سقوط الفاشر وتهديد المطارات المصرية: القصة الكاملة لصعود حميدتي من قوافل دارفور إلى حافة الحرب مع القاهرة
حين تشتعل دارفور على حدود مصر: سقوط الفاشر وتحوّل المعركة إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري.
القصة الكاملة لانهيار مدينة الفاشر وتمدّد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، من طفولةٍ بدويةٍ في دارفور وتجارة القوافل إلى تأسيس الجنجويد ثم قوات الدعم السريع، مرورًا بمعارك الذهب في جبل عامر وشبكات التمويل العابرة للحدود. يقدّم المقال قراءة إنسانية وتحليلًا نفسيًا عميقًا لظاهرة العنف وفق نظرية “فكّ الارتباط الأخلاقي” (Albert Bandura)، مع تتبّع الدور الإقليمي للإمارات وروسيا وتشاد، وتقييم احتمالات تدخل الطيران المصري بعد تهديدات صريحة بقصف مطارات أسوان وشرق العوينات. تقرير تحليلي موثّق بالمصادر الدولية من BBC وReuters وHuman Rights Watch وThe Guardian، يربط بين دارفور وسد النهضة وأمن البحر الأحمر في معركةٍ واحدة على حدود مصر الجنوبية. مقال تحليلي نادر يجمع بين الجغرافيا السياسية والنفس العسكرية والأمن القومي في قلب أفريقيا المشتعلة.
دارفور تشتعل من جديد.. والحدود المصرية في قلب العاصفة
مع سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أيدي قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، دخلت الحرب السودانية أخطر مراحلها منذ اندلاعها في أبريل 2023. لم يعد الصراع مجرد نزاع داخلي بين جيشين متنافسين، بل تحوّل إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري، بعد تداول تهديدات صريحة بقصف مطارات مصرية في أسوان وشرق العوينات.
سقوط الفاشر ليس مجرد حدث عسكري، بل تحوّل استراتيجي في ميزان القوى الإقليمية. فهذه المدينة كانت آخر خطوط الدفاع عن السودان الغربي، وهي مفتاح الاتصال بين الخرطوم وتشاد وليبيا، وبين الجنوب المصري وحزام الصحراء الكبرى.
الفاشر.. المدينة التي كانت قلعة الشمال الغربي
تقع الفاشر على بعد نحو 800 كيلومتر من الخرطوم، وتاريخيًا كانت عاصمة سلطنة دارفور قبل أن تضمها بريطانيا إلى السودان في مطلع القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين أصبحت رمزًا للسيطرة على الغرب السوداني.
مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ظلت الفاشر صامدة أكثر من عام ونصف، إلى أن بدأ الحصار يشتد في منتصف 2025.
The Guardian: Darfur war escalates as RSF advances on key city of El Fasher
كانت المدينة تمثّل آخر معقل للجيش في الإقليم، وتحوي مقرّات مهمة للأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، إلى أن أعلنت القوات الأممية انسحابها الكامل في يوليو الماضي بعد تزايد الهجمات الجوية والمدفعية. ومع انهيار خطوط الدفاع في أكتوبر، أعلنت قوات الدعم السريع دخول المدينة بالكامل.
قوات الدعم السريع.. من “ميليشيا قبلية” إلى جيش بديل
تأسست قوات الدعم السريع رسميًا عام 2013، لكنها في حقيقتها امتداد لمليشيات الجنجويد التي استخدمها نظام البشير في حرب دارفور منذ عام 2003. ومع سقوط النظام عام 2019، أصبح حميدتي نائبًا لرئيس مجلس السيادة، قبل أن ينقلب الصراع بينه وبين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى حرب مفتوحة.
تمكّنت قوات حميدتي خلال العامين الماضيين من فرض سيطرة شبه كاملة على العاصمة الخرطوم وأجزاء من كردفان ودارفور، معتمدًا على دعم مالي وعسكري يُعتقد أنه قادم من الخارج، خصوصًا من الإمارات ومرتزقة “فاغنر” الروسية.
