تآكل الهيمنة: نهاية عصر “لابوبو” وصعود “هيرونو”.
بعد عام من تصدّرها مشاهد البيع في الأسواق العالمية، بدأت دمى لابوبو (Labubu) تفقد بريقها شيئًا فشيئًا. انخفاض المبيعات وتكدّس المخزون أطلقا مؤشرات تحوّل واضحة في سوق الهوايات والدمى الفاخرة، في وقت تجهز فيه شركة Pop Mart لمنافسة جديدة عبر دمية هيرونو (Hirono) التي تخطف الأضواء من جديد.
من جنون الشراء إلى وفرة العرض
بحسب بيانات من متاجر عالمية مثل Amazon وWalmart وTarget، أصبحت دمى لابوبو متوفرة بسهولة أكبر، بعد أن كانت تُباع بنظام “الندرة” وبتفاوت كبير في الأسعار.
تتراوح أسعارها اليوم بين 20 إلى 39 دولارًا فقط، مقارنةً بأسعار تجاوزت أحيانًا 100 دولار خلال ذروة الهوس بها مصدر.
أما في موقع eBay، فقد انخفضت أسعار إعادة البيع بشكل حاد، حتى أن العديد من النسخ الأعلى سعرًا لم تجد مشترين، وهو مؤشر على تراجع الطلب وفتور “العطش الجماهيري” نحوها.
قصة الصعود: كيف غزت لابوبو العالم؟
دمية “لابوبو” لم تظهر مصادفة. فقد ابتكرتها شركة Pop Mart استنادًا إلى أعمال الفنان كاسينغ لونغ (Kasing Lung)، ونجحت في استغلال نظام الصناديق العمياء (Blind Box)، حيث لا يعرف المشتري أي إصدار سيحصل عليه حتى يفتح العبوة.
هذا العنصر من المفاجأة، إلى جانب حملة تسويق قوية، جعلها واحدة من أكثر المنتجات مبيعًا في الصين وخارجها.
ومع انتشار مقاطع Unboxing على تيك توك ويوتيوب، ازداد الطلب بشكل غير مسبوق. ظهر بعض المشاهير مثل ليزا (BLACKPINK) وريهانا وهم يمتلكون نسخًا من لابوبو، ما حولها إلى رمز موضة وفن أكثر من كونها مجرد لعبة.
الانهيار المالي: من الثراء إلى الخسارة
لكن كما صعدت بسرعة، انهارت بسرعة أكبر.
ففي أغسطس 2025، بلغ سهم شركة Pop Mart ذروته عند 43 دولارًا، قبل أن يهبط إلى 32.8 دولارًا فقط، أي بانخفاض يقارب 24٪ مصدر.
أما مؤسسها وانغ نينغ (Wang Ning)، فقد خسر قرابة 6 مليارات دولار من ثروته خلال شهر واحد، بعد أن كانت تُقدّر بـ 20.5 مليار دولار مصدر.
هذه الانهيارات السريعة لم تكن مالية فقط، بل رمزية أيضًا، إذ تحوّل منتج كان يُنظر إليه على أنه “أسطورة التجميع” إلى سلعة عادية في متاجر البيع بالتجزئة.
صعود “هيرونو”... الدمية التي أشعلت الإنترنت
حين كانت لابوبو تتراجع، أطلقت الشركة دمية جديدة باسم Hirono Living Wild Doll — مشروع فني يجمع بين الواقعية والتعبير النفسي.
لكن ما فجر المبيعات فعلًا كان ظهور عضو فرقة BTS الشهير “V (كيم تايهيونغ)” وهو يحمل الدمية في مطار إنشيون بكوريا الجنوبية مصدر.
النتيجة؟
نفاد الكمية خلال ساعات من المتجر الرسمي في الصين، وقفز سعر إعادة البيع إلى 175 دولارًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف سعرها الأصلي مصدر.
تحليل: لماذا تبدّل المزاج العالمي بهذه السرعة؟
هناك خمسة أسباب أساسية تفسر الانقلاب المفاجئ في اتجاه السوق:
- التسويق عبر المشاهير – جمهور الجيل الجديد يتأثر بالمشاهير أكثر من العلامات التجارية ذاتها. ظهور الدمية مع نجم عالمي يصنع “ترندًا” فوريًا.
- فقدان عنصر الندرة – حين تُصبح السلعة متوفرة في كل مكان، تفقد سحرها.
- التشبع البصري – انتشار الصور والمنتجات بشكل مبالغ فيه يجعل الجمهور يشعر بالملل بسرعة.
- المضاربات الخاسرة – من اشترى دمى بغرض إعادة بيعها وجد نفسه يبيع بخسارة كبيرة بعد انخفاض الأسعار.
- ابتكار Pop Mart الجديد – الشركة استغلت الأزمة لصنع بديل “أكثر فنية وعمقًا”، ما أعاد تسليط الضوء عليها دون منافسين حقيقيين.
انعكاسات اقتصادية وثقافية
انهيار “فقاعة لابوبو” يقدّم درسًا مهمًا في سلوك المستهلكين في عصر المحتوى السريع:
- الطلب يمكن أن يُصنع بقرار مؤثر واحد على إنستغرام.
- والموضة يمكن أن تموت بتغريدة أو فيديو ساخر.
في المقابل، صعود “هيرونو” يعكس مرحلة جديدة في التسويق الثقافي، حيث تتقاطع الهوية الرقمية مع الفن التجاري. الدمية الجديدة ليست فقط منتجًا للشراء، بل رمز انفعالي يتماهى معه الجمهور عاطفيًا.
التحول الأعمق: من السلعة إلى التجربة
الجيل الجديد لم يعد يشتري المنتجات لأجل امتلاكها فقط، بل لأجل “تجربة” اقتنائها — تصويرها، عرضها، مشاركتها على الإنترنت.
من هنا جاء نجاح “هيرونو” الذي يجمع بين جمالية التصميم وقصة إنسانية رمزية.
هذه النقلة تُشير إلى مستقبل الصناعة:
- الشركات التي ستنجو ليست تلك التي تبيع أكثر، بل التي تروي قصة أقوى.
- والمنتج الذي يُعاش رقميًا سيكون أكثر ديمومة من المنتج الذي يُقتنى ماديًا فقط.
الخلاصة: دورة حياة الهوس
من “لابوبو” إلى “هيرونو”، تؤكد التجربة أن ثقافة الاستهلاك السريع تصنع فقاعات متتابعة.
لكن وراءها دائمًا عقل تسويقي يفهم أن الجمهور لا يملّ من اللعب، بل من التكرار.
“المنتج الذي لا يتطور، يُستهلك مرتين: مرة من المشترين، ومرة من النسيان.”
اقرأ أيضا:
الحرب لم تنتهى منذ السادس من أكتوبر ١٩٧٣...
"المالديف: الجنة المهددة بالغرق.. أصغر دولة آسيوية تواجه أكبر كارثة في العالم!"

