سعد الدين الشاذلي.. الجنرال الذي انتصر فعوقب: تحليل سياسي–عسكري في الصراع بين النصر والعقاب

سعد الدين الشاذلي.. الجنرال الذي انتصر فعوقب: تحليل سياسي–عسكري في الصراع بين الميدان والسلطة

تحليل سياسي–عسكري معمّق لحياة الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973.

المقال يكشف كيف وضع خطة العبور وحقق النصر الميداني، ثم واجه العزلة والمنفى بسبب خلافه مع الرئيس أنور السادات حول ثغرة الدفرسوار واتفاقية كامب ديف

الجنرال الذي خشيه السياسيون أكثر من الأعداء

في الذاكرة المصرية، لا يمر اسم الفريق سعد الدين محمد الحسيني الشاذلي دون أن تثار أسئلة كبرى عن معنى البطولة، وعن ثمن الحقيقة في دولة تصنع رموزها وفق مزاج السياسة لا منطق التاريخ.
إنه الرجل الذي قاد أعظم نصر عسكري في تاريخ العرب الحديث، ومع ذلك، عاش منفيًا في صمت، لأن صراحته كانت جريمة، ووفاءه للمبدأ كان عصيانًا على السلطة.

ولد الشاذلي في زمن كانت فيه مصر بين الاحتلال والنهوض، وعاش كل التحولات من الملكية إلى الجمهورية، ومن العروبة إلى الصلح، ومن السلاح إلى السياسة.
ومع أن سيرته تتداخل مع سردية وطن بأكمله، فإن ما يميزها هو تلك المفارقة القاسية: أن الرجل الذي خطّط للنصر العسكري عام 1973، انتهى منفيًا بعد اتفاقية كامب ديفيد التي اعتبرها إجهاضًا لذلك النصر المصدر.

هنا نحاول قراءة تلك السيرة من زاوية تحليلية: كيف تحوّل قائد عبقري إلى خصم سياسي؟ وكيف أفرزت العلاقة بين الميدان والرئاسة واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في التاريخ المصري الحديث؟

الجنرال


النشأة والبدايات: ولادة عقل متمرّد في جسد منضبط

ولد الشاذلي في قرية شبراتنا بمحافظة الغربية عام 1922، وسط مجتمع زراعي تقليدي، لكنه حمل منذ طفولته ميلًا واضحًا إلى التحليل والانضباط معًا.
كان يقرأ الصحف ويتابع أخبار الحرب العالمية الثانية بشغف، ويتأمل في تكتيكات القتال الأوروبية.
حين التحق بالكلية الحربية عام 1939، كان أصغر طلاب دفعته سنًا، لكنه أكثرهم طموحًا.

تميّز الشاذلي منذ البداية بذكاء تحليلي نادر، فبينما كان أغلب زملائه يرون في التعليم العسكري وسيلة للترقي الاجتماعي، كان هو يرى فيه علمًا واستراتيجية.
خلال حرب فلسطين 1948، شارك ضمن القوات المصرية، وهناك اكتشف مبكرًا خلل القيادة المصرية، إذ لاحظ سوء التنظيم، وتضارب القرارات، وغياب الرؤية التكتيكية.
كتب لاحقًا في مذكراته أن تلك الحرب علمته شيئًا واحدًا: أن الهزائم لا تصنعها الجيوش، بل تصنعها القيادات التي تخضع للسياسة لا للعقل.

بعد ثورة يوليو 1952، انضم إلى حركة الضباط الأحرار لكنه لم يكن من الحلقة المقربة لعبد الناصر، وهو ما جعله بعيدًا عن دوائر القوة السياسية داخل النظام الناشئ.
ومع ذلك، استمر في التقدم المهني بفضل كفاءته لا بفضل الولاء.
وفي عام 1954، أنشأ أول فرقة مظلات في الجيش المصري، مؤمنًا أن المعارك الحديثة لا تُحسم بالكثرة بل بالسرعة والدقة.
بهذا الإنجاز، وضع حجر الأساس لعصر جديد في تكتيكات الجيش المصري المصدر.


