“هل اعترفت إسرائيل بأرض الصومال؟ تداعيات الاعتراف على القانون الدولي والقرن الأفريقي”
بعد الاعتراف الإسرائيلي.. كيف تطوّر ملف أرض الصومال على مدى 3 عقود؟
ملف «أرض الصومال» يعود إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي بعد الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ، في خطوة تعيد فتح واحد من أعقد ملفات القرن الأفريقي منذ أكثر من ثلاثة عقود. يتناول هذا المقال التحليلي السردي تطور قضية أرض الصومال منذ الاستعمار البريطاني والاستقلال عام 1960، مرورًا بتجربة الوحدة مع الصومال، ثم الحرب الأهلية وسقوط نظام سياد بري، وصولًا إلى إعلان الانفصال عام 1991 وبناء كيان غير معترف به دوليًا. يناقش المقال أبعاد الاعتراف الدولي، وموقف الحكومة الصومالية الفيدرالية، ودور إثيوبيا ومذكرة التفاهم حول ميناء بربرة، وتأثير القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول ووحدة الأراضي، إضافة إلى التداعيات الجيوسياسية على القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن. تحليل معمق يربط بين التاريخ والسياسة والتحولات الإقليمية، ويكشف كيف تحوّل ملف أرض الصومال من قضية داخلية صومالية إلى ورقة استراتيجية في صراعات النفوذ الدولية.
ملف أرض الصومال يعود إلى صدارة الأحداث.
عاد ملف إقليم أرض الصومال الانفصالي إلى واجهة الاهتمام الدولي بقوة في أواخر ديسمبر 2025 بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توقيع إعلان مشترك للاعتراف المتبادل مع الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله، ما شكّل نقلة نوعية تاريخية في مسار هذا الملف الممتد منذ ما يقرب من 30 عامًا.
وقد مثل هذا الإعلان تقاطعًا بين قضايا السيادة الوطنية، ومبادئ القانون الدولي، والتحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي، في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية توازنات جديدة، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا. في هذا المقال سنستعرض تاريخ الملف، أزماته، تطوراته، ودلالات الاعتراف الإسرائيلي وما يترتب عليه من تبعات سياسية وجيوستراتيجية.
الكلمات المفتاحية الرئيسية في هذا المقال: أرض الصومال – الاعتراف الدولي – استقلال أرض الصومال – القانون الدولي – القرن الأفريقي – الصومال الفيدرالي – الاعتراف الإسرائيلي – سيادة الدولة – الاتحاد الأفريقي – اتفاقية أبراهام.
جذور الأزمة – من الوحدة إلى الانفصال
1.1 أرض الصومال: من استقلال إلى اتحاد
تقع منطقة أرض الصومال في شمال الصومال، وتحدّها من الشمال خليج عدن، ومن الغرب جيبوتي، ومن الجنوب إثيوبيا، وتبلغ مساحتها ما يقرب من 176 ألف كيلومتر مربع بخط ساحلي يصل حتى 800 كلم على البحر الأحمر.
في عام 1960، نالت أرض الصومال استقلالها عن الحكومة البريطانية قبل أيام قليلة من حصول جنوب الصومال الذي كان تحت السيطرة الإيطالية على استقلاله. عند ذاك اعترفت عشرات الدول بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة، لكن الاتحاد مع جنوب الصومال شكّل بداية سلسلة من التوترات السياسية والاجتماعية.
1.2 من التهميش إلى الحرب الأهلية
مع توالي سنوات اتحاد الصومال الموحد، تصاعدت الاتهامات بالتهميش ضد مناطق الشمال، ما دفع فاعلين سياسيين وعسكريين إلى التحرك ضد النظام المركزي، وبلغ الانقسام ذروته في أواخر الثمانينيات حين قاد نظام سياد بري عمليات عسكرية ضد أرض الصومال، ما أدى لسقوط آلاف الضحايا وتدمير واسع للبنى التحتية.
وبعد سقوط حكومة سياد بري في 1991، أعلنت الحركة الوطنية الصومالية من طرف واحد أن الإقليم «أرض الصومال» دولة مستقلة – ما مهد لمرحلة جديدة من التاريخ السياسي للصومال والمنطقة بأكملها.
