من صحراء العراق إلى مفاعل براكة في الإمارات.. القواعد الإسرائيلية السرية التي تضرب إيران وأمريكا تتفرج وإسرائيل تتوسع ومصر على حافة الحرب .

 في صحراء العراق.. قواعد إسرائيلية سرية وحرب الظل التي تشعل الخليج .

اكتشاف قواعد إسرائيلية سرية في صحراء العراق الغربية قرب النخيب. راع عراقي يدفع حياته ثمنا لكشف موقع عسكري إسرائيلي يستخدم لضرب إيران. واشنطن على علم والقواعد الأمريكية تخفي الحقيقة عن بغداد. استهداف مفاعل براكة النووي في الإمارات بطائرات مسيرة من الغرب. تصعيد إيراني خطير وضربات متوقعة على البنية التحتية الخليجية. دونالد ترامب يهدد بطهران والساعة تدق. الحرب قادمة والهدنة تنهار. تفاصيل حصرية عن القاعدة الإسرائيلية الثانية في العراق ودور أمريكا في تغطية النشاط الإسرائيلي. تحليل جيوسياسي كامل لخريطة الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على أمن الخليج ومصر والسعودية. اقرأ التفاصيل الكاملة قبل فوات الأوان.

في تطور جيوسياسي خطير يكشف النقاب عن تعقيدات الصراع الدائر في الشرق الأوسط، كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن تفاصيل صادمة بشأن وجود قواعد عسكرية إسرائيلية سرية في عمق الصحراء العراقية. هذا الاكتشاف الذي تم على يد راعٍ بسيط كلفه حياته، يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول انتهاك السيادة العراقية، والدور الأمريكي المتواطئ، وتداعيات هذا الوجود على أمن واستقرار دول الخليج العربي في مواجهة التحديات الإيرانية المتصاعدة.

التقرير الذي نشرته الصحيفة الأمريكية نقل عن مسؤولين عراقيين وإقليميين كبار تأكيدهم أن إسرائيل أقامت قاعدتين سريتين في الصحراء الغربية للعراق، وليس قاعدة واحدة فقط كما كان يشاع سابقا. التفاصيل التي ستقرأها في هذا التحليل تستند بالكامل إلى ما نشرته وسائل الإعلام العالمية الموثوقة، بدءا من نيويورك تايمز وصولا إلى وول ستريت جورنال وجيروزالم بوست والجارديان وروسيا اليوم، بالإضافة إلى تصريحات رسمية من مسؤولين عراقيين وأمريكيين وإقليميين.


قواعد عسكرية إسرائيلية سرية في عمق الصحراء العراقية. هذا الاكتشاف الذي تم على يد راعٍ بسيط كلفه حياته،
قواعد عسكرية إسرائيلية سرية في عمق الصحراء العراقية. هذا الاكتشاف الذي تم على يد راعٍ بسيط .


كيف بدأت القصة؟ راعٍ عراقي يكتشف سرا إسرائيليا .

قصة القواعد الإسرائيلية في العراق بدأت بطريقة دراماتيكية لا تشبه أفلام التجسس بقدر ما تشبه قدرا محتوما. راع عراقي بسيط يدعى عواد الشمري كان يقود شاحنة بيك أب في رحلة عادية لشراء حاجيات العائلة، وفقا لما ذكره ابن عمه أمير الشمري لصحيفة نيويورك تايمز.

في طريقه، شاهد الراعي مشهدا غير مألوف تماما في قلب الصحراء العراقية القاحلة: جنود نظاميون، مروحيات عسكرية، وخياما موزعة بعناية حول مدرج هبوط معبد. ما رآه عواد الشمري لم يكن حلما ولا هلوسة صحراوية، بل كان سرا عسكريا إسرائيليا شديد الحساسية.

المفاجأة الأكبر أن الراعي لم يمت صدفة. وفقا للشهود، تعرضت شاحنته لمطاردة جوية من مروحية أطلقت عليها النار مرارا وتكرارا، حتى توقفت الشاحنة فجأة في الرمال. عائلة الشمري تعتقد أن ما رآه كلفه حياته، لأنه اكتشف بالصدفة ما كانت تحاول إسرائيل إخفاءه لأكثر من عام كامل.

والأدهى من ذلك أن عواد الشمري كان قد تمكن قبل مقتله من التواصل مع القيادة العسكرية الإقليمية في العراق ليبلغهم بما رآه بالضبط: جنود ومروحيات وخيام مجتمعة حول مدرج هبوط في منطقة نائية قرب بلدة النخيب.


