بين التهديد والتأجيل: قراءة في لعبة ترامب المزدوجة مع إيران ورهانات الخليج المقلقة .
مقدمة: مؤتمر صحفي غير مسبوق قلب المعادلات .
في تطور دراماتيكي وغير متوقع، عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤتمرا صحفيا وصفه المراقبون بأنه "الأغرب" منذ توليه منصبه. ففي الوقت الذي كان العالم يترقب فيه إعلان الهجوم على إيران، خرج ترامب ليعلن تأجيل أي تصعيد عسكري، مبررا ذلك بطلبات ملحة تلقتها إدارته من قادة ثلاث دول خليجية كبرى.
ما قاله ترامب بالحرف الواحد في مؤتمره يستحق التوقف عنده: "السعودية وقطر والإمارات طلبوا مني تأجيل هجوم كبير كنا نستعد لتنفيذه غدا. طلبوا منحهم فرصة، ربما للأبد، أو على الأقل لبضعة أيام". هذا التصريح، الذي نشرته وكالة أسوشيتد برس، كشف حجم الضغوط العربية الخليجية على البيت الأبيض في اللحظات الأخيرة.
![]() |
| عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤتمرا صحفيا وصفه المراقبون بأنه "الأغرب" منذ توليه منصبه |
هذا المشهد المتناقض دفع صحيفة نيويورك تايمز إلى وصف موقف ترامب بأنه "متناقض بامتياز"، فهو في نفس اليوم الذي هدد فيه إيران بـ"المحو" إذا لم تخضع، خرج ليعلن أنه أوقف الحرب استجابة لرغبة حلفائه. السؤال الذي طرحه الجميع: هل هناك صفقة حقيقية وراء هذا التأجيل أم أنها مجرد لعبة ضغط جديدة؟
الموقف الأمريكي الرسمي: لا تنازلات إيرانية حتى الآن .
رغم الأجواء الإيجابية التي حاول ترامب رسمها، إلا أن التسريبات من داخل الإدارة الأمريكية ترسم صورة مغايرة تماما. موقع أكسيوس الأمريكي نقل عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى قوله إن "الرد الإيراني الأخير لم يكن مشجعا على الإطلاق، والإيرانيين لم يقدموا أي من التنازلات التي ننتظرها".
واشنطن تضع خطوطا حمراء واضحة، بحسب ما نشرته مجلة فورين بوليسي:
السيطرة الكاملة على مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي تقترب كميته من 450 كيلوغراما
الوقف الكامل والفوري لأنشطة تخصيب اليورانيوم في جميع المنشآت الإيرانية
السماح لوكالة الطاقة الذرية بالتفتيش في أي موقع تشتبه به، دون قيود أو استثناءات
تفكيك الأجهزة الطاردة المركزية المتطورة من طراز "أي آر 6"
في المقابل، ما عرضه الإيرانيون كان محدودا للغاية. صحيفة تسنيم الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري، تحدثت عن "موافقة أمريكية مبدئية على تخفيف أو رفع بعض العقوبات المرتبطة بالنفط الإيراني". لكن مصادر أمريكية نفت بشكل قاطع أن تكون هناك أي موافقة من هذا القبيل، مؤكدة أن "الكلاب الأمريكي لم يرفع بعد عن أي عقوبة نفطية إيرانية".
هذا التباين في الرواية يعكس أزمة ثقة عميقة بين الطرفين. ففي حين تريد طهران رفع العقوبات أولا ثم التفاوض، تصر واشنطن على التنازلات النووية قبل أي تخفيف للعقوبات. الطريق إلى أي اتفاق ما زال طويلا وشاقا.
ترامب يؤجل الحرب لكنه لا يلغيها: لماذا؟
إذا كانت الصفقة غير موجودة في الأفق، فلماذا أعلن ترامب تأجيل الهجوم؟ التحليل السياسي يشير إلى ثلاثة أهداف رئيسية:
الهدف الأول: الضغط على دول الخليج. ترامب يريد إلقاء الكرة في ملعب حلفائه الخليجيين. هو يقول لهم بوضوح: "الحرب قادمة وستدمر اقتصاداتكم، فإذا كنتم تريدون منعها، فعليكم إيجاد حل سياسي مع إيران أو تقديم تنازلات نيابة عنها". هذا النوع من الضغط يضع الرياض وأبوظبي والدوحة في موقف صعب للغاية.