تجربة أرض الصومال بعد 1991
2.1 إعلان «جمهورية أرض الصومال»
بعد الانهيار الكامل للدولة الصومالية المركزية في 1991، تمكنت الحركة الوطنية الصومالية من تأمين الجزء الترابي الذي كان يعرف باسم الصومال البريطاني، ثم أعلنت من جانب واحد استقلال أرض الصومال كمصلحة إقليمية وحكومية منفصلة.
ومنذ ذلك الحين، بقي وضع أرض الصومال غريبًا وغير معتاد: كيانٌ يدير شؤونَه داخليًا بشكل مستقل، مع مؤسسات منتخبة، وسُلطة قضائية وأمنية، وعملة مستقلة، لكن بدون اعتراف دولي رسمي. هذه الحالة جعلت الإقليم نموذجًا للانفصال غير المعترف به في النظام الدولي الحديث.
2.2 واقع الحكم والاستقرار المحلي
ومع أن الصومال ككل غارق في صراعات طويلة واستنزاف أمني، حققت أرض الصومال في المقابل استقرارًا نسبيًا مقارنة ببقية الأقاليم، باستثمار المؤسسات السياسية المحلية إعادة بناء جزء كبير من البنية التحتية التي تضررت في سنوات الحرب الأهلية.
يُنظر إلى هذه الحالة أحيانًا كـ«نموذج بديل» عن السائد في الصومال، لكن غياب الاعتراف الدولي يعوق تطلعاتها الكاملة لبناء علاقات دبلوماسية وتجارية موسعة.
مساعٍ متكررة للحصول على الاعتراف الدولي
3.1 محاولات إثيوبية ووحدة إقليمية
كان من أكبر الأحداث التي سلطت الضوء على ملف أرض الصومال مؤخراً مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال في يناير 2024، والتي تنص على منح إثيوبيا حق استخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر مقابل وعد محتمل بالاعتراف المستقبلي باستقلال أرض الصومال.
لكن هذه الخطوة أثارت جدلًا واسعًا واعتُبرت من قِبل الحكومة الفيدرالية في مقديشو باطلة، كما أدانها الاتحاد الأفريقي والأصدقاء الدوليون للصومال بذات السبب: أن الاتفاقات الدولية لا يمكن أن تتجاوز سلطة الحكومة المركزية.
3.2 صفقات دبلوماسية أخرى
على مدى العقدين الماضيين، حاولت أرض الصومال أن تُحيط عملها بجملة من الزيارات والتحركات الدولية، بحثًا عن دعم أميركي، خليجي، أو حتى أوروبي، لكن غالبية هذه الجهود باءت بالفشل، أو ظلّت معلّقة دون نتائج فعلية للاعتراف الدولي.
في بعض الأحيان ظهرت اقتراحات أميركية واقعية رغم بطء التنفيذ (مثل قاعدة محتملة في بربرة أو دعم سياسي من شخصيات في الكونغرس)، لكن لم يتبِعها اعتراف رسمي من الدول الكبرى حتى أواخر 2025.
الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر 2025 – نقطة تحول.
4.1 الإعلان والوقائع
في 26 ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة في العالم تعترف رسميًا بـأرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة، وذلك عبر إعلان مشترك موقع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر ورئيس أرض الصومال.
أشاد نتنياهو في البيان بما وصفه بـ«روح اتفاقيات أبراهام»، ورحب بفتح العلاقات الدبلوماسية الكاملة، والتعاون في مجالات الزراعة، الصحة، التكنولوجيا والاقتصاد.
4.2 ردود الفعل المحلية والدولية
على الفور، رفضت الحكومة الصومالية الفيدرالية الاعتراف الإسرائيلي وصفته بأنه باطل وغير قانوني، وأكدت تمسكها بوحدة وسيادة أراضيها، وهددت باتخاذ إجراءات دبلوماسية وسياسية لمواجهة هذا الاعتراف.