القاعدة الأولى: تفاصيل الموقع الذي اكتشفه الراعي .

بحسب مسؤولين عراقيين وإقليميين كبار تحدثوا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن إسرائيل أمضت أكثر من عام كامل في إعداد موقع سري داخل العراق لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران. القاعدة التي اكتشفها الراعي الشمري كانت موجودة بالفعل وكانت تستخدم بشكل متقطع لأكثر من عام.

ما هي وظيفة هذه القاعدة؟ المسؤولون الأمنيون الإقليميون أوضحوا أن القاعدة صممت لتقليص المسافات التي تحتاجها الطائرات الإسرائيلية لقطعها للوصول إلى إيران. بدلا من أن تسير الطائرات الإسرائيلية من مطارات داخل إسرائيل ذهابا وإيابا في مهمات طويلة وشاقة، كانت هذه القاعدة توفر محطة وسيطة للتزود بالوقود والدعم الجوي والعلاج الطبي.

هل استخدمت هذه القاعدة فعلا في عمليات قتالية؟ نعم. أكد مسؤولون أمنيون إقليميون أن القاعدة استخدمت خلال الحرب التي استمرت 12 يوما ضد إيران في يونيو 2025. وقال أحد المسؤولين الإقليميين إن القوات الإسرائيلية بدأت التحضير لبناء هذه القاعدة المؤقتة منذ أواخر عام 2024، عبر تحديد مواقع نائية يمكن استخدامها في صراعات مستقبلية.

المقصود كان أن يكون هذا الوجود مؤقتا فقط للمساعدة في عمليات عسكرية محددة، لكن العمليات التي جرت خلال حرب يونيو 2025 أثبتت فائدة كبيرة جدا لهذه القاعدة، مما شجع إسرائيل على توسيع وجودها.


القاعدة الثانية: اكتشاف جديد يغير المعادلة .

هنا يأتي الجزء الأكثر إثارة في القصة. لم تكن نيويورك تايمز وحدها من كشف هذا الملف. فقد كانت صحيفة وول ستريت جورنال قد تحدثت سابقا عن وجود موقع إسرائيلي داخل العراق، لكن الجديد الذي كشفته نيويورك تايمز أن مسؤولين عراقيين أبلغوهم بوجود قاعدة ثانية غير معلنة أيضا في الصحراء الغربية العراقية.

قاعدتان إسرائيليتان داخل الأراضي العراقية. ليس واحدة فقط. وهذا الرقم قد لا يكون نهائيا، فالمسؤولون العراقيون لم يستبعدوا وجود المزيد من المواقع الإسرائيلية المنتشرة في المناطق النائية والصحراوية التي يصعب مراقبتها.

متى بنيت هذه القواعد؟ المعلومات تشير إلى أن القاعدة التي عثر عليها الشمري تعود إلى ما قبل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واستخدمت خلال الحرب التي استمرت 12 يوما في يونيو 2025. أما القاعدة الثانية فمازالت تفاصيلها غير مكتملة، لكن وجودها يؤكد أن إسرائيل لم تكن تعمل بشكل عشوائي أو مؤقت، بل كانت تخطط لوجود استراتيجي طويل الأمد داخل العراق.

اقتباس مهم من التقرير:

"وقال مسؤولون أمنيون إقليميون إن القاعدة التي عثر عليها الشمري تعود إلى ما قبل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واستخدمت خلال الحرب التي استمرت 12 يوما ضد طهران في يونيو 2025."




هل كانت واشنطن تعلم؟ الإجابة صادمة .

واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذه القضية هي مسألة العلم الأمريكي بهذه القواعد. وفقا لمسؤولين عراقيين تحدثوا للصحيفة، فإن واشنطن كانت على علم بإحدى القاعدتين على الأقل، وتحديدا القاعدة التي عثر عليها الشمري.

هذه القاعدة بنيت منذ يونيو 2025 وربما قبل ذلك. وهذا يعني أن حليف بغداد الرئيسي الآخر، الولايات المتحدة، أخفى عن العراق وجود قوات معادية على أراضيه.

وقال قادة عسكريون أمريكيون سابقون ومسؤولون في البنتاغون ودبلوماسيون أمريكيون خدموا في المنطقة إنه من غير المعقول، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، ألا تكون القيادة المركزية على علم بالوجود الإسرائيلي في غرب العراق.

هذه الإفادات تشير إلى تورط أمريكي بالتغاضي على الأقل، إن لم يكن بتسهيل مباشر للوجود الإسرائيلي على الأراضي العراقية.