الهدف الثاني: كسب الوقت. حتى اللحظة، القوات الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة ليسوا في وضع يسمح بتنفيذ ضربة شاملة وفعالة. تأجيل الهجوم لأيام أو أسابيع يسمح باستكمال الاستعدادات اللوجستية والعسكرية.
الهدف الثالث: اختبار النوايا الإيرانية. ترامب يمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة، ليس لأنه يؤمن بها، بل ليكون موقفه أقوى عندما يفشل. عندها سيقول للعالم: "لقد أعطيتهم فرصة، لكنهم رفضوا، فلا خيار الآن سوى القوة".
صحيفة نيويورك تايمز تصدم الجميع: إيران بالتعاون مع روسيا تتفوق على الطيران الأمريكي .
في واحدة من أخطر التقارير الاستخباراتية التي صدرت مؤخرا، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن إيران تعاونت مع خبراء عسكريين روس لدراسة تكتيكات الطيران القتالي الأمريكي، وأصبحت قادرة على توقع تحركات المقاتلات الأمريكية في الأجواء.
التقرير، الذي اعتمد على وثائق استخباراتية مسربة، أوضح أن الطيارين الإيرانيين تلقوا تدريبات مكثفة على كيفية التعامل مع مقاتلات "إف-15" و"إف-35" الأمريكية، وطرق صد هجماتها. لكن الأخطر من ذلك هو أن إيران تمكنت خلال الحرب السابقة من استهداف مقاتلات أمريكية دون الحاجة إلى استخدام الرادارات التقليدية.
كيف فعلت إيران ذلك؟ اعتمدت على تقنيات الأشعة تحت الحمراء. ببساطة، بدلا من إصدار موجات رادارية تكشف موقع المقاتلة وتجعل الطائرة المستهدفة ترسل إنذارا، فإن أجهزة الاستشعار الحرارية تعتمد على حرارة محركات الطائرة. هذا الأمر صعب للغاية لأنه يتطلب أن تعرف أين تبحث بالضبط. والأصعب أن تكون قادرا على توقع مكان الطائرة ومسارها قبل أن تصل.
هذا التطور يعني أن الطيران الأمريكي لم يعد آمنا في أجواء المنطقة كما كان. إيران، بمساعدة روسية، طورت قدراتها في الحرب الإلكترونية والاستشعار عن بعد بشكل لم يكن متوقعا. هذا يفسر لماذا يؤجل البنتاغون الضربات الجوية الكبرى، فقد يكون الثمن أكبر من المكاسب.
استعادة القدرات الصاروخية: 70% من الصواريخ عادت للخدمة .
التقرير الآخر الذي فجرته نيويورك تايمز يتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية. خلال الحرب السابقة التي استمرت 39 يوما، دمرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية عددا كبيرا من منصات ومخازن الصواريخ الإيرانية. لكن الحقيقة أن التدمير لم يكن كاملا.
ما حدث هو أن القوات الأمريكية استهدفت المداخل والمخارج الخاصة بالمنشآت الصاروخية تحت الأرض، لكنها لم تستطع تدمير المنشآت نفسها. السبب: محدودية المخزون الأمريكي من القنابل "الخارقة للتحصينات" والتي تعتبر ثمينة ونادرة. فانتهزت إيران فرصة الهدنة لفتح تلك المداخل والمخارج مرة أخرى، وتمكنت من استعادة حوالي 70% من قدراتها الصاروخية التشغيلية.
البيانات الرقمية التي نشرتها الصحيفة مرعبة:
30 موقعا صاروخيا من أصل 33 على امتداد مضيق هرمز عاد للعمل بكامل طاقته
70% من منصات الإطلاق المتنقلة أصبحت جاهزة للاستخدام
حوالي 90% من المنشآت الصاروخية تحت الأرض قابلة للاستخدام، ولو بشكل جزئي، رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية
هذه الأرقام تعني أن الحرب القادمة، إذا اندلعت، لن تكون مجرد تكرار لما حدث. إيران لديها الآن قدرات صاروخية أكثر مما كانت عليه في نهاية الحرب السابقة.
