تحالف عسكري جديد تقوده السعودية وباكستان وتركيا: هل يتغير ميزان القوة الإقليمي؟ وماذا عن مصر؟
تحالفات المملكة العربية السعودية العسكرية مع باكستان وتركيا: إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط وانعكاساتها على مصر والمنطقة.
تحليل سياسي شامل يرصد التحالف العسكري المتصاعد بين السعودية وباكستان مع احتمالات انضمام تركيا، وتأثير هذا التحالف على ميزان القوى في الشرق الأوسط، والأمن القومي المصري، وتطورات غزة والسودان والبحر الأحمر. قراءة معمقة تكشف الأهداف الخفية، التناقضات الداخلية، وسيناريوهات الصراع الإقليمي في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية وتحولات النظام الدولي.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة التحالفات الصلبة.
لم يعد الشرق الأوسط يتحرك وفق منطق المحاور التقليدية فقط، بل بات يشهد ولادة تحالفات عسكرية مرنة، غير معلنة رسميًا، لكنها فعّالة ميدانيًا، وقابلة للتوسع السريع وفق تطورات الأزمات. في هذا السياق، يبرز التحالف العسكري المتنامي بين المملكة العربية السعودية وباكستان، مع مؤشرات قوية على انضمام تركيا، كأحد أخطر التحولات الجيوسياسية في المنطقة منذ أكثر من عقد. هذا التحالف لا يقتصر تأثيره على ساحات الصراع المباشر مثل السودان أو الخليج، بل يمتد ليطال الأمن القومي المصري، وتوازنات شرق المتوسط، ومعادلات الحرب والسلم في غزة والقرن الإفريقي.
ما يميز هذا التحالف أنه لا يقوم على إعلان سياسي صريح أو معاهدة دفاع جماعي معلنة، بل يتشكل عبر صفقات تسليح، وتنسيق استخباراتي، وتفاهمات أمنية عميقة، ما يمنحه هامش إنكار سياسي، وقدرة عالية على المناورة، ويجعله أكثر خطورة وتأثيرًا من التحالفات التقليدية.
أولًا: التحالف السعودي–الباكستاني… جذور تاريخية تتجدد في لحظة إقليمية حرجة
العلاقة العسكرية بين السعودية وباكستان ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى عقود طويلة، قامت خلالها باكستان بدور الضامن غير المعلن لأمن المملكة، مقابل دعم مالي واستثماري سعودي مستمر. هذا التعاون تعزز بعد التجارب النووية الباكستانية في أواخر التسعينيات، حيث باتت الرياض تنظر إلى إسلام آباد باعتبارها مظلة ردع استراتيجية غير مباشرة في مواجهة أي تهديد وجودي.
في السنوات الأخيرة، عاد هذا التحالف إلى الواجهة بقوة، خاصة مع تصاعد التوتر مع إيران، وتراجع الثقة السعودية في المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية. وقد تُرجم هذا التقارب عبر صفقات تسليح نوعية، أبرزها صفقة تقدر بنحو 4 مليارات دولار شملت مقاتلات JF-17 Thunder، وطائرات مسيّرة هجومية واستطلاعية، وذخائر ذكية، وتقنيات حرب إلكترونية.
رغم الإعلان عن هذه الصفقات باعتبارها لتعزيز القدرات الدفاعية السعودية، كشفت تقارير غربية أن جزءًا معتبرًا من هذه الأسلحة وُجّه فعليًا لدعم الجيش السوداني في صراعه ضد قوات الدعم السريع، ما يعني أن التحالف دخل مرحلة الفعل الميداني، وعلى مقربة مباشرة من الحدود الجنوبية لمصر.
مصادر تحليلية:
ثانيًا: السودان كنقطة اختبار أولى للتحالف الجديد
يُعد المسرح السوداني أول اختبار عملي لهذا التحالف. فالسعودية ترى في استقرار السودان عمقًا استراتيجيًا لأمن البحر الأحمر، وباكستان تمتلك خبرات طويلة في دعم الجيوش النظامية في النزاعات الداخلية، بينما تمثل المعركة ضد قوات الدعم السريع نموذجًا لحرب استنزاف غير تقليدية.
دعم الجيش السوداني لا يهدف فقط إلى حسم الصراع داخليًا، بل إلى منع تمدد قوى إقليمية منافسة، وعلى رأسها إيران وتركيا (قبل دخولها المحتمل في التحالف)، وكذلك تقليص نفوذ روسيا عبر مجموعة فاغنر سابقًا. بالنسبة لمصر، يثير هذا التطور قلقًا مزدوجًا؛ فمن ناحية يساهم في دعم الجيش السوداني، وهو ما يتقاطع جزئيًا مع المصالح المصرية، ومن ناحية أخرى يتم خارج أي تنسيق استراتيجي معلن مع القاهرة.
ثالثًا: باكستان والسلاح النووي… ردع غير معلن يعيد تشكيل المعادلة
أخطر أبعاد التحالف السعودي–الباكستاني يتمثل في البعد النووي. فامتلاك باكستان للسلاح النووي يمنح السعودية مظلة ردع استراتيجية غير رسمية، دون أن تضطر الرياض لإعلان امتلاك أو استضافة هذا السلاح. هذه المعادلة تخلق توازن رعب جديدًا في مواجهة إيران، وتحد من قدرة طهران على استخدام التصعيد العسكري المباشر.
