انشقاق فارس النور والنور آبة: هل بدأ العد التنازلي لانهيار "الدعم السريع"؟
في تطور عسكري وسياسي يحمل دلالات عميقة على مسار الحرب في السودان، كشفت مصادر إعلامية مطلعة، من بينها قناة العربية، عن انشقاق القيادي البارز في قوات الدعم السريع، فارس النور إبراهيم، وهو انشقاق ليس كسابقيه، فهو لا يخص قائداً ميدانياً فحسب، بل هو حلقة وصل بين الجناحين العسكري والسياسي للميليشيا، وفقًا لما ورد في تقرير من Independent Arabia.
![]() |
| انهيار عرش حميدتي هل هذه الانشقاقات بداية النهاية لقوات الدعم السريع؟ |
ووفقاً للمعلومات الواردة من المصادر الصحفية الموثوقة، كان فارس النور عضواً في المجلس الرئاسي لـ "تحالف تأسيس" (TASIS)، الذراع السياسية للدعم السريع، وعُين حاكماً لإقليم الخرطوم في إدارتهم الموازية، كما عمل مستشاراً مقرباً من قائد الميليشيا محمد حمدان دقلو "حميدتي" لسنوات طويلة. وجاء هذا الانشقاق بعد أيام قليلة من انشقاق قائد عسكري ميداني آخر، هو "النور آدم" (النور القبة)، مما يشير إلى نمط متسارع من التفكك داخل صفوف الميليشيا، وهو ما دفع المحللين للحديث عن "ظاهرة" انشقاقات تتجاوز حالتها الفردية إلى كونها مؤشراً استراتيجياً على حالة التصدع التي تعيشها قوات الدعم السريع .
يمثل هذان الانشقاقان، خاصة انشقاق فارس النور، ضربة قوية لهيبة القيادة المركزية للدعم السريع. فهو يكشف النقاب عن تصدعات عميقة في بنية التحالف القائم على المصالح والولاءات القبلية، ويطرح أسئلة وجودية حول مستقبل الميليشيا وقدرتها على الصمود، خاصة في ظل تقدم الجيش السوداني على عدة جبهات، وما تردده تقارير إعلامية عن عمليات عسكرية واسعة في محيط الخرطوم وبحري.
فارس النور.. من مستشار حميدتي إلى حاكم الخرطوم
لفهم حجم الانشقاق، لا بد من التعريف بفارس النور، الذي وصفته المصادر بأنه كان أحد أبرز الشخصيات السياسية والإعلامية في دائرة حميدتي المقربة . فوفقًا لتقرير Independent Arabia، برز اسم فارس النور بقوة في عام 2020، وعقب اندلاع الحرب الحالية، ظهر كمستشار سياسي لقائد الدعم السريع، وكبير مفاوضي وفد الميليشيا في محادثات جدة بين الجيش وقوات الدعم السريع .
لكن الأهم من ذلك، هو موقعه في تحالف "تأسيس"، الذي أعلن في يوليو 2025 عن تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موازية، في خطوة وصفت بأنها "تُكرس لمزيد من الانقسام في البلد الممزق بالحرب"، وفقًا لتقرير منصة "مرصد بيم" . وتولى فارس النور منصب حاكم إقليم الخرطوم ضمن هذه الحكومة الموازية، مما يجعله أحد أعمدة المشروع السياسي للدعم السريع. وقد اعتبر مراقبون أن انشقاقه "يشير إلى انتقال حمى الانشقاقات إلى داخل الجناح السياسي" لهذه القوات، وهو ما قد يتبعه شخصيات أخرى من الواجهة السياسية للتحالف .
"النور القبة". انشقاق القائد الميداني الذي حاصر الفاشر
قبل أيام من انشقاق فارس النور، كان القائد العسكري الميداني البارز اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة"، قد أعلن انشقاقه عن الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش السوداني في 11 أبريل 2026، في تطور وصفته الجزيرة نت بأنه "أثار جدلاً واسعاً في الأوساط العسكرية والسياسية" .
وتشير المصادر إلى أن أسباب انشقاق "النور القبة" تعود إلى تصاعد الخلافات مع قيادة الدعم السريع، خاصة بعد السيطرة على مدينة الفاشر، حيث كان يرى نفسه الأحق بقيادة الفرقة السادسة وفقاً للتراتبية العسكرية، لكن المنصب أُسند إلى اللواء جدو إبنشوك، مما أثار استياءه . ووفقاً لمصادر الجزيرة، انسحب "القبة" من الفاشر إلى مسقط رأسه في منطقة "القبة" بشمال دارفور، واعتصم مع قواته لأكثر من 7 أشهر، قبل أن تتفاقم خلافاته مع القيادة .
وتضيف المصادر أن قوات الدعم السريع كثفت تحركاتها العسكرية حول المنطقة التي كان يتمركز فيها، وضيقت عليه الخناق، بل وأرسلت قوة لاعتقاله وسحب قواته وأسلحته، الأمر الذي عجل بانشقاقه، حيث غادر معقله مع نحو 80 مركبة قتالية متجهاً إلى منطقة الدبة شمالي السودان، حيث استقبله ضباط من الجيش .
دوافع الانشقاق المتسارع: من الفوضى في دارفور إلى الصراع القبلي
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: لماذا تتسارع وتيرة الانشقاقات في هذا التوقيت بالذات؟ الإجابة تكمن في مجموعة من العوامل المتشابكة التي جعلت اللحظة الراهنة مواتية للانشقاق.
الفوضى العارمة في دارفور والصراع على النفوذ
تشير المصادر إلى أن دوافع هذه الانشقاقات تعود إلى "الفوضى العارمة" التي تضرب إقليم دارفور، والفرز العنصري، والحروب القبلية التي تمزق المنطقة. فقوات الدعم السريع، التي كانت تقدم نفسها كحامية للمناطق الغربية، أصبحت اليوم مصدراً للخطر على سكان دارفور أنفسهم، وهو ما جعل العديد من القادة يدركون أنهم يقودون سفينة تغرق في وحل الصراعات الضيقة.
الأوضاع في مدن مثل نيالا والفاشر، والتي شهدت اقتتالاً قبلياً دموياً، جعلت القادة من خارج القبيلة الحاكمة (المحاميد والرزيقات) يشعرون بالخطر على مستقبلهم ومستقبل قبائلهم، مما دفعهم للبحث عن مخرج. وقد أشار الكاتب والباحث في شؤون دارفور الصادق الرزيقي، في حديث للجزيرة نت، إلى أن "المرحلة المقبلة قد تشهد تصدعات أكبر داخل صفوف الدعم السريع، قد تصل إلى مستوى يهدد تماسكها"، مرجعاً ذلك إلى "تفاقم الخلافات الداخلية وتصاعد الصراعات بين مكونات قبيلة الرزيقات" .
التهميش والصراع على الغنائم
ثمة دوافع أخرى أكثر براغماتية، وهي الصراع على النفوذ والغنائم. فمع تناقص الموارد التي تسيطر عليها الميليشيا، خاصة بعد خسارتها لولاية الجزيرة وتراجعها في الخرطوم، أصبح الصراع على ما تبقى من موارد أكثر شراسة. القيادات التي كانت تتصدر المشهد وتتحكم في توزيع الغنائم والمناصب، خاصة من أسرة حميدتي، تسببت في استياء القادة الآخرين الذين شعروا بالتهميش.
وقد انتقد القائد الميداني في الدعم السريع علي زرق الله، المعروف بـ"السافنا"، والذي انشق لاحقاً، في تسجيل صوتي، ما وصفه بالتحيزات القبلية في توزيع الموارد والتسليح، مشيراً إلى سيطرة مجموعات محددة على مفاصل التمويل في مدن مثل نيالا وزالنجي والجنينة . كما دافع عن "النور القبة"، معتبراً أن القيادة تجاهلته رغم رتبته العسكرية، لافتاً إلى أنه بقي أشهراً في مدينة كتم دون أن تبادر القيادة إلى التواصل معه أو دعمه .
موقف الجيش السوداني: استراتيجية اللدغات ومخاطر الإفلات من العقاب
الجيش السوداني، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يتبنى استراتيجية واضحة لتشجيع الانشقاقات، وقد أعلن عفوًا عامًا عن كل من يلقي سلاحه وينضم للجيش منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. هذه الاستراتيجية حققت مكاسب ميدانية مهمة؛ فانشقاق أبو عاقلة كيكل مهد الطريق لاستعادة الجيش لولاية الجزيرة وصولاً إلى الخرطوم، وكذلك فإن انشقاق قادة مثل النور القبة يجلب معه معلومات استخباراتية ثمينة ومقاتلين ذوي خبرة.
لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة كبيرة؛ فاستقبال قادة متهمين بجرائم حرب باعتبارهم أبطالاً، يقوض أي حديث عن العدالة الانتقالية، ويهدد بتفتيت الجيش نفسه على أسس قبلية وإثنية. وقد أثارت هذه الانشقاقات "فتح الجدل بشأن طبيعة التحالفات العسكرية في السودان، بعد انتقال قادة ميدانيين متهمين بارتكاب انتهاكات واسعة إلى صفوف الجيش السوداني، وسط احتفاء إعلامي وسياسي أثار تساؤلات بشأن معايير العدالة والمحاسبة خلال الحرب"، وفقًا لتقرير سكاي نيوز عربية .
وفي محاولة لاحتواء الجدل، خرج قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتصريحات قال فيها إن مسألة "محاسبة أو إعفاء" المنضمين من قوات الدعم السريع إلى الجيش "ترجع إلى الأجهزة العدلية والشعب السوداني". لكن التصريحات فجّرت موجة واسعة من الجدل، وسط اتهامات بأنها كشفت عمق التناقضات داخل سردية السلطة العسكرية والسياسية في بورتسودان .
واعتبر مراقبون أن تصريحات البرهان تعكس حجم الارتباك داخل تحالف الجيش، مشيرين إلى أن المشهد الحالي تحكمه اعتبارات إدارة التحالفات العسكرية والسياسية أكثر من اعتبارات العدالة والمحاسبة .
تداعيات الانشقاق: ماذا بعد رحيل فارس والنور؟
تنطوي انشقاقات قادة بهذا المستوى على تداعيات استراتيجية متعددة، يمكن تلخيصها في عدة سيناريوهات وتحديات تواجه الجيش السوداني والمشهد السياسي ككل.
تفكك الميليشيا إلى تكتلات قبلية
مع استمرار وتيرة الانشقاقات، قد تفقد قوات الدعم السريع قبضتها على الوضع في دارفور، مما يحول المنطقة إلى مسرح لحروب أهلية جديدة. فكل قائد منشق يحمل معه قاعدة اجتماعية وقبلية، وقد ينشأ صراع جديد بين هذه التكتلات، مما يصعّب أي جهود مستقبلية للسلام في الإقليم.
ويحذر الباحث الصادق الرزيقي من أن هذه الانقسامات قد تتطور إلى صراعات داخلية عنيفة، خاصة في ظل ما يعرف بصراعات "خشوم البيوت"، أي النزاعات بين أفخاذ القبيلة الواحدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً على الأرض .
إضعاف القدرة العسكرية
انشقاق قادة مثل فارس النور، الذي كان المشرف على المفاوضات، والنور القبة، القائد الميداني، يضعف من التنسيق العسكري والسياسي للدعم السريع. فهؤلاء القادة كانوا يملكون معلومات استخباراتية ثمينة عن تحركات الميليشيا وخططها، وانضمامهم للجيش يعني كشف هذه المعلومات، مما يمنح الجيش السوداني أفضلية ميدانية. وقد أكد الخبير الإستراتيجي والعسكري جمال الشهيد، في حديث للجزيرة نت، أن "انشقاق القبة قد يعزز قدرات الجيش على المستويين المعلوماتي والعملياتي، نظراً لما يمتلكه من خبرات ميدانية ومعرفة دقيقة ببنية الدعم السريع" .