"نيويورك تايمز": إيران خفضت إطلاق الصواريخ عمدا وليس لنقص المخزون .
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر خطورة في كل التقارير الاستخباراتية. طوال الحرب السابقة، كان المحللون والمسؤولون الأمريكيون يعتقدون أن إيران بدأت في تخفيض وتيرة إطلاق الصواريخ في الأيام الأخيرة من الحرب بسبب نفاد مخزونها الاستراتيجي.
لكن نيويورك تايمز تقول إن هذا الافتراض خاطئ تماما.
الحقيقة، وفقا لوثائق استخباراتية حصلت عليها الصحيفة، أن إيران كانت تستعد لمعركة طويلة الأمد. قادة الحرس الثوري كانوا يتوقعون أن الحرب قد تستمر لشهور أو حتى سنة كاملة، ولذلك اتخذوا قرارا استراتيجيا بتخفيض وتيرة إطلاق الصواريخ للحفاظ على المخزون لتلك المعركة الطويلة.
هذا الاكتشاف يغير المعادلة برمتها. إيران كانت تمتلك مخزونا صاروخيا أكبر بكثير مما قدره الأمريكان، وكانت تديره بتكتيك ذكي. وعندما انتهت الحرب، بقي لديها آلاف الصواريخ لم تستخدم بعد.
الآن، وبعد أن أثبتت الحرب السابقة أنها كانت أقصر مما توقعوا، فإن التقديرات الإيرانية تغيرت. طهران مقتنعة الآن بأن أي حرب جديدة ستكون قصيرة، ربما أسبوعين أو ثلاثة أسابيع كحد أقصى. وقادتها يعتقدون أن ترامب، إذا وجد الحرب مكلفة أو غير مجدية سياسيا، سينسحب بسرعة ويلم أغرابه ويعود إلى أمريكا.
هذه القناعة الجديدة تعني أن إيران، في أي حرب مقبلة، لن تتردد في استخدام كامل مخزونها الصاروخي في الأيام الأولى. لن يكون هناك سبب للحفاظ على الصواريخ لمعركة طويلة لن تحدث. الخطة الآن هي "إحداث أكبر عدد ممكن من الخسائر في أقصر وقت ممكن".
إعادة تموضع الصواريخ: عشرات المواقع الجديدة .
ما يؤكد هذه الاستعدادات هو ما كشفته التقارير عن تحركات إيران في فترة الهدنة. فبدلاً من الاسترخاء، عمل الحرس الثوري بوتيرة عالية على:
إعادة تشغيل عشرات المواقع الصاروخية التي كانت متوقفة
نقل منصات الإطلاق إلى مواقع جديدة متفرقة ومموهة
توزيع الصواريخ على مستودعات صغيرة لا يمكن استهدافها بسهولة
تحديث أنظمة القيادة والتحكم لضمان استمراريتها حتى تحت القصف
هذا التشتيت يجعل مهمة البنتاغون أصعب بكثير. فبدلاً من استهداف عدد محدود من المنصات المعروفة، سيكون على الطيران الأمريكي ملاحقة عشرات المواقع المتحركة والثابتة المنتشرة على مساحة كبيرة من الأراضي الإيرانية.
المسؤولون العسكريون الأمريكيون يعترفون، في تسريبات لموقع بوليتيكو، أن القدرة على تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية بالكامل من الجو فقط أصبحت "شبه مستحيلة" في ظل هذه الظروف.
التحول الاستراتيجي: استهداف الخليج بدلاً من إسرائيل .
واحدة من أهم التحولات في العقيدة العسكرية الإيرانية هي تغيير الأولويات. تقارير غربية، بما فيها تقارير لصحيفة وول ستريت جورنال، تشير إلى أن إيران قد تركز ضرباتها القادمة على دول الخليج العربي بدلا من إسرائيل.
لماذا هذا التحول؟ هناك أسباب متعددة:
السبب الأول: القرب الجغرافي. المسافة بين إيران وإسرائيل تبلغ حوالي 1500 كيلومتر. هذه المسافة الطويلة تعطي إسرائيل وأنظمة الدفاع الجوي الأمريكية وقتا كافيا لرصد الصواريخ والمسيرات التي يتم إطلاقها، والتصدي لها بنسبة نجاح عالية. أما دول الخليج، فالمسافة لا تتجاوز 300 إلى 500 كيلومتر فقط. هذا يعني أن زمن وصول الصواريخ قصير جدا، ويصعب التصدي لها خاصة إذا تم إطلاق أسراب كبيرة من المسيرات والصواريخ في وقت واحد.