وقال وائل الكدو، وهو نائب عراقي حضر إحاطة برلمانية سرية حول القاعدة: "هذا يظهر استخفافا صارخا بالسيادة العراقية وحكومتها وقواتها، وكذلك بكرامة الشعب العراقي".


العراق بين مطرقة إسرائيل وسندان أمريكا .

كيف استطاعت إسرائيل العمل سرا داخل العراق بهذا الشكل؟ المسؤولون الإقليميون يقدمون تفسيرا منطقيا. قالوا إن دور الولايات المتحدة في الأمن العراقي كان جزءا من حسابات إسرائيل التي دفعتها للاعتقاد بأنها تستطيع العمل سرا داخل العراق بأمان.

بمعنى آخر، إسرائيل راهنت على أن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في العراق، والعلاقة الوثيقة بين واشنطن وبغداد، ستجعل من الصعب على العراق أن يتحرك بحرية ضد أي وجود عسكري أجنبي، خاصة إذا كان هذا الوجود يتم بغطاء أمريكي أو على الأقل بمعرفة أمريكية.

هناك تفصيل خطير آخر كشفه التقرير. قال مسؤولان أمنيان عراقيان إنه خلال الحرب القصيرة العام الماضي وكذلك في النزاع الحالي، أجبرت واشنطن العراق على إغلاق راداراته لحماية الطائرات الأمريكية، ما جعل بغداد أكثر اعتمادا على القوات الأمريكية لاكتشاف الأنشطة المعادية.

هذا يعني أن الولايات المتحدة استخدمت نفوذها لإضعاف قدرات العراق الدفاعية، مما وفر غطاء مثاليا للوجود الإسرائيلي السري.

ماذا قال الجيش العراقي عن هذا كله؟ اللواء علي الحمداني، قائد قوات الفرات الغربية في الجيش العراقي، قال إن الجيش كان يشتبه بوجود إسرائيلي في الصحراء لأكثر من شهر قبل اكتشاف الراعي للموقع. وأضاف بعبارة موجعة: "حتى الآن، لا تزال الحكومة صامتة بشأن ذلك".

أما الفريق سعد معن، المتحدث باسم القوات الأمنية العراقية، فقال لصحيفة نيويورك تايمز إن العراق "لا يملك أي معلومات بشأن مواقع أي قواعد عسكرية إسرائيلية". هذا التصريح الرسمي يتناقض بشكل صارخ مع ما قاله اللواء الحمداني عن وجود اشتباه لأكثر من شهر.


كيف كانت تدار القاعدة وماذا كان يحدث فيها؟

لن نترك التفاصيل العملية جانبا. المسؤولون الأمنيون الإقليميون شرحوا كيف كانت القاعدة تعمل. القاعدة التي كشفها الشمري استخدمتها إسرائيل لثلاث مهام رئيسية:

أولا: الدعم الجوي. كانت الطائرات الإسرائيلية تهبط في هذه القاعدة للتزود بالوقود وإعادة التسلح قبل التوجه إلى أهداف داخل إيران.

ثانيا: التزود بالوقود. القاعدة وفرت محطة وسيطة قلصت المسافات التي تحتاجها الطائرات الإسرائيلية، مما زاد من مداها العملياتي وقدرتها على البقاء في الجواء لفترات أطول.

ثالثا: تقديم العلاج الطبي. أي طيار إسرائيلي يصاب خلال العمليات كان يمكن نقله إلى هذه القاعدة لتلقي الإسعافات الأولية قبل نقله إلى إسرائيل.

المعلومات تشير إلى أن إسرائيل حددت مواقع نائية بعناية فائقة، اختارتها لصعوبة الوصول إليها وبعدها عن المدن والتجمعات السكانية. هذا جعل عملية رصد هذه القواعد شبه مستحيلة دون صدفة أو معلومات استخباراتية دقيقة.



منشأة براكة: الضربة التي غيرت قواعد اللعبة .

في تطور متصل ومقلق جدا، تعرضت منشأة براكة للطاقة النووية في الإمارات لضربة بطائرات مسيرة. هذه ليست منشأة عادية، بل هي المنشأة النووية الوحيدة الموجودة في الخليج العربي بأكمله.

دعني أعطيك أرقاما دقيقة عن هذه المنشأة: تقع براكة في منطقة الظفرة بإمارة أبو ظبي، وتطل مباشرة على ساحل الخليج العربي. المحطة تبعد نحو 340 كيلومترا عن أقرب ساحل إيراني. تحتوي المحطة على أربعة مفاعلات نووية سلمية، بإجمالي طاقة تبلغ 5600 ميجاوات. هذه الطاقة تغطي نحو ربع احتياجات دولة الإمارات من الكهرباء.