نبوغ ميداني وتجارب دولية: القائد الذي سبق عصره

كان الشاذلي أكثر من مجرد ضابط شجاع؛ كان مفكرًا عسكريًا بمعايير الاحتراف الدولي.
عندما أُرسلت القوات المصرية ضمن بعثة الأمم المتحدة إلى الكونغو عام 1960، قاد وحدة مظلات في بيئة صعبة، واستطاع أن ينفّذ عملية إنقاذ الرهائن الأوروبيين من دون إراقة دماء، مما لفت أنظار القيادات الدولية إلى ذكائه الميداني وقدرته على اتخاذ القرار تحت الضغط.

تجربته في الكونغو علمته أن الجيوش لا تنتصر فقط بالسلاح، بل بالمرونة الفكرية.
ومنذ عودته، بدأ ينتقد علنًا حالة الجمود العقائدي داخل القيادة العليا للجيش المصري، التي كانت ما تزال أسيرة تكتيكات تقليدية منذ حرب 1948.
لقد آمن الشاذلي بأن المعركة المقبلة مع إسرائيل تحتاج إلى “عقل جديد لا ينتظر الأوامر بل يصنع القرار”.

هذه الجرأة الفكرية كانت سببًا في تقديره داخل الجيش، لكنها أيضًا زرعت بذور التوجس داخل السلطة السياسية.
ففي دولة كانت تساوي بين الانضباط والطاعة العمياء، كان وجود ضابط يُفكر خارج النص أمرًا مزعجًا.


النكسة 1967: بين الانهيار والميلاد الجديد

كانت نكسة يونيو 1967 لحظة كاشفة وصادمة لكل المؤسسة العسكرية.
لم ير الشاذلي فقط هزيمة في الميدان، بل فضيحة إدارية وسياسية.
كانت الأوامر تُدار من مكاتب القاهرة، والقيادات تفتقد المعلومات، والجنود يقاتلون بلا غطاء جوي أو رؤية استراتيجية.
وحين كتب الشاذلي تقريره بعد الحرب، لم يتورع عن تحميل القيادة العامة المسؤولية المباشرة عن الكارثة، وهو ما جعله “غير مريح” سياسيًا.

لكن المفارقة أن تلك النكسة كانت أيضًا ميلادًا جديدًا لعقيدة الشاذلي العسكرية.
فمن رحم الهزيمة، بدأ التفكير في حرب محدودة الأهداف:
حرب لا تستهدف تدمير إسرائيل بالكامل، بل تحرير جزء من الأرض لفرض واقع جديد.
هذه الفلسفة – التي بدت في البداية متواضعة – كانت في الواقع الوحيدة الممكنة أمام التفوق الإسرائيلي الجوي والدعم الأمريكي اللامحدود المصدر.

تحت قيادة الفريق محمد فوزي، ثم لاحقًا أحمد إسماعيل علي، بدأ الشاذلي يضع اللبنات الأولى لخطة إعادة بناء الجيش.
وكان يرى أن “الانتصار لا يأتي من فوق، بل يُزرع في كل كتيبة”.
فأطلق برامج تدريب ميدانية مكثفة، وركز على رفع الروح المعنوية للجنود، مؤمنًا أن “الجيش الذي يعرف لماذا يقاتل، لا يُهزم مهما كانت الأسلحة”.


حرب الاستنزاف: عبقرية تكتيكية وصناعة الردع

بين عامي 1968 و1970، شهدت جبهة قناة السويس ما عرف بـ حرب الاستنزاف، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الجيش المصري.
بالنسبة للشاذلي، كانت تلك الحرب مختبرًا عمليًا للنصر القادم.
أشرف على عدد كبير من العمليات النوعية، بينها عبور مجموعات صغيرة من القوات المصرية للضفة الشرقية للقناة لضرب مواقع إسرائيلية، ثم العودة بنجاح.
هذه العمليات أعادت الثقة للجنود، وأثبتت أن الجيش الإسرائيلي ليس أسطورة لا تُقهر المصدر.

خلال تلك الفترة، نضجت لديه فكرة الحرب المحدودة: أن تعبر القوات المصرية القناة وتحتل عمقًا لا يزيد على 10 إلى 12 كيلومترًا شرق القناة، حيث يمكن حماية القوات بمظلة الدفاع الجوي المصرية.
لم يكن هدفه “تحرير سيناء دفعة واحدة”، بل تحطيم نظرية الأمن الإسرائيلية، وإجبارها على التفاوض من موقع الندية.

هذه الرؤية هي التي تبناها لاحقًا أنور السادات، بعد وفاة عبد الناصر عام 1970، لتصبح جوهر خطة حرب أكتوبر.