السبب الثاني: الأهداف الاقتصادية. دول الخليج هي قلب إنتاج النفط العالمي. استهداف حقول النفط ومصافي التكرير وخطوط أنابيب الغاز هناك سيهز الاقتصاد العالمي كله ويرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. هذا الضغط الاقتصادي سيجبر واشنطن على وقف الحرب، لأن أي رئيس أمريكي سيجد نفسه تحت ضغط شعبي هائل بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
السبب الثالث: التهديدات الإيرانية المباشرة. بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين تجاوزت كل الخطوط، حيث تحدثوا عن ضرورة "إعادة الإماراتيين إلى العصر الجاهلي وركوب الجمال والخيول في الصحراء". هذا الكلام الناري، الذي نقلته وسائل إعلام إيرانية رسمية، يعكس نية واضحة لتدمير البنية التحتية لدولة مثل الإمارات التي استثمرت عقودا في بناء مدنها الحديثة.
الإمارات في مرمى النيران: لماذا بالذات؟
التركيز الإيراني على الإمارات ليس اعتباطيا. الإمارات تمثل عدة أشياء لإيران:
هي مركز مالي وتجاري عالمي، واستهدافها سيكون له تداعيات دولية أوسع
استضافت الإمارات مناورات عسكرية مشتركة مع أمريكا وإسرائيل في الماضي
لها مواقف سياسية معارضة للنفوذ الإيراني في المنطقة
قاعدتها الجوية في الظفرة تستضيف طائرات "إف-35" الأمريكية
بالنسبة لإيران، ضرب الإمارات يحقق أهدافا متعددة: ردع استراتيجي لدول الخليج، إرسال رسالة لأمريكا، وإحداث أضرار اقتصادية عالمية. هذا يفسر لماذا يكرر المسؤولون الإيرانيون تهديداتهم ضد أبوظبي أكثر من غيرها.
السيناريو الأسوأ: استهداف البنية التحتية للنفط .
ما تخشاه واشنطن أكثر من أي شيء هو أن توجه إيران ضرباتها نحو البنية التحتية للنفط والغاز في الخليج. هذه المنشآت حساسة للغاية وغالبا ما تكون مكشوفة أو محمية بشكل غير كافٍ ضد هجمات بهذا الحجم.
التقديرات تشير إلى أن إيران قد تستهدف:
حقل الغاز الشمالي في الكويت
مصفاة رأس تنورة السعودية العملاقة
حقول بترول أبوظبي البحرية
خطوط أنابيب نقل الغاز القطرية
أي نجاح في إصابة هذه الأهداف سيؤدي إلى انقطاع إمدادات الطاقة عن الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 200 دولار للبرميل، واندلاع موجة ركود عالمية. هذا هو بالضبط ما تراهن عليه إيران: إجبار أمريكا على الانسحاب تحت الضغط الاقتصادي الداخلي.
باب المندب: فتح جبهة ثانية .
حسب تقارير استخباراتية لموقع ديبكا الإسرائيلي، فإن إيران تعد خطة لتوسيع رقعة الحرب عبر فتح جبهة ثانية في باب المندب. الهدف هو تشتيت القوات الأمريكية وإجبارها على العمل على جبهتين في وقت واحد.
باب المندب هو الممر المائي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. مرور السفن عبره حيوي للتجارة العالمية. إذا نجحت إيران، عبر حليفها الحوثي في اليمن، في تهديد الملاحة هناك أو إغلاقه، فإن القوات الأمريكية ستضطر للانتشار لحماية هذا الممر الحيوي.
هذا التشتيت سيجعل القوات الأمريكية أقل تركيزا وأكثر عرضة للاستنزاف. إضافة إلى أن البحرية الأمريكية، رغم قوتها، لا تملك عدد السفن الكافي لتغطية جبهتين بهذا الحجم في وقت واحد.