تخيل أن 25 بالمئة من كهرباء دولة كاملة تأتي من منشأة واحدة، وهذه المنشأة يتم استهدافها بطائرات مسيرة.

الأهم من ذلك كله هو اتجاه المسيرات. كل التحليلات الأولية قالت إن المسيرات جاءت من الغرب، وليس من الشرق كما هو متوقع. لو نظرت إلى الخريطة التي نشرها الإعلام الإماراتي نفسه، ستجد أن المسيرات دخلت من عند البحرين، مشت على طول الحدود السعودية، ثم دخلت من الحدود الإماراتية لتنفذ ضربتها على براكة.

لماذا هذا الأمر بالغ الأهمية؟ لأن إيران تحاول بهذه الطريقة أن تبعد نفسها عن مسؤولية استهداف المنشأة. تقول طهران: المسيرات ما جاتش من ناحيتنا، جات من ناحية السعودية أو من الاتجاه الغربي، فاحنا ما لنا دعوة.

والحقيقة أن إيران تحاول تعزيز هذه الروايات. الحرس الثوري الإيراني يروج حاليا لفكرة أن هناك مخططا خطيرا يقسم دول الخليج، ويقول إن القواعد الإسرائيلية في العراق هي المصدر الحقيقي للمسيرات التي تضرب الخليج.


الرواية الإيرانية: ماذا تحاول طهران أن تقول؟

لنحلل ما تقوله إيران بدقة. إيران تريد إيصال رسالة واضحة مفادها أن الذي يضرب دول الخليج هي إسرائيل، وليس إيران. تقول طهران إن القواعد الإسرائيلية في العراق هي أكبر دليل على أن إسرائيل موجودة على الأرض وباتت قريبة جدا من حدود الخليج.

الرواية الإيرانية تقول إن هذه القواعد لم تكن لنشر مقاتلات فقط، بل كانت مخصصة أيضا لإطلاق طائرات مسيرة باتجاه دول الخليج. والأكثر إثارة أن نيويورك تايمز كشفت أن القواعد ليست واحدة ولا اثنتين فقط، بل لا يستبعد وجود قاعدة ثالثة أيضا.

الخلاصة أن إيران تحاول تحويل التهمة إلى إسرائيل، وتقول إن أي ضربة على الخليج هي في الحقيقة ضربة إسرائيلية تهدف إلى جر المنطقة إلى حرب أوسع. لكن هل هذا منطقي؟ الإجابة أن إيران تحاول بهذه الطريقة أن تخلق حالة من الارتباك في التحالفات الخليجية، وتجعل كل دولة تشك في الأخرى.


متى تمت ضربة براكة؟ التوقيت ليس صدفة .

أحد أخطر ما في قصة استهداف براكة هو توقيت الضربة. الضربة تمت في الأسبوع السادس من الهدنة. هذه ليست ضربة وقعت في الأسبوع الأول أو الثاني من الهدنة، بل حدثت بعد مرور ستة أسابيع كاملة على توقف القتال.

وبالمناسبة، إيران عمرها ما ضربت هذه المنشأة النووية في ظل الحرب. لم تستهدف إيران براكة قط خلال فترات القتال المباشر. فلماذا تستهدفها الآن في وقت السلم؟

صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية قدمت تحليلا لافتا. قالت الصحيفة إن إيران ضربت المنشأة النووية الإماراتية في وقت السلم كإشارة واضحة بأنها لن تتوقف عن الاستهداف مهما كانت الظروف. بل إن الصحيفة قالت إن هذا الاستهداف هو مؤشر على أن إيران ستركز على الإمارات أكثر في الفترة القادمة، وليس أقل.

لماذا التركيز على الإمارات تحديدا؟ الصحيفة ذكرت سببين رئيسيين:

السبب الأول: إيران تتهم الإمارات بأنها تقترب من إسرائيل بشكل مفرط. العلاقات الإماراتية الإسرائيلية تطورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهذا يثير حفيظة طهران التي ترى في إسرائيل عدوا وجوديا.

السبب الثاني: إيران تؤمن بأن الإمارات تجلب إسرائيل إلى قلب الخليج، وأن هذا التقارب يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الإيراني.