حرب أكتوبر 1973: عبور المجد وصدام الروايات

في ظهر السادس من أكتوبر 1973، انطلقت عملية العبور التاريخية.
كانت خطة الشاذلي، المعروفة باسم المآذن العالية، هي الخطة التي نُفذت بدقة:
خمس فرق مشاة تعبر القناة، وتهاجم خط بارليف، ثم تُنشئ رؤوس كباري مؤمنة.
تمت العملية بسرعة مدهشة أربكت القيادة الإسرائيلية.
في أقل من ست ساعات، أصبح شرق القناة تحت السيطرة المصرية.

كان الشاذلي في غرفة العمليات، يدير معركة معقدة بتوازن بين الجرأة والانضباط.
كل شيء كان محسوبًا: توقيت المد، سرعة إنشاء الكباري، مواقع الدفاع الجوي.
حتى وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان قال يومها إن ما حدث “لم يكن متوقعًا في كابوس”.

لكن لحظة النصر هذه كانت أيضًا بداية الشرخ بين المهني والسياسي.
فبينما طالب الشاذلي بتثبيت القوات داخل المدى المحدود شرق القناة، خوفًا من تجاوز مظلة الدفاع الجوي، أصر السادات على توسيع الهجوم نحو المضايق في 14 أكتوبر لتحقيق “نصر سياسي كامل”.
كانت تلك المغامرة بداية الارتداد؛ حيث فقدت القوات المصرية توازنها، وفتحت ثغرة للدخول الإسرائيلي من الدفرسوار، ليصبح الجيش الثالث محاصرًا جزئيًا غرب القناة.

الشاذلي اعتبر ذلك “انتحارًا عسكريًا بأمر سياسي”.
وعندما حاول تقديم خطة مضادة لإغلاق الثغرة، رُفضت، لأن القرار السياسي كان يميل لوقف إطلاق النار وفق شروط أمريكية.
منذ تلك اللحظة، بدأ العزل الرمزي للشاذلي من المشهد.
لم يعد يُستقبل في الإعلام، ولم يُذكر اسمه في خطابات السادات، وكأن التاريخ الرسمي أراد طمسه.


ثغرة الدفرسوار: الخلاف يتحوّل إلى صدام

تُعد ثغرة الدفرسوار أكثر من مجرد حدث عسكري؛ إنها رمز لصراع فلسفي بين رؤيتين:
رؤية الشاذلي، الذي كان يرى في العلم والاحتراف أساسًا للنصر، ورؤية السادات، الذي أراد صناعة نصر سياسي يتجاوز الواقع الميداني.
حين وقعت الثغرة، طالب الشاذلي بسحب فرقتين من الشرق لإغلاقها بسرعة، لكن القرار لم يُنفذ.
وفي مذكراته كتب:

“لم أخسر معركة، لكني خسرت ثقة القيادة السياسية، لأنني قلت الحقيقة في وقت أراد فيه الجميع الأكاذيب.”

بمرور الأيام، تحول الخلاف إلى صراع مفتوح.
السادات بدأ يرى أن شعبية الشاذلي داخل الجيش قد تهدد سلطته، بينما رأى الشاذلي أن الرئيس “يستثمر دماء الجنود في مفاوضات سرية”.
وفي ديسمبر 1973، أُقيل من منصبه بقرار رئاسي، في ذروة مجده العسكري.


من النصر إلى المنفى: عزلة الجنرال الصامت

بعد عزله، عُيّن الشاذلي سفيرًا في بريطانيا ثم في البرتغال، وهو ما اعتبره “نفًى دبلوماسيًا”.
كان يعلم أن السادات يريد إبعاده عن الجيش والإعلام، لكن ما لم يتوقعه أن يُستدعى لاحقًا لمحاكمة عسكرية.
عندما عارض علنًا اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، وكتب مذكراته في الخارج، اعتبره النظام خصمًا سياسيًا.
فصدر حكم غيابي بسجنه ثلاث سنوات بتهمة “إفشاء أسرار عسكرية” المصدر.

عاش في المنفى بالجزائر، حيث استقبله الرئيس هواري بومدين، ومنحه إقامة كريمة.
هناك كتب أهم أعماله، كتاب "حرب أكتوبر"، الذي دوّن فيه رؤيته للتاريخ من وجهة نظر الميدان لا القصر.
وهو من أصدق الكتب العسكرية العربية التي وثّقت لحظة الحرب بعيون المقاتلين لا السياسيين.