هل ستشارك دول الخليج في الحرب؟
من الأسئلة المهمة التي تطرح حاليا: ماذا ستفعل دول الخليج إذا استهدفتها إيران بشكل مباشر؟
حتى الآن، كانت دول الخليج تفضل البقاء خارج دائرة القتال المباشر، والاكتفاء بتقديم الدعم اللوجستي والقواعد الجوية للقوات الأمريكية. لكن أي استهداف للبنية التحتية النفطية سيكون خطا أحمر.
الخط الأحمر لدول الخليج هو الطاقة. إذا لمست الصواريخ الإيرانية حقول النفط أو المصافي، فإن ردود الفعل ستكون سريعة وحاسمة. دول الخليج تمتلك قوات جوية حديثة ومتطورة، خاصة السعودية والإمارات، ولن تتردد في استخدامها للرد على أي اعتداء.
المشاركة الخليجية المباشرة تعني توسعا خطيرا في الحرب. فبدلا من حرب أمريكية إيرانية، ستصبح حربا إقليمية شاملة. وهذا ما يريد تجنبه جميع الأطراف، لكنه قد يكون inevitable إذا تجاوزت إيران الخطوط الحمراء.
فاينانشال تايمز تكشف: مساعٍ سعودية لاتفاقية هلسنكي مع إيران .
في محاولة أخيرة لتجنب هذه الكارثة، كشفت صحيفة فاينانشال تايمز أن السعودية كانت تحاول الضغط لعقد اتفاقية عدم اعتداء مع إيران، على غرار اتفاقية هلسنكي التي وقعها الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الغربية في عام 1975.
اتفاقية هلسنكي الأصلية نصت على عدم استخدام القوة، واحترام الحدود، والتعاون الاقتصادي، وتبادل المعلومات. السعودية أرادت نسخة مماثلة مع إيران تركز على:
عدم استهداف البنية التحتية النفطية
عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج
فتح قنوات اتصال مباشرة لحل الأزمات
مشاريع اقتصادية مشتركة تعزز المصالح المتبادلة
لكن الحلم الإيراني اصطدم بالواقع سريعا. قائد إيراني كبير نفى بشكل قاطع وجود أي نية لعقد مثل هذه الاتفاقية، مؤكدا أن طهران "مركزة على الحرب وليس على السلام". التصريحات الإيرانية أكدت أن أي حديث عن سلام مع السعودية مجرد "أوهام".
هذا الموقف المتصلب من الجانب الإيراني يجعل أي جهود دبلوماسية سعودية أو خليجية شبه مستحيلة. فطهران لا تريد سلاما الآن، بل تريد تحسين موقعها التفاوضي بالقوة.
الجارديان: تهديد إيراني بقطع كابلات الإنترنت في الخليج .
في سابقة هي الأولى من نوعها، كشفت صحيفة الجارديان البريطانية عن تهديدات إيرانية غير مسبوقة تتعلق بكابلات الإنترنت البحرية في الخليج العربي.
التهديد الإيراني يتضمن ثلاثة سيناريوهات:
قطع كابلات الإنترنت التي تنقل البيانات عالميا
فرض رسوم مالية على مرور هذه الكابلات في مياه الخليج
استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط مرتبطة بحركة الإنترنت العالمية
إيران تستشهد بتجربة مصر في هذا المجال. مصر تجني حوالي 400 مليون دولار سنويا من مرور كابلات الإنترنت عبر أراضيها. الكابلات التي تربط أوروبا بآسيا وأفريقيا تمر عبر الأراضي المصرية، ومصر تشرف على حمايتها وصيانتها وتتقاضى أموالا مقابل ذلك.
لكن الخبراء الغربيين يعتبرون أن وضع مصر يختلف تماما عن وضع إيران. فالكابلات التي تمر عبر مصر تمر فعليا في الأراضي المصرية ومناطق سيطرتها. أما الكابلات التي تمر في مياه الخليج، فهي تمر في المياه الدولية، وليس في المياه الإقليمية الإيرانية. وبالتالي، ليس لإيران أي حق قانوني في فرض رسوم عليها.
