تراجع ترامب عن ضرب إيران في اللحظة الأخيرة: خدعة تهدئة أم تحضيرات لحرب أكبر خلف الكواليس؟
تراجع ترامب عن ضرب إيران في اللحظة الأخيرة: خدعة تهدئة أم تحضيرات لحرب أكبر خلف الكواليس؟
نكشف في هذا التحليل الحصري حقيقة تراجع دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران في اللحظة الأخيرة، ونفكك ما إذا كانت التهدئة الحالية مجرد رواية إعلامية مضللة أم جزءًا من تحضيرات عسكرية أوسع تُدار خلف الكواليس.
المقال يستند إلى تقارير رويترز وواشنطن بوست وNBC News وفورين بوليسي، ويحلل الدور الخفي لكل من السعودية والإمارات وسلطنة عُمان في تحذير واشنطن من عواقب ضرب إيران، وتأثير ذلك على قرار البيت الأبيض.
نناقش أسباب رفض ترامب لفكرة الضربة المحدودة، وكيف تفكر الإدارة الأمريكية في تغيير النظام الإيراني، ولماذا ترى واشنطن أن أي هجوم غير حاسم سيجعل إيران أكثر شراسة ويبعث برسائل ضعف لخصوم أمريكا من كوريا الشمالية إلى روسيا.
كما نتناول تحذيرات شركات الطيران من الأجواء الإيرانية، وأسرار تشويش ستارلينك داخل إيران، وتغير خطاب المسؤولين الإيرانيين، ودور روسيا في دعم طهران دون صدام مباشر مع واشنطن، ومستقبل المظاهرات الإيرانية بين القمع والتحول إلى مواجهة مسلحة.
في لحظة فاصلة بين الحرب والدبلوماسية
في يناير 2026، ومع تصاعد الحملة القمعية داخل إيران ضد المظاهرات التي اجتاحت المدن الكبرى ولا تزال تتوسع، بدا العالم على شفا انفجار عسكري محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، إثر تهديدات صريحة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالضربة العسكرية نتيجة ما وصفه بـ”القمع الوحشي للمحتجين وإعدامات جماعية”. ومع ذلك، في لحظة مفصلية، تراجع ترامب بشكل واضح عن توجيه ضربات عسكرية فورية. هذا التراجع أثار جدلاً واسعاً بين صناع القرار في واشنطن، المحللين العسكريين، الحلفاء الإقليميين، والمراقبين الدوليين الذين يتساءلون: هل توقف ترامب فعلاً عن الخيار العسكري؟ أم أن هذا ما يُقدَّم إعلامياً بينما تحت الأرض تُدار تحضيرات أخرى أكثر عمقاً؟ هذا المقال يكشف الحقيقة الكاملة وراء تلك اللحظة التاريخية، محايداً ومدعمًا بمصادر موثوقة.
لماذا يرفض ترامب فكرة “الضربة المحدودة”؟
منذ استعادته السلطة، تبنى ترامب سياسة تصعيدية تجاه إيران انسجاماً مع نهجه المعروف بـ”الحد الأقصى من الضغط”. وتبلور هذا النهج في شروط صارمة على طهران لتركيعها سياسيًا واقتصاديًا قبل أي تصعيد عسكري. لكن التصريحات الأمريكية المتكررة عن إمكانية استخدام القوة كانت غير محددة بدقة من حيث الهدف والمدة والنتائج المتوقعة:
- ترامب في أكثر من مناسبة أكد أنه يرى أن أي ضربة يجب أن تكون سريعة وحاسمة ولا تؤدي إلى حرب طويلة الأمد — وهو ما يوضح رفضه لمفهوم “ضربة محدودة” قد تجر المنطقة إلى صراع مفتوح بلا نتائج واضحة.
- خطابه تجاه إيران يمزج بين التهديد بالعقوبات الاقتصادية العميقة والسياسات غير العسكرية (مثل فرض رسوم إضافية على شركاء تجاريين) وبين استعداد لاستعمال القوة، مما يعكس تناقضات في الاستراتيجية لكنها تنبع من حسابات داخلية وخارجية في آن واحد.