عاد إلى مصر عام 1992 بعد عفو رئاسي من الرئيس حسني مبارك، لكنه ظل صامتًا حتى وفاته عام 2011، يوم جمعة الغضب في ثورة يناير — وكأن القدر أراد أن يربط رحيله بلحظة مواجهة جديدة بين الشعب والسلطة.


التحليل السياسي–العسكري: حين يصبح الصدق عبئًا على النظام

لم يكن الخلاف بين الشاذلي والسادات مسألة شخصية، بل كان تجسيدًا لصراع بنيوي داخل الدولة المصرية:
هل الجيش مؤسسة مهنية مستقلة، أم أداة في يد النظام السياسي؟

سعد الدين الشاذلي.. الجنرال الذي انتصر فعوقب

الشاذلي جسّد فكرة الاحتراف العسكري القائم على التحليل والتكتيك والانضباط، بينما جسّد السادات فكرة القيادة السياسية المطلقة التي ترى في النقد العسكري نوعًا من العصيان.
وبين هاتين الرؤيتين، وُلدت كل الأزمات التي واجهتها مصر في إدارة العلاقة بين العسكريين والسياسة بعد 1973.

لقد كان الشاذلي يرى نفسه خادمًا للوطن، بينما رآه السادات خصمًا لهيبة الرئاسة.
وعندما كتب في مذكراته أن “السياسي قد ينتصر بالابتسامة، لكن الجندي لا ينتصر إلا بالعرق والدم”، كان يلخّص مأساة كاملة في جملة واحدة.

من وجهة نظر التحليل العسكري، يمثل الشاذلي نموذج القائد الذي يسبق زمنه؛
فقد جمع بين العلم الغربي في التخطيط والانضباط الشرقي في التنفيذ.
ومن وجهة نظر التحليل السياسي، كان ضحية لنظام لم يحتمل وجود قائد يفكر بعقل مستقل.
وهكذا، تحوّل بطل النصر إلى “متهم”، وتحول النصر نفسه إلى ورقة تفاوض في يد السياسة.


إرثه العسكري والفكري: عودة العدالة بعد الغياب

رغم محاولات طمس سيرته لعقود، فإن الأجيال اللاحقة أعادت الاعتبار لاسم الفريق الشاذلي.
في عهد الرئيس مبارك، أُعيد نشر مذكراته داخل مصر، وعادت سيرته إلى مناهج التاريخ العسكري.
كما اعترفت الكلية الحربية رسميًا بأنه أحد أهم مؤسسي الفكر العملياتي المصري الحديث.
وفي عام 2012، وبعد الثورة، قرر المشير محمد حسين طنطاوي تكريمه رسميًا ومنحه قلادة النيل من الدرجة الأولى المصدر.

أما على المستوى الفكري، فقد تحوّل اسمه إلى رمز للضمير العسكري النزيه.
فلم يكن الشاذلي سياسيًا، لكنه فهم السياسة أكثر من أهلها.
كان يدرك أن “النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد الكيلومترات المحررة، بل بعدد الكرامات المستعادة”.
ولذلك، فإن التاريخ – لا الإعلام – هو من أنصفه في النهاية.


الخاتمة: حين ينتصر التاريخ للذين لم يكتبوا بيانات النصر

رحل سعد الدين الشاذلي في صمت، لكن أثره لا يزال يتردّد في وجدان مصر.
لقد علّم الأجيال أن البطولة ليست في الأوامر، بل في الضمير، وأن الشجاعة ليست في الهجوم فقط، بل في قول “لا” عندما يكون الجميع صامتين.
كان يعرف أن الحقيقة قد تؤدي بصاحبها إلى العزلة، لكنه آمن أن “العزلة بشرف خير من القرب بالخداع”.

إن قراءة سيرة الشاذلي اليوم ليست مجرد واجب تجاه رجل عظيم، بل دعوة للتفكير في العلاقة بين السلطة والعسكرية والعقل الوطني.
فهل تغيرت المعادلة؟
ربما لا.
لكن بقاء اسمه حيًا في ذاكرة المصريين، رغم كل محاولات النسيان، يعني أن التاريخ لا ينسى من قال الحقيقة ثم دفع ثمنها.

اقرأ أيضا:








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار