2.1. إثيوبيا: التصعيد كـ "صادرات للأزمة الداخلية"
جاء التصعيد الإثيوبي (سواء عبر بيانات دبلوماسية حادة أو تحركات عسكرية محتملة قرب الحدود) وكأنه محاولة لتحويل الأنظار. الدولة التي تواجه أزمات وجودية مع تمرد "فانو" في إقليم أمهرا، واستمرار التوتر في تيغراي، وتعقيدات مفاوضات سد النهضة، وجدت في الإنجاز العسكري المصري فرصة للشحن الوطني.
· تحليل الدافع:
· تشتيت الانتباه: تصدير الأزمة عبر خلق عدو خارجي (مصر) لتوحيد الصف الداخلي المتناحر.
· استعراض القوة في مفاوضات النيل: محاولة لاستعادة ورقة ضغط في مفاوضات سد النهضة، بإظهار أن إثيوبيا ليست طرفًا ضعيفًا ويمكنها افتعال أزمات على الحدود.
· الرد على التفوق الجوي: قدرة مصر الجديدة على توجيه ضربات دقيقة وبعيدة المدى تثير قلقًا إثيوبيًا حقيقيًا، خاصة إذا ما تخيلت سيناريوهات مستقبلية متطرفة حول حماية الأمن المائي المصري. هذه القدرات تضع أي منشآت حيوية (كـ سد النهضة نفسه) ضمن نطاق التهديد النظري، وهو ما يغير من حسابات أديس أبابا.
2.2. إسرائيل: القلق من انهيار "احتكار التكنولوجيا" وبروز لاعب إقليمي مركزي.
الرد الإسرائيلي (والذي قد يتخذ شكل تسريبات إعلامية عن قلق الجيش، أو تحليلات استخباراتية، أو حتى تحركات عسكرية رمزية) يعكس قلقًا أكثر عمقًا وجوديًا.
· تحليل الدافع:
1. انهيار التفوق النوعي (Qualitative Edge):
لطالما اعتمد الأمن الإسرائيلي على التفوق التكنولوجي الساحق لجيشه على جميع الجيوش العربية. ظهور مصر كقادرة على تصنيع وتطوير ذخائر بهذا التعقيد (مثل MK-84 الانزلاقية) يعني أن "الفجوة التكنولوجية" آخذة في الضيق. مصر الآن لديها "مطرقة ثقيلة" محلية يمكنها نشرها بلا قيود خارجية.
2. توسيع نطاق التهديد الجوي:
المدى المتزايد للقنبلة (80 كم) يعني أن الطائرات المصرية يمكنها إطلاقها من عمق المجال الجوي المصري أو من فوق البحر المتوسط لتهديد أهداف في عمق غزة أو حتى الأراضي الإسرائيلية الجنوبية، مع بقاء الطائرة في مأمن نسبي. هذا يعقّد من مهمة الدفاع الجوي الإسرائيلي (القبة الحديدية، حيتس، إلخ) الذي صُمم أساسًا للتعامل مع صواريخ وطائرات مسيرة تقترب من الحدود.
3. الخشية من الدور المصري في غزة:
التصعيد يأتي في سياق الدور المصري المتعاظم كوسيط وحتى كطرف فاعل في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة. إسرائيل ترى أن القوة العسكرية المصرية الجديدة تعزز من ورقة الضغط المصرية في هذه الملفات، وتجعل من الصعب تجاهل المطالب المصرية الخاصة بالأمن الحدودي ومستقبل غزة.
4. التحدي للصناعة الدفاعية الإسرائيلية:
إسرائيل هي مصدّر رئيسي للأسلحة المتطورة. بروز مصر كمنافس محلي في المنطقة قد يهدد حصصها السوقية على المدى الطويل في أفريقيا والشرق الأوسط.
· المصدر: تحليل إسرائيلي حول تصاعد القدرات العسكرية المصرية - معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS).
امصر بين "القوة الناعمة الصلبة" و"الحصار السياسي" للآخرين.
3.1. مصر: استراتيجية القوة الناعمة الصلبة (Soft-Hard Power).
المفارقة التي يكشفها هذا المشهد هي الطريقة المصرية في ممارسة النفوذ. مصر لا تتبنى خطابًا عدوانيًا علنيًا، ولكنها تستثمر في:
· القدرات الصلبة (Hard Power): التصنيع العسكري، تحديث الأسطول، تعزيز الردع النووي السلمي (محطة الضبعة).
· القوة الناعمة (Soft Power): الوساطة بين حماس وإسرائيل، استضافة قمة المناخ COP27، الدور الثقافي والأزهري في أفريقيا والعالم الإسلامي، خطاب الاعتدال الديني.
الخلطة بينهما تخلق ما يمكن تسميته"القوة الناعمة الصلبة"، حيث يكون التفوق العسكري والصناعي هو الضامن الخفي لفاعلية الدور الدبلوماسي والسياسي. مصر تمارس النفوذ من موقع القوة الذاتية المكتسبة، وليس الوراثة أو الدعم الخارجي فقط.