الرفض لفكرة ضربة محدودة ينبع من قناعة ترامب (ومستشاريه) بأن استهداف محدود قد يظهّر إيران أضعف مما هي عليه، وقد يزيد من رغبتها في الانتقام عبر وكلائها في المنطقة (حزب الله، الحوثيون، فصائل عراقية)، وهو ما من شأنه أن يعمّق الصراع بدل حسمه.
كيف يفكر البيت الأبيض في تغيير النظام الإيراني؟
رغم نفي بعض المسؤولين الرسمي أن هدف واشنطن هو “تغيير النظام”، فإن خطاب واشنطن وبيانات بعض كبار المسؤولين تفتح الباب لتفسيرات أوسع:
- في يونيو 2025، أظهرت تصريحات مسؤولين في البنتاغون وإدارة ترامب أنه في سياق الضربات الأمريكية لمواقع نووية إيرانية سابقة، طرحت واشنطن فكرة “تغيير القيادة” كخيار غير معلن. إلا أن القيادة الأمريكية الرسمية نفت أن تكون الهدف الأساسي هو الإطاحة بالنظام، واعتبرت أن الاستهداف يركز على برنامج إيران النووي.
- لكن التحولات الراهنة تستند إلى ضغوط داخلية أميركية لإضعاف النظام الإيراني بسبب القمع الدموي للمظاهرات وعدم استجابته لضغوط أمريكية دبلوماسية واقتصادية. وهذا يشير إلى أن خيار تغيير النظام — أو على الأقل تحييده كقوة إقليمية مؤثرة — قد تم بحثه بعمق داخل دوائر صنع القرار، وإن لم يُعلن صراحة.
البيت الأبيض يواجه معضلة حقيقية: كيف يحقق أهدافه الاستراتيجية ضد إيران دون أن يتحول صراع محدود إلى حرب واسعة مع عواقب غير محسوبة.
هل أمريكا فعلاً تراجعت أم تؤجل الضربة فقط؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للخلاف. التحليل يوضح أن التراجع ليس هروباً من المواجهة، بل هو تكتيك استراتيجي مؤقت قائم على حسابات سياسية وعسكرية دقيقة:
نقاط تدعم أن التراجع حقيقي:
- أعلن ترامب أن القتل داخل إيران توقّف وأنه تلقى معلومات بأن عمليات الإعدام أُلغيَت مؤقتًا — وقد استند إلى ذلك لتخفيف لهجته وتصريحات الحرب.
- الولايات المتحدة بدأت بـ انسحاب بعض القوات والمعدات من قواعد حساسة في المنطقة كإجراء احترازي يدل على خفض مستوى التهديد المباشر.
- نصح حلفاء إقليميون مثل السعودية وقطر وعُمان بعدم التصعيد، مؤكدين أن هجوماً أمريكياً قد يزعزع الاستقرار ويجر المنطقة لحرب شاملة.
ومع ذلك، الدلائل على عدم تراجع نهائي:
- البيت الأبيض أكد أنه لا يزال مستعدًا لاستخدام القوة إذا دعت الحاجة، وأن الدبلوماسية لا تلغي خيار الضربة بالكامل.
- تراجع ترامب الآن قد يُقرأ كاستراتيجية “تأجيل الضربة للضغط على إيران وجعلها تبدو كمن يظل الخيار العسكري قائماً”، وهو أسلوب تكتيكي في السياسة الخارجية الأمريكية.
- استمرار وجود خيارات عسكرية مطروحة على الطاولة (عقوبات إضافية، تنفيذ ضربة مستقبلية أكبر، هجمات إلكترونية، حملات “نفوذ” إعلامي) يشير إلى أن القرار لم يُلغَ، وإنما تُركت الاحتمالات مفتوحة أمام ترامب وفريقه الأمني.
إذن، لا يعتقد العديد من المحللين أن الولايات المتحدة قد تخلت نهائياً عن فكرة الضربة، بل إنها بالغة الحذر في توقيتها وأهدافها.
لماذا تحذر شركات الطيران العالمية من الأجواء الإيرانية حتى فبراير؟
تحذيرات شركات الطيران العالمية من التحليق في الأجواء الإيرانية حتى فبراير تأتي في سياق زيادة المخاطر الأمنية بعد التهديدات العسكرية المتبادلة:
- إغلاق مؤقت للفضاء الجوي الإيراني حدث بعد تهديدات متبادلة، ما دفع بعض شركات الطيران لإعادة توجيه رحلاتها أو تعليقها تحسبًا لأي خطأ أو حادث مفاجئ.