بدورها، أعربت الجامعة العربية ومفوضية الاتحاد الأفريقي عن قلقهما، مشيرين إلى أن الاعتراف بـكيان انفصالي داخل دولة معترف بها دوليًا يمثل انتهاكًا للقانون الدولي وقد يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأسره.
دلالات الاعتراف وأبعاده الجيوسياسية
5.1 في سياق اتفاقيات أبراهام والتحالفات
يرى محللون أن الاعتراف الإسرائيلي يأتي في سياق اتفاقيات أبراهام التي بدأت عام 2020، وتهدف إلى توسيع شبكة التحالفات الإسرائيلية في الدول الإسلامية والعربية، ولعب دور أوسع في السياسات الإقليمية والأفريقية.
وقد اعتبر البعض أن أنظار إسرائيل وأطرافًا دولية تتجه نحو القرن الأفريقي كمسرح جيوسياسي حيوي، خاصة مع التنافسات حول موانئ البحر الأحمر وتهديدات الأمن الإقليمي (مثل الحوثيين في اليمن وتأثير الحرب في غزة).
5.2 تحديات القانون الدولي وسيادة الدول
تكمن أحد أعمق التحديات في أن الاعتراف بإقليم انفصالي داخل دولة معترف بها دوليًا يُمثل سؤالًا كبيرًا لقواعد القانون الدولي. ففي حين أن القانون الدولي يعترف بحق الشعوب في تقرير المصير، فإن السيادة ووحدة الأراضي تبقى من المبادئ المؤكدة في الأمم المتحدة وقراراتها. هذا يجعل أي اعتراف أحادي الجانب موضع جدل قانوني وسياسي واسع.
5.3 تداعيات إقليمية
ردود الفعل في القرن الأفريقي تُظهر مخاوف حقيقية من أن هذه الخطوة قد تُحدث اضطرابات في التوازنات بين الصومال، إثيوبيا، جيبوتي، وحتى اليمن والدول المطلة على البحر الأحمر. وقد دعت بعض الدول إلى ضبط النفس واحترام حدود الدول الحالية لتجنّب أي توترات مسلحة أو سياسية إضافية.
مسارات مستقبلية محتملة
6.1 احتمالات الاعتراف الدولي الواسع
رغم أن إسرائيل هي أول دولة تعترف بالاستقلال، إلا أن المناقشات حول اعترافات محتملة من دول أخرى (خاصة الولايات المتحدة والإمارات) ما تزال جارية. ومع ذلك، حتى نهاية 2025، لم يُعلن أي اعتراف رسمي من طرف آخر غير إسرائيل، وقد أبقى البيت الأبيض موقفه غير مؤكد.
6.2 سيناريو الاستقرار أو التصعيد
يمتد ملف أرض الصومال إلى ما هو أبعد من مجرد قضية استقلال، ليشمل التوازنات الأمنية في البحر الأحمر، النفوذ بين القوى الدولية، فضلاً عن الاستقرار الداخلي للصومال الفيدرالي نفسه. وقد يؤدي التعقيد القانوني والجيوسياسي إلى:
- استدامة الوضع الراهن كـ«إقليم يعمل بحكم الواقع» دون اعتراف واسع؛
- قبول تدريجي من بعض الدول تحت ضغوط استراتيجية؛
- صدامات دبلوماسية أكبر بينها وبين مقديشو؛
- ولوج الأزمة إلى منابر القانون الدولي (مثل محكمة العدل الدولية).
كل هذه الاحتمالات مرشحة، بحسب مراقبين ومحللين دوليين.
نحو فصل جديد في القرن الأفريقي.
إذا كان الاعتراف الإسرائيلي الأخير قد أعاد «أرض الصومال» إلى واجهة المشهد الدولي، فإن جذور هذا الملف تمتد عميقًا في تاريخ القرن الأفريقي، إلى ما قبل تشكّل الدولة الصومالية الحديثة نفسها. فالقضية، في أحد أبعادها الأساسية، ليست صراعًا بين حكومة مركزية وإقليم انفصالي فحسب، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل من التقسيمات الاستعمارية، وبناء الدولة على أسس هشّة، ثم انهيار العقد الاجتماعي الذي كان يفترض أن يربط بين مكونات الكيان الصومالي الموحد.
