كبر هجوم على موسكو منذ سنوات.. هل تغيّر ميزان الحرب بين روسيا وأوكرانيا بعد نهاية أزمة إيران؟
من يربح حرب الاستنزاف؟ أسرار الهجوم الذي هز موسكو وأربك العالم.
في كل حرب طويلة يأتي وقت تبدو فيه الجبهات العسكرية وكأنها وصلت إلى حالة من الجمود، ثم يظهر حدث واحد يعيد خلط الأوراق بالكامل. وهذا ما حدث عندما استيقظت موسكو على واحدة من أعنف الهجمات الجوية بالطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية. لم يكن الحدث مجرد انفجارات في العاصمة الروسية، بل رسالة عسكرية وسياسية واقتصادية حملت أبعادًا تتجاوز حدود روسيا وأوكرانيا، لتصل إلى واشنطن وأوروبا وحتى الشرق الأوسط.
الهجوم الأوكراني الأخير لم يستهدف مواقع عسكرية تقليدية فقط، بل ركز على منشآت الطاقة ومصافي النفط التي تمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الروسي. وفي المقابل جاء الرد الروسي سريعًا وعنيفًا عبر موجة جديدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت العاصمة الأوكرانية كييف، لتدخل الحرب مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي هو استنزاف البنية التحتية للطرفين بدلًا من الاكتفاء بخطوط القتال التقليدية.
![]() |
| تمكنت أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة من اختراق طبقات متعددة من الدفاعات الجوية الروسية والوصول إلى أهداف تقع على مسافات بعيدة داخل العمق الروسي، |
لكن السؤال الأهم ليس من قصف من، وإنما: هل أصبح ميزان القوى يتغير فعلًا؟ وهل استطاعت أوكرانيا أن تفرض معادلة جديدة بعد سنوات من التراجع الميداني؟ أم أن ما يحدث لا يتجاوز كونه نجاحات تكتيكية لن تغير حقيقة السيطرة الروسية على الأرض؟ هذا المقال يحاول قراءة الصورة كاملة من منظور عسكري وسياسي واقتصادي، بعيدًا عن الدعاية التي يروجها كل طرف.
H2: لماذا يُعد الهجوم على موسكو نقطة تحول في الحرب؟
منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022 ظلت العاصمة الروسية بعيدة نسبيًا عن الضربات الكبرى، باستثناء هجمات محدودة بالطائرات المسيّرة لم تؤثر بصورة كبيرة في الحياة اليومية داخل موسكو. أما الهجوم الأخير فقد حمل دلالات مختلفة تمامًا، لأنه استهدف منشآت حيوية مرتبطة بإمدادات الوقود والطاقة، وهي قطاعات تعتمد عليها روسيا في تمويل عملياتها العسكرية واستقرار اقتصادها الداخلي.
ووفقًا للتقارير الأولية، تمكنت أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة من اختراق طبقات متعددة من الدفاعات الجوية الروسية والوصول إلى أهداف تقع على مسافات بعيدة داخل العمق الروسي، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول كفاءة منظومات الدفاع الجوي الروسية أمام الجيل الجديد من المسيّرات منخفضة الارتفاع.
ولم يكن التأثير العسكري هو العنصر الوحيد في المشهد، بل امتد إلى الحياة المدنية أيضًا، بعدما اضطرت السلطات الروسية إلى تعليق حركة الطيران في عدد من مطارات موسكو وإغلاق بعض الطرق القريبة من مواقع الاستهداف، وهو ما يعكس حجم القلق الذي أحدثه الهجوم داخل العاصمة.
"حين تصل الحرب إلى العاصمة، فإن الرسالة السياسية تصبح أحيانًا أهم من الخسائر العسكرية."
لماذا ركزت أوكرانيا على مصافي النفط وليس على القواعد العسكرية؟
قد يبدو استهداف منشآت الطاقة قرارًا اقتصاديًا أكثر منه عسكريًا، لكنه في الواقع يجمع بين الهدفين معًا. فالحرب الحديثة لا تعتمد فقط على تدمير الدبابات والطائرات، بل تقوم أيضًا على إنهاك قدرة الخصم على تمويل عملياته وإمداد قواته بالوقود.
تمثل صناعة النفط أحد أهم مصادر الدخل الروسي، كما تعتمد القوات المسلحة الروسية بصورة كبيرة على شبكة المصافي المحلية لتوفير احتياجاتها من الوقود. وعندما تتعرض هذه المنشآت للتوقف المؤقت بسبب الضربات الجوية، تظهر آثار مباشرة على عمليات النقل والإمداد وحتى على الأسواق الداخلية.
