ترامب يعيد رسم خريطة غزة: بين هدنة الخداع الأمريكي وخطوط النار الإقليمية
خطة ترامب للسلام في غزة: بين وعود التهدئة وخفايا الضغط الأمريكي.
تحليل شامل لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة، وردود فعل حماس وإسرائيل ومصر والسعودية وإيران عليها. المقال يستعرض أبعاد الخطة العشرين بندًا، والموقف المصري من التهجير، والدور الخليجي والإيراني، ومستقبل الأمن الإقليمي. قراءة تحليلية عميقة توضح إن كانت الخطة مقدمة لسلام حقيقي أم فخ أمريكي جديد في الشرق الأوسط.
مفترق جديد في حرب غزة
منذ أكثر من عام على اندلاع الحرب الدامية في قطاع غزة، يدخل المشهد السياسي مرحلة جديدة بعد إعلان حركة حماس موافقتها الجزئية على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب.
الخطة التي جاءت في عشرين بندًا تتضمن وقفًا لإطلاق النار، وتبادلًا للأسرى، وانسحابًا تدريجيًا للجيش الإسرائيلي، ونزعًا لسلاح حماس، أثارت جدلًا واسعًا ليس فقط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل داخل الإقليم بأكمله.
خطة ترامب للسلام تبدو للوهلة الأولى محاولة لإخماد النار المشتعلة، لكنها في الوقت ذاته تفتح أسئلة كبرى حول مستقبل غزة، ومكانة حماس، ودور مصر والإقليم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
فهل نحن أمام وقف حقيقي لإطلاق النار أم أمام مناورة سياسية أمريكية تهدف لانتزاع تنازلات من المقاومة؟
وهل تمثل الخطة بداية لسلام دائم أم مقدمة لجولة جديدة من الصراع المسلح؟
تفاصيل خطة ترامب لوقف الحرب في غزة
1. بنود الخطة العشرون
تضمنت خطة ترامب، التي أعلنتها واشنطن رسميًا في مؤتمر صحفي، عشرين بندًا، أبرزها:
- وقف فوري وشامل لإطلاق النار لمدة 60 يومًا قابلة للتمديد.
- تبادل للأسرى والمحتجزين بين إسرائيل وحماس تحت إشراف دولي.
- انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من شمال القطاع ثم وسطه فجنوبه خلال 90 يومًا.
- تسليم إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية انتقالية بإشراف أمريكي–عربي مشترك.
- نزع السلاح الثقيل من الفصائل الفلسطينية خلال ستة أشهر، بإشراف لجنة أمنية أمريكية–مصرية.
- إعادة إعمار القطاع بتمويل خليجي ودولي يصل إلى 25 مليار دولار على مدى خمس سنوات.
- منطقة أمنية عازلة على طول الحدود مع إسرائيل بعمق كيلومتر واحد داخل القطاع.
- ضمان حرية الحركة للبضائع والأفراد عبر معبر رفح بإدارة مصرية–فلسطينية.
- تجميد عمليات الاستيطان في الضفة مؤقتًا مقابل التزام حماس بوقف إطلاق الصواريخ.
لكن وراء هذه البنود تكمن نوايا استراتيجية أمريكية واضحة: فرض واقع سياسي جديد في غزة يضمن لإسرائيل الأمن، ويقلص نفوذ حماس، ويمنح واشنطن ورقة ضغط على إيران ومحور المقاومة.
موقف حماس — بين الذكاء السياسي والاضطرار الاستراتيجي
1. الموافقة الجزئية: مناورة أم مرونة؟
إعلان حماس موافقتها الجزئية على الخطة شكّل مفاجأة للكثيرين. الحركة التي رفضت على مدى سنوات أي طرح أمريكي، وجدت نفسها هذه المرة أمام ضغوط استثنائية:
- تهديدات مباشرة من ترامب بقطع الدعم الإنساني وتعليق مفاوضات تبادل الأسرى.
- تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة إلى مستويات غير مسبوقة.
- ضغوط مصرية–قطرية لإظهار مرونة سياسية من أجل إنقاذ المدنيين.
وبينما وصفت بعض وسائل الإعلام الغربية القرار بأنه “تنازل استراتيجي”، يرى محللون فلسطينيون أنه تحرك تكتيكي ذكي من حماس لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف.
(تحليل الجزيرة نت)
2. المعضلة الداخلية داخل حماس
الموافقة الجزئية كشفت أيضًا انقسامًا داخل الحركة بين جناحها السياسي والعسكري.
الجناح العسكري بقيادة محمد الضيف أبدى تحفظات شديدة على البند المتعلق بنزع السلاح، معتبرًا أنه “خيانة لدماء الشهداء”، بينما رأى المكتب السياسي بقيادة إسماعيل هنية أن قبول الخطة جزئيًا يمنح الحركة مكسبًا سياسيًا في الساحة الدولية ويجنبها ضربة أمريكية–إسرائيلية شاملة.
تهديد ترامب ومهلة الأيام السبعة
في خطاب ناري من البيت الأبيض، وجه ترامب رسالة مباشرة لحماس قائلًا:
“إما أن تقبلوا بالخطة كاملة أو تتحملوا العواقب.”
مصادر أمريكية كشفت أن ترامب أعطى مهلة سبعة أيام للحركة قبل أن يعلن “المرحلة الثانية”، التي قد تتضمن ضربة جوية إسرائيلية بإسناد أمريكي ضد مواقع قيادية في غزة.
(واشنطن بوست)
كما تحدثت تقارير عن تواصل أمريكي–مصري مكثف خلال تلك الأيام لتجنب التصعيد.
مصر شددت على أن أي عملية عسكرية جديدة ستفجر الوضع الإقليمي بأكمله، وهو ما دفع ترامب إلى التراجع مؤقتًا، مكتفيًا بالضغط السياسي والإعلامي.
الموقف الإسرائيلي — بين التخبط والمفاجأة
1. نتنياهو في مأزق مزدوج
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدا متفاجئًا من موافقة حماس الجزئية، إذ لم يكن يتوقع أن ترد الحركة إيجابًا على مبادرة ترامب.
نتنياهو وجد نفسه بين نارين:
- قبول الخطة يعني الاعتراف بحماس كطرف شرعي في التفاوض.
- رفضها يعني الصدام مع واشنطن في لحظة حساسة من العلاقات الثنائية.
في الكواليس، كشفت صحيفة هآرتس عن خلاف داخل مجلس الحرب الإسرائيلي بين وزير الدفاع يوآف غالانت الذي يفضل التهدئة، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي يدفع نحو عملية “الاجتياح الشامل”.
(تقرير هآرتس)
2. الخطة بين الأمن والسياسة
الجيش الإسرائيلي، من جهته، يرى أن الانسحاب التدريجي خطر على أمن الحدود، بينما يعتبره جهاز “الشاباك” فرصة لتثبيت نظام مراقبة إلكترونية جديد داخل القطاع.
النتيجة: حالة ارتباك واضحة في تل أبيب، دفعت بعض المعلقين إلى القول إن “ترامب أعاد الكرة إلى ملعب إسرائيل، وليس إلى حماس”.
الموقف المصري — خطوط حمراء في سيناء
1. مصر ترفض التهجير مجددًا
القاهرة كانت واضحة منذ اليوم الأول:
لا تهجير للفلسطينيين إلى سيناء، ولا وجود لقوات أجنبية على حدود مصر.
هذا الموقف عبّر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي في اجتماع مجلس الأمن القومي، مؤكدًا أن “أمن مصر القومي لا يقبل المساومة”.
