رسالة السيسي المزدوجة إلى ترامب في ذكرى أكتوبر.. مفاوضات شرم الشيخ تقلب الطاولة على إسرائيل ومشروع الكباري العسكرية يربك تل أبيب
من حرب أكتوبر إلى حرب الأعصاب
في ذكرى نصر أكتوبر، أرسل الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة مزدوجة إلى دونالد ترامب، ردًا على تحركاته في ملف غزة وصفقته المثيرة للجدل. بينما شهدت شرم الشيخ مفاوضات قلبت الموازين أمام إسرائيل، برزت شروط جديدة من حماس للإفراج عن الأسرى، وغاب رون ديرمر في ظروف غامضة عن الوفد الإسرائيلي. المقال يكشف أيضًا تسريبًا لشجار ترامب ونتنياهو، ومفاجأة مشروع الكباري الجديدة على قناة السويس الذي تعتبره إسرائيل خطرًا استراتيجيًا على تفوقها العسكري.
تاريخ السادس من أكتوبر ليس مجرد ذكرى نصر عسكري لمصر، بل هو رمز لذكاء استراتيجي ورسائل سياسية تتجاوز حدود الزمن.
وفي هذا العام، لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في ذكرى النصر مجرد احتفال تقليدي، بل حملت رسالة مزدوجة موجهة إلى واشنطن وتل أبيب، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر حول غزة وتعثر "صفقة ترامب" الجديدة.
وبينما كان ترامب يحاول إعادة فرض نفسه كوسيط سلام عالمي، جاءت تحركات القاهرة الميدانية والدبلوماسية لتقول شيئًا آخر:
مصر لا تنتظر الصفقات، بل تصنع المعادلات بنفسها.
وفي قلب هذا المشهد، كانت شرم الشيخ تستضيف مفاوضات حاسمة، تحولت فيها مصر من وسيط إلى لاعب أساسي غيّر قواعد اللعبة كلها.
أولًا: الرسالة المزدوجة في خطاب أكتوبر
خلال الاحتفال الرسمي بذكرى حرب أكتوبر، حرص الرئيس السيسي على أن يربط بين العبور العسكري عام 1973 وبين عبور سياسي جديد في 2025.
ففي كلمته قال:
“مصر لم ولن تسمح بفرض أي واقع جديد على حدودها أو على الشعب الفلسطيني.”
هذه الجملة وحدها، كما وصفتها رويترز، كانت صفعة دبلوماسية لنتنياهو ورسالة غير مباشرة إلى واشنطن بأن القاهرة تملك أوراقًا أكثر مما تعتقد الإدارة الأمريكية.
وفي فقرة لاحقة، أشار السيسي إلى “ضرورة أن يتحمل الجميع مسؤولياتهم تجاه استقرار المنطقة”، وهو ما فُهم في واشنطن كتحذير مباشر لترامب، الذي يحاول إعادة تسويق "صفقة سلامه" عبر وسطاء جدد.
ثانيًا: شرم الشيخ... المسرح الجديد للصراع الدبلوماسي
استضافت مدينة شرم الشيخ جولة مفاوضات بالغة الحساسية بين وفود من مصر، الولايات المتحدة، قطر، وإسرائيل، وبمشاركة تقنية من الأمم المتحدة.
الاجتماعات التي بدأت سرًا تحولت إلى ساحة ضغط علنية بعد تسريب بعض تفاصيلها للصحافة الإسرائيلية.
وبحسب The Washington Post، فإن الجانب المصري “نجح في قلب الطاولة على إسرائيل” بعد أن قدّم ملفًا موثقًا يثبت انتهاك تل أبيب لبنود التهدئة السابقة، خاصة في ما يتعلق بدخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة.
النتيجة كانت تجميدًا مؤقتًا للمفاوضات، وانسحاب الوفد الإسرائيلي في أجواء من التوتر، بينما بقي الوفد الأمريكي في شرم الشيخ يومين إضافيين في محاولة لاحتواء الأزمة.
ثالثًا: شروط حماس الجديدة... من موقع القوة
في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تراهن على انهيار موقف حماس، جاء الرد من الحركة الفلسطينية معاكسًا تمامًا.