Reuters: UAE denies arming Sudan’s RSF after reports of military support
سقوط الفاشر.. نقطة تحوّل في ميزان القوى السوداني
من الناحية العسكرية، يمثّل سقوط الفاشر أكبر خسارة استراتيجية للجيش السوداني منذ بداية الحرب. المدينة كانت تمثّل مركز القيادة والتحكم في الإقليم، وتربط بين خمس ولايات دارفورية، وتتحكم في طريق الإمداد نحو تشاد وليبيا.
أما سياسيًا، فخسارة الفاشر وضعت البرهان في موقف حرج أمام القوى الإقليمية الداعمة له، خصوصًا مصر، التي كانت تراهن على الجيش كحائط صدّ ضد تمدد الفوضى غربًا.
Al Jazeera: Sudan’s El Fasher falls to RSF, deepening crisis for Burhan
في المقابل، اعتبر حميدتي أن السيطرة على الفاشر “تحرير نهائي للإقليم” وبداية مرحلة جديدة لإعادة “بناء الدولة السودانية”، في إشارة واضحة إلى رغبته في فرض واقع سياسي جديد قد ينتهي بتقسيم البلاد فعليًا.
دارفور بين فاغنر والإمارات وتشاد.. ساحة تنافس دولي
اللافت أن سقوط الفاشر لم يكن مجرد حدث داخلي، بل نتاج صراع إقليمي أوسع.
وفق تحقيق نشرته صحيفة The Guardian البريطانية، فإن مرتزقة من مجموعة فاغنر الروسية شاركوا في تدريب وتسليح وحدات من الدعم السريع قرب الحدود مع تشاد وليبيا.
كما كشفت تقارير أممية أن الإمارات قامت، عبر قنوات إنسانية وتجارية، بتمرير معدات تقنية ولوجستية للدعم السريع، رغم نفيها الرسمي.
وفي المقابل، أبدت تشاد قلقًا متزايدًا من اقتراب الحرب من حدودها الشرقية، حيث بدأت قوات الدعم السريع في التمدد نحو مدينة الجنينة، ما دفع نجامينا إلى تعزيز قواتها على الحدود.
UN: Chad faces influx of refugees as Darfur conflict escalates
القاهرة في مرمى النار.. تهديدات غير مسبوقة
بعد أيام من سقوط الفاشر، بثت حسابات محسوبة على الدعم السريع تسجيلات تهدّد بـ”نقل المعركة خارج السودان”، مع إشارة صريحة إلى إمكانية قصف مطارات مصرية في أسوان وشرق العوينات.
ورغم أن القيادة المصرية لم تصدر تعليقًا رسميًا مباشرًا، إلا أن تقارير استخباراتية غربية تحدّثت عن رفع حالة التأهب في الجنوب المصري ونشر وحدات دفاع جوي إضافية قرب الحدود.
Reuters: Egypt on alert as Sudan conflict nears southern border
الرسالة هنا واضحة: الحرب في السودان لم تعد بعيدة عن الأمن القومي المصري، بل باتت تطرق الأبواب.
الأمن القومي المصري بين سيناريوهين
السيناريو الأول: التمدد الفوضوي غربًا
في هذا السيناريو، تستمر قوات الدعم السريع في التقدّم نحو الحدود الليبية والتشادية، ما يخلق فراغًا أمنيًا ضخمًا في الصحراء الكبرى، يمكن أن تستغله جماعات تهريب السلاح والبشر، وربما جماعات إرهابية.
السيناريو الثاني: الاحتكاك المباشر مع مصر
وهو الأخطر. إذا شعر حميدتي بأن القاهرة تميل علنًا لدعم البرهان، فقد يلجأ إلى توجيه ضربة رمزية أو تهديدية عبر الحدود، أو السماح لقوى خارجية باستخدام أراضٍ سودانية لتهديد مصر، كما حدث مع المرتزقة التشاديين والليبيين خلال حرب دارفور السابقة.
BBC Analysis: Egypt faces strategic dilemma as Sudan war spills over
الدور الإثيوبي الخفي.. من النيل إلى دارفور
لا يمكن فصل تصاعد الأزمة في دارفور عن سياق التوتر بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة. فوفقًا لمصادر دبلوماسية، هناك دلائل على وجود تنسيق غير مباشر بين أديس أبابا وبعض فصائل الدعم السريع لتشتيت الضغط المصري.