(الأهرام)
مصر، التي تحملت عبء الوساطة لأشهر طويلة، ترى أن خطة ترامب يجب أن تخضع للتعديل بحيث تضمن:
- وقفًا دائمًا لإطلاق النار.
- إشرافًا مصريًا كاملًا على معبر رفح.
- رفضًا قاطعًا لأي ترتيبات قد تمس السيادة المصرية على حدودها.
2. القاهرة بين الوساطة والضغط
في الوقت ذاته، تلعب القاهرة دور الوسيط الصامت، إذ تدير اتصالات مع واشنطن وتل أبيب والدوحة وحماس في وقت واحد.
مصادر دبلوماسية أكدت أن مصر طلبت من واشنطن “ضمانات مكتوبة” بعدم المساس بالأمن المصري أو التوسع في الشريط الحدودي.
من الواضح أن مصر تسعى إلى تحويل الخطة إلى فرصة دبلوماسية تعيدها إلى مركز المشهد الإقليمي، بعد أن حاولت واشنطن والرياض تقليص دورها في ملفات المنطقة.
الدور السعودي والخليجي — البحث عن توازن إقليمي
1. دعم مشروط
المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات أعلنتا دعمهما المبدئي للخطة الأمريكية، لكن بشروط.
الرياض أكدت أن أي تسوية يجب أن تضمن “إقامة دولة فلسطينية مستقلة” وفق قرارات الشرعية الدولية.
(الشرق الأوسط)
أما الدوحة، فحاولت الموازنة بين علاقاتها مع واشنطن وحماس، مع استمرارها في تمويل الجهود الإنسانية داخل غزة.
2. الخليج وهاجس إيران
بالنسبة لدول الخليج، الخطة تمثل أيضًا ساحة صراع غير مباشر مع إيران.
نجاحها يعني تقليص نفوذ طهران في غزة، وفشلها قد يدفع طهران لتعزيز حضورها عبر “حزب الله الفلسطيني”.
لذلك، يبدو الموقف الخليجي مركبًا: دعم دبلوماسي للخطة، مع تحفّظات على تفاصيلها الأمنية والسياسية.
الموقف الإيراني وحزب الله — قراءة في خطوط النار
1. إيران ترى “فخًا أمريكيًا”
إيران وصفت خطة ترامب بأنها “خطة استسلام”، معتبرة أن الهدف منها هو نزع سلاح المقاومة وإبعادها عن محور طهران.
(وكالة فارس)
وزير الخارجية الإيراني صرّح بأن “أي تسوية لا تمر عبر المقاومة هي مؤامرة”، فيما أعلن حزب الله أنه لن يقف مكتوف الأيدي إذا حاولت واشنطن فرض الخطة بالقوة.
2. محور المقاومة وإعادة التموضع
في المقابل، تسعى طهران إلى استثمار الخطة لزيادة نفوذها الإقليمي عبر دعم سياسي وعسكري لحلفائها في لبنان وسوريا واليمن.
لكنها تدرك أيضًا أن المواجهة المباشرة مع واشنطن الآن غير مرغوبة، لذا تفضل “المقاومة بالوكالة” بدلًا من التصعيد المباشر.
الشارع الغزي — بين الأمل والشكوك
1. ترحيب حذر
في شوارع غزة، سادت حالة من الترقب والارتباك.
كثير من السكان رحبوا بأي خطوة قد توقف القصف وتعيد الكهرباء والماء، لكنهم في الوقت ذاته يشككون في نوايا واشنطن وتل أبيب.
يقول أحد المواطنين في تصريح لـ"رويترز":
“سمعنا وعودًا كثيرة من أمريكا، لكن لم يتغير شيء.”
2. الانقسام الشعبي
جزء من الشارع يرى أن موافقة حماس خطوة شجاعة لإنقاذ المدنيين، فيما يعتبرها آخرون “خيانة لمقاومة استمرت عقودًا”.
هذا الانقسام يعكس عمق الجرح الفلسطيني، حيث تآكلت الثقة في أي مبادرة دولية بعد سنوات من الحصار والدمار.