مصادر نقلتها الجزيرة نت كشفت أن وفد حماس قدّم شروطًا جديدة للإفراج عن الأسرى، تضمنت:
- وقفًا كاملاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية في رفح وشمال غزة.
- إشرافًا مصريًا مباشرًا على المعابر والمعونات.
- إطلاق سراح قيادات أسيرة من الصف الأول مقابل الجنود الإسرائيليين.
هذه الشروط – كما يرى محللون – تعكس ثقة الحركة بأنها أصبحت لاعبًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه، وهو ما أغضب تل أبيب ودفع نتنياهو للتصعيد الإعلامي ضد القاهرة والدوحة.
رابعًا: أين اختفى رون ديرمر؟
أحد أكثر الأسئلة الغامضة في كواليس المفاوضات كان:
أين اختفى رون ديرمر، المستشار السياسي الأبرز لنتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية؟
صحيفة هآرتس أكدت أن ديرمر لم يحضر اجتماعات شرم الشيخ رغم أنه كان منسق الاتصالات مع الوفد الأمريكي.
وتشير تسريبات إلى أن غيابه جاء بسبب خلاف حاد داخل مكتب نتنياهو حول مدى جدوى استمرار المفاوضات.
مصدر دبلوماسي أوروبي قال:
“ديرمر انسحب احتجاجًا على تدخل نتنياهو المباشر في كل تفصيلة، مما جعل التفاوض شبه مستحيل.”
اختفاؤه بهذا الشكل المفاجئ اعتُبر دليلًا على تفكك الجبهة الإسرائيلية من الداخل، في وقت تحاول فيه واشنطن إنقاذ ماء وجهها أمام القاهرة.
خامسًا: تسريب الشجار بين ترامب ونتنياهو
الصحافة الأمريكية لم تتأخر في كشف تفاصيل التوتر بين الرجلين.
تقرير حصري نشرته Politico أشار إلى شجار حاد بين ترامب ونتنياهو جرى خلال مكالمة هاتفية مطلع الأسبوع الماضي.
ترامب – بحسب التسريب – اتهم نتنياهو بأنه "يُفشل عمداً كل مبادرة سلام ليُعيد التوتر إلى المنطقة قبل الانتخابات الأمريكية"، بينما ردّ الأخير باتهام ترامب بأنه "يبحث عن استعراض إعلامي على حساب أمن إسرائيل".
المكالمة، التي تسربت مقتطفاتها عبر مقربين من البيت الأبيض، فضحت الهوة السياسية بين الرجلين، وأكدت أن صفقة ترامب تواجه انهيارًا حقيقيًا رغم محاولاته المتكررة لإنعاشها.
سادسًا: الدور المصري... من الوساطة إلى صناعة القرار
لم تعد مصر مجرد وسيط إقليمي، بل أصبحت صاحبة القرار الفعلي في تحديد إيقاع التهدئة أو التصعيد.
القاهرة تمتلك الآن أوراقًا لا يملكها أحد:
- حدود مباشرة مع غزة.
- علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران.
- قدرة على التحرك العسكري السريع من قناة السويس إلى سيناء.
تقرير CNN Middle East أشار إلى أن مصر "أعادت تعريف مفهوم الوساطة"، وأنها "تتعامل مع إسرائيل من موقع الندية لا التبعية".
بل إن مسؤولًا أمريكيًا سابقًا وصف موقف السيسي بأنه “أكثر صلابة مما كان عليه السادات في حرب 73”، في إشارة إلى التوازن الدقيق بين الردع والدبلوماسية.
سابعًا: الكباري الجديدة على قناة السويس... مشروع استراتيجي يقلق إسرائيل
بينما ينشغل العالم بالمفاوضات، تعمل الهيئة الهندسية للقوات المسلحة على مشروع ضخم يضم 15 جسرًا عائمًا جديدًا على قناة السويس.
المشروع الذي بدأ تنفيذه بصورة عاجلة يهدف إلى ربط سيناء بالدلتا والمناطق الصناعية الجديدة.
لكن في إسرائيل، يُنظر إلى المشروع بعين القلق.