ماذا قال المسؤولون العراقيون عن ضربة براكة؟

هنا تكمن المفاجأة الكبرى. إيران تربط بين الضربة على براكة وبين القواعد الإسرائيلية في العراق. الرسالة الإيرانية تقول: القواعد الإسرائيلية في العراق هي التي أطلقت هذه المسيرات، وإسرائيل هي من تقف وراء استهداف المنشآت الحيوية في الخليج لدفع الولايات المتحدة والدول الخارجية إلى خوض حرب شاملة ضد إيران.

هذه الرواية تروج لها وسائل إعلام إيرانية وميليشيات موالية لإيران في العراق. الفكرة أن إسرائيل تحاول خلق فوضى في الخليج بحيث تضطر أمريكا للتدخل بشكل أكبر في المنطقة ضد إيران.

لكن ما مدى مصداقية هذه الرواية؟ الحقيقة أن الضربة جاءت من الغرب، وليس من الشرق. هذا لا يعني بالضرورة أن مصدر الضربة هو القواعد الإسرائيلية في العراق، لكنه يضع علامات استفهام كبيرة حول كيفية تمكن المسيرات من عبور أجواء دول خليجية متحالفة دون أن يتم اكتشافها.

وزارة الدفاع السعودية أعلنت اعتراض ثلاث مسيرات أطلقت من العراق بعد دخولها المجال الجوي للمملكة. هذا الإعلان جاء بعد ساعات فقط من اختراق طائرات مسيرة للأجواء الإماراتية وتسببها في اندلاع حريق بجوار محطة براكة للطاقة النووية.


هل ستضرب الإمارات؟ وما هو رد الفعل المتوقع؟

مشاهدينا، أحد أهم الأسئلة الآن هو: ماذا ستفعل الإمارات بعد هذا الاستهداف المباشر لمنشأتها النووية؟

صحيفة الجارديان البريطانية كشفت معلومات غاية في الأهمية. قالت الصحيفة إن وزير الخارجية الإماراتي أجرى اتصالا عاجلا بوزير الخارجية السعودي، وأطلعه على كل ما يحدث بالتفصيل، وأكد له أن الإمارات سترد على هذه الضربة.

ولكن ليس هذا فقط. روسيا اليوم قالت إن وزير الخارجية الإماراتي لم يتواصل فقط مع السعودية، بل تواصل أيضا مع وزير الخارجية المصري. والرد المصري كان حاسما: كمل يا باشا، احنا معاك في أي حاجة، شوف عاوز تعمل إيه واحنا معاك. عاوز تنزل بري احنا معاك برضه.

توضيح مهم: هذا لا يعني أن الجيش المصري سينزل بريا في إيران. الكلام هنا هو عن التزام مصري دفاعي كامل مع الإمارات. مصر متعهدة بأنها ستدافع عن الإمارات وسماء الإمارات حتى النهاية، ولن تترك الإمارات لوحدها مهما كانت التطورات.

هذا التنسيق المصري الإماراتي السعودي يعكس تحولا كبيرا في موازين القوى. الإمارات لم تكن وحدها في هذه المواجهة، بل خلفها تحالف إقليمي قوي يرفض أي تهديد لأمن الخليج.


ماذا عن الدور العسكري السعودي الإماراتي المشترك؟

هناك تطور آخر لا يقل أهمية. صحيفة نيويورك تايمز كانت قد أشارت قبل ذلك إلى أن السعودية والإمارات قامتا بضرب العمق الإيراني ردا على استهداف إيران للعمق السعودي والإماراتي.

هذا يعني أن القوات السعودية والإماراتية معا كسرتا محرمات كبرى. لأول مرة، دول خليجية ترد على استهدافات إيرانية بضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية. لم يعد الرد مقتصرا على العمليات الدبلوماسية أو الاستهدافات غير المباشرة. السعودية والإمارات أثبتتا أنهما قادرتان على توجيه ضربات مؤلمة إلى طهران.

الرسالة هنا واضحة: إذا عادت الحرب واندلعت مجددا، فتوقعوا مجزرة من العيار الثقيل. الإمارات ستلعب كل أوراقها، ولن تترك أي خيار دون استخدامه.

ضرب منشأة نووية ليس أمرا بسيطا. لو حدث تسريب إشعاعي من المنشأة، فإن العواقب ستكون كارثية على المنطقة بأسرها. الطائرات المسيرة التي ضربت براكه دمرت مولد كهرباء خارج المنشأة، وليس داخل المفاعل النووي نفسه. لكن هذا لا يعني أن الأمر أقل خطورة.