- سابقاً في صراعات عسكرية مشابهة (مثل إسقاط طائرة ركاب في 2021 وفوق العراق وإيران)، أثارت المخاطر الأمنية موجات تحذير واسعة من شركات الطيران الكبرى، ما يوضح حساسية الأجواء في المنطقة وأهمية السلامة قبل حسابات سياسية أو عسكرية.
هذا يعني أن التحذير ليس فقط بسبب التهديد الأمريكي، بل لكافة المخاطر المتعلقة بقدرات الدفاع الجوي الإيراني، والحوادث غير المقصودة في أجواء مضطربة.
ما سر تغير خطاب وزير الخارجية الإيراني على فوكس نيوز؟
التغير في خطاب وزير الخارجية الإيراني، الذي بدا أكثر مرونة على بعض المنصات الإعلامية الغربية، يمكن تفسيره بعدة عوامل:
- رسالة دبلوماسية غير مباشرة: إيران تحاول تقليل التصعيد إعلاميًا حتى لا تبرر واشنطن أو حلفاؤها غطاءً لضربة عسكرية، مستغلة لغة أكثر اعتدالاً أمام الجمهور الغربي.
- إدارة توقعات داخلية وخارجية: إيران تريد أن تظهر أنها جهة راغبة في التفاوض حتى لو استمرت في القمع داخلياً، الأمر الذي يشكل صدمة في قراءة السلوك الدولي.
- خطاب أكثر مرونة على فوكس نيوز وغيره قد يكون جزءًا من استراتيجية إعلامية مضادة للاتهامات الغربية بأنها نظام معزول لا يقبل الحوار.
كيف ساعدت روسيا إيران دون الدخول في صدام مباشر مع أمريكا؟
روسيا لعبت دوراً معقداً في هذه الأزمة:
- موسكو لم تتجه إلى دعم عسكري مباشر لإيران ضد التهديد الأمريكي، لكنها أشارت بوضوح إلى أن تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الإيرانية سيكون خطاً أحمر خصوصاً في الشكل العسكري الواسع.
- روسيا تحافظ على علاقاتها مع طهران كموازٍ لاستراتيجياتها في مواجهة الهيمنة الأمريكية في مناطق أخرى (أوكرانيا، الشرق الأوسط). وهذا يعزز موقف إيران كحليف غير مباشر ضد الضغوط الأمريكية.
- هذه السياسة الروسية لا تُظهر دعمًا عسكريًا مباشراً، بل دعم سياسي واقتصادي واستراتيجي أوسع، مع الالتفاف حول الصدام المباشر مع واشنطن تجنباً لفتح جبهات جديدة.
بالمختصر، روسيا لا تريد أن تدخل في حرب أميركية مباشرة، لكنها تؤازر إيران بوصفها شريكة استراتيجية ضد النفوذ الأمريكي.
التقنيات الخطيرة المستخدمة في قطع وتشويش ستارلينك داخل إيران
تقارير موثوقة تشير إلى أن النظام الإيراني استخدم أجهزة متطورة لتعطيل تشكيلة Starlink للاتصالات داخل البلاد:
- هذا يندرج ضمن حرب إلكترونية أكثر من كونها تقليدية؛ إيران وعدّة دول أخرى طورت قدرات تشويش إلكتروني متقدمة لإيقاف أو تشويه الاتصالات، وهو ما يشكل جزءًا من الصراع الناشئ بين الدول والمنظمات.
- هذه التقنيات قد تُستخدم ليس فقط ضد الإنترنت المدني وإنما ضد شبكات الاتصالات العسكرية أو الأقمار الصناعية الحيوية في سيناريوهات الحرب.
هذا يعكس تحولًا في ساحة الصراع من مجرد “تهديدات عسكرية” إلى حروب تكنولوجية وسيبرانية معقدة.
هل انتهت المظاهرات أم تحولت إلى مواجهة مسلحة؟
المظاهرات في إيران بدأت كمطالب اقتصادية أو حقوقية، لكنها تحولت تدريجيًا إلى مواجهات عنيفة ضد النظام. تقارير فرق متعدّدة تشير إلى:
- تراجع الحراك في بعض المدن بسبب القمع الشديد، لكن جزءًا من الاحتجاجات يميل الآن إلى تحول أشمل في مواجهة النظام نفسه.
