تحت أنظار ترامب.. تاكايتشي تفجر قنبلة في المحيط الهادئ والصين تطلق تحذيراً مبطناً من حرب مدمرة.

 اليابان تعود للتحدي: هل تقودنا القلاع الصاروخية إلى مواجهة في المحيط الهادئ؟

اليابان تعود للتحدي بقوة عسكرية غير مسبوقة تحت قيادة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، التي تحول الجزر الجنوبية الغربية إلى قلاع صاروخية متطورة وتنشر صواريخ بعيدة المدى تهدد الأمن القومي الصيني. هذا التحليل الجيوسياسي الشامل يستعرض تفاصيل المناورات العسكرية اليابانية-الأمريكية، ونظام تايفون الصاروخي، وصواريخ Type-12 اليابانية، وسباق التسلح في بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، والرد الصيني بالعقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية، وتداعيات الصراع على المنطقة والعالم. هل ستندلع حرب جديدة في المحيط الهادئ؟

في مشهد جيوسياسي مضطرب، تعود اليابان لتفرض حضورها كقوة عسكرية صاعدة، متخلية عن عقود من السلمية الدستورية. رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، المعروفة بحضورها القوي وإكسسواراتها الخاطفة للأنظار، تخفي نزعة قومية شرسة وتوجهاً حاسماً لإعادة اليابان إلى مصاف القوى العسكرية الضاربة، تحسباً للأسوأ. فاليابان التي بقيت سبعة عقود قوة اقتصادية مسالمة، تهدد اليوم بالرد العسكري على الصين، وتحول جزرها النائية إلى قلاع عسكرية وموطن لأحدث الصواريخ، متزامنة مع مناورات عسكرية قتالية غير مسبوقة.

صرحت رئيسة الوزراء تاكايتشي بعد وقت قصير من توليها منصبها بأن أي عمل عسكري صيني ضد تايوان قد يشكل أساساً لرد عسكري ياباني، وهو ما اعتبرته الصين تجاوزاً للخط الأحمر وتدخلاً في شؤونها الداخلية، مما أدى إلى أحد أشد حالات التدهور في العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة .

ملاحظة مهمة: هذا التحول في السياسة الدفاعية اليابانية يأتي في وقت تشهد فيه منطقة المحيطين الهندي والهادئ توترات متصاعدة، وسط تنافس محتدم بين واشنطن وبكين على النفوذ.

 

اليابان تستعد للحرب . تيكاتشي تفجر قنبلة في المحيط الهادئ
اليابان تستعد للحرب . تيكاتشي تفجر قنبلة في المحيط الهادئ
 

هل تغادر اليابان عباءة السلمية إلى الأبد؟

تنظر طوكيو إلى التوازن العسكري الحالي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتباره أخطر بيئة أمنية وأكثرها تعقيداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق استراتيجيتها للأمن القومي. هذا الواقع دفعها للتخلي تدريجياً عن قيود عقيدتها الدفاعية السلمية التي دامت سبعة عقود. وقد أوضح وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي أن نشر الصواريخ بعيدة المدى يأتي في ظل "البيئة الأمنية الأكثر خطورة وتعقيداً في فترة ما بعد الحرب"، معتبراً أن هذه الخطوة "تُظهر عزم اليابان الراسخ وقدرتها على الدفاع عن نفسها" .

جزيرة يوناغوني، أقصى الجزر اليابانية غرباً والمعروفة بطبيعتها الخلابة، ستصبح قريباً موطناً لمنظومات عسكرية متطورة. فقد أعلن وزير الدفاع كويزومي أن اليابان ستنشر صواريخ أرض-جو متوسطة المدى في جزيرة يوناغوني الواقعة شرق تايوان مباشرة. هذا النشر من شأنه أن يمنح اليابان قدرة على فرض مظلة حماية جوية تمتد لتغطي أجزاء من مضيق تايوان والمياه المحيطة. وتشير تقديرات إلى أن الجزيرة تبعد نحو 110 كيلومترات فقط عن تايوان، مما يجعلها موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية .

إلى جانب الترسانة الصاروخية، أنشأت وزارة الدفاع اليابانية قاعدة لوحدة حرب إلكترونية متخصصة في هذه الجزيرة، ترتكز على منظومات التشويش لرصد واعتراض الاتصالات العسكرية الصينية وإشارات الرادار، بالإضافة إلى تحركات السفن والطائرات في بحر الصين الشرقي ومحيط تايوان. هذه الجزيرة تشكل حدوداً طبيعية بين بحر الصين الشرقي والمحيط الهادئ، مما يجعلها خط الدفاع الأول في أي سيناريو نزاع عسكري محتمل بمضيق تايوان.

الجزر اليابانية: قلعة صواريخ متقدمة

إلى جانب جزيرة يوناغوني، هناك جزيرة شيغاكي التي تعد أحد المواقع المؤكدة لنشر بطاريات صواريخ "تايب 12" المحدثة المضادة للسفن. كما تم تجهيز جزيرتي مياكو وأمامي أوشيما لاستيعاب القدرات الصاروخية بعيدة المدى. كانت اليابان قد نشرت بالفعل صواريخ PAC-3 الاعتراضية وصواريخ أرض-جو متوسطة المدى في العديد من الجزر، بما في ذلك أوكيناوا وإيشيغاكي ومياكو. هذه الجزر التي نراها على الخريطة هي العين الرادارية والإلكترونية المتقدمة التي تكشف التحركات الصينية فور خروجها من الموانئ أو القواعد الجوية الشرقية.

في خطوة غير مسبوقة، نشرت اليابان أولى صواريخها بعيدة المدى من طراز "تايب 12" المطورة في معسكر كينغون بمحافظة كوماموتو جنوب غربي البلاد، وأصبحت جاهزة للعمل بحلول نهاية مارس 2026 . هذه الصواريخ، التي طورتها وأنتجتها شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، يصل مداها إلى حوالي 1000 كيلومتر، أي أكثر بخمس مرات من المدى الأصلي البالغ 200 كيلومتر، مما يمنح اليابان لأول مرة قدرة على الردع والضربات المضادة من مسافة بعيدة، ويمكنها الوصول إلى البر الصيني الرئيسي . هذا الانتشار يمنح اليابان ما يعرف بقدرة "الضربة المضادة" (standoff capability)، أي القدرة على ضرب قواعد الصواريخ المعادية من مسافة بعيدة، مما يمثل خروجاً عن سياسة الدفاع عن النفس فقط التي اتبعتها البلاد لفترة طويلة .

وحدة الصواريخ الدفاعية أرض-جو متوسطة المدى التي يخطط لنشرها في معسكر يوناغوني هي قوة مخصصة لحماية أمن الجزيرة. لكن الصين غير مقتنعة بفكرة "الحماية" التي تتحدث عنها اليابان، خاصة وسط عسكرة متسارعة في البلاد. وقد أدان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية هذا النشر، معتبراً أنه "محاولة متعمدة لخلق توتر إقليمي واستفزاز مواجهة عسكرية"، وأنه إلى جانب تصريحات رئيسة الوزراء تاكايتشي "الخاطئة" بشأن تايوان، فإن هذا التوجه "خطير للغاية ويستدعي يقظة عالية من الدول المجاورة والمجتمع الدولي" .

اقتباس هام: "نشر اليابان لأسلحة هجومية في الجزر الجنوبية الغربية المتاخمة لتايوان هو محاولة متعمدة لخلق توتر إقليمي واستفزاز مواجهة عسكرية. ومع تصريحات رئيسة الوزراء تاكايتشي الخاطئة بشأن تايوان، فإن هذا التوجه يشكل خطراً بالغاً." - بيان رسمي للخارجية الصينية

مناورات غير مسبوقة وتحركات استفزازية

في خطوة غير مسبوقة، شاركت اليابان كطرف مقاتل في مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة امتدت عبر محافظة أوكيناوا والجزر الجنوبية الغربية. أعلنت اليابان والولايات المتحدة عن إجراء مناورات "ريزولنت دراغون 26" و"فاليانت شيلد 2026" في الفترة من 20 يونيو إلى 1 يوليو 2026، بمشاركة قوات من مشاة البحرية الأمريكية وقوات الدفاع الذاتي اليابانية، وتمتد في قواعد ومواقع تدريب في عدة محافظات وجزر يابانية . كما ستشهد هذه التدريبات، بالإضافة إلى مناورات "أورينت شيلد" في سبتمبر 2026، نشر نظام "تايفون" الصاروخي الأمريكي للمرة الثانية على الأراضي اليابانية، بعد نشره الأول في سبتمبر 2025 في قاعدة إيواكوني البحرية. نظام "تايفون" قادر على إطلاق صواريخ "توماهوك" بمدى يصل إلى 1600 كيلومتر، وسيتم نشره في قاعدة كانويا الجوية في محافظة كاغوشيما، مع خطط لتخزينه في قواعد أمريكية في اليابان بعد انتهاء التدريبات .

في أبريل الماضي، اتهمت الصين اليابان باستفزازها عبر إرسال المدمرة اليابانية "إيكازوتشي" عبر مضيق تايوان في 17 أبريل، وهو تاريخ يتزامن مع ذكرى المعاهدة التي تنازلت بموجبها تايوان لليابان، مما يمثل ذكرى مهينة لبكين . كما استضافت طوكيو مؤخراً محادثات رسمية مع نحو 30 عضواً في حلف شمال الأطلسي "الناتو" لبحث سبل ربط الصناعات الدفاعية ببعضها البعض والعمل معاً لتصنيع أسلحة حربية.

أصرت الولايات المتحدة واليابان، رغم التحفظات الصينية الشديدة، على نشر منظومة صواريخ "تايفون" متوسطة المدى في اليابان بذريعة إجراء تدريبات عسكرية مشتركة، فيما أعربت الصين عن استيائها البالغ ومعارضتها الشديدة لهذه الخطوة.

الرد الصيني: ضغوط اقتصادية وعسكرية

لم تكتفِ بكين ببيانات التنديد الدبلوماسي، بل ترجمت استياءها إلى إجراءات ضاغطة. وشمل ذلك فرض قيود غير معلنة على تصدير المعادن النادرة الحيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية اليابانية. كما حظرت استيراد الماكولات البحرية اليابانية، وتصاعدت داخل السوق الصينية حملات المقاطعة للمنتجات اليابانية مثل السيارات والإلكترونيات، مما يكبد شركات يابانية خسائر فادحة.

وفقاً لتقارير، بدأت الجمارك الصينية بتطبيق إجراءات فحص معقدة وبطيئة على الشاحنات القادمة من اليابان. كما أصدرت الخارجية الصينية تحذيراً من السفر لمواطنيها مع إلغاء كافة برامج التبادل الطلابي والفعاليات الثقافية المشتركة.

عسكرياً، كثفت الصين دورياتها القتالية في بحر الصين الشرقي وأرسلت سفناً حربية بالقرب من أوكيناوا بعد عبور المدمرة اليابانية لمضيق تايوان . كما تعمدت الصين إسقاط صواريخ باليستية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان لتؤكد أن قلاعها الصاروخية الجديدة تقع في مرمى النيران الصينية المباشرة.

التاريخ يعيد نفسه: مخاوف صينية مشروعة

بالنسبة لبكين، أي تحرك عسكري ياباني يقرأ فوراً عبر عدسة التاريخ، وليس دفاعاً عن النفس. فالصين عانت من الغزو الياباني في ثلاثينيات القرن الماضي، وترى بوادر عودة للعسكر الياباني الذي دمر المنطقة سابقاً. وقد حذرت بكين من أن اليابان أصبحت فاعلاً عسكرياً أكثر نشاطاً في "سلسلة الجزر الأولى" (First Island Chain)، وهي سلسلة جغرافية تمتد من جزر اليابان شمالاً مروراً بتايوان وصولاً إلى الفلبين، وتمثل جداراً يمنع سلاح البحرية الصيني من الوصول إلى عمق المحيط الهادئ . قيام اليابان بتحويل جذورها الجنوبية مثل أوكيناوا وإيشيغاكي القريبة جداً من تايوان إلى قلاع عسكرية ومربض لصواريخ بعيدة المدى يعني عسكرياً أن طوكيو قادرة على تهديد المذائق الحيوية بوجه السفن والغواصات الصينية في أي لحظة.

كما أن اليابان تحتضن وحدها 120 قاعدة عسكرية أمريكية ينتشر فيها أكثر من 50,000 جندي، لتحتل بذلك المرتبة الأولى عالمياً في هذا الصدد. تشكل اليابان أيضاً مقر الأسطول السابع الأمريكي الذي يتولى أمن هذه المنطقة، حيث يغطي بقعة جغرافية هائلة تبلغ نحو 124 مليون كيلومتر مربع. هذا يعني أن هذه المنطقة بأكملها هي جزء من المنافسة الأمريكية الصينية.

تاكايتشي وترامب: شراكة استراتيجية غير مسبوقة

توطد تاكايتشي علاقات بلادها مع واشنطن بشكل غير مسبوق. التقت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتين في الأشهر الأولى من توليها منصبها، وتعهدت باستثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة مقابل تخفيف التعريفات الجمركية. من جهتها، جددت الولايات المتحدة التزامها بالدفاع المتواصل عن اليابان بما في ذلك قوات الردع النووي.

بالنسبة للصين، هذا يعني أن المواجهة مع اليابان لا تتعلق بطوكيو وحدها بل بالترسانة النووية الأمريكية. وقد صرحت تاكايتشي في أحد خطاباتها: "اليابان قوية وأمريكا قوية، اليابان مزدهرة وأمريكا مزدهرة، وأنا واثقة بأننا أفضل شريكين لتحقيق هذه الأهداف."

ملاحظة: هذه الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين طوكيو وواشنطن تثير قلق بكين التي ترى في ذلك حصاراً متكاملاً لمصالحها في المنطقة.

تهديدات متعددة: كوريا الشمالية وروسيا

الصين ليست الدولة الوحيدة التي تشعر اليابان بالقلق حيالها. فكوريا الشمالية تجاورها مباشرة وتجري بانتظام تجارب على صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية. هناك روسيا أيضاً التي تربطها بالصين وكوريا الشمالية علاقات وثيقة، وهذا ليس في صالح اليابان. خاصة أنها دولة جزيرة تعتمد على البحر في معظم وارداتها، وأي عرقلة بالممرات المائية تؤثر مباشرة على اقتصادها. تشير تحليلات إلى أن تدهور العلاقات مع بكين إلى جانب التوترات المستمرة مع بيونغ يانغ وموسكو، يدفع طوكيو لإعادة تقييم موقعها الاستراتيجي.

من هنا، طريقة تعامل طوكيو مع تنامي نفوذ بكين العسكري ليست عشوائية، فهي تلعب على جبهتين: شمالية مع كوريا الجنوبية التي كانت العلاقات معها تاريخياً مشحونة بالعداء، وجنوبية مع الفلبين التي غزتها خلال الحرب العالمية الثانية، ليضع كل الأطراف الماضي المرير جانباً في مواجهة هذه التهديدات.

عقدت تاكايتشي منذ عام 2025 وفي العام الحالي مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جي ميونغ لقاءات مكثفة للتركيز على المصالح الأمنية المشتركة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد. وشهدت مناورات مشتركة مع مانيلا المنعطف الأهم هذا العام مع تسجيل أول ظهور عملياتي رسمي للجيش الياباني في الفلبين، حيث أطلقت قوات الدفاع الذاتي اليابانية صواريخ من الأراضي الفلبينية لأول مرة خلال مناورات "باليكاتان" .

من القيود الدستورية إلى القوة الضاربة

هذا الانخراط العسكري الياباني يشكل منعطفاً لافتاً في تاريخ اليابان. فبعد الحرب العالمية الثانية وإلقاء واشنطن قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي عام 1945، أدرجت اليابان بنداً سلمياً في دستورها في المادة التاسعة التي تنص على نبذ الحرب كحق سيادي للأمة وعن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية. لكن اليابان حافظت على قوات دفاع الذاتي تعمل كقوة عسكرية فعلية، لكنها مقيدة دستورياً وقانونياً في وظائفها. وفي ديسمبر 2022، وافقت الحكومة اليابانية على استراتيجية أمنية جديدة تحدد، على وجه الخصوص، الحق في شن هجمات مضادة ضد أهداف داخل أراضي عدو محتمل، مع التأكيد على أن الضربات الاستباقية غير مسموحة.

كانت هذه القوة "العميل" أو "الزبون" الوحيد لصناعة الدفاع اليابانية على مدى العقود اللاحقة. لكن طوكيو عادت في 2014 تحت إدارة رئيس الوزراء الأسبق شينزو آبي لتسمح بتصدير خمس فئات غير فتاكة: البحث والإنقاذ، النقل، أنظمة الإنذار، المراقبة، ومسح الألغام. ثم في 2023، أقرت حكومة كيشيدا تعديلاً سمح لليابان بتصدير المعدات والأسلحة المصنعة محلياً بموجب تراخيص أجنبية إلى بلد المنشأ. وفي أبريل 2026، أعلنت اليابان عن أكبر إصلاح لقواعد تصدير الأسلحة منذ عقود، حيث رفعت القيود التي كانت تقصر صادرات الدفاع الجاهزة على خمس فئات غير قتالية، مما يمهد الطريق لتصدير أسلحة فتاكة - سفن حربية وصواريخ وأسلحة أخرى - مع مراعاة التدقيق . وأعربت الصين على الفور عن قلقها، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل ابتعاداً آخر عن القيود السلمية التي كانت مفروضة على اليابان .

بناءً على ذلك، وافق طوكيو على نقل صواريخ الدفاع الجوي "بيتريوت" المصنعة يابانياً إلى الولايات المتحدة، مما مثل أول تصدير لسلاح فتاك مكتمل الصنع منذ عقود لتعويض النقص بالمخزونات الأمريكية بسبب حرب أوكرانيا.

ثورة في التصدير العسكري

في تحول وصف بالتاريخي، أعلنت حكومة تاكايتشي عن تعديل يفتح الباب قانوناً لتصدير الأسلحة الفتاكة الجاهزة للاستخدام. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية من خلال زيادة أحجام الإنتاج وخفض التكاليف لكل وحدة، وإضافة قدرات تصنيعية يمكن الاعتماد عليها في حالات الأزمات العسكرية . يسمح القواعد الجديدة ببيع الأسلحة الفتاكة فقط للدول التي وقعت معها اليابان اتفاقيات نقل المعدات والتكنولوجيا الدفاعية، مع حظر تصدير الأسلحة الفتاكة إلى دول تخوض صراعات مسلحة نشطة، مع إمكانية استثناءات "في ظروف خاصة" تراعي احتياجات الأمن الياباني والعمليات العسكرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ .

كما دعت رئيسة الوزراء تاكايتشي إلى نقاشات متقدمة لمراجعة المادة التاسعة التي تحظر اللجوء للقوة لتسوية النزاعات الدولية، وتعهدت بمراجعة سياسة الأمن والدفاع بحلول نهاية العام لتعزيز القدرات العسكرية اليابانية بشكل أكبر. ورفعت سقف الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي الياباني، أي نحو 58 مليار دولار، مما يجعل اليابان ثالث أكبر دولة منفقة على الدفاع في العالم بعد الولايات المتحدة والصين.

ملاحظة مهمة: هذا التحول في سياسة التصدير العسكري يعيد تشكيل دور اليابان في النظام الأمني العالمي، ويحولها من دولة مستوردة للأسلحة إلى دولة مصدرة رئيسية.

القوة العسكرية اليابانية: أرقام وحقائق

شهدت القوة العسكرية اليابانية قفزة نوعية في السنوات الأخيرة. في تصنيف "غلوبال فاير باور" لعام 2026، يحتل الجيش الياباني المرتبة السابعة عالمياً، مما يجعله واحداً من أقوى الجيوش غير النووية في العالم. لا تعتمد اليابان كما هو معروف على الكثافة البشرية بقدر اعتمادها على الكفاءة النوعية والتطور التكنولوجي. عدد الجنود العاملين نحو 250,000 جندي في الخدمة النشطة.

يعمل سلاح الجو الياباني على مشاريع طموحة مثل المقاتلة اليابانية "ميتسوبيشي إف إكس" ضمن برنامج مشترك مع بريطانيا وإيطاليا، وهي مقاتلة من الجيل السادس يفترض أن تدخل الخدمة بحلول عام 2035. ستكون مزودة بقدرات ذكاء اصطناعي متقدمة مع إمكانيات قيادة أسراب من الطائرات المسيرة المرافقة أثناء القتال.

تعمل اليابان بالتوازي على تطوير صاروخها المحلي "تايب 12" ليصل مداه إلى أكثر من 1000 كيلومتر، مما يمنحها لأول مرة قدرة الضربة المضادة للدفاع عن الجزر النائية واستهداف السفن الحربية الكبيرة بحال اندلاع نزاع إقليمي. ويجري تطوير نسخة مطورة من هذه الصواريخ بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر. كما تم نشر صواريخ انزلاقية تفوق سرعتها سرعة الصوت (Hypersonic Glide Vehicles) في قاعدة فوجي بمحافظة شيزوكا، مع خطط لنشرها في هوكايدو وميازاكي بحلول ربيع 2027 .

إلى جانب أسطول جوي يضم 217 مقاتلة خط أول من بينها طائرات إف-35 ومقاتلات ميتسوبيشي إف-2 المستوحاة من طائرات إف-16. في البحر، تواصل اليابان تشغيل واحدة من أكثر أساطيل الغواصات تقدماً في العالم مع أكثر من 23 غواصة هجومية من بين الأحدث والأكثر هدوءاً في العالم تعمل ببطاريات ليثيوم أيون، و4 مدمرات.

يمتلك سلاح البر من جهته ترسانة تكنولوجية متطورة مخصصة لصد عمليات الإنزال واعتراض الصواريخ، نتحدث هنا عن 734 دبابة قتالية أبرزها الدبابة المحلية المتطورة "تايب 10" التي تتميز بنظام تعليق هيدروليكي، والدبابة "تايب 9".

السلاح الأكثر حساسية: الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية

ربما يكون السلاح الأكثر حساسية بالنسبة للصين هو ما تعمل عليه اليابان خلف الكواليس: دمج الذكاء الاصطناعي، الحرب الإلكترونية، والقدرات الفضائية بشبكة قتالية واحدة. مما يمنح القوات اليابانية قدرة على كشف التهديدات والاستجابة لها بسرعة غير مسبوقة. هذا التكامل التكنولوجي قد يشكل تحولاً نوعياً في موازين القوى في المنطقة. وقد خفضت الوثائق الدبلوماسية اليابانية لعام 2026 تصنيف الصين من "أحد أهم العلاقات الثنائية" إلى "دولة جارة مهمة"، مما يعكس تدهوراً في العلاقات .

تحليل الخبير: الدكتور وائل عواد

في حلقة برنامج "على الخريطة"، استضاف فريق العمل الدكتور وائل عواد، الخبير في الشؤون الآسيوية من نيودلهي، لتحليل هذا التحول الاستراتيجي. وأكد الدكتور عواد أن هذه السياسة الجديدة لرئيسة الوزراء تاكايتشي، الأقرب إلى الرئيس الأمريكي ترامب، تصب في إطار الاستراتيجية الأمريكية لمنطقتي المحيطين الهندي والهادئ.

وأشار إلى أن اليابان تطور من قدراتها العسكرية الدفاعية، خاصة ما يسمى بـ"الضربة المضادة"، التي كانت تعتمد على الاعتماد على الذات ضمن الدستور الياباني الذي كان يسمح للحكومة فقط في تطوير أسلحة للدفاع عن النفس. لكنها بدأت في الآونة الأخيرة تطور من قدرتها لتتجاوب مع المتطلبات الأمريكية، باعتبار أن الولايات المتحدة غيرت من سياستها التقليدية في السياسة الإقليمية المؤسسية إلى استراتيجية نفعية أكثر بالاعتماد على الحلفاء.

اقتباس من الدكتور وائل عواد: "اليابان تعد من الحلفاء الرئيسيين، فهي تضم أكثر من 120 قاعدة أمريكية، ولكنها أيضاً تقع في بيئة أمنية معقدة تواجه الساحل الصيني."

وعن كيفية إدارة بكين لهذه الحالة الجديدة، أكد الدكتور عواد أن الصين تنظر بعين الريبة لهذه التصرفات اليابانية، خاصة مع زيادة التحالفات الأمريكية في المنطقة، سواء عبر "الإكواد الرباعية" التي تضم الهند واليابان وأستراليا والولايات المتحدة، أو عبر التحالف الثلاثي الذي يضم اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

الخلافات التاريخية والرأي العام الياباني

أشار الدكتور عواد إلى أن الخلافات التاريخية بين الطرفين تجعل من الصين تنظر بأي تصرف من قبل اليابان سيهدد أمنها القومي في المستقبل. ورغم أن الصين تمتلك تفوقاً كمياً هائلاً بعدد السفن والصواريخ، إلا أن التفوق التقني والتكنولوجي من قبل اليابان، وحليفتها الولايات المتحدة، يغير معايير موازين القوى.

لكنه شدد على أن الرأي العام داخل اليابان ما زال يعارض بشدة أي تسلح عسكري، خاصة بعد تجربة الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى التظاهرات التي تجري في اليابان تحت شعار "لا للحرب ولا لعسكرة البلاد". وقد أبدى سكان محافظة كوماموتو اعتراضهم على نشر الصواريخ بعيدة المدى، مشتكين من عدم الشفافية ومؤكدين أن هذا النشر سيؤدي إلى تصعيد التوتر وجعل المنطقة هدفاً للهجمات . وأضاف أن اليابان تتجه نحو عسكرة الفضاء، لتصبح طرفاً رابعاً بعد الصين والولايات المتحدة وروسيا لتلعب دوراً أساسياً، مما ينظر إليه على أنه خطوة عسكرية وليست خطوة لردع أي احتمال عدائي.

الاقتصاد العسكري والتحديات المستقبلية

تطرق الدكتور عواد إلى الجانب الاقتصادي، مشيراً إلى أن التغيرات الجيوسياسية المتسارعة دفعت العديد من الدول إلى تغيير سياستها العسكرية. فالولايات المتحدة بدأت تتباعد عن القيام بدور "الشرطي" أو المدافع عن هذه الدول، وتريد من حلفائها أن يكونوا أكثر انخراطاً وأكثر فاعلية. وأوضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة لدفع تكاليف أي حرب، وتريد الاعتماد على حلفائها في ذلك.

وأشار إلى أن اليابان تدرك أن المخاطر قوية، وبالتالي تعمل على بناء رأي عام داخل اليابان معاد للصين، محذراً الشعب الياباني من الخطر المحدق في المستقبل. الدروس التي تعلمتها دول المنطقة من الحرب في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية قد تدفع اليابان إلى زيادة بيع المواد العسكرية والإنتاج العسكري.

لكنه حذر من أن زيادة الميزانية العسكرية التي تتجاوز 100 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة قد تؤثر على الناتج الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في ظل التوترات وارتفاع أسعار النفط الحالية في العالم.

الحياد لم يعد خياراً

في ختام تحليله، أكد الدكتور عواد أن الطريقة التقليدية لليابان في استراتيجيتها تركزت على ثلاثة محاور رئيسية: سيادة القانون، حرية الملاحة، والازدهار الاقتصادي من خلال الربط والالتزام بالسلام والاستقرار البحريين. لكن مع التوتر المتزايد واعتبار الولايات المتحدة أن العدو القادم هو الصين، وهناك خلافات في مضيق تايوان، هذا دليل على أن التوتر سيصل إلى هذه المنطقة وستقع مواجهة بشكل أو بآخر بين الطرفين.

خصوصاً أن الجغرافيا السياسية تفرض على اليابان ذلك، بما أنها دولة جزيرة وتتأثر بما يجري في المذائق والممرات المائية والبحرية، وأي توتر فيها أو عرقلة قد يؤثر على اقتصادها. وخلص إلى أن الحياد لم يعد خياراً لليابان في ظل هذه البيئة الأمنية المعقدة.

ماذا يعني كل هذا للمنطقة؟

السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بقوة: هل تنجح اليابان في تفادي التحول إلى رأس حربة في صراع النفوذ بين واشنطن وبكين، أم تنزلق إلى مواجهة شاملة ومدمرة تعيد كتابة تاريخ المنطقة بالدم؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن منطقة المحيط الهادئ تشهد تحولات استراتيجية كبرى ستعيد تشكيل موازين القوى لعقود قادمة. تقول صحيفة "ذا ديبلومات" إنه "لا الصين ولا اليابان تريد الحرب، لكن الخطر يكمن في أن كل طرف يعتقد بشكل متزايد أن الآخر يستعد لها، وهذا يزيد من خطر تصعيد الأزمة" .

مع استمرار تصاعد التوتر، يبقى السؤال: هل ستنجح الدبلوماسية في احتواء هذا التصعيد، أم أن المنطقة مقبلة على مواجهة لا تحمد عقباها؟


المصادر الإخبارية والتحليلية الدولية

The Diplomat

  • تحليل التصعيد الخطير في العلاقات الصينية-اليابانية، وتصريحات تاكايتشي بشأن تايوان، وعبور المدمرة "إيكازوتشي" لمضيق تايوان، وإصلاح قواعد تصدير الأسلحة اليابانية

  • https://thediplomat.com/

ABC News (أستراليا)

  • تقرير عن نشر اليابان لأولى صواريخها بعيدة المدى من طراز Type-12 المطورة في منطقة كوماموتو

  • https://www.abc.net.au/

Interesting Engineering

The Times of India

RT International

  • نظرة شاملة حول سباق التسلح الصاروخي في شرق آسيا

  • https://www.rt.com/


وكالات الأنباء والجهات الرسمية

TASS (وكالة أنباء روسيا)

  • تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ حول نشر الصواريخ

  • https://tass.com/

China Daily


تحليل الخبراء والمراكز البحثية

IISS (المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية)

  • تقارير حول التوازن العسكري في المحيطين الهندي والهادئ

  • https://www.iiss.org/

Brookings Institution

إقرأ أيضا :





إرسال تعليق

أحدث أقدم