التصدي للمسيرات: هل هناك حل؟

سؤال مهم جدا يطرح نفسه: لماذا لم تستطع أنظمة الدفاع الجوي المتطورة في الإمارات والسعودية التصدي لهذه المسيرات؟

الإمارات عززت دفاعاتها الجوية بأحدث الأنظمة من كوريا الجنوبية وإيطاليا وبريطانيا، واستعانت بخبراء أوكرانيين وأمريكيين. ومع ذلك، اخترقت مسيرة واحدة على الأقل وضربت هدفها.

لماذا؟ لأن المسيرات كما شاهدنا في فيديو حزب الله الذي تم تصويره أمس، تطير على مستويات متفاوتة. بعضها يطير على مستوى منخفض جدا لدرجة أن موجات الرادار لا تستطيع التقاطها. وبعضها صغير الحجم جدا بحيث يصعب رصده.

هذه المعضلة تواجه حتى إسرائيل نفسها. في الفيديو الذي انتشر أمس، شاهدنا مسيرات تابعة لحزب الله بعدد ضخم فوق قاعدة إسرائيلية في العنق الإسرائيلي، وهي تضرب القاعدة بمنتهى العنف. إذا كانت إسرائيل، التي تمتلك أقوى منظومة دفاع جوي في المنطقة، تعجز عن التصدي لمسيرات حزب الله، فما بالك بدول الخليج أمام مسيرات إيرانية أكثر تطورا؟

حزب الله ليس بجديد في استخدام المسيرات كسلاح ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، لكن اللافت هو تحول هذه المسيرات إلى أحد أخطر أسلحة الحزب في المواجهة القائمة مع إسرائيل.


ترامب والتصعيد القادم: ماذا تخطط الإدارة الأمريكية؟

دونالد ترامب عقد اجتماعا مع مستشاريه للأمن القومي أمس، ومن المقرر أن يعقد الاجتماع الأساسي مع فريق الأمن القومي كاملا يوم الثلاثاء القادم. في هذا الاجتماع، سيناقش ترامب مع فريقه خيارات العمل العسكري ضد إيران.

هذه المعلومات تأتي من موقع أكسيوس الأمريكي، وتأتي بعد اتصال مباشر بين ترامب ونتنياهو. ترامب نفسه نشر تغريدة أمس قال فيها إن الساعة تدق والوقت يمضي، وإن إيران يجب أن تتخذ قرار الصفقة الآن، لأن بعد ذلك لن يكون هناك أي شيء في إيران.

كلام ترامب يشير بوضوح إلى أن الحرب قادمة، وأن الهدنة لن تدوم طويلا. السؤال ليس ما إذا كانت الحرب ستعود، بل متى ستعود وبأي شكل.

الخطط الأمريكية الحالية تتحدث عن عمليات جوية مكثفة، لكن تقارير نيويورك تايمز تشير إلى نقاشات جادة حول عمليات برية أيضا إذا عادت الحرب. هذا يعني أن أي تصعيد قادم سيكون أكثر عنفا ودمارا من كل ما سبقه.


إعادة التسلح الإيراني: 30 موقعا من أصل 33 عادت للخدمة .

هذه النقطة بالغة الخطورة ويجب ألا تمر مرور الكرام. صحيفة نيويورك تايمز قالت إنه خلال فترة الهدنة، استطاعت إيران أن تفتح 30 موقعا من أصل 33 من مخزوناتها الصاروخية.

لنفهم الصورة كاملة. الحملة الجوية الأمريكية على إيران كانت قد ضربت جزءا كبيرا من مخازن الصواريخ الإيرانية. لكن تقرير المخابرات الأمريكية يقول إن إيران استغلت فترة الهدنة بشكل مكثف لإعادة تأهيل ما تم تدميره.

التقرير يتحدث تحديدا عن المنشآت الموجودة على طول مضيق هرمز. كان هناك 33 منشأة لإطلاق وتخزين الصواريخ على هذا الممر المائي الحيوي. خلال الهدنة، تمكنت إيران من الوصول إلى 30 منشأة من أصل 33 وفتحها من جديد.

هذا يعني أن إيران استعادت قدراتها الصاروخية بنسبة تزيد عن 90 بالمئة. لو عادت الحرب الآن، فإن القصف الصاروخي الإيراني لن يكون أضعف مما كان عليه قبل الحرب، بل قد يكون أقوى.

ترامب يقول إن الولايات المتحدة ستدمر إيران ولن يكون هناك أي رد فعل، لكن تقرير المخابرات يقول العكس تماما. إيران تعيد بناء نفسها بسرعة، وهي مستعدة لأي مواجهة قادمة.