أما بالنسبة لتهديد قطع الكابلات، فالتقنيات اللازمة لذلك معقدة جدا. كابلات الإنترنت البحرية محمية بطبقات عازلة سميكة، وتقع في أعماق كبيرة تصل إلى آلاف الأمتار. قطعها يحتاج إلى غواصات متخصصة ومعدات ثقيلة، وهذه التكنولوجيا غير متوفرة لدى إيران حاليا. حتى لو حصلت عليها من روسيا أو الصين، فإن العملية ستكون انتحارية لأن القوات الأمريكية تعرف مواقع هذه الكابلات بدقة، وستتعقب وتستهدف أي قوات تحاول الاقتراب منها.
لذا، يبدو أن هذا التهديد هو مجرد ورقة ضغط جديدة ضمن مجموعة الأوراق التي تستخدمها طهران للتفاوض من موقع قوة.
مارجوري تايلور جرين تهدد ترامب: ثورة سياسية إذا دخلتم بريا .
في الداخل الأمريكي، الأوضاع ليست أفضل. النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور جرين، التي كانت تعتبر من أقوى حلفاء ترامب وأكثرهم تفانيا، وجهت له تحذيرا غير مسبوق.
جرين كانت من أشد المؤيدين لترامب خلال حملات الانتخابات، وهي تنتمي لتيار "أمريكا أولا" الذي يعارض التدخل في الحروب الخارجية. هذا التيار كان يعتقد أن الرئيس السابق جو بايدن أنفق أموالا طائلة على حرب أوكرانيا بدون مبرر، وأن ترامب إذا عاد إلى السلطة فسيوقف كل الحروب ويعيد الأموال إلى الداخل الأمريكي.
لكن جرين فوجئت بأن ترامب، بدلاً من وقف الحروب، أصبح أكثر ميلا لخوضها من بايدن نفسه. ووفقا لتسريبات لموقع أكسيوس، فإن ترامب فتح جبهات في فنزويلا وإيران ويهدد الآن كوبا، والأخطر من ذلك أنه يفكر جديا في إنزال قوات برية في إيران.
جرين قالت بوضوح: "إذا أرسلت قواتنا البرية إلى إيران، فستقوم ثورة سياسية في أمريكا. سيتشكل تحالف من النواب، حتى من جماعة ماجا نفسها، لعزل الرئيس". هذا التحذير ليس مجرد تصريح إعلامي، بل هو تهديد حقيقي من شخصية مؤثرة في الحزب الجمهوري.
ولماذا تخاف جرين من الحرب البرية؟
لأنها تعلم أن الجنود الأمريكيين سيدفعون الثمن الأكبر
لأنها تعلم أن العائلات الأمريكية لن تقبل بخسائر فادحة في حرب لا تهدد الأمن القومي الأمريكي مباشرة
لأنها تعلم أن ترامب وعد ناخبيه بوقف الحروب، وخرق هذا الوعد سيكلفه الكثير
جرين ليست وحدها. العديد من المحافظين البارزين بدأوا ينتقدون ترامب علنا بسبب تورطه في حرب الشرق الأوسط. هذا يعكس شرخا كبيرا في الحزب الجمهوري بين جناح "أمريكا أولا" والجناح التدخلي التقليدي المؤيد للحروب.
ليندسي جراهام: الكونغرس يجب أن يوافق على أي اتفاق مع إيران .
على الجانب الآخر من الطيف السياسي، السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه إيران، قال إن أي اتفاق يتم التوصل إليه مع طهران يجب أن يوافق عليه الكونغرس الأمريكي.
جراهام، الذي يعتبر من حلفاء ترامب في قضايا السياسة الخارجية، يعتقد أن الرئيس لا يمكنه أن يبرم اتفاقا ملزما مع إيران دون العودة إلى الكونغرس. هذا الموقف يجد سنده في القانون الأمريكي الذي يلزم الرئيس بأخذ تصريح من الكونغرس في حال شن حرب تزيد مدتها على 60 يوما.
هذا الشرط الدستوري يضع ترامب في مأزق إضافي. فحتى لو قرر خوض الحرب، فلديه 60 يوما فقط قبل أن يضطر للعودة إلى الكونغرس لطلب تفويض باستمرارها. وإذا رفض الكونغرس، فسيضطر للانسحاب قسرا.
وبالطبع، إذا أراد ترامب توقيع صفقة سلام، فسيواجه مشكلة مماثلة. فالاتفاقيات الدولية الكبرى، وخاصة تلك المتعلقة بالبرامج النووية، تحتاج إلى موافقة الكونغرس. والكونغرس الأمريكي، في حالته الحالية، ليس متحمسا لأي اتفاق مع إيران.
