"غزة بين التقسيم والصفقة: الكواليس السرّية للمقترح الأميركي–الإسرائيلي وسط الرفض العربي وخطر إعادة الاحتلال"
الصفقة المؤقتة: تفاصيل المقترح الأميركي لتقسيم غزة بين إسرائيل وحماس وسط رفض عربي متصاعد.
بين الهدنة والحسابات الخفية
في الوقت الذي يعيش فيه قطاع غزة هدنة هشة بعد شهور من الحرب، تتكشف ملامح خطة أميركية–إسرائيلية جديدة تهدف إلى تقسيم القطاع مؤقتًا بين منطقتين، إحداهما تحت السيطرة الإسرائيلية، والأخرى تخضع لحركة حماس. هذه الخطة التي كشفت عنها صحيفة وول ستريت جورنال ليست مجرد تصور ميداني لإدارة ما بعد الحرب، بل تمثل امتدادًا لرؤية أعمق تُعيد رسم الجغرافيا السياسية لغزة بما يخدم مشروع "السلام الأميركي" الجديد، الذي يتبناه الرئيس دونالد ترمب وفريقه.
وسط هذا المشهد، جاء الإعلان المفاجئ عن إطلاق "مركز التنسيق المدني العسكري" في جنوب إسرائيل، بمشاركة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وصهر ترمب جاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، في مؤتمر صحفي أكد فيه فانس أن هناك "منطقتين في غزة، إحداهما آمنة نسبياً، والأخرى بالغة الخطورة"، داعيًا إلى "توسيع الرقعة الجغرافية للمنطقة الآمنة".
لكن ما بدا في الظاهر خطة لإعادة الإعمار، يخفي في جوهره محاولة لتثبيت واقع سياسي جديد، يقسم القطاع فعليًا، ويجعل من السيطرة الإسرائيلية أمرًا مقننًا "مؤقتًا"، في انتظار نزع سلاح المقاومة. وبينما رحبت تل أبيب بالتصور الأميركي، جاءت الردود العربية حادة وحاسمة: "لا لتقسيم غزة، ولا لحلول على حساب وحدة الأراضي الفلسطينية".
جذور الفكرة – من “صفقة القرن” إلى “غزة الجديدة”
لم تكن فكرة تقسيم غزة وليدة اللحظة، بل امتدادٌ لمشروع أوسع أطلق عليه في عهد ترمب اسم "صفقة القرن"، والذي روّج له كل من جاريد كوشنر ومايك بومبيو باعتباره "حلاً شاملاً" للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
ضمن هذا الإطار، طُرحت آنذاك فكرة إنشاء كيان إداري فلسطيني محدود الصلاحيات في القطاع، مقابل وعود استثمارية تصل إلى 50 مليار دولار، وهو ما رفضته كل الفصائل الفلسطينية بشدة.
لكن التطورات العسكرية الأخيرة في غزة، والانسحابات الإسرائيلية الجزئية التي تركت مناطق مدمرة، أعادت هذه الفكرة إلى الواجهة. فوفقًا لتقرير وول ستريت جورنال, تبحث واشنطن وتل أبيب إقامة منطقتين منفصلتين في غزة، بحيث تكون "المنطقة الآمنة" تحت إشراف الجيش الإسرائيلي، وتُخصص لإعادة الإعمار، بينما تظل "المنطقة الخطرة" – أي تلك التي لا تزال تحت سيطرة حماس – خارج أي دعم اقتصادي حتى إشعار آخر.
بهذا الشكل، تُعيد الإدارة الأميركية تدوير مشروعها القديم تحت غطاء "إعادة الإعمار"، لكنها في الحقيقة تمهد لـ"غزة جديدة" خالية من المقاومة.
تصريحات فانس وكوشنر – خريطة سياسية بوجه إنساني
في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في إسرائيل، تحدث نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن "ضرورة دعم المسار الإنساني والإغاثي"، مؤكدًا أن هناك مناطق "باتت آمنة نسبيًا" يمكن أن تُفتح فيها مشاريع إعادة إعمار.
أما جاريد كوشنر، فقد ذهب أبعد من ذلك، معلنًا أن "الأموال المخصصة لإعادة الإعمار لن تُوجه إلى المناطق التي تبقى تحت سيطرة حماس"، في إشارة واضحة إلى سياسة التمييز الجغرافي والاقتصادي بين شطري القطاع.
