بعد قمة شرم الشيخ: هل يصطدم السيسي بالخليج؟ قراءة في الصدام السياسي والإعلامي من غزة إلى الجامعات المصرية
ما بعد قمة شرم الشيخ: تصادم مصري–خليجي حول غزة و”المرحلة الثانية”.. هل تربح القاهرة معركة الوقت؟
في تحليل سياسي شامل، نفكّك تصاعد التوترات بعد قمة شرم الشيخ بين مصر ودول الخليج، على خلفية دخول فرق الهندسة المصرية إلى غزة، وتسريبات Axios عن شروط إسرائيل للمرحلة الثانية من العملية، وقراءة Jerusalem Post لإجراءات عقابية مؤقتة في رفح. من واقعة طرد السفير الأمريكي السابق من الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى مقتل الغماري وتأثيره على البحر الأحمر، ومن ظهور مقاتلات J-10C في فيلم “نسور السماء” إلى تقرير Citigroup عن ثقة المستثمرين، هذا المقال يقدم قراءة معمقة في السياسة المصرية والوساطة الإقليمية والاقتصاد بعد القمة.
تصاعد ما بعد القمة
منذ انتهاء قمة شرم الشيخ الأخيرة التي جمعت قادة الإقليم بحضور أمريكي وأوروبي، والمشهد السياسي والإعلامي يعيش حالة احتقان مكتوم.
في الوقت الذي تواصل فيه القاهرة مساعيها لتثبيت التهدئة داخل غزة وإدارة مسار تسليم جثامين الرهائن الإسرائيليين، كانت العواصم الخليجية — لا سيما الرياض وأبوظبي — تبعث بإشارات توتر مكتومة تجاه ما تعتبره “انفرادًا مصريًا” بإدارة المرحلة الانتقالية دون تنسيق كافٍ.
تقول مصادر دبلوماسية لـرويترز إن القاهرة "تحاول ترجمة إنجازها في شرم الشيخ إلى مكسب ميداني واقتصادي طويل الأمد"، عبر توسيع هامش الدور الميداني داخل غزة عبر فرق هندسية وإنقاذ مصرية تعمل تحت إشراف مشترك مع الصليب الأحمر والوسطاء الدوليين.
واقعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة… اشتباك رمزي
أثارت حادثة طرد السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، دانيال كيرتزر، من حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC)، جدلاً واسعًا.
كيرتزر، الذي عُرف بمواقفه المتشددة من القاهرة خلال سنوات عمله الدبلوماسي، كان ضيفًا في ندوة أكاديمية عن “الشرق الأوسط بعد غزة”، قبل أن يتعرض لاحتجاج طلابي منسّق أدى إلى مغادرته القاعة.
الواقعة لم تكن مجرد “خلاف أكاديمي”، بل بدت كما وصفتها صحيفة Sky News Arabia “انعكاسًا لتحول المزاج العام المصري ضد ازدواجية الموقف الأمريكي”.
رمزيًا، بدت القاهرة ترسل رسالة مزدوجة: لا خطوط حمراء في النقد، ولا قبول بوصاية فكرية من دبلوماسيين سابقين يتحدثون من منابر الجامعات عن مستقبل غزة ومصر دون احترام سيادتها.
التباين المصري–الخليجي بعد القمة
مع أن قمة شرم الشيخ كانت تهدف إلى “إعادة الاصطفاف العربي”، فإن ما تلاها كشف عن تباين جوهري بين براغماتية القاهرة ورغبة خليجية إماراتية في حسم الملف الفلسطيني نحو إقصاء حركة حماس سياسيًا.
في مقال رأي للإعلامي عماد الدين أديب على العربية وصف المشهد بأنه "اختبار للقيادة المصرية بين الحياد والتورط"، مشيرًا إلى أن الخليج يريد “حكومة انتقالية تكنوقراطية بلا أجنحة مسلحة”، بينما ترى القاهرة أن أي إقصاء كامل لحماس سيُفجّر الوضع من جديد.
تسريبات Axios وقراءة Jerusalem Post
كشف موقع Axios أن إسرائيل تربط الانتقال إلى “المرحلة الثانية” من عملياتها بمدى سرعة تسليم بقية جثامين الرهائن عبر القاهرة.
أما صحيفة Jerusalem Post فقد تحدثت عن “إجراءات عقابية مؤقتة” تشمل إبطاء مرور المساعدات عبر رفح وتقليص عدد التصاريح الإنسانية، كرسالة ضغط على الوسطاء.
في المقابل، اعتبرت القاهرة تلك الإجراءات تكتيكًا تفاوضيًا، وليس تحولًا استراتيجيًا، مؤكدة عبر مصدر مصري لـبي بي سي أن “العمل الميداني المصري داخل غزة يتم بتنسيق كامل مع الصليب الأحمر والأمم المتحدة”.
دخول فرق الهندسة المصرية إلى غزة
في الأيام التي تلت القمة، رُصد دخول فرق هندسة مصرية إلى شمال القطاع، مزوّدة بمعدات متقدمة لرفع الأنقاض وانتشال الجثامين.