الأبعاد الاقتصادية والإنسانية
1. خطة إعادة الإعمار
الخطة الأمريكية تتحدث عن 25 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، معظمها بتمويل خليجي وأوروبي.
لكن تجربة السنوات السابقة تؤكد أن المال لا يعني بالضرورة السلام.
المانحون يشترطون رقابة أمريكية صارمة على كل دولار، ما يعني عمليًا وضع غزة تحت “وصاية اقتصادية غربية”.
2. الأوضاع المعيشية
الأمم المتحدة تحذر من أن 90% من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر، وأن أي تأخير في إعادة الإعمار قد يؤدي إلى “انفجار اجتماعي”.
(تقرير الأمم المتحدة)
من هنا، يصبح البعد الإنساني ورقة ضغط رئيسية في يد واشنطن والرياض والقاهرة، كلٌّ يسعى لتوظيفه سياسيًا وفق مصالحه.
القراءة الاستراتيجية — هل نحن أمام تهدئة أم فخ أمريكي؟
1. خلفيات سياسية
ترامب، المعروف بصفقاته المفاجئة، يسعى إلى تحقيق نصر دبلوماسي سريع قبل الانتخابات الأمريكية القادمة، حتى لو كان هشًا.
لكن الواقع الميداني يشير إلى أن إسرائيل لا تزال تراوغ، وحماس لن تسلّم سلاحها بسهولة.
2. سيناريوهات المستقبل
- السيناريو الأول: نجاح جزئي للخطة يؤدي إلى تهدئة مؤقتة وفتح قنوات تفاوض جديدة برعاية مصرية–سعودية.
- السيناريو الثاني: انهيار الخطة بعد فشل تنفيذ البند الخاص بنزع السلاح، مما يعيد القتال إلى الواجهة.
- السيناريو الثالث: تدويل الأزمة عبر الأمم المتحدة، وهو خيار تفضله القاهرة وباريس لتقليص الدور الأمريكي المنفرد.
في كل الأحوال، الخطة لم تنهِ الحرب بعد، بل أعادت تعريفها.
الخاتمة: غزة بين السياسة والنار
خطة ترامب ليست مجرد مبادرة سياسية، بل مشروع إعادة هندسة للمنطقة.
هي اختبار لإرادة الأطراف جميعًا:
- اختبار لحماس بين البقاء كمقاومة أو التحول إلى سلطة مدنية.
- اختبار لإسرائيل بين الأمن والهيمنة.
- اختبار لمصر بين الحياد الفعّال والحضور القومي.
- واختبار لواشنطن بين الهيمنة العسكرية والمبادرة الدبلوماسية.
لكن بين كل هذه الحسابات، يظل الشعب الغزي هو الخاسر الأول والأخير، ما لم تتحول البنود إلى واقع يوقف الدم ويعيد الحياة.
السؤال الكبير الذي يطرحه المحللون الآن:
هل أصبحت غزة على أعتاب هدنة تاريخية، أم أننا نشهد الفصل الهادئ قبل الانفجار الأكبر؟
🔵 المصدر: CNN Middle East
🔵 تقرير الجزيرة نت
🔵 تقرير واشنطن بوست
🔵 تحليل هآرتس
🔵 تقرير الأهرام
🔵 الشرق الأوسط
🔵 وكالة فارس الإيرانية
🔵 تقرير الأمم المتحدة
اقرأ أيضا:
ترامب: حماس مستعدة لسلام دائم ويطالب إسرائيل بوقف قصف غزة فوراً
من انقلاب ترامب إلى إنذار الناتو: أوروبا على حافة حرب عالمية ثالثة تلوح في الأفق
الإسلام السياسي.. وهم سياسي أم حقيقة تاريخية؟ تصريحات أسامة الدليل تشعل النقاش

تعليقات
إرسال تعليق