الخليج ليس هدفا عشوائيا: لماذا تركز إيران على دول الخليج؟

سؤال مهم جدا: لماذا تركز إيران ضرباتها على دول الخليج أكثر من تركيزها على إسرائيل؟

صحيفة إسرائيلية كانت قد طرحت هذا السؤال وحاولت الإجابة عليه. الإجابة تتلخص في نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولى: إيران اكتشفت أن آثار صواريخها ومسيراتها على دول الخليج أكبر بكثير من آثارها على إسرائيل. لماذا؟ لأن إسرائيل تعتم على الأهداف التي يتم ضربها داخل أراضيها. وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تنشر صور الدمار والأضرار بشكل موسع، مما يقلل من الضغط الجماهيري على الحكومة الإسرائيلية.

أما دول الخليج، فلا تستطيع إخفاء ما يحدث. التغطية الإعلامية في الخليج واسعة ومكثفة، والجمهور يشاهد بأم عينه حجم الدمار. هذا الضغط الجماهيري يترجم إلى ضغط على الحكومات الخليجية، ثم يتحول إلى ضغط على الإدارة الأمريكية لوقف التصعيد.

النقطة الثانية: إيران عرفت أن استهداف إسرائيل مهما بلغت حدته لن يجعلها تتراجع. إسرائيل ستستمر في ضرب إيران مهما كلفها الأمر، ولن تتوقف حتى لو دمرت بالكامل. أما دول الخليج، من وجهة النظر الإيرانية، قد تكون أكثر استعدادا للتفاوض والوصول إلى اتفاق سلام إذا زاد الضغط عليها.

إذا كان هذا هو منطق إيران، فإن دول الخليج ستظل الهدف الأساسي للصواريخ والمسيرات الإيرانية في أي مواجهة قادمة.


الجبهة السعودية العراقية: مواجهة مفتوحة مع الميليشيات .

بالعودة إلى العراق، هناك جبهة أخرى ساخنة لم نتحدث عنها بالتفصيل. السعودية ترى بوضوح أن الميليشيات الشيعية المسلحة التابعة للحشد الشعبي في العراق تمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

هذه الميليشيات تستهدف الأراضي السعودية بطائرات مسيرة وصواريخ بشكل شبه يومي. ووزارة الدفاع السعودية تعلن بين الحين والآخر عن اعتراضها لمسيرات أطلقت من العراق.

السعودية اختبرت بالفعل سيناريو الحوثيين في اليمن. لسنوات، كان الحوثيون يطلقون مسيرات وصواريخ على السعودية، حتى تم توقيع اتفاق سلام بين الرياض وصنعاء.

الآن، إيران تحاول تكرار نفس السيناريو لكن مع الميليشيات العراقية. الهدف هو استنزاف السعودية على جبهتين بدلا من جبهة واحدة: الحوثيون في اليمن والميليشيات في العراق.

صحيفة وول ستريت جورنال وصفت هذه المنطقة بأنها منطقة رمادية أو جري زون، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل العصابات والميليشيات. السعودية ترى أنها مضطرة للضرب في هذه المنطقة لحماية أمنها القومي.

الخوف الأكبر أن إيران تسعى لفتح جبهة ثالثة أيضا في سوريا أو لبنان، مما يعني أن السعودية ودول الخليج ستكون محاصرة بعدة جبهات في وقت واحد.


النفط الإيراني: انهيار غير مسبوق .

في خضم كل هذه التطورات، لا يمكننا تجاهل ما يحدث لصناعة النفط الإيرانية. الصور التي تخرج من الخليج العربي عند قطر تظهر مياها ملوثة بالنفط بشكل مريع.

هذا التلوث يدل على أن منشآت التخزين الإيرانية في جزيرة خرج امتلأت عن آخرها، والطاقة الاستيعابية لهذه المنشآت تجاوزت حدودها. ببساطة، إيران لديها نفط لكنها لا تملك أماكن لتخزينه.

الرقم المذكور في التقارير يقول إن هناك 23 ناقلة نفط واقفة أمام السواحل الإيرانية، غير قادرة على الحركة. بعض هذه الناقلات محملة بالنفط ولا تستطيع التفريغ، والبعض الآخر في انتظار أن يأتي دورها لكن بلا فائدة.

هذا يعني أن إيران تعاني من أزمة اقتصادية خانقة. صناعة النفط التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد الإيراني متدمرة بشكل كبير. إيران تحاول تصدير النفط بطرق غير تقليدية وبأسعار مخفضة، لكن العقوبات والضربات الجوية جعلت هذه العملية شبه مستحيلة.