بحسب تقرير رويترز، تهدف هذه الفرق إلى تمهيد الممرات الإنسانية وضبط مسار الاتفاق المرحلي بين الفصائل والوسيط المصري.
التحرك المصري الميداني أثار حفيظة بعض الأصوات الخليجية التي رأت فيه “إدخالًا رمزيًا للنفوذ”، بينما اعتبرته القاهرة ضرورة إنسانية وسياسية لضمان السيطرة على الأرض ومنع انفلات الموقف.
حادث السفارة المصرية في تل أبيب
أثار إطلاق نار قرب السفارة المصرية في تل أبيب تساؤلات حول دلالاته الأمنية والسياسية.
بينما وصفه بيان الخارجية المصرية بأنه “حادث فردي قيد التحقيق”، نقلت The Times of Israel عن مصادر أمنية إسرائيلية أن الحادث “وقع بعد مشادة لفظية بين حارس أمن ومواطن إسرائيلي”.
لكن في السياق الإقليمي المتوتر، قرأه مراقبون كمؤشر رمزي على هشاشة الوضع الأمني في ظل الانقسام السياسي حول غزة.
حرب الروايات النفسية وشرائح الاتصال
في تصعيد جديد للحرب النفسية، كشفت كتائب القسام عن تمكنها من اختراق شرائح اتصال إسرائيلية استخدمتها المخابرات كمصيدة استخبارية، وحوّلتها إلى أداة حرب نفسية عبر مكالمات فيديو مباشرة مع عائلات الرهائن.
موقع Ynet أشار إلى أن بعض العائلات “انهارت عاطفيًا” بعد تلقي مكالمات من رهائن لم تكن الحكومة تعترف بوجودهم، مما أثّر على الرأي العام الداخلي وأحرج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
سلسلة الاغتيالات العابرة للساحات
مع مقتل القيادي الحوثي يوسف الغماري، توسعت رقعة الاغتيالات الإسرائيلية لتشمل ساحات البحر الأحمر.
ذكرت رويترز أن الغماري “قُتل في غارة بطائرة مسيّرة” قرب الساحل الإريتري، في إطار ما وصفته الصحيفة بـ“سياسة قطع الرأس”.
هذا التصعيد ينعكس مباشرة على أمن قناة السويس والملاحة الإقليمية، ما يفسر مشاركة القاهرة النشطة في مباحثات أمن البحر الأحمر الأخيرة.
J-10C و"نسور السماء" – تلويح ردعي مصري
ظهر الطراز الصيني J-10C في فيلم وزارة الدفاع المصرية “نسور السماء”، ما أثار تكهنات واسعة حول اقتراب دخولها الخدمة.
تحليل موقع Defense News رأى في ذلك "رسالة ردعية محسوبة" ضمن سياسة تنويع التسليح بعد ضغوط أمريكية.
القاهرة تُرسل رسالة مزدوجة: امتلاك بدائل استراتيجية، واستعدادها لمرحلة ما بعد الاحتكار الأمريكي للسلاح.
سيتي جروب وتحوّل المزاج الاقتصادي
في الجانب الاقتصادي، نشرت Citigroup تقريرًا بعنوان “مصر وجهة رئيسية في الشرق الأوسط وأفريقيا”، معتبرة أن الاستقرار الإقليمي والسياسي بعد قمة شرم الشيخ أعاد الزخم للسوق المصرية.
يشير التقرير إلى أن فشل سيناريو التهجير من غزة منح القاهرة “رصيدًا دبلوماسيًا واستثماريًا”، انعكس على ارتفاع ثقة المستثمرين الأجانب في الجنيه المصري والسندات الحكومية.
سيناريوهات المرحلة الثانية
المرحلة الثانية من العملية في غزة تتضمن أربع ملفات مترابطة:
- تسليم بقية الجثامين.
- انتظام الممرات الإنسانية.
- تثبيت التهدئة.
- تشكيل إدارة انتقالية تكنوقراطية بإشراف عربي.
وفق تحليل Axios، تراهن إسرائيل على “تحييد الفصائل تدريجيًا”، بينما تعمل القاهرة على ترجمة التهدئة إلى مكسب سياسي واقتصادي يعزز مكانتها كوسيط إقليمي.
ويبقى السؤال: هل تنجح مصر في تحويل الوساطة إلى عائد استراتيجي، أم نعود إلى سياسة العصا؟
القاهرة بين نارين
في نهاية المطاف، تقف القاهرة عند مفترق دقيق:
- نار الوساطة والضغط الأمريكي والإسرائيلي،
- ونار الغيرة الخليجية من صعود الدور المصري الإقليمي.
لكنها، كما يبدو من مؤشرات الميدان والاقتصاد والإعلام، اختارت طريق البراغماتية: دور الوسيط المستقل الذي يجمع بين الواقعية السياسية والربح الاقتصادي.
قمة شرم الشيخ كانت بداية مرحلة جديدة من “حروب التوازن”، لا مكان فيها للشعارات، بل لمن يملك الأرض، والمعلومة، والمبادرة.
تعليقات
إرسال تعليق