هذا الربط ليس جديدًا؛ فقد استخدمت إثيوبيا الورقة السودانية مرارًا للضغط على القاهرة، وهو ما يجعل التحركات في دارفور بمثابة “الجبهة الغربية” في معركة النيل غير المعلنة.
ليبيا وتشاد.. خطوط النار المفتوحة على الجنوب المصري
من الغرب، تشكّل ليبيا مصدر قلق مزدوج. فالمناطق الجنوبية من ليبيا (سبها – مرزق) تُستخدم كممر لتهريب السلاح والوقود باتجاه دارفور، بينما تشاد تعاني من هشاشة أمنية داخلية تجعل حدودها مع السودان مفتوحة فعليًا.
تلك الجغرافيا المترابطة تضع مصر في قلب مثلث ناري بين دارفور وليبيا وتشاد، ما يجعل أي انفجار جديد في الإقليم تهديدًا مباشرًا لأمنها الحدودي.
The Guardian: North Africa’s fragile borders tested by Sudan war
الموقف الدولي.. غياب الإرادة وسباق النفوذ
رغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة من “كارثة إنسانية وشيكة” في دارفور، لم يتجاوز الموقف الدولي حدود البيانات.
بينما تسعى واشنطن إلى احتواء الدور الروسي والإماراتي، فإن موسكو تستغل الفوضى لتعزيز وجودها عبر “فاغنر” في المناطق الغنية بالذهب. أما الاتحاد الأوروبي، فاهتمامه ينصب على وقف موجات اللاجئين التي بدأت تتجه شمالًا نحو ليبيا ومن هناك إلى المتوسط.
الفاشر بعد السقوط.. دارفور خارج الدولة
التقارير القادمة من الميدان تشير إلى انهيار تام للمؤسسات الحكومية في الفاشر، وعمليات نهب وقتل طائفي، وسط غياب شبه كامل للجيش والشرطة.
Al Jazeera: Darfur’s El Fasher descends into chaos after RSF takeover
تُقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 300 ألف شخص نزحوا خلال أسبوع واحد، متجهين نحو الحدود التشادية، في واحدة من أسوأ موجات النزوح منذ 2004.
القاهرة بين الدبلوماسية والردع
تعتمد مصر حتى الآن على دبلوماسية التهدئة، فالرئيس عبد الفتاح السيسي يدرك أن أي تدخل عسكري مباشر داخل السودان سيُفهم إقليميًا كتصعيد خطير. لذلك تتحرّك القاهرة عبر قنوات استخباراتية مع تشاد والإمارات وليبيا لمحاصرة تمدد الدعم السريع دون إعلان رسمي.
ومع ذلك، فإن مصر لن تتسامح مع أي تهديد مباشر لأراضيها.
Reuters: Egypt warns against threats to its national security amid Sudan chaos
مستقبل الصراع.. نحو تقسيم السودان؟
يرى محللون أن سيطرة الدعم السريع على دارفور تعني عمليًا تقسيم السودان إلى كيانين:
- شمال ووسط تسيطر عليهما القوات المسلحة.
- وغرب وخرطوم تحت قبضة الدعم السريع.
وهو سيناريو مشابه لما حدث في ليبيا بعد 2011، مع وجود حدود مفتوحة وقوى إقليمية متصارعة.
نار دارفور تقترب من النيل
لم تعد الحرب السودانية حربًا داخلية فقط، بل امتدت شظاياها إلى كل الاتجاهات: إثيوبيا شرقًا، ليبيا وتشاد غربًا، ومصر شمالًا.
سقوط الفاشر هو بداية مرحلة جديدة لا تقل خطورة عن حرب دارفور الأولى، لكنه هذه المرة يهدّد الحدود المصرية مباشرة.
فإن لم يتم احتواء الصراع عبر مبادرة إقليمية عاجلة، فقد تجد القاهرة نفسها مضطرة إلى دفاع استباقي في العمق الإفريقي لحماية أمنها القومي.
UN Security Council: Urgent call for regional dialogue to contain Sudan conflict
إعداد وتحليل: محمد حسانين – مدونة THOUGHTS
تحليل سياسي – جيوستراتيجي – أكتوبر 2025
اقرأ أيضا:
أبطال الظل في حرب أكتوبر: كيف حسمت البحرية والصاعقة المصرية المعركة من خلف خطوط العدو


تعليقات
إرسال تعليق