كوشنر وصف المشروع بأنه "مرحلة أولى لتأسيس غزة جديدة"، لكنه لم يوضح من سيكون صاحب السيادة الفعلية على هذه "المنطقة الآمنة"، وهو الغموض الذي يثير تساؤلات حول مدى نية واشنطن إعادة الاحتلال بشكل ناعم، أو تحويل غزة إلى "منطقة أمنية دولية" تشبه الوضع في كوسوفو.
وقد أعلن فانس في المؤتمر ذاته عن إنشاء "مركز التنسيق المدني العسكري" جنوب إسرائيل، بهدف مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، والإشراف على إعادة الإعمار، وهي خطوة تُعيد للأذهان آليات السيطرة غير المباشرة التي استخدمتها واشنطن في العراق وأفغانستان.
جوهر المقترح – تقسيم جغرافي تحت عنوان “الأمن”
يستند المقترح الأميركي–الإسرائيلي إلى فكرة أن الأمن يجب أن يسبق الإعمار.
وفقًا لتسريبات الشرق الأوسط وتايمز أوف إسرائيل، فإن الخطة تتضمن تقسيم غزة إلى منطقتين:
-
المنطقة الآمنة: تمتد من معبر كرم أبو سالم حتى أطراف خان يونس، وتخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي المباشرة.
- يُسمح فيها بعمليات إعادة الإعمار.
- تُدار مدنيًا عبر لجنة فلسطينية "غير سياسية" تحت إشراف دولي.
- تكون مفتوحة أمام المساعدات والإغاثة.
-
المنطقة الخطرة: تضم شمال القطاع ومدينة غزة، وتبقى تحت سيطرة حماس، دون أي دعم اقتصادي، إلى أن يتم "نزع سلاحها بالكامل".
ويرى محللون في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن هذه الخطة ليست إلا تقسيماً فعلياً للقطاع، لكنها تُقدّم للعالم بعبارات إنسانية، تهدف إلى كسب التعاطف الدولي مع مشروع إعادة الإعمار المشروط.
الموقف العربي – رفض قاطع وتحذيرات مبكرة
على الرغم من محاولات واشنطن تسويق الخطة كحل مؤقت، فإن الدول العربية الرئيسية رفضتها بوضوح.
فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن وسطاء عرب قولهم إن مصر والأردن والسعودية أبلغت الإدارة الأميركية رفضها إرسال أي قوات عربية إلى غزة في ظل هذه الشروط.
وأكدت القاهرة – وفق ما أوردته سكاي نيوز عربية – أن "أي ترتيبات أمنية أو سياسية في غزة يجب أن تكون تحت مظلة السلطة الفلسطينية، لا عبر تقسيمات مؤقتة".
كما شددت عمّان على أن تقسيم غزة سيقود إلى "تكريس الانقسام الفلسطيني" وتهديد أي أفق لحل الدولتين.
وتشير مصادر دبلوماسية لـالجزيرة نت إلى أن الاتصالات العربية مع واشنطن حملت تحذيرات من أن "أي محاولة لفرض واقع جغرافي جديد ستواجه برفض سياسي وشعبي عربي واسع"، خصوصًا أن التجربة السابقة مع "صفقة القرن" أظهرت هشاشة المشاريع الأميركية حين تصطدم بجدار الرفض الشعبي.
منطق واشنطن – “السلام مقابل الإعمار”
في خطاب إدارة ترمب، يتكرر التعبير ذاته: "نزع السلاح مقابل الإعمار"، وهو الشعار الذي يمثل جوهر السياسة الأميركية الجديدة في غزة.
الولايات المتحدة تراهن على أن الدمار الإنساني الهائل في القطاع سيخلق ضغطًا شعبيًا على حماس للقبول بخطة أميركية تفتح الباب أمام الاستثمارات.
لكن الواقع الميداني، وفق تقارير رويترز وبي بي سي, يُظهر أن الفصائل الفلسطينية لن تقبل أي ترتيبات تنتقص من السيادة أو تُعيد الاحتلال بشكل غير مباشر.
وترى واشنطن أن نجاح الخطة سيفتح الباب أمام نموذج مشابه في الضفة الغربية، ما يجعل غزة "مختبرًا سياسياً" لحل أوسع في المنطقة.