3.2. إسرائيل وإثيوبيا: نحو "حصار سياسي" ذاتي؟
في المقابل، يبدو أن إسرائيل وإثيوبيا تتجهان، بفعل سياساتهما الداخلية والخارجية، نحو شكل من أشكال "الحصار السياسي":
· إسرائيل: تعاني من عزلة دولية متصاعدة بسبب حرب غزة (قضية جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية، انتقادات أوروبية)، وأزمات داخلية عميقة (التصدع الاجتماعي، الاستقطاب السياسي). تصعيدها تجاه مصر قد يُفسر كمحاولة لاستعادة المبادرة أو إظهار القوة في وجه أي تحدي إقليمي جديد.
· إثيوبيا: محاصرة بأزمات داخلية دموية (فانو، تيغراي)، وعلاقات متوترة مع جيرانها (مصر، السودان، الصومال)، وتعثر في تحقيق فوائد ملموسة من سد النهضة بسبب الخلافات. تصعيدها يبدو كرد فعل انعزالي لتعزيز الشرعية الداخلية، ولكنه قد يعمق من عزلتها الإقليمية.
التوقعات والسيناريوهات المستقبلية: أين تتجه المعادلة؟
4.1. السيناريو الأول (الأرجح): الاستمرار في حروب الردع والمنافسة غير المباشرة.
· مصر: ستواصل تطوير ترسانتها (صواريخ كروز، أنظمة دفاع جوي متطورة، غواصات)، وتعزيز شراكاتها التصنيعية (مثل التعاون مع إيطاليا في كورفيتات "باوهاوس").
· إسرائيل: ستسرع في تطوير جيل جديد من أنظمة الدفاع الجوي للتعامل مع التهديدات بعيدة المدى، وستحاول تعزيز تحالفاتها (مع قبرص واليونان) لمواجهة النفوذ المصري في شرق المتوسط.
· إثيوبيا: ستلجأ أكثر للدبلوماسية مع مصر لحل أزمتي الحدود والنيل، بينما تواصل قمع التمرد الداخلي. التصعيد العسكري المباشر مع مصر يبقى احتمالًا ضعيفًا بسبب الهوة العسكرية الواسعة.
4.2. السيناريو الثاني (المتوسط الاحتمال): تصعيد محدود وحروب بالوكالة.
· احتمال حدوث مناوشات حدودية بين مصر وإثيوبيا عبر الحدود السودانية المتوترة أصلًا.
· استمرار الخلافات الإسرائيلية المصرية حول غزة عبر حرب استنزاف دبلوماسية وإعلامية.
· قد تبحث إثيوبيا وإسرائيل عن تعزيز علاقتهما كرد فعل على القوة المصرية (علاقات إثيوبية إسرائيلية قديمة).
4.3. السيناريو الثالث (ضعيف الاحتمال): التصعيد المباشر والمواجهة.
مواجهة عسكرية مباشرة مفتوحة بين مصر وإحدى هاتين الدولتين تبقى مستبعدة جدًا بسبب:
· التكاليف الباهظة: على إسرائيل (حرب على جبهتين محتملتين)، وعلى إثيوبيا (انهيار الدولة)، وعلى مصر (تعطيل مسيرة التنمية).
· الضغوط الدولية: الولايات المتحدة لن تسمح بزعزعة استقرار حليفها الإستراتيجي (إسرائيل) ولا شريكها المهم (مصر). كما أن الصين، المستثمر الكبير في إثيوبيا، ستضغط من أجل الاستقرار.
الخاتمة: صباح الغد.. بين قوة البناء وعقد التصعيد
في الختام، يُظهر لنا هذا الصباح العسير أن "إيديكس 2025" لم يكن مجرد معرض أسلحة، بل كان نقطة فاصلة كشفت عن تحولات جيوسياسية أعمق. مصر، من خلال الإصرار على بناء قوتها الذاتية، تدفع ثمن تحرير قرارها الوطني وتوسيع هامش ممارسة سياستها الخارجية. هذا الإصرار هو الذي أثار رياح التصعيد المتزامن من جيران يواجهون أزمات هوية ووجود.
الرسالة النهائية هي أن طريق التصنيع العسكري الوطني، رغم تكلفته الباهظة، هو الضامن الوحيد للكرامة والاحترام في نظام عالمي لا يعترف إلا بمنطق القوة. التصعيد الإثيوبي والإسرائيلي، في هذا السياق، هو اعتراف ضمني بنجاح المسيرة المصرية، ومحاولة يائسة لإعادة ضبط ساعة الصفر قبل أن يصبح الفارق الاستراتيجي لا يُرد. المستقبل سيكون لمن يستطيع تحويل التحديات إلى وقود للابتكار، والضغوط إلى دافع للبناء، في وقت يبدو أن الآخرين يختارون فيه طريق التصدع الداخلي والانكفاء على الذات. صباح التحدي الحقيقي يبدأ دائمًا عندما تدرك الخصوم أنك لم تعد تعتمد على سواهم.
اقرأ أيضا:
مصر تستعد للحرب الشاملة: تحليل عسكري لتحذيرات وزير الدفاع وتهديدات حدود مصر من غزة إلى السودان

تعليقات
إرسال تعليق