صحيفة The Jerusalem Post نشرت تقريرًا يحذر من أن هذه الجسور "قد تُستخدم في عمليات عسكرية سريعة إذا انهار الوضع الأمني في غزة".
من وجهة نظر القاهرة، المشروع تنموي ولوجستي بالأساس، لكنه أيضًا رسالة ردع ذكية:
أن الجيش المصري قادر على التحرك في أي لحظة، دون قيود ميدانية أو زمنية.
ثامنًا: لماذا تتوتر تل أبيب؟
تل أبيب تخشى شيئًا محددًا:
أن تتحول مصر إلى مركز ثقل عسكري واقتصادي يربط إفريقيا بآسيا عبر قناة السويس وسيناء.
تحليل نشرته Foreign Policy يؤكد أن "إسرائيل لم تعد تملك التفوق اللوجستي في البحر الأحمر"، خاصة بعد تطوير موانئ بورسعيد والسخنة والعين السخنة الجديدة، وربطها بمحاور نقل سريعة داخل سيناء.
هذا الواقع الجديد يجعل مصر صاحبة اليد العليا في معادلة البحرين المتوسط والأحمر، ويعيد للأذهان أيام السيطرة الاستراتيجية التي حققتها في حرب أكتوبر.
تاسعًا: ترامب... بين الحلم الرئاسي والصفقة المفقودة
من الواضح أن ترامب أراد من ملف غزة تلميع صورته الدولية قبل حملته الانتخابية المقبلة.
لكن تعقيدات الميدان وخلافه مع نتنياهو جعلاه يفقد السيطرة على الإيقاع السياسي في الشرق الأوسط.
تحليل BBC يشير إلى أن ترامب "لم يعد يملك القنوات الفعّالة التي كانت لديه في 2020"، وأن معظم الوسطاء الإقليميين الآن "يعملون بتنسيق مباشر مع القاهرة، وليس عبر البيت الأبيض".
وبذلك، يمكن القول إن مصر سحبت تدريجيًا ورقة القيادة من يد واشنطن، عبر تحرك هادئ وفعّال يعتمد على التوقيت والميدان أكثر من الخطابات.
عاشرًا: مصر تمسك بمفاتيح اللعبة
حين نضع كل هذه العناصر معًا – الرسالة السياسية، المفاوضات، الكباري، والتحركات الميدانية – يظهر بوضوح أن مصر اليوم تمسك بمفاتيح اللعبة في الشرق الأوسط.
القاهرة لا تنتظر الضوء الأخضر من أحد، بل تصنع طريقها كما صنعت عبور أكتوبر قبل خمسين عامًا.
ومع ازدياد توتر إسرائيل وارتباك واشنطن، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة "القيادة المصرية الثانية"، حيث تتقاطع الدبلوماسية بالقوة الناعمة، والميدان بالردع الذكي.
خاتمة تحليلية – مدونة THOUGHTS
ما يجري اليوم ليس مجرد صراع على غزة، بل صراع على من يملك قرار الحرب والسلام في المنطقة.
ومصر، بخطواتها المتأنية والمركزة، ترسم حدود مرحلة جديدة من التاريخ الإقليمي.
فهي الدولة التي تعرف متى تصمت... ومتى تبعث برسالة مزدوجة تصل إلى واشنطن وتل أبيب في آنٍ واحد.
“من يملك الجسر... يملك القرار.”
— مدونة THOUGHTS | تحليل سياسي – محمد حسانين
المصادر ذات الصلة:
- Reuters - Middle East
- The Washington Post - Middle East
- Al Jazeera - Politics
- Haaretz - Israel News
- Politico - Middle East
- CNN - Middle East
- The Jerusalem Post
- Foreign Policy - Middle East
- BBC Arabic
اقرأ أيضا:
مفاوضات شرم الشيخ 2025: خطة ترمب لإنهاء حرب غزة بين ضغوط واشنطن وتحفظات نتنياهو
سعد الدين الشاذلي.. الجنرال الذي انتصر فعوقب: تحليل سياسي–عسكري في الصراع بين النصر والعقاب
تعليقات
إرسال تعليق