لكن محللين في ميدل إيست آي يؤكدون أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة الصراع الممتدة، وأن "السلام الاقتصادي" لا يمكن أن يعوّض غياب العدالة السياسية.
المعضلة الإسرائيلية – كيف تسيطر دون أن تعود؟
من جانبها، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة استراتيجية: كيف تضمن الأمن في غزة دون أن تتحمل أعباء الاحتلال المباشر؟
وفقًا لتحليل هآرتس, ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن التقسيم المؤقت قد يوفّر "منطقة عازلة" تفصل بين الجيش والمقاومة، لكنه في الوقت نفسه يخلق فراغًا إداريًا يصعب ملؤه دون سلطة فلسطينية مركزية.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض منح أي دور للسلطة الفلسطينية في الخطة، معتبرًا أن عودتها إلى غزة "مكافأة للإرهاب"، لكنه لم يقدّم بديلاً عمليًا لإدارة الشؤون المدنية في القطاع.
وهو ما يدفع بعض المحللين الإسرائيليين إلى القول إن المشروع الحالي ليس إلا عودة مقنعة للاحتلال.
السيناريوهات المحتملة – بين “الانتقال المؤقت” و”التقسيم الدائم”
تتباين تقديرات الخبراء حول مآلات الخطة الأميركية.
فبينما ترى بعض مراكز الأبحاث الأميركية مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أنها مرحلة انتقالية ضرورية قبل تسليم غزة لإدارة فلسطينية جديدة، يحذر باحثون عرب من أن "المؤقت في السياسة الأميركية غالبًا ما يصبح دائمًا".
ويرجّح مراقبون أن يؤدي تنفيذ الخطة إلى:
- تكريس الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة.
- منح إسرائيل شرعية ميدانية للسيطرة على جزء من القطاع.
- تعميق الفجوة الاقتصادية والسياسية داخل المجتمع الفلسطيني.
- تجميد ملف الدولة الفلسطينية لعقدٍ آخر على الأقل.
مصر والموقف الإقليمي – خطوط حمراء لا تُمس
بالنسبة لمصر، فإن غزة ليست مجرد ملف حدودي، بل مسألة أمن قومي.
القاهرة – التي أدارت وساطة الهدنة – تعتبر أي وجود إسرائيلي دائم على حدودها تهديدًا مباشرًا، وأي تقسيم لغزة مساسًا بوحدة الأراضي الفلسطينية.
ووفق تحليل الأهرام فإن الموقف المصري "واضح وثابت: لا لحلول مؤقتة تُكرس الاحتلال".
أما السعودية والإمارات، اللتان شاركتا في مباحثات واشنطن الأخيرة، فقد شددتا على ضرورة أن تكون إعادة الإعمار ضمن إطار سياسي شامل يقود إلى دولة فلسطينية موحدة، وليس مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
الخلاصة – ما بين “غزة الجديدة” وواقع التقسيم
في جوهرها، الخطة الأميركية ليست مشروع سلام، بل إدارة أزمة تحت السيطرة.
هي محاولة لإعادة إنتاج "غزة القابلة للحياة" التي تحدّث عنها كوشنر منذ سنوات، لكن دون سيادة، ودون مقاومة.
الرفض العربي، رغم وضوحه، لا يضمن بالضرورة إفشال الخطة، خصوصًا إذا مضت واشنطن وتل أبيب في تطبيقها فعليًا على الأرض تحت مسمى “إعادة الإعمار”.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نحن أمام تقسيم مؤقت يمهد للسلام، أم تقسيم دائم يدفن القضية الفلسطينية؟
الجواب – كما يبدو – مرهون بقدرة العرب على التحرك السياسي الفعلي، لا الاكتفاء بالرفض اللفظي، وبمدى استعداد الفلسطينيين لتوحيد صفوفهم، قبل أن تُقسم غزة على طاولة مفاوضات لا يجلسون إليها.
المصادر ذات الصلة:
اقرأ أيضا:
السيد أحمد البدوي: قصة الولي الصالح من فاس إلى طنطا ومكانته في قلوب المصريين
فنزويلا تحت النار: لماذا تتحرك أمريكا الآن؟ وما سر تهديد بوتين العاجل؟
تعليقات
إرسال تعليق