70 ألف جندي: هل نحن على أبواب عملية برية؟
التقارير التي تحدثت عن وجود نحو 70 ألف جندي أمريكي في الشرق حاليا، بالإضافة إلى تحركات لقوات إنزال جوي وقوات خاصة وسفن إنزال برمائية، تثير تساؤلات جدية حول حجم الخطة العسكرية الأمريكية.
ترامب ليس بحاجة إلى كل هؤلاء الجنود إذا كان يخطط فقط لضربات جوية وبحرية. وجود قوات برية بهذا الحجم يوحي بوجود خطة لعملية برية، أو على الأقل الاستعداد لسيناريو يتطلب تدخلا بريا.
الخيارات المطروحة تشمل:
إنزال قوات خاصة لتدمير مواقع صاروخية محددة تحت الأرض
تأمين مناطق استراتيجية في حالة انهيار النظام الإيراني
إجلاء الرعايا الأمريكيين والدبلوماسيين من المنطقة في حالة نشوب حرب شاملة
لكن العملية البرية الواسعة داخل إيران تبدو مستبعدة. القيادة العسكرية الأمريكية تعلم أن إيران دولة جبلية وعرة، وسكانها يعتبرون الجيش الأمريكي عدوا محتلا، والمقاومة ستكون شرسة. الرئيس ترامب نفسه ليس لديه appetite لمثل هذه المغامرة.
ومع ذلك، وجود هذه القوات يعطي ترامب خيارات متعددة. يمكنه استخدامها كورقة ضغط، أو لتنفيذ عمليات محدودة، أو للتدخل إذا انهار الوضع. المهم هو أن البنتاغون يستعد لأسوأ السيناريوهات.
القواعد الخليجية المغلقة: مشكلة ترامب الجديدة .
واحدة من المشاكل التي تواجه ترامب حاليا هي أن بعض دول الخليج أغلقت قواعدها الجوية أمام الطائرات الأمريكية. هذا يعقد بشكل كبير أي خطة لشن ضربات جوية واسعة ضد إيران.
لماذا أغلقت الدول الخليجية قواعدها؟
خوفا من ردود فعل إيرانية مباشرة تستهدف أراضيها
ضغوطات سياسية داخلية من التيارات الرافضة للحرب
رغبة في إبقاء نفسها خارج دائرة الصراع المباشر
هذا الإغلاق يعني أن الطائرات الأمريكية ستضطر للإقلاع من حاملات الطائرات في البحر، أو من قواعد بعيدة في المحيط الهندي. هذا يقلل من عدد الطلعات الجوية الممكنة، ويزيد من أعباء التزود بالوقود جوا، ويجعل العمليات الجوية أكثر تعقيدا وتكلفة.
بعبارة أخرى، الحرب القادمة، إذا اندلعت، لن تكون بقوة وتأثير الحرب السابقة. الطيران الأمريكي سيكون مقيدا، وعدد الضربات سيكون محدودا، مما يقلل من فرص تحقيق أهداف حاسمة.
ترامب يعلن "تطورا إيجابيا" لكنه يشترط منع السلاح النووي .
وسط كل هذا التوتر، خرج ترامب بتصريحات جديدة قال فيها إن هناك "تطورا إيجابيا للغاية" في المحادثات مع إيران، وإن هناك فرصة جيدة للتوصل إلى اتفاق.
لكنه عاد ليؤكد شرطه الأساسي: "لن أرضى إلا إذا تم منع إيران من امتلاك السلاح النووي". هذا الشرط هو نقطة الخلاف الأساسية بين الطرفين، فإيران تصر على حقها في برنامج نووي سلمي، وأمريكا لا تثق في نواياها وتعتقد أن أي برنامج نووي إيراني سيستخدم عاجلا أم آجلا لصنع قنبلة.
ترامب أضاف أنه أبلغ إسرائيل بقرار تأجيل الهجوم، لمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة. هذا الإبلاغ كان ضروريا لأن إسرائيل كانت تخطط لضربة استباقية منفردة، وتريد التنسيق مع أمريكا.