في أواخر القرن التاسع عشر، دخلت الجغرافيا الصومالية مرحلة إعادة تشكيل قسرية تحت وطأة التنافس الاستعماري الأوروبي. بريطانيا، التي كانت تسعى لحماية طريقها البحري إلى الهند، فرضت سيطرتها على الشريط الشمالي الغربي من الأراضي الصومالية، وأطلقت عليه اسم «الصومال البريطاني». في المقابل، بسطت إيطاليا نفوذها على الجنوب، بينما سيطرت فرنسا على جيبوتي، ووسّعت إثيوبيا حدودها لتضم مناطق ذات أغلبية صومالية. هذا التقسيم لم يكن مجرد ترسيم حدود إدارية، بل أسّس لمسارات سياسية واقتصادية مختلفة داخل المجتمع الصومالي الواحد، وأسهم في خلق هويات فرعية ستطفو لاحقًا على السطح.
وعندما بدأ عصر تصفية الاستعمار في أفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت فكرة الوحدة الصومالية بوصفها حلمًا قوميًّا جامعًا. كان هذا الحلم يقوم على توحيد الأقاليم الصومالية الخمسة التي قُسمت بين القوى الاستعمارية. في هذا السياق، نال «الصومال البريطاني» استقلاله في 26 يونيو 1960، كدولة ذات سيادة مكتملة الأركان، حظيت باعتراف دولي واسع، وامتلكت مؤسسات دستورية وحكومة منتخبة.
غير أن هذا الاستقلال لم يُنظر إليه آنذاك باعتباره غاية بحد ذاته، بل محطة مؤقتة على طريق الوحدة. وبعد خمسة أيام فقط، اتخذ قادة الإقليم قرار الاتحاد مع «الصومال الإيطالي» المستقل حديثًا، ليُعلَن قيام جمهورية الصومال في الأول من يوليو 1960. هذا الاتحاد، رغم رمزيته القومية، جرى دون تفاوض عميق حول تقاسم السلطة أو توزيع الثروة أو التوازن الجغرافي داخل الدولة الجديدة، وهو ما زرع بذور أزمة ستتفاقم مع الزمن.
في السنوات الأولى للجمهورية، بدأت تظهر ملامح اختلال بنيوي في إدارة الدولة. فقد تمركزت مؤسسات الحكم في مقديشو، بينما شعر سكان الشمال بأنهم انتقلوا من وضع دولة مستقلة إلى وضع إقليم تابع داخل دولة مركزية. ورغم تداول السلطة المدني في تلك المرحلة، فإن التفاوت في النفوذ السياسي والاقتصادي ظل قائمًا، وتحوّل مع الوقت إلى شعور متراكم بالغبن.
جاء انقلاب محمد سياد بري عام 1969 ليزيد هذا الاختلال حدة. فقد أسس النظام الجديد دولة شديدة المركزية، اعتمدت على القوة العسكرية والأمنية لضبط الداخل، وقمعت أي معارضة سياسية أو قبلية. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والهزائم العسكرية، خاصة بعد حرب الأوغادين مع إثيوبيا، بدأ النظام يفقد شرعيته، وواجه تمردات متزايدة في أطراف البلاد، كان أبرزها في الشمال.
في أواخر الثمانينيات، دخل الصراع بين النظام الصومالي والحركة الوطنية الصومالية مرحلة دموية. استخدم الجيش الصومالي القوة المفرطة ضد مدن الشمال، ولا سيما هرجيسا، التي تعرضت لقصف جوي ومدفعي واسع النطاق. هذه الأحداث لم تكن مجرد فصل من فصول الحرب الأهلية، بل شكّلت صدمة تاريخية عميقة في الوعي الجمعي لسكان الشمال، وأعادت تعريف علاقتهم بالدولة الصومالية.