في هذا السياق، فإن استمرار إيران في استهداف دول الخليج يحمل رسالة واضحة: إيران تريد جر جيرانها إلى نفس دائرة المعاناة. إذا كانت إيران لا تستطيع بيع نفطها وتصديره، فسوف تجعل جيرانها يعانون أيضا.


خيار الحرب أم خيار السلام؟ أيهما أنجع لدول الخليج؟

هذا هو السؤال الأصعب على الإطلاق. هل مصلحة دول الخليج أن تستمر في القتال أم أن تسعى لوقف إطلاق النار وتوقيع اتفاق سلام؟

دعني أكون صريحا معك. الأحداث التي نراها تقول إن خيار السلام فشل. دول الخليج التزمت بهدنة طويلة الأمد، امتدت لأسابيع وشهور، لكن الثمن كان أن إيران استغلت الهدنة لإعادة تسليح نفسها وفتح 30 موقعا صاروخيا.

ليس هذا فقط، بل إن إيران لم تحترم الهدنة واستمرت في استهداف دول الخليج، وكان آخرها استهداف المنشأة النووية الإماراتية في الأسبوع السادس من الهدنة.

إذا كان السلام يعني أن تضرب وأنت صامت، وإيران تعيد بناء قدراتها بينما أنت تترقب، فهذا ليس سلاما، هذا استسلام.

نيويورك تايمز قالت في تحليلها الأخير إن النهاية في حرب إيران غير واضحة بالنسبة لأمريكا، وإن كل التقديرات الأمريكية والدعاية الأمريكية التي تخرج بخصوص الحرب على إيران هي مجرد دعاية غير دقيقة.

لكن بالنسبة لدول الخليج، الأمر أوضح. إما أن تحسم هذه الحرب عسكريا، وإما أن تظل في حالة استنزاف مفتوح لا نهاية له. إيران أثبتت أنها تريد الحرب، وستظل تختار الحرب، لأنها تعتقد أنها تحصل من خلال الحرب على نتائج أفضل بكثير من أي طاولة مفاوضات.


ماذا بعد؟ سيناريوهات الفترة القادمة .

دعني ألخص لك ما يمكن توقعه في الأسابيع والأشهر القادمة بناء على كل ما نعرفه من معلومات وتصريحات رسمية:

أولا: من المتوقع أن يعقد ترامب اجتماعه الحاسم مع فريق الأمن القومي يوم الثلاثاء، ومن المرجح أن يخرج هذا الاجتماع بقرار بالعودة إلى العمليات العسكرية ضد إيران بشكل مكثف.

ثانيا: إيران لن تنتظر حتى تضرب، بل ستبدأ هي الأخرى في تصعيد هجماتها على دول الخليج، وخاصة الإمارات التي باتت الهدف الأثير لطهران.

ثالثا: التنسيق الخليجي المصري سيتعزز بشكل كبير. الإمارات لن تكون وحدها في هذه المواجهة، والسعودية ومصر سيقفان إلى جانبها بأي شكل مطلوب.

رابعا: القواعد الإسرائيلية في العراق قد تكون هدفا لضربات إيرانية عبر الميليشيات العراقية الحليفة لإيران. هذا يعني أن العراق سيتحول إلى ساحة معركة مفتوحة بين الأطراف كافة.

خامسا: حرب المسيرات ستتصاعد بشكل لم نشهده من قبل. لا أحد في العالم يمتلك حلا سحريا لمواجهة المسيرات الصغيرة والمنخفضة والبطيئة. حتى أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورا تجد صعوبة في التصدي لهذا النوع من التهديدات.


ملاحظة مهمة للقارئ .

قبل أن ننهي هذا التحليل، هناك ملاحظتان مهمتان يجب أن تضعها في اعتبارك:

الملاحظة الأولى: كل ما قرأته في هذا التحليل مبني على تقارير إعلامية موثوقة ومصادر رسمية ومسؤولين عراقيين وأمريكيين وإقليميين. لم نضف أي شيء من خيالنا، ولم نبالغ في أي معلومة. الأحداث كما هي، والصورة قاتمة بالفعل.

الملاحظة الثانية: هذا التحليل ليس تحريضيا على الحرب، بل هو قراءة واقعية لما يحدث على الأرض. دول الخليج تُضرب، منشآتها النووية تستهدف، سيادتها تنتهك، وإيران تعيد تسليحها بسرعة. تجاهل هذه الحقائق لن يجعلها تختفي. 


إقرأ أيضا :





إرسال تعليق

أحدث أقدم