هذا الردع غير المعلن يعيد رسم موازين القوى في الخليج، ويمنح السعودية هامش حركة أوسع في ملفات إقليمية حساسة، من اليمن إلى البحر الأحمر. لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي غير معلن، قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على أمن المنطقة.
رابعًا: تركيا على خط التحالف… من الخصومة إلى الشراكة المشروطة
دخول تركيا المحتمل على خط هذا التحالف يمثل التحول الأكثر تعقيدًا. فأنقرة تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطورًا في المنطقة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، والقوة البحرية. كما أن تجربتها في سوريا، ليبيا، وأذربيجان، تمنحها خبرة قتالية متنوعة.
التقارب السعودي–التركي جاء بعد سنوات من التوتر، خاصة عقب أزمة مقتل جمال خاشقجي، لكنه تسارع بفعل المتغيرات الإقليمية، والحاجة المتبادلة لإعادة تموضع استراتيجي. تقارير دولية أشارت إلى أن المفاوضات بين الرياض وأنقرة وصلت إلى مراحل متقدمة تشمل تعاونًا استخباراتيًا، وتنسيقًا في ملفات البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
مصادر:
خامسًا: تناقضات داخلية تهدد تماسك التحالف
رغم القوة الظاهرة لهذا التحالف الثلاثي المحتمل، فإنه يعاني من تناقضات بنيوية حادة. تركيا تختلف جذريًا مع السعودية في ملفات مثل دعم جماعة الإخوان المسلمين، والموقف من ليبيا، والعلاقة المعقدة مع إسرائيل. كما أن انضمام أنقرة قد يجرها إلى صدامات لا ترغب فيها، سواء مع إيران أو ضمن صراع باكستاني–هندي محتمل.
هذه التناقضات تجعل التحالف أقرب إلى شراكة مصالح مؤقتة منه إلى حلف استراتيجي طويل الأمد، ما يفرض حدودًا على قدرته على التحرك الموحد في كل الملفات.
سادسًا: مصر أمام معادلة بالغة التعقيد
بالنسبة لمصر، يضع هذا التحالف القاهرة أمام خيارات صعبة. فمن ناحية، تحتاج مصر إلى مظلة ردع إقليمية في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية بعودة الحرب في غزة، ومحاولات فرض سيناريو التهجير القسري إلى سيناء. كما أن تطورات السودان والقرن الإفريقي تمثل ضغطًا مباشرًا على الأمن القومي المصري.
ومن ناحية أخرى، فإن الانخراط الرسمي في هذا التحالف قد يجر مصر إلى صراعات لا تتوافق مع عقيدتها الاستراتيجية، مثل التورط في النزاعات السورية أو الليبية، أو الإضرار بعلاقاتها الحيوية مع اليونان وقبرص في ملفات غاز شرق المتوسط.
مصر هنا تميل إلى سياسة التوازن الذكي: التعاون غير المعلن، دون الانضمام الرسمي، والحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف.
سابعًا: غزة وإسرائيل… العامل المسرّع للتحالفات
تزامن هذه التحولات مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية بعودة الحرب في غزة يمنح التحالف بعدًا إضافيًا. إسرائيل ترى في أي إعادة تموضع إقليمي تهديدًا مباشرًا، خاصة إذا تضمن تقاربًا سعوديًا–تركيًا–باكستانيًا قد يحد من هامشها العسكري.
بالنسبة لمصر، يمثل أي تصعيد في غزة تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، ويجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية جديدة.
خاتمة: تحالفات مرنة في إقليم على حافة الانفجار
التحالف السعودي–الباكستاني، مع احتمال انضمام تركيا، يعكس مرحلة جديدة من السيولة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث تتحرك الدول وفق منطق المصالح المتغيرة لا التحالفات الثابتة. هذا التحالف يحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد، وقد يعيد رسم خريطة القوة في المنطقة إذا ما تطور إلى إطار مؤسسي أكثر وضوحًا.
بالنسبة لمصر، يبقى التحدي الأساسي هو الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي، مع الاستفادة من التحولات الجارية دون الانزلاق إلى صراعات استنزافية. وفي إقليم تتسارع فيه الأحداث، تبدو السنوات القادمة مرشحة لمزيد من إعادة التشكل، حيث لا مكان للثبات، ولا ضمانات دائمة لأي تحالف.
إقرأ أيضًا :
إيران على حافة السقوط"إيران على حافة الانهيار: الشعب يكسر رموز الثورة ويطيح بمقدسات خامنئي!"
لماذا لم تنتهِ الحرب الباردة؟ كيف أعادت روسيا وأمريكا العالم إلى منطق الصراع
من مصادرة ناقلة نفط إلى حافة الحرب النووية: كيف أشعل “أسطول الظل” مواجهة بحرية بين أمريكا وروسيا؟
غزو جرينلاند: كيف قررت أمريكا كسر الناتو واحتلال جزيرة حليف باسم الأمن القومي؟

تعليقات
إرسال تعليق