لكن مسؤولا أمريكيا أكد لموقع أكسيوس أن "الرد الإيراني حتى الآن لا يحقق المطالب الأمريكية"، وأن "العرب قد يضغطون لكنهم لا يستطيعون إجبار إيران على تقديم تنازلات لم تكن مستعدة لها".
هذا التأكيد يعيدنا إلى نقطة البداية: لا صفقة قريبة، ولا ضمانات بأن التأجيل سيؤدي إلى سلام.
مأزق ترامب بين خيارين سيئين .
الخلاصة التي نصل إليها بعد كل هذه التقارير والتحليلات هي أن ترامب عالق بين خيارين سيئين للغاية:
الخيار الأول: الدخول في حرب جديدة. هذه الحرب ستكون أكثر تكلفة وتدميرا من سابقتها. إيران لديها قدرات صاروخية أكبر مما كان متوقعا، وقد تركز ضرباتها على البنية التحتية النفطية الخليجية، مما سيسبب أزمة اقتصادية عالمية. القوات الجوية الأمريكية مقيدة بسبب إغلاق بعض القواعد الخليجية. والخسائر البشرية قد تكون كبيرة. السياسة الداخلية الأمريكية منقسمة، وحتى حلفاء ترامب يهددون بالتمرد ضده.
الخيار الثاني: الانسحاب والتراجع. ترامب يمكنه إعلان النصر، أو على الأقل إعلان أن "التهديد تم احتواؤه"، والانسحاب من المنطقة. لكن هذا الخيار يعني ترك حلفائه الخليجيين والإسرائيليين في مواجهة إيران وحدهم، وسيُقرأ في المنطقة والعالم على أنه هزيمة أمريكية وتراجع عن الوعود. إيران ستخرج من الأزمة أقوى، وقد تشعر بأن الوقت حان لتصفية حساباتها.
أخطر سيناريو هو أن يفقد ترامب صبره في منتصف الحرب وينسحب فجأة. هذا السيناريو، الذي تتحدث عنه تقارير استخباراتية إسرائيلية، يعني أن أمريكا ستترك المنطقة في حالة من الفوضى، والجميع سيدفع الثمن.
التوقعات للأسبوع القادم .
الإعلام الإسرائيلي يتوقع أن تعود الحرب مع إيران خلال الأسبوع المقبل. هذا التوقع ليس مستبعدا، خاصة مع فشل المفاوضات ووصول صبر ترامب إلى نهايته.
الحرب القادمة، إذا اندلعت، ستكون مختلفة في حجمها وطبيعتها. إيران ستستخدم كل ما لديها في الأيام الأولى، والأهداف الرئيسية ستكون البنية التحتية النفطية في الخليج. دول الخليج قد تتدخل مباشرة إذا تم استهداف أراضيها بشكل كبير. أمريكا ستجد نفسها في حرب أوسع مما خططت له.
في المقابل، نجحت تصريحات ترامب الأخيرة مؤقتا في تهدئة أسعار النفط، التي كانت قد ارتفعت بشكل حاد في الأيام السابقة. السوق يفضل دائما عدم اليقين على اليقين المؤلم. لكن هذه الهدنة قد تنتهي في أي لحظة، خاصة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية نهائيا.
الختام: المنطقة على صفيح ساخن .
ما تمر به المنطقة الآن هو أخطر مرحلة منذ سنوات. الحرب والسلام يتنافسان على البقاء، والأطراف كلها تلعب أوراقها النهائية.
إيران تستعد لأسوأ الاحتمالات، وقد استعادت معظم قدراتها الصاروخية. أمريكا تلوح بالحرب لكنها تتردد في خوضها. دول الخليج تحاول إيقاف التصعيد لكنها عاجزة عن إجبار إيران على تقديم تنازلات. إسرائيل تضغط لشن ضربة استباقية. والداخل الأمريكي منقسم بشدة حول خوض أي حرب جديدة.
الجميع يترقب ما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة. هل ستنجح الدبلوماسية في اللحظات الأخيرة؟ أم أن المنطقة ستشتعل بحرب إقليمية مدمرة؟
ربما الأيام القادمة فقط هي من ستعطينا الإجابة.
نتمنى أن يحفظ الله مصر والعرب وفلسطين من شر هذه الفتن، وأن يبعد عن المنطقة ويلات الحروب.