ومع انهيار النظام المركزي مطلع عام 1991، ودخول الصومال في حالة فراغ سياسي شامل، وجدت النخب الشمالية نفسها أمام لحظة تاريخية حاسمة. ففي حين غرقت بقية البلاد في صراعات الميليشيات، سعت القيادات التقليدية والسياسية في الشمال إلى إعادة تنظيم الإقليم على أسس محلية. وفي مايو 1991، أُعلن من طرف واحد إلغاء الاتحاد مع الصومال، وإعادة تأسيس الدولة تحت مسمى «جمهورية أرض الصومال».
لم يكن هذا الإعلان مجرد فعل انفصالي بالمعنى التقليدي، بل محاولة للعودة إلى وضع قانوني سابق للاستقلال المعترف به عام 1960. وقد استندت القيادة الجديدة إلى سردية تقول إن الوحدة فشلت، وإن العقد السياسي الذي قام عليها قد انهار، وبالتالي فإن إعادة إعلان الاستقلال ليست خرقًا للقانون الدولي، بل تصحيحًا لمسار تاريخي.
على مدى العقود التالية، بنت «أرض الصومال» تجربة سياسية مختلفة عن بقية الصومال. جرت انتخابات محلية ورئاسية، تشكلت مؤسسات حكم، وتم فرض قدر ملحوظ من الأمن والاستقرار. وفي الوقت الذي أصبحت فيه مقديشو رمزًا للدولة الفاشلة في الخطاب الدولي، حاولت هرجيسا تقديم نفسها كنموذج للاستقرار الذاتي في بيئة إقليمية مضطربة.
غير أن هذا الاستقرار لم يكن كافيًا لكسر الجدار الدولي الصلب الرافض للاعتراف. فقد تمسّك الاتحاد الأفريقي بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، خوفًا من فتح الباب أمام موجة انفصالات قد تهدد استقرار القارة بأكملها. كما أصرت الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي أعيد بناؤها بدعم دولي منذ 2012، على أن «أرض الصومال» جزء لا يتجزأ من سيادتها الوطنية.
ومع مرور الوقت، تحوّل ملف «أرض الصومال» إلى قضية جيوسياسية بامتياز. موقع الإقليم الاستراتيجي على خليج عدن، وقربه من باب المندب، جعله محل اهتمام متزايد من قوى إقليمية ودولية تبحث عن موطئ قدم في القرن الأفريقي. وهنا بدأت الحسابات تتغير تدريجيًا، وبدأت هرجيسا تراهن على التحولات الدولية بدلًا من انتظار توافق قانوني شامل.
في هذا السياق، جاءت مذكرة التفاهم مع إثيوبيا مطلع 2024، ثم الاعتراف الإسرائيلي في نهاية 2025، بوصفهما محاولتين لكسر العزلة الدولية المفروضة على الإقليم. وهما خطوتان لا يمكن فصلهما عن السردية التاريخية الطويلة التي بدأت مع الاستعمار، ومرت بتجربة الوحدة الفاشلة، ثم الحرب الأهلية، وانتهت – حتى الآن – بواقع سياسي معقّد، يقف على تخوم الاعتراف الدولي دون أن يبلغه كاملًا.
يمثل اعتراف إسرائيل بـأرض الصومال نقطة تحول تاريخية في ملف ظلّ معلقًا لعقود. فهو لا يتعلق فقط بقضية انفصال إقليمي، بل يعكس تحولات أعمق في القانون الدولي، التحالفات الاستراتيجية، والرهانات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
بينما تصرّ مقديشو وحلفاؤها على وحدة أراضيها والسيادة الوطنية، يستعد العالم لرؤية ما إذا كانت هذه الخطوة ستكون بداية اعترافات مماثلة أو مجرد حدث محدود التأثير في مسار العلاقات الدولية الحديثة. التطورات القادمة في الأسابيع والأشهر القادمة ستكشف الكثير عن مصير هذا الملف الذي يكتنفه الغموض منذ أكثر من 30 عامًا.
اقرأ أيضا:
اعتراف إسرائيل بصوماليلاند: ميناء عسكري لإثيوبيا يقترب من قناة السويس ويشعل صراع البحر الأحمر .
"ملفات جيفري إبستين: ماذا تقول الوثائق عن النخبة السياسية ولماذا يشتعل الجدل الآن؟"

تعليقات
إرسال تعليق