- السلطة الإيرانية فرضت رقابة على الإنترنت وتهديدات واسعة على المتظاهرين، مما دفع البعض للاعتقاد بأن المواجهة دخلت مرحلة أكثر عنفًا من كسر الاحتجاجات.
إن فهم التحول من مظاهرات سلمية إلى مواجهة أكثر تعقيداً مع النظام هو مفتاح لفهم لماذا واشنطن تفكر مليًا قبل استثمار قوة عسكرية تقليدية في سياق داخلي ممزق.
ضعف النظام الإيراني مقارنة بفترة اغتيال سليماني وتأثير ذلك على حسابات واشنطن
بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، بدا النظام الإيراني أكثر تماسكاً عن الماضي بسبب عدّة عوامل:
- التجمعات الإقليمية التي يدعمها (حزب الله، الحوثيون) كانت قوة ردع في المعارك غير المباشرة.
- مع ذلك، التصعيد الداخلي الحالي كشف هشاشة النظام أمام صدمة الاحتجاجات الجماهيرية، لكن هذا لا يعني أنه ضعيف عسكرياً خارجياً.
- واشنطن ترى أن أي ضربة غير حاسمة قد تحفز إيران على استخدام وكلائها أو قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة بطريقة أكثر شراسة.
من هنا جاء حرص أمريكا على عدم الانجرار إلى صراع مفتوح، لأن ردود الفعل الإيرانية في الماضي أثبتت أنها قد تكون أكثر عدوانية مما تتوقع واشنطن.
هل التهدئة الحالية مجرد رواية إعلامية مضللة؟
الإجابة المعقدة هي: جزء من التهدئة الحالية حقيقي — لكنه مشروط ومؤقت.
هناك مؤشرات على تراجع لهجة ترامب مؤقتًا بسبب ضغط الحلفاء الإقليميين والمخاوف من الحرب الإقليمية.
إيران أعلنت توقف تنفيذ الإعدامات كرسالة دبلوماسية لتخفيف التوتر.
لكن
لا يزال البيت الأبيض يصرح باستمرار أن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة على الطاولة.
الدبلوماسية الآن تخدم هدفًا تكتيكيًا: شراء الوقت، وضع إيران تحت مراقبة دولية أشد، وضع قواعد لمعاقبتها اقتصاديًا إذا لم تستجب.
لذلك، فإن بناء الرواية الإعلامية الحالية ليس خادعًا بالكامل، لكنه جزء من لعبة سياسية وعسكرية أوسع حجمًا وأكثر تعقيدًا.
خاتمة: ماذا تعني الأزمة بالنسبة للمنطقة والعالم؟
الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران ليست مجرد مواجهة عابرة، بل تمثّل اختباراً لقدرات السياسة الخارجية الأميركية، لردع إيران دون إشعال حرب إقليمية، وفي حدود متطلبات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة نفسها.
كما أنها تظهر قوة وتأثير اللاعبين الإقليميين (السعودية، الإمارات، عُمان، تركيا) في كبح جماح التصعيد، إطلاقًا لدبلوماسية بديلة عن المواجهة.
هذا التوازن الهش بين الحرب والسلام، بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي، بين العلني والخفي في الاستراتيجيات، هو ما يجعل القضية الإيرانية في 2026 من أهم الملفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والعالم.
مصادر .
- Trump says Iran has told him 'killing has stopped' as he pulls back from strike threats — The Guardian.
- Four Arab states urged against US-Iran escalation — Reuters.
- Middle East governments believe US-Iran tension 'de-escalated' — Financial Times.
- White House signals readiness to use military force if necessary — The Guardian.
- Iran reopens airspace after Trump says crackdown eased — Washington Post.
- U.S. policy background on Iran tensions — Congressional Research Service.
- Historical US strikes and implications — Foreign Policy.
إقرأ أيضًا :
قطر على حافة الحرب: ترامب يرفع إصبعه عن الزناد… هل اقتربت ليلة سحق إيران وإعادة رسم الشرق الأوسط؟
تحالف عسكري جديد تقوده السعودية وباكستان وتركيا: هل يتغير ميزان القوة الإقليمي؟ وماذا عن مصر؟

تعليقات
إرسال تعليق