وتشير تقارير اقتصادية عديدة إلى أن الهجمات المتكررة على منشآت الطاقة دفعت موسكو خلال مراحل مختلفة من الحرب إلى إعادة تنظيم عمليات الإنتاج والصيانة، كما أثرت في حركة تصدير بعض المشتقات النفطية، وإن كانت روسيا لا تزال تحتفظ بقدرات إنتاجية ضخمة مقارنة بمعظم دول العالم.
وفي المقابل تدرك كييف أنها لا تستطيع مجاراة روسيا في حرب استنزاف تقليدية تعتمد على القوات البرية وحدها، ولذلك تتجه بصورة متزايدة إلى استهداف البنية الاقتصادية التي تغذي المجهود العسكري الروسي.
كيف نجحت المسيّرات في اختراق الدفاعات الجوية الروسية؟
أحد أكثر الأسئلة التي طُرحت بعد الهجوم كان يتعلق بكيفية وصول هذا العدد الكبير من الطائرات المسيّرة إلى عمق الأراضي الروسية رغم امتلاك موسكو واحدة من أقوى شبكات الدفاع الجوي في العالم.
الإجابة لا ترتبط بضعف المنظومات الروسية بقدر ما ترتبط بتغير طبيعة الحروب الحديثة. فمعظم أنظمة الدفاع الجوي الثقيلة صُممت أساسًا لاعتراض الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية والأهداف التي تحلق على ارتفاعات كبيرة وبسرعات عالية، بينما تعتمد الطائرات المسيّرة الحديثة على أسلوب مختلف تمامًا.
تحلق هذه المسيّرات على ارتفاعات منخفضة للغاية، وتستخدم مسارات متعرجة، كما أن تكلفة إنتاجها منخفضة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التي تستخدم لإسقاطها. وهنا تظهر معضلة اقتصادية وعسكرية في الوقت نفسه؛ إذ قد تضطر منظومة دفاع جوي إلى إطلاق صاروخ تبلغ قيمته مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات لإسقاط هدف لا تتجاوز تكلفته بضعة آلاف.
كما تعتمد أوكرانيا على ما يعرف بتكتيك "الإشباع"، وهو إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات في وقت واحد لإرباك الرادارات وتشتيت قدرات الاعتراض، بحيث تنجح نسبة من هذه الطائرات في الوصول إلى أهدافها حتى لو تم إسقاط العدد الأكبر منها.
ملاحظة مهمة
نجاح بعض المسيّرات في اختراق الدفاعات لا يعني انهيار شبكة الدفاع الجوي الروسية بالكامل، بل يعكس تحديًا عالميًا تواجهه معظم الجيوش مع التطور السريع لتكنولوجيا الطائرات غير المأهولة.
هل تعاني روسيا وحدها من أزمة الدفاعات الجوية؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن ما حدث يمثل مشكلة روسية خالصة. الواقع أن الحرب في أوكرانيا، وكذلك الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط، أظهرت أن معظم أنظمة الدفاع الجوي التقليدية تواجه تحديات مشابهة أمام أسراب المسيّرات منخفضة التكلفة.
لقد تغيرت طبيعة التهديدات بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. ففي الماضي كانت الأولوية للتعامل مع الطائرات الحربية والصواريخ بعيدة المدى، أما اليوم فأصبحت المسيّرات الصغيرة عنصرًا أساسيًا في أي معركة، سواء للاستطلاع أو للهجوم المباشر أو لاستنزاف الدفاعات الجوية.
ولهذا السبب تعمل العديد من الدول على تطوير أنظمة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرادارات المتخصصة والأسلحة الموجهة بالطاقة لمواجهة هذا النوع من التهديدات، لكن هذه التقنيات لا تزال في مراحل التطوير أو الإدخال التدريجي إلى الخدمة.
بين المكاسب التكتيكية والواقع الميداني.
رغم الضجة الكبيرة التي صاحبت الهجوم على موسكو، فإن قراءة الحرب من زاوية واحدة قد تؤدي إلى استنتاجات مضللة. فالنجاح في تنفيذ ضربة عميقة داخل الأراضي الروسية لا يعني بالضرورة تغير موازين السيطرة على الأرض.
حتى الآن ما تزال روسيا تسيطر على مساحات واسعة داخل الأراضي الأوكرانية، وتواصل عملياتها العسكرية على عدة محاور، بينما تعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على الضربات بعيدة المدى لتعويض الفارق في القدرات البرية.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لسلسلة من الضربات الجوية أن تعوض خسائر الأرض؟ أم أن الحسم في النهاية سيظل مرتبطًا بالقدرة على السيطرة الميدانية؟
الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى المحور التالي، حيث سنناقش العلاقة بين الحرب الأوكرانية، وأسواق النفط العالمية، وانتهاء أزمة إيران، وكيف انعكس ذلك على حسابات موسكو وواشنطن وأوروبا.