تحدي الإفلات من العقاب
تطرح هذه الانشقاقات مشكلة أخلاقية وقانونية كبرى، وهي مسألة المحاسبة. فقادة مثل النور القبة وفارس النور متهمون بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك قتل المدنيين والاغتصاب والنهب. وقد حذرت مجموعة "محامو الطوارئ" في بيان من أن "المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تظل قائمة ومتصلة بالفعل محل التجريم وقت ارتكابه، بصرف النظر عن أي تبدل لاحق في الانتماء العسكري" .
كما شددت المجموعة على أن "إعادة إدماج الأفراد المتورطين في جرائم الحرب وانتقالهم من قوات إلى أخرى يشكل تهديداً مباشراً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتقويضاً لحقوق الضحايا، واستمراراً لأنماط الانتهاك تحت غطاء الحرب" .
الخلاصة: السودان بين انهيار الميليشيا ورهان المستقبل
إن انشقاق فارس النور والنور القبة، وما يحمله من دلالات سياسية وعسكرية، يكشف أن قوات الدعم السريع تعيش لحظة مصيرية. النموذج القائم على الجمع بين الإثنيات والولاءات القبلية تحت مظلة المصالح المادية بدأ ينهار مع جفاف منابع الحرب واتساع رقعة الصراعات الداخلية. هذه الانشقاقات، وإن كانت تمثل فرصة ذهبية للجيش السوداني لتقويض خصمه، إلا أنها تحمل في طياتها بذور فوضى جديدة، سواء داخل صفوف الجيش أو في الإقليم الغربي.
السؤال الأصعب الذي يطرح نفسه الآن: هل ستكون هذه الانشقاقات بداية لتفكك كامل لقوات الدعم السريع، أم أنها مجرد إعادة هيكلة وتغيير لبعض القيادات، ستتمكن الميليشيا بعدها من الصمود والانقضاض من جديد؟ الإجابة على هذا السؤال تتوقف على قدرة حميدتي على احتواء التمرد داخل صفوفه، وقدرة الجيش على الاستفادة من هذا التفكك دون أن يقع في فخ الإفلات من العقاب الذي يهدد شرعيته. في كل الأحوال، يبدو أن مسار الحرب في السودان، بعد ثلاث سنوات من الجمود النسبي، دخل مرحلة جديدة، تُحسم فيها الأمور على الأرض ربما قبل طاولات المفاوضات.
مصادر ومراجع موثوقة
لمزيد من التفاصيل والتحليلات المتعمقة، يمكن الرجوع إلى المصادر التالية:
تقرير Independent Arabia حول انشقاق فارس النور وتحوله إلى الجناح السياسي: https://www.independentarabia.com/node/651260/سياسة/تقارير/انشقاق-عضو-المجلس-الرئاسي-لـتأسيس-والمستشار-السابق-لقائد-الدعم-السريع
تقرير الجزيرة نت حول انشقاق النور القبة وتداعياته: https://www.aljazeera.net/politics/2026/4/13/انشقاق-النور-القبة-هل-تبدأ-تصدعات
تقرير سكاي نيوز عربية حول تناقضات سلطة بورتسودان في التعامل مع المنشقين: https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1870987-مراقبون-انشقاقات-الدعم-السريع-تكشف-تناقضات-سلطة-بورتسودان
تقرير "مرصد بيم" حول تشكيل تحالف تأسيس لمجلس رئاسي وحكومة موازية: https://www.beamreports.com/2025/07/26/السودان-تحالف-تأسيس-يعلن-عن-تشكيل-مج/
تقرير سكاي نيوز عربية حول خطة تحالف تأسيس لتشكيل جيش وطني جديد: https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1872458-تحالف-تأسيس-يقر-خطة-لتشكيل-جيش-وطني-جديد-السودان
إقرأ أيضا :
